يرقص بين الظلال، يختال فوق رماد العالم
ضحكته تتسلل في عروق الخوف
لا حدود له، لا رادع
كل قلب يخاف هو عالمه
هو النار التي لا تُخمد
السر الذي يهمس في أذن الليل...
.
.
.
.
.
.
.
.
"عفريت؟ من؟ أنا؟".
همس الغريب الذي يقف أمامها مباشرة بعد صرختها المذعورة تلك؛ يجتاح سلامها النفسي. كانت هي تراقبه بأعين دائرية واسعة، تتساءل كيف دخل إلى منزلها؟
كان رجلًا طويل القامة، ذو بشرة سمراء لامعة وابتسامة لطيفة رغم غرابتها..
وعينيه الحمراوتين.. وكذلك أنياب متوسطة.. هذا غريب.
أو.. ربما هو مجرد شيء ولد به.. لكن، لماذا هو هنا؟
"اـ المعذرة.." تمتمت كادري وهي تتراجع على السرير لتنزل، ثم تقف بعيدًا قليلًا عنه، وتراقبه بخوف. "كيف دخلت إلى منزلي؟".
ثبت الرجل نظراته الغامضة على سيلدي الذي لا يزال مستلقٍ على السرير، غارقًا في النوم رغم الضوء وصرخة كادري، ثم نقل عينيه الضيقتين ببطء نحوها، وابتسامة لطيفة تشد زوايا شفتيه ببطء.
"هل تتعجبين من وجودي هنا؟ وجودي ليس بالصدفة، ولا بالتحكم.. فقط وجدت الطريق".
أجاب بتلك الكلمات المريبة التي جعلت من كادري ترتاب لأمره، تعبس، ثم ترد عليه بطيف انزعاج بعد أن فقدت الأمل في فهمه "فـ فقط اخرج من منزلي!".
ارتعشت زاوية عينه اليمنى وكأنه يكافح لكبح انزعاجه، مما جعله يوسع ابتسامته أكثر قليلًا ليخفي ذلك "أنتِ تطلبين مني الرحيل.. لكنني هنا منذ البداية، وأينما تذهبين سأظل حاضرًا".
مالذي..؟! موجود منذ البداية؟ وسيظل حاضرًا؟ هل يعقل أنه مراقب مهووس؟!
هي وسعت عينيها وتراجعت حتى كادت تتعثر. ليس بسببه.. بل بسبب سيلدي الذي ظهر فجأة في الهواء خلف الرجل ووقف فوق كتفه الأيسر بسرعة.
بدا وكأن سيلدي غاضب بشدة وهو يمسك بالسكين قرب رقبة الرجل الأسمر، الذي توسعت ابتسامته أكثر وكأنه مستمتع بكل هذا، وأبقى عينيه أمامه فقط.
"اخرج. من. هنا!" ضغط سيلدي بغضب على كلماته تلك، ومعها ضغط سكينه البارد على رقبة الرجل، صانعًا جرحًا صغيرًا، و.. هل تلك نيران تغلي داخل شق جرحه؟
"ظننتك ستتعقّل عندما تكبر" قال الرجل بصوت خافت، وحرك عينيه ببطء نحو الجانب حيث سيلدي فوق كتفه. شيء ما غامض وغريب امتد من حوله، وكأن النوايا الخطيرة التي يحملها تتجول قريبة منه.
"التزم الصمت!" قرص سيلدي الهواء بأصابعه اليمنى، بينما ضغط السكين أكثر على رقبة الرجل بيسراه.. حتى زاد الجرح أكثر.
وقتها.. شهقت كادري، وطاف الدم في جسدها كموج مضطرب من هول المنظر.
نيران..
نيران كانت تسقط من جرح ذلك الرجل، تقوم بتذويب الأرض لمّا تلمسها، وبدأ مظهره يتشوه شيئًا فشيئًا.
عرفت كادري أن الأمر خطير عندما لاحظت الذعر الشديد في أعين سيلدي وصرخته "توقف!".
لكن الأوان كان قد فات.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الظلام
الظلام
الظلام..
كل شيء من الظلام.
لا ترى أمامها سوى السواد، لا تشعر بأي شيء من تحتها، وكان ذلك شعورًا في غاية الرعب.. حيث بدأت تفقد شعورها بالوجود!
بدأ الذعر يمتطي كل عصبة في جسدها كالجنون. تنفسها يضيق وهي تحاول النهوض، لكنها تسقط بسبب شعور عدم الاستقرار.. النفسي فقط.
كانت على وشك أن تصاب بنوبة هلع أخرى مالم يظهر ضوء صغير في نهاية الطريق. ضوء طويل يتمد نحو الأعلى.. إلى ما لا نهاية.
بمجرد أن رأته، بدأت تزحف بسرعة نحوه، تلهث وتئن وكأنها على وشك البكاء، تتعثر، وتواصل التحرك. لا تشعر بالأرض تحتها، ولا تعرف كيف كانت تتحرك حتى.
لكنها لا تستطيع أن تحتمل شعور الضياع في الظلام هكذا طويلًا. هذا الشعور الغريب والمخيف باللاوجود، واللامعنى.. كان أثقل من أن تدركه.
فجأة توقفت في مكانها عندما رأت ذلك الرجل الأسمر يقف بعيدًا عند نهاية الضوء، ينظر إليها بوجه فارغ.. بنظرات غير مريحة.
ثم استدار وبدأ يمشي يسارًا، بعيدًا قليلًا عن الضوء.. ببطء.
ومع كل خطوة، تتلاشى ملامحه البشرية، حتى بدأ جسده يكتسي بلهيب داكن.
جناحان من النار السوداء تشتعلان من ظهره، تمتدان خلفه، كظلال تتحرك ببطء وثقل.
وعيونه، التي كانت حمراوتين، تحولت إلى وهج أحمر باهت مخلوط بالأسود القاتم..
باهت يقطع الظلام بطريقة مكتومة؛ تجعلها لا تستطيع إلتقاط أنفاسها بشكل صحيح.
ابتسامة صغيرة تجرّ زوايا شفتيه، لكنها الآن تحمل خبثاً عتيقاً، حكمة عمرها كالكون، وغضبًا لم يُقمع بالكامل.
نصف وجهه مشوه بفجوة كبيرة تنبثق منها النيران وتغلي.. كانت حرفيًا نيران تغلي داخل وجهه!
صوته، حين نطق، لم يكن بشريًا، بل ارتعاشات حادة ثقيلة، تشعرها وكأن حجرًا يضغط على صدرها. "هكذا ترين حقيقتي، ولا عودة لما كنتِ تعرفينه قبل دقائق".
كل جزء منه، مشوه.
مشوه ومخيف بشكل لا يُحتمل النظر إليه. كانت رؤيته وسماعه وحدها تبعث ترددات قوية تصم أذنيها!
"لا!" صرخت بذعر وهي تغلق أذنيها بيديها، وتنفسها يثقل أكثر فأكثر. وجوده يجعل شيء ما لا يطاق من حولها. "سـ سيلدي!" بصوتها المرتجف نادت.
هذا كثير!
هي حركت عينيها في الظلام من حولها، تبحث بيأس وحاجة عن سيلدي، لكنها لم تستطع رؤية شيء.. لا شيء سوى ذلك المخلوق المشوه الذي يقف قريبًا من الضوء.
"لن يسمعكِ" همس هذا الشيء بنبرة ثقيلة جعلتها ترتعش، ولم تستطع حتى النظر إليه دون أن يصيبها صداع يكاد يحطم دماغها. "لقد رحل وتركك، فهو لم يكن هنا لحمايتك".
"كاذب!" بصعوبة هي بصقت تلك الكلمة الغاضبة، ترفع عينيها لمحاولة رؤيته، لكنها تئن ألمًا وتخفضهما سريعًا. "أنت كاذب! سيلدي.. سيلدي حماني طوال الوقت!".
"لم يكن يفعل ذلك لأجلك" هو اقترب ببطء، ولم يبدُ أنه يمشي، لكنه بطريقة ما يتحرك أقرب إليها "لقد حماكِ لأنه احتاجكِ.. لأنكِ غرض مهم وسيلقي بكِ بعيدًا بعد ذلك".
هي واصلت تلهث، وكلماته زادت الأمر صعوبة عليها.. كانت تفهمه بطريقة ما رغم أنه لم يكن ينطق بحروف واضحة.
"تـ توقف عن الكذـ.."
فقاطعها: "أنا صادق أكثر من أي شخص آخر!" أخذ يدور حولها، يدور ويدور كسمكة قرش تحيط بفريستها "لأنني أعرفه خير معرفة. إن هذا الـ.. هذه الدمية كاذبة، وليس أنا".
أخذت نبرته منحنى لطيفًا حين قال: "أنا أحاول حمايتكِ منه فقط. فكري في الأمر، سوف تبقين معه طوال الوقت، تساعدينه وتمنحينه شيئًا من عاطفتكِ، ثم.. سيحطم كل شيء دفعة واحدة".
ضحكة صغيرة فلتت من بين كلماته وهو يستأنف: "كلما بقيتي معه أكثر، تعلقتي به أكثر.. أليس الأجدر بكِ التوقف عن الغوص في هذه الدراما؟".
هذا.. هذا مستحيل. هي لا يجب عليها أن تصدق هذه الكلمات، لكن.. هي تشعر بطريقة ما أنه محق.
سيلدي ظهر من العدم، تلاعب بها في البداية، ثم بدأ يساعدها.. يستحيل أن يكون قد أحبها في ظرف يوم واحد.. وهي لا تعرفه حتى.
ماذا لو أنه خطط لشيء وسط تلك الأحداث وقرر استخدامها، فهو دائمًا ما يتهرب من أسئلتها، وكل ما يفعله مريب وغير مترابط.
ماذا لو كان هذا الشيء محقًا؟
"سأترككِ الآن تفكرين في الأمر، وأعلم جيدًا أنكِ ذكية وستتوصلين في النهاية إلى القرار الصحيح" هو رفرف جناحيه المشوهين بخفة وكأنه يحاول أن ينشر نسيمًا بواسطتهما، لكن رائحة لا تطاق انبثقت منهما وحرقت عينيها.
كان ذلك آخر ما تذكره هي قبل أن تفقد الوعي.. وتنزلق إلى ما يشبه الحلم.
.
.
.
ترى في حلمها سيلدي ينظر إليها بخبث، يبتسم بمرح تارة، يتجاهل ببرود تارة، ويغضب بقلة صبر تارة أخرى.
شخصيته غير متناسقة.. لا شيء فيه مفهوم بالنسبة إليها، ولا حتى ذلك المظهر الطفولي الذي يحيط به؛ كونه دمية.
كل شيء يجعلها تشعر بالضياع أكثر مما كانت تشعر قبل أن يدخل سيلدي حياتها.. ويسحب معه حقيبته التي تحتوي كل ما هو مخيف.
فتحت عينيها بعد حلم طويل، ببطء شديد، فرأت سماءًا ليلية مرصعة بنجوم تتحرك وكأنها تقترب، لوحة طبيعية في غاية الجمال، والتشوه.. لم تستمتع بها كثيرًا بسبب الصداع الذي جعلها تشعر برغبة في التقيؤ.
"يالهي" هي تمتمت بتعب يشوبه الاستياء، ورمشت محاولة أن ترى جيدًا، لكن نظرتها بدت مشوشة. كانت تشعر فقط أسفلها بسطح خشبي بارد يؤرجحها بخفة.
"أخيرًا استيقظتي" هي سمعت صوت سيلدي الكريه -كما ظنت- أمامها وهي تفرك عينيها بقلق طفيف، خشية ألا تتمكن من الرؤية مجددًا. هو استأنف قائلًا: "أقلقتني. بقيتي غافية لثلاثة أسابيع".
"هاه؟" عبست باستغراب وهي تراقب حولها، محاولة أن تتمكن من استعادة نظرها. أخيرًا بدأ يتضح كل شيء وهي تتلفت.. لكن..
لـ لماذا يحاوطها الماء من كل جانب؟!
يتبع~
Dontin