{الفصل السابع: ظل فوق الطاولة}

{الفصل السابع: ظل فوق الطاولة}

15 0

كنسيم بارد يهب على تل أخضر رفرفت خصلات شعرها الكستنائي القصير مع الرياح، الذي كان مربوطًا في ذيل صغير، واشتدت قبضتيها على قميصها البرتقالي بخفة.

تتساءل ودواخلها ممزقة بين الخوف والحماسة: أسيسير كل شيء على ما يرام يا ترى؟

كان سيلدي قد بدأ يفهم تلك النظرات في عينيها. ما أسرع اعتياده عليها! رغم انه لم يمر سوى يوم على لقائهما. كان يدرك ترددها وخوفها الواضح في عينيها بعد أن أخبرها عن القواعد التي يعرفها للعيش مع تلك المخلوقات بالأسفل.

المخلوقات غير البشرية.

بعد نقاشهما القصير، نزلا من السطح عائدان إلى الشقة، ولم يكن الكلب المدعو "نوهر" في أي مكان قرب السلم. بتردد واضح جدًا على محياها، فتحت باب الشقة حاملةً سيلدي في حضنها.

كان المنزل هادئًا جدًا، ولم يكن ثمة أثر لأي أحد في الجوار. كانت الأضواء كلها مطفأة، والهدوء يعم المكان، عدا أصوات الهمسات البعيدة ناحية الغرفة.

بالكاد نظفت حلقها بابتلاعة سريعة، ونظرت حولها وهي تغلق الباب. قلبها أثقل من قصة تايتنك، ورأسها أخذ يدور بخفة كورقة خريفية.

"عزيزتي". هي سمعت صوت والدتها تناديها من ناحية المطبخ، وتكسر الصمت بصوتها العذب الأخّاذ. لكن الغريب أن صوت والدتها لم يكن عذبًا لهذه الدرجة يومًا.

اقتربت منها والدتها بتعابير ضجرة، وانخفضت عينيها الضيقتين نحو سيلدي، توجهها إليه بنظرات مريبة. قالت كادري "مـ مرحبًا مجددًا" وابتسمت بتوتر، جاعلة والدتها تنقل نظراتها الباردة إليها. الباردة على عكس صوتها الدافئ.

"قررنا اليوم تناول العشاء في الغرفة. ما رأيكِ أن تنضمي إلينا؟". في الغرفة؟ لطالما كانت والدتها تحب تناول الطعام في غرفة الجلوس، وكان الجميع يتناول الطعام هناك.

"نـ نعم، بالتأكيد" قالت كادري بابتسامة متوترة، وفركت بطن سيلدي بخفة -كانت تقصد فرك بطنها لكن أربكها التوتر- الذي كبح بالكاد عبوسه ليتظاهر بكونه دمية، وقالت "أووه، أظنني بدأت أجوع".

لم تبدأ، بل انتهت بالفعل. كان الجوع يحطم أمعاءها منذ ساعات، ولكن الأحداث توالت دون أن يتسنى لها تناول قضمة واحدة.

ضيّقت والدتها عينيها، ولم تكلّف عناء الابتسام أو الرد؛ بل حدّقت بها بصمت لثوان، ثم التفت واتجهت نحو الغرفة فقط، وكأنها تتوقع من كادري أن تتبعها؛ التي بالكاد كانت تحملها ساقيها في تلك اللحظة.

"اسمع، هل تأكل؟" هي سألت سيلدي بعد أن نظرت إليه، فرفع المعنيّ رأسه لينظر إليها بعبوس تقريبًا "لا، هل تظنين أن جسد الدمية يمكنه أن يشعر بالجوع مثلًا؟". ذلك الرد..

تنهدت كادري بقلة صبر، وبدأت تمشي فقط عبر ظلام المنزل نحو الغرفة. كل خطوة تكسر من روحها شيئًا، والترقب يتفاعل بقوة مع خلاياها، لدرجة أن معدتها أخذت تقرقر وتقرقر.

بمجرد وصولها إلى الباب، لاحظت أنهم يضعون طاولة الطعام في منتصف الغرفة، وجميع أفراد عائلتها -الذين هم ليسوا عائلتها- على مقاعدهم يراقبونها بصمت.

صمت غريب قلب معدتها المقلوبة أصلًا رأسًا على عقب.

بابتسامة متشنجة هي رفعت يدها ولوّحت "مـ مرحبًا. امم.. كيف الحال؟" ثم سرعان ما تمنت لو أنها لم تنطق بكلمات ساذجة كتلك.

لم يجبها أحد سوى شقيقها، الذي لوّح بيده مع ابتسامة كبيرة "مرحبًا مرحبًا!" وكأنه يتعلم للتو كيف يلقي التحية. شقيقها البارد عادة.

أصدرت شهقة صغيرة، لكنها أوقفتها مباشرة مع ابتسامة كبيرة وهي تهرول نحو الطاولة وتتخذ مقعدًا، وتُجلس سيلدي في حضنها، وهو انكمش باحراج.

تلتفت بنظراتها وابتسامتها الكبيرة المتوترة نحو الجميع "كم أنا جائعة! لنأكل!". لكن والدتها راقبتها بأعين ضيقة ونظرات ثقيلة، وكأنها تقرأها، ثم جلست وبدأت بمنح الجميع حصصهم من الطعام.

كانت كادري تشعر بجسدها ثقيل على مقعدها، ووزن سيلدي، رغم أنه كان خفيفًا أيضًا هذه المرة، زاد الطين بلة قليلًا.

كان الهواء نفسه ثقيل بشيء نقي وأبيض، يعطيها شعورًا وكأنها تغرق في حليب لذيذ، لكنه لا يزال غرقًا، فتشعر بثقل في صدرها.

أخذت الطبق الذي مدّته والدتها إليها، ولامست اصبعها عن طريق الخطأ، فشعرت بجسدها يثقل أكثر في مقعدها.

ما هذا الشعور؟ انه مخيف! وكأن هذه الكائنات، أيًا كانت، تملك هالة عظمى.

ارتعشت يد كادري وهي تحرك الطبق لتضعه أمامها على الطاولة. تمنحهم ابتسامة صغيرة، وتشرع سريعًا بالأكل؛ لتتظاهر بأنها منشغلة.. ولأنها تكاد تموت جوعًا أيضًا.

اختنقت!

وسعت عينيها وأخذت تسعل بينما تمرر يدها على الطاولة بحثًا عن الماء، فناولها والدها إياه. ارتشفت منه سريعًا، ثم نظرت إلى والدها. كان وجهه فارغًا بشكل غريب، وهل هذه لمحة نور في عينيه؟

لسبب ما أرادت أن تحدّق في عينيه إلى الأبد، وكأن فيهما نوعًا من المغناطيس السحري. لكنها تذكرت كلمات سيلدي عن عدم التحديق في عيونهم، كما أنها بدأت تشعر بالدوار، فحركت عينيها بعيدًا.

نحو الستارة.

حيث رأت ظلًا ضخمًا يتبلور.

ظلًا أسود غريب الشكل.

هل.. هل تلك قرون؟

سرعان ما توسعت عينيها بذعر شديد، ووقفت من مقعدها، فسقط سيلدي. "أمي!" صرخت وهي تنقل نظرها نحو والدتها سريعًا، بحثًا عن الأمان فيها. لكن..

والدتها كانت تحدق أمامها بصمت وتعابير جامدة، فارغة، ومخيفة بشكل لا يصدق! كذلك كانتا شقيقتيها، ووالدها الذي يراقب الطاولة، وشقيقها الذي وقف سريعًا وأشار نحو الستارة بعبوس "أنت!".

"ليس بعد" أوقفه والدها ببرود وهو يعدل نظاراته الصغيرة، ويبقي أنظاره الجادة على الطاولة. تشنج قلب كادري بشدة، بشدة لا تقاوم. أخذ المكان يدور حولها، وأنفاسها تتلاحق بجنون.

ثمة شيء ما في هذه الغرفة غير طبيعي، شي ثقيل وخطير جدًا. هالة ضخمة، وكأن شيئًا يلمس روحها خفية. شيء يهددها، وآخر يحذرها.

ضاق الهواء من حولها، واتكأت بيديها على الطاولة، بحثًا عن الاستقرار. الخوف تمكن منها، ولا يفترض أن تُلام على هذا!

سيلدي نقر ركبتها، يريد أن يخبرها أن عليها السيطرة على خوفها، عليها ذلك حتمًا في حضور هذه الكيانات من حولهما، لكنها نظرت أسفل إليه بأعين واسعة فقط، وكأنها لا تراه حتى.

أبقت والدتها عينيها أمامها، وشقيقها حدق في الستارة بعبوس، بينما شقيقتيها ظلتا صامتتين بدون رد فعل واضح، تتناولان من أطباقهما فقط.

ووالدها، نظر إليها بتعبيره الفارغ والجاد، ولمعت عينيه بضوء أبيض خفيف.

توقفت كادري فجأة عن رد فعلها المذعور.

نظرت بالطاولة وهي ترمش عدة مرات في حيرة، ثم نظرت حولها نحو عائلتها، ثم نحو والدها الذي أومأ لها بخفة، وعينيه المضيئتين.. تجذبانها.

هل فعل للتو شيئًا أزال ذعرها؟

ارتعش قلبها وشعرت هي فجأة باحترام شديد لم تشعر به من قبل، وأمان من نوع جديد. جلست ببطء وهي لا تزال مدهوشة مما حدث للتو.

نقلت أنظارها نحو الظل مخيف الشكل على الستارة، لكنها لم تشعر بالخوف، بل بهدوء عميق؛ وكأنه كان شيئًا تعيشه كل يوم.

ما هذا بالضبط؟!

استمر الصمت غير المريح حول الطاولة. نظرت هي نحو شقيقتيها التان تأكلان الطعام، لكنها لاحظت شيئًا لم تلاحظه قبلًا.

كانتا تأكلان بانضباط شديد، هادئتين، لا فوضى على الطاولة، تملآن الكوب بدقة وسلاسة، وكل حركة محسوبة لدرجة الكمال. لكن.. لطالما كانتا شقيقتيها مزعجتان جدًا أثناء الأكل.

شيء ما في تحركاتهما جعل لهما هالة غير بشرية واضحة، لكن لماذا لم تلاحظها في أول مرة تراهم فيها؟

وأيضًا.. لم يكن يبدو أنهما يمضغان الطعام فعليًا، بل وكأن الطعام.. يختفي قبل أن يدخل أفواههما؟

شيء عظيم يحدث هنا بالفعل.

هي نقلت نظرها نحو سيلدي الذي كان يجلس أسفل الطاولة، وكأنها تبادله الحديث المستغرب بعينيها، وهو رفع كتفيه بخفة. ليس وكأنه لاحظ للتو ما لاحظته هي، فهو كان يجلس أسفل الطاولة ساكنًا فقط.

"إلى متى تنوي البقاء مكانك؟" تحدثت والدتها بنبرتها الناعمة الأخاذة بينما تبقي عينيها مستقيمتين على مدّ البصر، وهي ترفع يدها ببطء وتنظر إلى أصابعها.

كان يبدو أنها تتحدث إلى.. الظل؟

نظرت كادري سريعًا نحو الظل على الستارة، الذي تجعّد مظهره بشكل مخيف وكأنه غاضب. وعندما هي نظرت نحو والدها، رأته يبتسم بهدوء. هل قال ذلك الظل شيئًا للتو؟

"لطالما كنّا كذلك" يبدو أن والدها كلّم الظلم وهو ينقل نظره نحو الستارة. "لكن ماذا عنك؟ إلى متى تنوي العبث بالأرجاء؟"

نظرت كادري نحو الظل، فتراه ثابتًا لا يتحرك، حتى تنهدت والدتها بخفوت قائلة: "الزاوية التي نهتم بها هي كل ما يهم، أما الباقي، فهو خارج نطاق العبث" ونقلت نظرها ببطء نحو كادري، بحدة غريبة.

أما والدها، فقد ابتسم وأجاب على الظل: "معه حق. نحن لا نسيطر على كل شيء، نحن نسيطر على ما يكفي للحفاظ على التوازن" وهو يلوح بيده إلى الوسط؛ كأن كل شيء تحت رقابته.

تساءلت كادري وغلّفها الفضول: مالذي كانوا يتحدثون بشأنه مع ذلك الظل؟ وما هو ذلك الظل؟ وما هم أصلًا؟

حتى فاجأها شقيقها، الذي وقف غاضبًا وأردف: "ألا تفهم؟ أنت تجرح التوازن، وتجرؤ على العبث هنا، وستحاسب على كل خطوة!"

لم تكن الصدمة في كلماته نفسها، بل في صوته الذي زلزل الجو وأرسل رعشة واهتزازًا مخيفًا عبر جمجمتها، وكذلك جسدها الذي أصبح فجأة أثقل من كرة بولينغ.

اهتز الظل بانتظام خافت وكأنه يضحك، ثم سرعان ما تبخر.

هذه الكائنات قطعًا ليست هينة!

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة