{الفصل الثاني: فقط اهربي}

{الفصل الثاني: فقط اهربي}

20 0

تلك اللحظات التي لا يسع الإنسان إلا أن يشعر فيها بالعجز، وانعدام القدرة على الفهم. حين يلف الغموض كل شي من حولنا لدرجة أننا نتساءل عن سبب وجود النجوم بجانب القمر في السماء.

كانت لحظات جميلة رغم قسوتها.

كانت كادري تتساءل دائمًا عن معنى اللحظات التي يمسك فيها القدر بأعصابنا. ترى الجميع يواجهون مقاديرهم أو يتقبلونها، بينما تُطل هي بصمت من خلف نافذة منزلها؛ حيث كانت تصارع الروتين كل يوم.

لكنها لم تتخيل يومًا، حتى في أجمح أحلامها، أنها ستكون في صف القدر، تحرك لعبته من الخلف، من كواليس المسرح.. حيث لا مجال للألغاز غير المحلولة.

في تلك اللحظة، امتزج الخوف والرعب بالفضول والحماسة في داخلها. رغم ذلك، استمرت الساعة بالدق، والوقت بالركض، وكان صاحب الشعر الأبيض يبتسم بغرابة لها.

"هل اتفقنا؟"

كان هذا ما قاله بعد لحظة صمت طويلة منها، بدت فيها تحاول ترتيب البيانات والصدمات الجديدة داخل رأسها، أو ربما.. تستشعر طعم الخوف فقط وهي ترتجف في مكانها. هو تحدث.

"معلومة لكِ، لا أملك الكثير من الوقت أصلًا حتى أضيعه، لذلك أسرعي وامنحيني جوابك"

بدا وكأنه يفقد صبره مع استمرار صمتها الظاهري، إلا أنها بدا عليها الفهم قليلًا حين بدأت تستجيب وترد بصوت مرتجف وتنفس ضيق.

"ما أنت؟ أعني.. أنت ماذا؟ أه.. لماذا.."

واصلت التعثر في كلماتها الضعيفة، التي جعلت من الدمية تضحك بخفوت ساخر، بينما تخفض عينيها ببطء، نحو ركبتيّ كادري المرتجفتين.

"ماذا تريد مني؟!"

صاحت كادري بمزيج غضب وعدم راحة، تتشبث بحاشية قميصها البرتقالي القصير. فكرت أنه كان من الممكن للدمية أن تنقض عليها بالسكين في تلك اللحظة، حيث كادري ضعيفة وغير مؤهلة للتفكير بحل سريع، لكنها لم تفعل. ربما هي غير مؤذية؟

"لن أخبرك قبل أن نلعب"

أجابت الدمية بصرامة، رغم أنها كانت تتأرجح للأمام والخلف وهي جالسة على ظهر الأريكة، وكأنها مستعدة للقفز، وتشحذ سكينها بوهمية في الهواء.

رفعت كادري حاجبيها، وبدأت تهدأ قليلًا، رغم أن الكثير من الأفكار التي كان محتواها "هذا حلم" دارت ودارت كالإعصار الهادئ داخل رأسها. تراجعت خطوة، تصنع مسافة أمان عن هذه الظاهرة الغريبة، وسألت..

"أي لعبة تقصد؟"

ارتفعت عيون الدمية باهتمام حين لاحظت تقبل كادري، وأصدرت شخرة صغيرة مستمتعة، تساءلت عنها كادري ما إن كانت مقصودة أم عفوية.

"هكذا أريدك، مرنة وسريعة الاستجابة"

منحتها الدمية نظرات أب فخور، وتوقفت عن أرجحة جسدها. كانت تحركاتها تبدو بريئة وظريفة بالنسبة لأسلوب حديثها ونظرات عينيها البرتقالية المريبة. أضافت بينما تصفق بأصابعها؛ وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا.

"آه، وبالمناسبة، اسمي سيلدي. قد يبدو الاسم مدللًا وأنثويًا. لكن صدقيني، أنا رجل.. رجل محترم وذو مبادئ"

أصدر بعدها المدعو سيلدي ضحكة خشنة رنت في رأس كادري، فارتجفت أسنانها الطويلة على شفتها السفلية، وتحولت مفاصلها إلى الأبيض حين شددت قبضتها على قميصها.

"أخبرني فقط عن أي لعبة تتحدث!"

ارتفع صوتها، يفضح توترها وقلة صبرها التي لا يبدو أنها تنوي التراجع عنهما. فبعد كل شيء، هي لم تكن مستعدة لخوض نقاش خيالي مع دمية بسكين، حتى إن كانت تعلم أنها تكره الروتين الذي غلّف حياتها منذ زمن طويل.

إلا أن سيلدي، على عكس تعجله السابق، بدأ في أخذ الأمور بروية قليلًا، حين حرك عينيه جانبًا نحو الباب المؤدي للمطبخ، الذي يبدو أنه يهتز بخفة؟ ثم أعاد أنظاره إليها وابتسم.

"ما رأيك أن أصنع لك وجبة صغيرة؟ الفطائر؟ إنها الشيء الوحيد الذي أجيده". وكأنه يحب الضغط عليها هكذا، واختبار تأثيره عليها.

"فقط تحدّث بحق الجحيم!"

هي تذمرت بنبرة مرتجفة، وكأنها ستبكي في أي لحظة ان لم ينتهي هذا الحوار التافه. لم تتردد في لحظة انفعال في الاقتراب من الدمية، لكنه..

"أء- أء- آه!"

هدد بلطف بسبابته الصغيرة وهو يقفز للأمام عن ظهر الأريكة، جاعلًا من كادري تهرول ثلاث خطوات للخلف وهي توسع عينيها قليلًا، فضول أكثر من كونه خوف، بينما تراجع هو خطوتين.

"لا تقتربي مني"

عندما اختلطت كلماته الهادئة لكن الغاضبة بصراخ الرعد الهائج من الخارج، انتفضت أكتاف كادري مع شهقة صغيرة مرت من بين شفتيها، وزاد عبوسها أكثر.

"أنت تلعب بأعصابي" نبرتها انخفضت، تركز بعينيها البنيتان على مظهر الدمية العجيب.

"دعكِ من كل هذا، ولنبدأ اللعبة"

أظلمت نظراته، مُحمَّلة بالجدية الآن، على عكس سخريته قبل دقائق. وبينما يبقي نظراته تلك على عينيها المرتبكتين، رفع سكينه وحشره في الجيب الداخلي لسترة بذلته، التي كانت مخملًا بنفسجيًا ذات رقبة عالية، ومزخرفة برسومات الشمس الصفراء، ثم صفق بأصابعه.

"قوانين اللعبة بسيطة"

هو قال. أقسمت كادري أنها لاحظت في أثناء حديثه أن عينيه تلمعان بضوء برتقالي خافت، ورائحة الشمع المحترق تملأ المكان، كعبير ينذر بخطر يزحف صامتًا من أحد أركان الغرفة.

"لديكِ عشر دقائق بلا زيادة أو نقصان حتى نهاية اللعبة. كل ما عليك فعله هو النجاة مني، دون أن تقعي في فخ سكيني. وما عليّ فعـ.."

قاطعته كادري.

"سـ سكين؟ تريد قتلي حقًا؟!"

سرعان ما عادت عينيها ترتعش. ما أسرع شعورها بالخوف! لدرجة أن الحيرة بدت واضحة على ملامح سيلدي الغامضة، ثم تنهد.

"لا، يجب عليكِ فقط ألا تسمحي لي بامساكك، وتوجيه السكين نحوك، إلا أنني لا أنوي قتلك"

حقًا؟ هل عبّرت هذه الدمية المريبة للتو عن نواياها بوضوح؟ كان هذا احتمالًا مستحيلًا بالنظر لوضعه، هذا ما فكرت به كادري، إضافة إلى أن عليها مواصلة توخي الحذر منه، فلربما هو يكذب ليكون القبض عليها أسهل حين تسترخي.

لكن سيلدي واصل شرح لعبته بصوت مستقيم وهادئ، وبطيء، بحيث تلعب كل كلمة بأعصاب كادري المتعبة.

"بينما سيكون عليكِ الهرب مني، سيكون دوري أن أحاصرك في وضع حيث لا تتوفر لديك أي قدرة على الفرار"

ثم سحبت ابتسامة ماكرة زوايا شفتيه البلاستيكية ببطء، تزامنًا مع صوت الرياح الغريب الذي مرّ من النافذة المفتوحة على اليمين.

"لكن أعدكِ، سيكون فوزكِ احتمالًا ضعيفًا. فكما تعلمين، أو ربما لا، أنا أكبر من أن أفصح عن كل أوراقي دفعة واحدة"

ضحك، ثم استأنف. "لا تقلقي، بمجرد أن تنتهي العشر دقائق، ستكونين حرة، وسنعرف بعدها ما سيحدث"

استدار سيلدي معطيًا ظهره إياها، ويبدو أنه أخرج شيئًا من جيب بذلته، وحدق به لبعض الوقت في صمت، بينما كادري خلفه تشعر بقلبها يؤلمها، لكنها أكثر اهتمامًا الآن.

"ماذا لو أنا خسرت؟"

هي تمتمت بحذر، وكأنها تخشى معرفة الإجابة على سؤالها، لعله يكون خطيرًا أو مخيفًا. كان إحساسها بالأرض تحت أقدامها زائفًا تقريبًا، فحينًا تشعر بأنها تهتز، وحينًا آخر تشعر بالثبات الشديد؛ وكأن عقلها يتمرد ضد ما قاله سيلدي للتو عن حتمية خسارتها.

استدار سيلدي نحوها، وتبين أنه يحمل ساعة جيب فضية صغيرة مفتوحة الغطاء في يده اليسرى، وينظر نحو كادري بحاجب مرفوع، عابس تقريبًا.

"ظننت أنني أخبرتكِ سابقًا عن ما سيحدث بعدها" ثم تنهد ولوح بيده التي يحمل بها الساعة بخفة. "لا يهم، سأخبركِ مجددًا بعد انتهاء اللعبة. والآن، هلّا نبدأ؟ تعلمين، عليكِ الهرب مني جيدًا إن أردتِ الفوز"

ابتسم شكل غريب، خبيث تقريبًا. "لاشيء معقد، فقط اهربي". لكن هذا كان الجزء الأكثر إخافة، رغم بساطته، مستحيل تقريبًا. فكرت هي، بل أيقنت، أنه لن يجعل اللعبة بسيطة كما يقول، قطعًا، خصوصًا أنه ذكر شيئا عن بطاقاته المخفية توًا.

كان يتجاهلها لبضع ثوانٍ، انشغل فيها بمراقبة ساعته اليدوية، ثم ضغط بابهامه البلاستيكي على الزر أعلى الساعة. "حسنًا، هل أنتِ مستعدة الآن؟"

كان يبدو أنه أوقف الساعة، ويبدو أنه ينوي استخدام ساعته الكلاسيكية كمؤقت ذاتي؛ عبر عد الثواني بنفسه. بدأت أعين كادري تنطلق بسرعة حولها، ثم ركضت نحو الغرفة.

كانت تشعر في طريقها نحو الغرفة أن شيئًا غريبًا حدث بالمنزل، أصبح أكثر ظلمة؟ لا، إذن أوسع؟ لالا. مهلًا، كان الممر أطول من العادة!

"إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة!"

عاتب بغضب، وبدأ يتحرك، على وشك اللحاق بها، لكنها عادت بخطوات سريعة بينما ترتدي معطفها الأسود الطويل. رفع سيلدي حاجبه. "إلى أين؟"

كرر، وبدا أنه يتوقع إجابتها حين ابتسم مستمتعًا مع لمحة سخرية، فأجابت كادري سريعًا بعد أن ارتدت معطفها وهي تعدل أكمامها. "إلى الخارج. أليس هو المكان الأكثر أمانًا إن كنتُ أنوي الهرب منك؟"

"أوووههوهو! لا يا عزيزتي، لن تخرجي عن حدود هذا المنزل. لا نريد أن يرانا الناس ونحن نتراكض في الشوارع"

ضحك بخفوت، وابهامه الصغير يتحسس وجه ساعة جيبه ببطء، رغم أنه يبقي عينيه البرتقاليتين مثبتتين عليها؛ وكأنه متحمس لسماع إجابتها ورؤية رد فعلها.

"لـ لكن كيف؟! منزلنا صغير، لا شيء سوى ثلاث غرف، وهي قطعًا مساحة غير مناسبة للهرب أو الاختباء أو أيًا كان!"

أجابته بنفاذ صبرها المعتاد، الذي اختلط الآن بشيء من الذعر حين أدركت أن ملجأها -الشارع- قد اختفى من هذه اللعبة غير العادلة، كما تظن هي. لكنها اعترفت بداخلها أنها انجذبت قليلًا لخوض هذه اللعبة.

رغم ذلك، هي استطاعت أن تشتم رائحة غريبة تفوح منه، وتبدو أوضح كلما اقتربت. رائحة تشبه الشمع مع الجلد والدهون والأنسجة المحترقة، رائحة تبدو كريهة، مدخنة وحارة جدًا. ألم يكن من المفترض أن تفوح رائحة البلاستيك أو حتى العطر من دمية؟

قاطعها سيلدي الذي رفع يده بخفة لها، وكأنه يحاول جذب انتباهها، فأخفضت نظرها إليه، وبدا عدم الارتياح أوضح على تعابيرها.

"هاه، هل نبدأ؟". هو سأل بابتسامة صغيرة.

باستسلام محبط، بدأت بخلع معطفها الطويل، وزفرت لتخفف تسارع نبضات قلبها المترقب وهي تجيبه "نعم". تمامًا في نفس الثانية التي ضغط سيلدي فيها زر ساعته، وبدأت الثواني تتحرك، لتعلن عن بدء اللعبة.

اللعبة التي ستتحكم بما سيحدث بعدها من أحداث.

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة