موسيقى الجاز الهادئة ترن بخفوت في الخلفية، وهو ينقر بحذائه بنمط منتظم على الأرض الخشبية؛ متفاعلًا مع أرواح الألحان.
فرشاة الرسم تستقر بين أصابعه، يحركها بخفة ودرامية على اللوحة الضخمة الزيتية أمامه، وابتسامة مهووسة على شفتيه الجافتين.
"لا تعلمين كم تجعلينني شغوفًا يا حبي.. شغوفًا لصنع المزيد من الثقوب في هذا العالم الفارغ".
هو تحدث إلى اللوحة بهدوء بينما يتراجع ويلقي نظرة عليها، فخورًا بتحفته المثالية المكتملة، وعيونه البيضاء الشفافة تشع بنور مضطرب.
"إكليل الغواية.. بجمال تاجك الأسود هذا.. هكذا أسميك" هو همس للوحة بنبرة مغرية، وكأنه يحادث زوجته الغالية.
أخذ يمسح على إطار اللوحة الذهبي بيده المتسخة ببقايا الألوان، ثم طبع قبلة محبة أسفلها.
"تصبحين على شر يا نور حياتي. أتحرق شوقًا لألقاكِ في الصباح من جديد" بنعومة هو وعد، ثم استأنف بينما يخلع مئزره: "وتذكري، حبيبكِ ميلخازار هنا دائمًا".
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
من جانب آخر، هناك من أبقى قبضة ناعمة وحازمة على يدها وهو يدلها عبر الطريق وبين جمع الناس. "من هنا. انتبهي يساركِ من فضلك. راقبي خطواتك" ظل يحثها بلطف طوال الطريق رغم برودة تعابيره.
نتحدث عن صاحب العينين الصفراوتين والبذلة السوداء العتيقة، الذي ظل يقودها عبر الطرقات بسرعة.
يمسك برمحه بين اصبعيه الخنصر والبنصر، وعينيه تتحركان هنا وهناك بسرعة وحذر، تراقبان كل حركة في السكون؛ كحارس شخصي.. غير بشري.
كانت هي غارقة في نوع من الغفلة؛ فابتسامة خاضعة وسعيدة اعتلت وجهها، وكانت تتبعه بطاعة وحسن نية، وكأنها لطالما رغبت بهذا.
لم تنظر للناس من حولها، لم تلاحظ حتى ما إن كانوا بشرًا أم كائنات أخرى فوقية.. أو ربما لم يكونوا شيئًا حتى.
نعم، لم يكن يوجد طيف شخص من حولها، بل الشوارع خلت من أي روح، والسكون حاوط الأرجاء.
كان شعورًا زائفًا بالسعادة يدلها، ولكنها فقدت نوعًا خاصًا من الوعي يمكّنها من التفرقة بين الخطير والآمن كما تفعل عادة.
لقد دللها هذا الرجل جيدًا، وأمرها باتباعه دون أن ينطق ببنت شفة.
بعد السير لما يقارب ألف خطوة، توقف فجأة أمامها، وخفت قبضته على يدها.
التفت نحوها.
وابتسامة باهتة تحتضن شفتيه.
"هكذا تعجبينني.. خاضعة وهادئة" اقترب منها ببطء. الوقت صَمَت بينهما فوق الصمت من حولهما، ويديه الشاحبتين استقرت على كتفيها.
ألصق جبينه بجبينها، ثم نفخ بخفة بين عينيها.
مال أقرب إليها حتى كادت تلتصق شفتيه بأذنها اليمنى، وهمس بنبرة غليظة مختلفة عن الطريقة التي تحدث بها سابقًا: "سيد المقام يرحب بكِ في عشه، ويناجيكِ لتكوني شر عونٍ له..".
سكت لثوان، وكأنه يراجع الكلمات في رأسه، ثم بعد أن انخفضت نبرته قليلًا، استفسر: "فهل تقبلين يا بهية المقام؟".
عيون كادري كانت باهتة فارغة من العاطفة، ووجهها خالٍ من التعابير، وعينيها البنية اللامعة عادة بدت.. خالية من الحياة بعدما فعله بها هذا الرجل.
لكنها بدت وكأنها في غاية السعادة المشوهة بعد تلك الكلمات التي نطق بها توًا.
رفعت يدها نحوه وكأنها تطلب منه أن يقبّلها، وابتسامة ممتنة ظهرت عليها. "ولِما لا أقبل؟ أنا واثقة أنه ينتظرني بحماسة".
كلماتها وابتسامتها.. كانت رمادية.
ابتسم الرجل بهدوء، وأخفض إحدى يديه عن كتفها ليرقق يدها بقبلة خاشعة. "لكِ امتناني الصادق". قال ذلك قبل أن يمسك بكلتا يديها على يديه، ويدعوها: "سنسرع بالذهاب".
ثم تبخر كلاهما كأنهما لم يكونا، تاركين خلفهما دخانًا أسودًا تطاير بقاياه في مهب الريح.
~
كان التوتر يضغط على صدر سيلدي وكأن كتل حديدية تتكدس داخله. كان يدرك ما يجري، وخشي أن الآوان كان قد فات.
كان يعرف كيف يصل إليهم، ولكن المشكلة أنه لم يعرف مكانهم.
أخذ يجول ويجول في محاولات يائسة منه لإيجاد كادري، ولكن باءت كلها بالفشل.
كاد يهجر الرجاء والأمل في إيجادها، وشيئًا فشيئًا، أخذ القنوط يتسلل إلى قلبه. هذه المدينة كبيرة، فكيف عساه يجدها؟
وقف فوق إحدى البنايات المقببة ليلتقط نظرة أفضل. من بناية لبناية كان يقفز، لكنه لم يجد لها أثرًا في أيٍ من دروب هذه الأرض الشاسعة.
فأين تراها تكون هذه الزهرة الخائفة؟
خفق قلبه قلقًا من احتمال أنهم أذوها. تنفسه أخذ يضيق، فلم يعد يملك في يده حيلة، وكان هذا المكان غريبًا عليه، لا يعرف جهة من اتجاهاته.
إلى أن..
"هل استسلمت أخيرًا؟" سمع صوتًا ذكوريًا مزعجًا من خلفه، فالتفت بسرعة، فإذ به الرجل الأسمر ذو العيون الحمراء.
كان يقف خلف سيلدي تمامًا على أرضية القبة الحجرية أعلى البناية، بابتسامة لعوبة صغيرة.
رفع حاجبه بخفة وهو يرى سيلدي يقفز للخلف ويوجه سكينه نحوه.
"ألا تظن أنك بدأت تصبح متطفلًا؟" تذمّر سيلدي بحدة، وشعره الأبيض تداعبه الرياح.
"هيا الآن، كلانا يعرف أن تلك السكين الصغيرة لا يمكنها الفوز في معركة جادة" اقترب الرجل خطوة، فتراجع سيلدي خطوة.
"لا تقترب!" حذّر سيلدي، واشتدت يديه على سكينه، جاعلًا، لسبب ما، الرجل يبتسم وكأنه يكتم ضحكة.. كما لو سمع للتو أكثر شيء مضحك في حياته.
ثم قال: "لقد سيطرنا عليها بالفعل، فتاتك البشرية، وقريبًا، سنفتكها فتكًا شديدًا يليق بها" بعد أن نطق الرجل الأسمر بتلك الكلمات، ضيق عينيه بمرارة جعلت يد سيلدي البلاستيكية ترتجف.
"حسبك!" لم يرتفع صوت سيلدي، لكن الغضب فيه لم يكن خفيًا، بل والقلق اختلط به كذلك. "لا أظنك تنتظرني لأحذرك من لمسها!".
رفع الرجل يديه وكأنه يستسلم للسلطات، وابتسامة جانبية تحمل شماتة بانت على وجهه. "لن ألمسها. لن أفعل بالتأكيد، لكن.. سيد المقام سيفعل. وصدقني، سيكون لطيفًا معها، ألطف من مظهرك".
"مغرور" همس سيلدي، وجعلت تلك الكلمة الرجل يرمش مرتين وينظر إلى سيلدي بعدم فهم. "عفوًا؟".
"لم تسمعني لأنك كنت غارقًا في احتفالك المبكر؟" ببطء، أخذ سيلدي يبتسم بمكر، وأردف "فكما تعلم، من يظن نفسه يمتلك الأفضلية قبل نهاية اللعبة، ينتهي الأمر به خاسرًا".
سبابته الصغيرة أخذت تداعب حافة سكينه ذهابًا وإيابًا تحت نظرات الرجل المستغربة، وبنبرة هادئة كما كانت دائمًا، أفصح سيلدي: "لنلعب لعبة لعشر ساعات..".
ضيق الرجل حاجبيه بعدم فهم في البداية، لكنه ابتسم مستمتعًا بعد ثانيتين "هل هذـ.." انقطعت كلماته بشقهة عندما رمى سيلدي سكينه ناحيته.
تجنب الرجل السكين بحركة سريعة وأعين واسعة، فاخترق الجدار خلفه. التفت نحو سيلدي، وجفنه يرتعش بغضب.
لكن سيلدي استرسل: "ما كان يجب عليك أن تحاول مقاطعتي.. أين كنا؟" بينما كان يتحدث، جلس على حافة القبة وعلّق ساقيه، وأخذ يؤرجحهما.
"آه، تذكرت.. اللعبة بسيطة، كل ما عليك فعله هو أن تحاول منعي من إنقاذ كادري قبل أن يؤذيها سيد مقامك كما أوردتَ قبل قليل". ضغط على كلمات 'سيد مقامك' بشيء من السخرية.
ثم استأنف: "إن أنت فزت، سأترك كادري لكم. لكن، إن أنا فزت.." ابتسم سيلدي ببراءة مزيفة وهو يؤرجح جسده بخفة للأمام والخلف ويبقي عينيه نحو المدينة بالأسفل.
"فإنني سأحصل على كادري" قال سيلدي وهو يحرك عيونه البرتقالية المشعة نحو الرجل، وابتسم بِوِدية "ولن أتسامح معك يا عذراف".
رفع الرجل الأسمر المدعو عذراف حاجبيه العريضين في لفتة متعجبة، لكنه سرعان ما استعاد ابتسامة ممتنة. "ها أنت ذا بدأت تكبر وتنضج. لا تعرف كم أحب رؤية هذا الجانب الشرير منك".
استقرت يديه على وركيه وهو ينقل وزنه نحو قدمه اليسرى، يراقب سيلدي بابتسامة فخورة بينما الرياح تعبث بشعره الداكن. "أنا موافق، ولكن بشرط".
مال سيلدي رأسه بخفة وكأنه يتساءل، وسحب نفسه للخلف ليقف وينظر عاليًا نحو الرجل الطويل أمامه. فأردف عذراف والظلام يتشكل في عينيه: "إن أنت خسرت، أريد أن أمزقك إربًا إربًا بمخالبي وأنيابي حتى تموت".
لقد أشعلت تلك الكلمات خوفًا شديدًا في قلب سيلدي، وأخذ يتمايل على قدميه للأمام والخلف وهو يفرك ذقنه؛ يتظاهر بالتفكير، بينما في الحقيقة يحاول تهدئة نفسه. لكن تعابيره لم تتغير كثيرًا.
"خائف؟"
همس عذراف بشماتة، وارتفعت زوايا شفتيه أكثر، إلا أن سيلدي تمكن من إخفاء ذلك الخوف الذي تحدث عنه عذراف جيدًا، وشخر ساخرًا.
"لا يمكن لمجرد إتفاق سخيف أن يردعني" ثم رفع يده نحوه "لديك كلمتي.. وكرجل ذو مبادئ، لن أكسرها".
هز عذراف رأسه بخفة وكأنه يعترف بإعجابه الصامت بعزيمة سيلدي، ثم جلس القرفصاء حتى يصل إلى طول الدمية، وأمسك بيده الصغيرة باصبعيه السبابة والإبهام، يهزّها.
عاقدين اتفاقية مظلمة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
هبَّ نسيم الليل من خلال نافذة مكسورة في فناء قديم.
أسفله مرَّ قط أحمر بخفة مثل سر ثمين.
تحت ضوء القمر الأصفر تغير ظله في طرفة عين.
تحول في ثانية من مجرد قط إلى شيطان مبين.
عبس، فهل من خائفين؟
يتبع~
Dontin