{الفصل الثامن: سر خلف الغيم}

{الفصل الثامن: سر خلف الغيم}

18 0

ما يشبه النسيم البارد في صباحٍ صيفي مر على جلدها كأطراف ريشة، فجعدت هي عينيها المغمضتين تفاعلًا مع الشعور.

ببطء، بدأت تفتح عينيها، فترى السماء قريبة بطريقة غريبة.. شفافة وعميقة.

هي جلست سريعًا ونظرت حولها، حيث الهدوء العذب ينتشر بالمكان. الجو ساكن.. ليس صمتًا ميتًا، بل سكونًا عميقًا فيه طمأنينة. وكأن كل شيء من حولها يهمس لها بحب.

هي شعرت لأول مرة أن تنفسها يخرج بسلاسة، كأن رئتها ارتاحت أخيرًا من ثقل الأرض.

كانت مستلقية فوق الغيم.

كان الغيم من تحتها ليس كمثل غيوم المطر، بل أقرب لقطن مضيء من الداخل، وألوانها تتدرج بين الأبيض اللؤلؤي والذهبي الخافت، وأحيانًا تمر لمسة وردية كالشفق.

رمشت بارتباك، ونظرت حولها، فلمحت من بعيد أشجارًا شاهقة، أوراقها تبرق كأنها مطلية بالضوء. وأنهارًا رقيقة، مياهها مشعة بلون أزرق سماوي لامع، تصدر خريرًا يشبه لحنًا ناعمًا.

ارتاح قلبها بشدة.

فتحت يديها ونظرت إليهما، تتساءل أي نوع من الأحلام هو هذا. فرأت فراشة شفافة تلمع وهي تمر قرب يدها.

أخذ نسيم عليل يهب، يرفع خصلات شعرها بلطف؛ كأن المكان يرحب بها.

وعندما نظرت لثيابها، تساءلت ما إن كانت مصنوعة من مجرد قماش أو قطعة من الجنة.

فستانها منسدل بخفة، أبيض نقي لدرجة المثالية. القماش ليس قطنًا ولا حريرًا، بل شيئًا ناعم بين الاثنين.

على الحواف، خيوط ذهبية دقيقة مثل عروق ملائكية، وتتلألأ كل ما لامسها نور السماء.. ذهبًا دافئ، يشبه شعاع الشمس.

أكمامها طويلة وشفافة قليلاً، تلتف حول ذراعيها بخفة، ومع كل حركة تصنع هالات صغيرة من الضوء.

عند خصرها، رباط رقيق بلون العسل الفاتح، يعقد بخفة من جانب واحد، ويتدلى منه شريطان.

شعرها القصير منسدل بحرية، لامع بلونه الشبيه بزبدة الفستق، تتخلله تيجان صغيرة من أوراق ذهبية ناعمة، وكانت أقرب لتاج صنعته الطبيعة بنفسها.

أين هي يا ترى؟

تحركت عينيها الواسعتين من حولها ببطء، ولم تستطع كبح ابتسامتها المطمئنة والفضولية رغم ارتباكها. رأت أمامها طريقًا غيميًا طويلًا، يمتد إلى ما لا نهاية.

لم تتردد قبل أن تحرك قدميها الحافيتين، تسمح لهما أن تقودانها على طول الطريق.

كانت تشم من حولها رائحة لم تتعرف عليها حواسها ولم تشمها من قبل؛ مثل بخور سماوي بنكهة الزهور، شيء دافئ وراقٍ بلا دخان. رائحة مريحة للأنف.

بينما تسير ببطء فوق السماء، تنظر نحو الأسفل حيث الغيوم أسفلها تنبض باللون الوردي، وكأنها ترشدها على طول الطريق. تداعبها بملمس ناعم وظريف على راحة قدميها.

فيا تُرى، أيّ عَالَمٍ جَميلٍ هو هـٰذا الّذي يتَقبّلُها ويُدَلِّلُها ويُبدي حُبّه لها وكأنّها وحيدَتُه؟

هذا الدفء والحب والـ..!

هي أخفضت عينيها سريعًا نحو الغيم تحتها، حيث بدأت تتماوج وتهتز باضطراب خفيف، وكأنها توشك أن تفلتها.

ارتعشت أذنيها عندما سمعت فجأة صياحًا يصدُر من نهاية الطريق الغيميّ، شيئًا غاضبًا يزلزل السماء من حولها.

كلما مشت نحو الأمام أكثر، بدأ العالم يضطرب. يصبح الهواء أثقل فأثقل، حتى يكاد لا يُحتمل. النور الذهبي من حولها يبهت ويفقد دفئه؛ مثل ابتسامة سُحبت منها الروح.

تستشعر من حولها نغمة صامتة. ليس صوتًا مسموعًا، بل إحساسًا تحت الجلد يسبب رهبة.. شيئًا غامضا.

بدأ قلبها يؤلمها، وخوف غير طبيعي شنق كل خلية في جسدها. ومع كل خطوة مترددة تخطوها نحو الأمام، ترى الغيم يظلم تدريجيًا.

الأبيض اللؤلؤي يصير رماديًا فاتحًا، ثم رمادي داكن مع خطوط برق هادئة تمر من خلاله؛ مثل عروق غضب مكبوت واضحة.

لم تسمع صوتًا، لكنها استشعرت في الهواء حملًا ثقيلًا كجبل بركاني مهتاج يحمل تنبيهًا.. "قفي".

لم تستطع بعدها خطو خطوة أخرى.

تشنج جسدها في مكانه، وأخذ تنفسها يضيق ويضيق.

لمحت من حولها فجأة شيئًا رماديًا صغيرًا يرتفع بسرعة خاطفة في السماء، من حوله دخان داكن. شيئًا يحمل هالة مظلمة بشكل لا يصدق.

مثل روح شريرة.

كان اقترابه من هناك، رغم المسافة الهائلة، كغياب.

كغياب للون، للحرارة، للطمأنينة؛ وكأنها قطعة من الظل انفصلت عن كل شيء وصارت تمشي وحدها.

رأته أقرب لسوادٍ يلتف على نفسه، أحيانًا كثيف وأحيانًا شفاف، يتغيّر شكله مع كل لحظة كأن شيئًا ما يرفض الثبات عليه.

بدا وكأنه لا يملك وجهًا محددًا، بل شيئًا أشبه بملامح تتشكل وتذوب، مثل انعكاس مشوه على بركة.

بمجرد مروره، أصبح الهواء أبرد فجأة، مثل برودة تشبه مقبرة مهجورة. الروائح اللي كانت عطرة اختفت، واشتمت بدلًا منها رائحة جلد وشحوم مختلطة برائحة دخان، فعبست باشمئزاز.

ثم سرعان ما هبّت في السماء من خلفه مجموعة مخلوقات في غاية الذهول، أشبه بخطوط من نور انطلقت فجأة، وترسم في السماء مسارات ذهبية حادة.

كانت حركتهم سريعة لدرجة أنه كان من الصعب رؤيتهم. لمحت فيهم ترتيبًا مهيبًا، صفوفًا متناسقة وكأن السماء انقسمت وفسحت لهم الطريق.

وتلك الهالات الضخمة من الضوء خلفهم.. أهي أجنحة؟

كانت في غاية الضخامة، عظمة نورانية، آية في الجمال!

ثم تلاشوا تدريجيًا وتركوا وراءهم أثرًا لامعًا يختفي ببطء، تمامًا مثل ذيل مذنب يذوب في السماء. خلفهم ذابت أصوات همهمات دافئة بدلًا عن رفرفة مزعجة، شيئًا يصل للقلب قبل الأذن.

لم يسعها أن تشعر بالراحة التي خلفتها تلك المخلوقات، حتى توالت خلفها حركة سوداء سريعة في السماء.

مجموعة.

يظهرون كسحب سوداء متحركة، لكن السواد ليس واحدًا، بل وكأن فيه طبقات، أسود كثيف، رمادي داكن، لمسات حمراء باهتة تتلألأ من جوفهم كأن النار تكاد تنفجر من الداخل!

كل واحد يتحرك بخفة متوترة، وكأنهم فرقة من الظلام، يعرفون بعضهم البعض ويحافظون على ترتيب ما.

أثار كل واحد منهم لا تملك شكلًا ثابتًا. واحد يشبه ظلًا طويلًا، وآخر كتلة ملتفة كأنه دخان، وآخرين ذوي خطوط حادة تتلوى كالأفاعي في الهواء!

عيونهم.. عيونهم تلتمع بضوء شرير.. ليس نورًا، بل وميضًا يؤلم العين!

ذلك جعل عيون كادري تتبلل بذعر لا يصدق، خوف غير طبيعي!

الجو حولهم انهار تدريجيًا.. النسيم انقطع، الهواء ثقل، والضوء ضعف.

وأكثر ما أخافها كان الصوت الذي خلفوه، مثل موجة متراكمة من الهمسات والصرخات، صدى مشوه لكل شيء. مثل إحساس داخلي بالتهديد!

مالذي يحدث هنا بالضبط؟ أصابها فجأة خوف من خطر وجودي عميق، وكأنها مراقبة من شيء ما فوق الفهم!

فجأة، ذابت الغيوم أسفلها.. وتركتها تسقط.

أخذ الهواء يهب من حولها بحركة قوية، يؤلم صدرها ويترك موجة منسابة وكأنها ستفقد القدرة على التقاط أنفاسها في أي لحظة!

.

جلست سريعًا وهي تلهث، تلتقط أنفاسها التي تتسابق كالخيول، وتتنقل عينيها بسرعة عبر الظلام من حولها.

كانت في سريرها.

إذن ذلك كان مجرد كابوس؟

هي مسحت وجهها بيديها بينما تحاول تنظيم تنفسها المضطرب، وكأن قطعة من قلبها قد سلبت. نظرت إلى يسارها على السرير، حيث كان سيلدي نائمًا.

هي تذكرت الآن ما حدث.

بالأمس بعد أن اختفى ذلك الظل من الستارة، نهض جميع أفراد عائلتها قائلين أنها بحاجة للنوم. نظفوا المكان، وخرجوا من الغرفة مغلقين الباب خلفهم.

نظرت هي إلى سيلدي وقتها بارتباك، وكأنها تريد منه أن يفسر لها ما حدث توًا، لكنه كان يمشي نحو السرير، ثم يسحب نفسه بصعوبة ليصعد.

"إنهم محقون، أنتِ بحاجة للراحة"

نقلت كادري عينيها نحو الستارة ولم تجد أثرًا للظل، لذلك مشت وجلست على السرير بجانب جسد سيلدي الصغير. "مالذي يحدث هنا؟" هي سألت بنبرة مرتجفة قليلًا.

لكن مجددًا، انزعج سيلدي من سؤالها، وقال: "غدًا، غدًا ستعرفين. لِما لا تحاولين النوم الأن؟" ومهما حاولت كادري الإلحاح عليه، كان مصرًا على ألا يمنحها أي إجابة قبل الغد.

وكأنه يخشى أن يقول أي شيء.

فانتهى بها الأمر تصرخ عليه غاضبة، ثم تغلق الضوء وتسحبه إلى حضنها أسفل الغطاء وتستلقي. احتج هو حينها قائلًا: "أنا لستُ دميتكِ التي تحتضنينها وقت النوم كطفلة بريئة، كما تعلمين". لكنها تجاهلته.. أو ربما غفت.

راقبها بصمت لثوان، ثم انكمش محرجًا في مضجعه وأغلق عينيه. كان عليه فقط أن يستسلم، إن تحرك كثيرًا قد يوقظها، وهي تستحق النوم بعد كل هذا.

الآن، وسط الظلام، هي راقبت جسده الصغير المنكمش أسفل الغطاء، ولسبب ما، هي شعرت بالكآبة عندما أدركت أن كل ما حدث مع سيلدي لم يكن مجرد كابوس.

عادت لتستلقي ببطء، وتراقب ظهره. شعره الأبيض الذي يصل حتى فكه كان منسدلًا جانبًا على الوسادة، فكان بوسعها إلقاء نظرة أفضل على رقبته رغم ياقته المرتفعة.

هل تلك.. علامة يعسوب على مؤخرة رقبته؟

كانت أجنحة اليعسوب بالكاد تظهر في الظلام، تضيء بخفوت وكأنها تناضل.. بنعومة.

بتردد، مدت يدها ولامست علامة اليعسوب، بأطراف أصابعها، وكأنها تستشعر روحها الدافئة الرقيقة بحذر رغم فضولها.

بدت العلامة بارزة قليلًا، واستطاعت أن تفهم شكلها بأصابعها في الظلام. ذلك الشعور.. إنه يبعث فيها راحة غريبة.. لكن لماذا؟

تكن متأكدة ما إن كانت قد رأت ما رأته بشكل صحيح بمجرد اللمس.. أرادت أن تراه أفضل في الضوء، لذلك هي نهضت وزحفت نحو الضوء.

قلبها هادئ، ولا شيء سوى غناء جهاز التكييف وهمهمة شخص قريب.

شغلته الضوء.. وتجمدت.

كان أمامها. قرون، أنياب، عيون حمراء.. شيء لا يوصف.

"عـ.. عفريت!"

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة