{الفصل التاسع: الروح المعجزة}

{الفصل التاسع: الروح المعجزة}

19 0

⚠️ تنويه: ما سيرد في هذا الفصل حول قصة الروح المعجزة هو خيال محض لدعم أحداث الرواية، ولا يمتّ لأي نصّ ديني أو كتاب سماوي بصلة. كل ما يُحكى هنا ليس إلا عالمًا متخيلًا لا يُقصد به تحريف أو صناعة حقائق دينية.

.

..

...

عندما كانت كادري تبلغ من العمر خمس سنوات، اعتادت جدتها، والدة أبيها، سرد حكايات خيالية وغامضة لها؛ قصصًا عن الكائنات السماوية والحرب المستمرة خلف الغيوم.

في إحدى قصصها، في مزرعة عائلة والدها، في يوم بارد من نهاية شهر فبراير، حيث الثلج يغطي العشب والماشية كبساط رقيق سحري، قررت الجدة أن تكلّم كادري عن قصة نضال الشياطين والملائكة حول الروح المعجزة، وتأثيرها.

حيث قالت: "أحضري يا فراولتي الحلوة مشروب الشوفان الذي تحبينه، ووشاحك الزهري اللامع، واستأذني والدتكِ لنخرج ونجلس قرب الأرجوحة هناك؛ حيث سأخبركِ عن أفضل قصة ستسمعينها".

فهَمّت الطفلة الصغيرة كادري بالانطلاق، تفعل ما طلبته جدتها منها، ثم غادرتا معًا مع بداية الظهيرة، آملين أن يكون الجو أكثر دفئًا قليلًا، وأخف وطأة على جسد كادري الصغير.

قامت الجدة بوضع قطعة قماشية ملونة على المقعد الخشبي خلف الأرجوحة، وأجلست كادري عليه، ثم جلست على المقعد المقابل لها، ويدها المجعدة تمسك بعكازها قريبًا منها.

وبدأت تحكي، فقالت: "قبل زمن بعيد جدًا جدًا، حين خلق إله عظيم هذه السماء الزرقاء الجميلة وزينها بغيوم ناعمة كحلوى القطن، خلق معها كائنات ذات عظمة أعلى من البشر، ليكونوا مساعديه ومنفذي أوامره المطيعين، والذين كانت مهمتهم الحفاظ على إتساق الكون وبقائه كاملًا مكملًا كما هو الآن".

استمعت كادري بحرص إلى كلمات جدتها وهي ترتشف ببطء من كوبها المزيّن برسومات الزرافات والفراولات، وتومئ وعينيها مفتوحتين دائريتين.

"خلقت الشياطين من النار، وفيها التمرد والاضطراب، وخلقت الملائكة من النور، وفيها الطاعة والثبات، أما الإنسان، فقد خلق من الطين.. ومزيج من الاثنين؛ حيث فيه قابلية الطاعة فيصعد إلى السماء، أو التمرد فيغرق في الفوضى. تعرفين قصة تمرد إبليس، صحيح؟".

أومات كادري ردًا على سؤال الجدة المفاجئ، وأجابت بـنعم وكأنها لا تريد أن تتحدث، بل أن تستمع فقط. فارتفعت زوايا شفتيّ الجدة المجعدة في ابتسامة صغيرة، وواصلت حديثها.

فقالت: "إبليس خلق من النار، والنار بطبيعتها سريعة ومتقلبة، وفيها غرور واندفاع، وهذه السمات.. ليست شرًا بحد ذاتها. لكن.. لو انفلتت من الطاعة، تصير وقودًا للكبر والتمرد.. وهذا ما حدث مع إبليس".

استرسلت قائلة: "هل عرف الإله ذلك منذ البداية؟ بالتأكيد كان يفعل، كان يرى كل شيء قبل أن يكون. لكنه لم يجبر إبليس على التمرد، بل أعطاه قدرة الاختيار، تمامًا مثلنا نحن البشر. وماذا فعل إبليس؟ اختار الكبر، والإله ترك له حرية هذا الاختيار، لحكمة أكبر من مجرد قصته الشخصية".

راقبتها كادري بعبوس بسبب شمس الظهيرة التي تضرب وجهها، لكن علامات الحيرة جعلت حاجبيها يرتفعان. "لكن يا جدتي، إذا كان الإله يعرف كل شيء منذ البداية، ألا يعني ذلك أن هذا كان ما يريده؟ فلماذا يعتبر إبليس مخطئًا؟".

لمعت عيون الجدة العسلية عندما لاحظت أن حفيدتها تبدي علامات الفهم، وكم أحبّت هذا السؤال منها! فباشرت بالإجابة لمّا قالت: "صحيح أن الإله يعلم كل شيء قبل أن يقع، لكن ليس لأنه أجبر أحدًا، بل لأنه خارج الزمن؛ يرى البداية والنهاية في لحظة واحدة. علمه ليس من باب الفرض، بل الإحاطة. وقد لا تفهمين هذا الآن، لكننا نرى الأحداث خطيًا، بينما الإله يراها دفعة واحدة".

"إبليس تمرد بإرادته، والإله كان يعرف مسبقًا أنه سيختار هذا الطريق. إنه مثل المعلم الذي يعرف أن تلميذًا سيرسب لأنه لا يذاكر؛ هو يعرف، لكن التلميذ قرر أن يهمل.. فالإله خلق كل شيء وأحاط بكل شيئًا علمًا، لكنه اختار بحكمته أن يعطي المخلوقات حرية داخل هذا الإطار".

ثم ضحكت وهي تقول: "إنه تمامًا مثل مخرج فيلم كتب القصة كلها، لكنه ترك الشخصيات تتصرف بحريّتها داخل النص. هو يعرف النهاية، ويعرف كل مشهد، لكنه لا يمسك يدهم حركة حركة. فقراراتنا واختيارات الشياطين والملائكة والبشر، كلها تحدث بإرادتنا الحقيقية، لكنها لا تخرج أبدًا عن سلطان الإله وعلمه".

وسعت كادري عينيها في فهم، وأجابت بحماسة: "إذن الإله لا يتفاجأ من أفعالنا؟ ولا يجبرنا عليها؟"

فربتت الجدة على ركبتها التي تؤلمها وهي تومئ، والسعادة والامتنان لا يخفيان في تعابيرها الشيخة: "بالضبط يا فراولتي الحلوة.. الإله كتبها لأنه يعرفها، وليس لأنه فرضها علينا"

"وتعلمين؟ خلق باقي الشياطين من النار بعده لم يكن خطأً مكررًا، بل جزءًا من نظام الخلق. الشياطين وجودهم نفسه له دور. اختبار، وابتلاء، وكشف خفايا النفوس، وإبراز التمييز بين الطاعة والضلال. هم ضمن مسرح الحياة، ليسوا خللًا في التصميم.. وتمردهم ليس لأنهم مخلوقون من نار، بل لأنهم استخدموا طبيعتهم بطريقة منحرفة. مثلما الإنسان يمكنه يستخدم عقله للبناء أو للتدمير".

وقفت كادري وأخذت تقفز وهي تصيح وتكرر، وابتسامة مضحكة تعتلي وجهها: "لن أكون غبية مثل الشيطان! لن أكون شريرة مثل الشيطان!".

غرقت الجدة في ضحكها حتى كادت تسقط للخلف. "بالتأكيد هذا ما أريدك أن تلتزمي به، لأننا جميعًا نريد أن يحبنا الله ولا يمقتنا كما فعل مع الشيطان. والآن يا عزيزتي، دعيني أدخل في الجزء الأهم من القصة، وهي الروح المعجزة".

توسعت أعين كادري باهتمام، وعادت لتجلس وتمسك كوبها الدافئ بين يديها الباردتين، وكانت تلك أكثر لحظة شعرت فيها بالحماسة خلال ذلك اليوم.

"هذه القصة لم تذكر في أيٍ من الكتب المقدسة، ولكنني أعرفها، وأريدكِ أن تشاركيني معرفتها، وتبقيها سرًا بيننا، اتفقنا؟". همست الجدة وكأنها تنقل سرًا في متجر للتحف، فأومأت كادري برأسها عدة مرات وقالت وهي ترفع يدها: "أعدك يا جدتي أنني لن أخبر أي أحد. لا أمي ولا أبي ولا حتى سيلدي!"

سيلدي.. كانت دميتها المقربة التي منحتها الجدة إلى كادري كهدية في عيد ميلادها الأول.

هزت الجدة رأسها راضية تمامًا عن الوعد الخطير الذي قطعته هذه الطفلة الصغيرة توًا دون أن تدرك، وآمنت الجدة في قرارة نفسها أن كادري لن تتذكر هذا عندما تكبر على أي حال.

وبدأت تحكي بنبرة يتخللها الغموض: "كما قلنا في البداية، حين خلق الإله هذا الكون، خلق معه الشياطين والملائكة قبل أن يخلق البشر. خلق الملائكة أولًا، ثم الشياطين، وأخيرًا آدم وحواء وبعدهم نسل البشر. وجميعهم يمتلكون أرواحًا، حتى مع اختلافها".

"ويُقال.. أنه ثمة شيطان واحد خلق بطريقة مختلفة، لدرجة أن السماء ميزته بلقب 'الروح المعجزة'. بل وكان له اسم كما جميع الملائكة والشياطين والبشر، وهو "نَسّ". وأتعلمين لماذا تم تسميته هكذا؟ لأنه لم يخلق بشكل كامل، فأصبحت روحه هشة وضائعة. وقيل أن اسمه مقتطع من كلمة 'نسج'، حيث أنها جزء معقد ومتشابك من نسيج الكون، لكنها.. مجرد قطعة غير مكتملة منه".

ملأ التعاطف تعابير كادري الطفولية، وأخفت أنفها خلف وشاحها الزهري الملتف بخفة حول رقبتها وهي تتمتم بحزن "لابد أن نس يشعر بالوحدة لأن لا أحد يشبهه".

"يالفراولتي الحلوة الطيبة" ابتسمت الجدة بامتنان لأن الله أعطاها مثل هذه الحفيدة اللطيفة والمتعاطفة، وقالت راغبة في طمأنتها: "لكن نس لم يكن مرفوضًا من قبل بني جنسه، الشياطين".

توسعت أعين كادري بأمل وقالت: "حقًا؟".

فأجابت الجدة بالإيجاب: "نعم، وهذا كان بالضبط سبب عدم اكتمال خلقه. إبليس كان غاضبًا من رفض الإله له، فهو لم يكن يرَ نفسه مخطئًا لرفضه السجود لمجرد كائن طيني بينما هو مخلوق من النار؛ أعظم وأشد قيمة كما ظن. لذلك، هو خطط للانتقام قبل أن يتم إنزاله إلى الأرض.. فماذا فعل؟"

"ماذا؟ ماذا؟" بدأ اهتمام كادري يشتد، حتى أنها تجاهلت ما تبقى من مشروب الشوفان حتى أصبح باردًا. بالمقابل، أرضتها الجدة وهي تضحك وأجابت.

"قرر إغضاب الإله عبر اختطاف الشيطان الأخير قبل اكتماله، وبهذا يكون قد تمرد على قوانين الكون، وضمَّ شيطانًا إضافيًا إلى جمع الشياطين. وظن أنه هكذا ضرب عصفورين بحجر. فحين كان الإله في طور إنهاء خلق آخر شيطان، وهو نس، اقتحم إبليس عرش الإله مع بقية الشياطين المكتملين، واختطفوا نس قبل أن يكتمل نسج روحه!" تظاهرت الجدة بالغضب وهي تنطق بتلك الكلمات.

"لكن يا جدتي، لماذا لم يوقفهم الإله؟ فهو يستطيع ذلك!". تساءلت كادري. ضحكت الجدة وهي تصفق بأصابعها، فهذا كان السؤال الذي انتظرت سماعه.

"لأنه، كما ترك لإبليس حرية الإختيار سابقًا لحكمته، فقد تركه يلوذ بالفرار مع نس لحكمة أيضًا. وهنا، ظن إبليس المسكين أنه بهذا يتقدم على الإله بخطوة، ونسي أن الإله الذي خلقه لا يصعب عليه أمر بسيط مثل إيقافه. ياله من تمرد!".

"ياله من تمرد!" كررت كادري وبدا على ملامحها تجليات الغضب البريء، جاعلة من الجدة تقهقه مستمتعة.

استأنفت الجدة: "وقتها، غضبت الملائكة لتمرد إبليس على إلههم، واتبعت جمع الشياطين من فورها لاستعادة هذه الروح غير المكتملة. لكن احزري ماذا؟ رغم أن هذه الروح لم تشكّل وعيًا بعد، إلا أنها دفعت نفسها عن الشياطين وأخذت تتحرك وحدها في السماء! سرعان ما أخذت الشياطين تلاحقها لاستعادتها، وكذلك الملائكة!".

"يالهي!". تفاعلت كادري وهي تقف، علامة على اندماجها الشديد في هذه القصة الشيقة.

"نعم أعرف! ولكن، يقال أن الأمر حال دون أن يتمكن أيٌ من الشياطين أو الملائكة استعادة الروح، وعادوا خائبين إلى الإله، فطرد الشياطين من الجنة وأنزلهم إلى الأرض، وأرسل بعض الملائكة للبحث عن هذه الروح، التي يُعتقد أنها شكّلت وعيًا وأصبحت تتجنب كلّا من الشياطين والملائكة!".

"وتم تمييز هذا الحدث الغريب باسم 'صراع الفجوة'، والفجوة ترمز إلى مكان هذه الروح في النظام الكوني، كونها ليست تمامًا من عالم الملائكة ولا من عالم الشياطين".

"وااه!" أخذت كادري تقفز بإثارة من هذه القصة، لكنها بعدها توقفت ونظرت إلى الجدة بارتباك يشوبه الفضول. "لكن.. هو يظل شيطانًا مخلوقًا من نار، وهذا يعني أنه شرير، صحيح؟".

رفعت الجدة كتفيها "لا أحد يعلم ما حدث مع روح الشيطان بعد ذلك. بعضهم يقول أنه ذهب إلى الشياطين وانضم إليهم في شرّهم، وبعضهم يقول أن الملائكة تمكنت من الإمساك به وإعادته إلى السماء، وبعضهم الآخرين يقولون..".

قطعت كلماتها ومالت نحو الأمام قليلًا، تراقب كادري بمرح وتهمس لها: "بعضهم يقولون أنه انتهج أسلوبًا مختلفًا وكوّن مخلوقات سماوية رابعة تسمى النسوس، وأن لا أحد يعلم بعد ما هي أدوار هذه المخلوقات، لكنها خطيرة".

ثم ابتسمت تعيد وضعيتها كما كانت "وأنتِ أيتها الفراولة، ماذا تظنين؟".

راقبتها كادري بصمت لثوان، تفكر. لمع شعرها الكستنائي أسفل شمس الظهيرة كما لمعت عينيها بالاحتمالات: "أنا أظن أنه أصبح طيبًا ولطيفا" قالت مبتسمة بأمل.

ارتبكت الجدة في صمت لثوان، ثم سرعان ما انفجرت بالضحك، ومسحت دموعها الوهمية بيدها المرتجفة. "هل تظنين هذا حقًا يا عزيزتي؟ هل تظنين أن الشياطين يمكنها أن تصبح طيبة؟".

"نعم!" أجابت كادري بانفعال، تدافع عن وجهة نظرها بكل ما أوتيت من كلمات "إذا كان الإله يعطينا جميعًا الحرية لنختار، فهذا يعني أن الشيطان يمكنه أن يصبح لطيفًا إن اختار ذلك!".

"يالها من كلمات أكبر من سنك، أليس كذلك؟" قالت الجدة بعفوية، وصوتها الناعم يدب الدفء في أنحاء المزرعة الهادئة. نقلت نظرها بعيدًا نحو الاسطبل، وأظلم وجهها بشيء من الغموض والحزن.

وتمتمت حريصة على ألا تسمعها كادري: "ربما. آمل ذلك أكثر من أي شيء آخر في هذا الكون.. آمل ذلك".

راقبتها كادري بفضول، تحاول سماع ما تتمتم به الجدة، لكنها التفتت للخلف سريعًا عندما نادت والدتها معلنة عن حلول وقت شاي الظهيرة كما اعتادوا كل يوم. فنهضتا عائدتين إلى المنزل، ولم تلاحظا العيون المشعة التي تراقبهما بحزن.

العيون التي عرفت أكثر مما أظهرت.

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة