{الفصل الحادي عشر: المدينة غير المسماة}

{الفصل الحادي عشر: المدينة غير المسماة}

20 0

نسيم ليلي هادئ عبق برائحة الخطر في مدينة نائية صغيرة، بنيانها مميزة بالقباب السوداء، وسماءها مبلدة بالغيوم على مدار اليوم.

عاليًا، فوق إحدى البنايات المقببة، وقف رجل تكسوه البذلة السوداء والقفازات الجلدية، وعباءته الحريرية اشتدت يسارًا بفعل الرياح الخافتة.

في يده يمسك رمحًا أسود، في أعلاه تستقر جوهرة ذهبية؛ قام بتوجيهها ببطء نحو قاع المدينة. أشار برمحه ناحية البحر، فلمعت الجوهرة كلؤلؤة سحرية.

"ها أنت ذا إذن" همس الرجل ذو الشعر الرمادي الباهت، وعينيه الضيقتين يموه فيهما اللون الأصفر. حدة تحبس الأنفاس.. خوفًا.

كان قادرًا على رؤية النجوم وهي تتساقط على البحر مسترسلات، كأنما شهبًا ذهبية تتسابق من يلمس البحر أولًا.

وبين النجوم التي تجعل من البحر لوحة لامعة، رأى مركبًا خشبيًا يطوف مستقرًا.. وقد كان من فيه تحديدًا هو مبتغاه الحبيب.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"هل تمزح معي؟! أعدني إلى المنزل الآن!" صرخة كادري المحتجة خدشت سكون البحر البنفسجي، حيث لم يكن يسمع قبل هذا سوى صوت نقرات النجوم الخافتة وهي تهبط على سطحه.

سرعان ما اشتدت كمية وسرعة سقوطها، وكذلك الضجيج الذي يسببانه. بعض النجوم صفراء لامعة، والأخرى سوداء متشققة.

لكن كادري كانت في غاية الذعر لدرجة أنها فوتت منظرًا فريدًا مثل هذا.

"أخبرتكِ مرارًا أن هذا مستحيل حاليًا! السيطرة هنا ليست في يدي!" دافع سيلدي عن نفسه وهو يضرب على ركبتيه الصغيرتين مع كل كلمة، والعبوس بادٍ على وجهه البلاستيكي.

لكن كادري التي قالت "جديًا؟" بعدم تصديق بدأت ترتجف، وراقبت المكان حولها، فتراه يدور، فتعيد نظراتها سريعًا نحو سيلدي.

"هل نحن في البحر؟ أنا أعاني من دوار البحر، ولا يمكنني البقاء مستقرة على سطح متأرجح!" قالت بنبرة مرتجفة قبل أن تضغط يديها على فمها أقوى، تكبح ما يهدد بالخروج من معدتها.

"أيّ نوع من الجبناء هو أنتِ؟" هو تمتم لنفسه بقلة صبر، فلاحظ نظراتها المستنكرة نحوه. تنهد وأعاد عينيه نحو البحر، حيث استقر تساقط النجوم قليلًا.

"أين نحن؟" تساءلت كادري بينما تبقي عينيها على سيلدي، لأنها إن نظرت إلى البحر، فسوف يزداد دوارها سوءًا. لكنه لم يجبها مباشرة.

التزم الصمت لبضعة ثوان؛ استمتع فيها بمنظر النجوم الممطرة، والروائح المثيرة للاهتمام التي تصاحبها، ثم تنهد للمرة الثانية ونظر إليها بجدية.

"لم نأتِ إلى هنا عبث؛ لدينا مهمة جدية يترتب علينا إنهاؤها قبل سبعة أيام".

مالذي كان يعنيه بالضبط بتلك الكلمات الغامضة التي يبدو أنها تحمل في جوهرها موضوعًا مهمًا؟ هكذا تساءلت كادري، لكن هذا أقلقها أكثر فقط.

لم تكن تعرف أين هي حتى. كيف انتقلت من منزلها إلى هنا فجأة؟ من ذلك الرجل الأسمر وماذا أراد؟ وماذا يريد سيلدي حتى؟!

هي تذكرت أنها لا يجب عليها أن تثق به بعد الآن. شيء ما لا تذكره أخبرها بأنه مجرد كذاب أناني، وعليها الابتعاد عنه.

هي ضربت قاع القارب، فاهتز بخفة جاعلًا سيلدي يرفع حاجبه بتعجب، وكأنه يسأل بعينيه 'ماذا أفهم من هذا؟' ، لكنها سبقته حين صرخت غاضبة.

"أنزلني حالًا! لا أريد أن أبقى معك ولا لثانية أخرى!!"

وذلك الصراخ المهتاج الغاضب غير المتوقع وغير المبرر منها أربكه، فقال: "مهلًا، لماذا؟ مالذي حصل؟"

"فقط أنزلني أيها الكاذب! الآن!". لم يبدُ أنها مستعدة للاستماع إلى أي أسئلة أو تبريرات من سيلدي، وذلك جعله يتنهد بقوة غضبًا. "هل تمازحينني؟ حسنًا إذن، انزلي، ولا تأتي إليّ باكية حين تعلقين في موقف جيد!".

قال الكلمة الأخيرة بضغطة ساخطة، ثم أمسك بالجدافين على جانبيّ القارب وأخذ يدفش الماء ويدفع القارب نحو أقرب رصيف.

"ها أنتِ ذا!". رغم أن صوته لم يكن مرتفعًا، إلا أن أمارات الاستياء كانت واضحة على تعابيره ونبرته الهادئة بلا شك. قال ذلك وهو يوقف القارب قرب الرصيف ويشير إليها لتنزل.

"أردتكِ قريبة مني لأجل مصلحتي، ومصلحتك، لكنكِ جبانة وغير قادرة على أن تهدئي ولو لثانية واحدة وتفكري! ها أنتِ ذا الآن، انزلي!".

بدأت النجوم تنزل أكثر وأشد، وازداد الأسود منها.

"لا تتحدث إليّ هكذا أيها القزم! أنت من وضعني في موقف لا أحسد عليه ورغم ذلك تطلب مني أن أهدأ؟ أي منطق غبي هو هذا الذي تتبعه؟!" احتجت كادري بغضب ولم تنهض بعد.

قرص سيلدي الهواء بأصابعه وأخذ يفرك أسنانه بقوة ضد بعضها بعضًا، يكافح لكبح غضبه. بصوت مكتوم وغضب مكبوت هو حذّر: "فقط انزلي. لا أريد أن أجادلكِ أكثر!".

"يالهي كم أنت غبي مغفل سخيف مقرف وعديم القيمة والمعنى! تبًا لك أيها الكاذـ.. آه!!" صاحت بحدة وهي تدفع القارب بقدميها وتخطو على الرصيف الخشبي.

نظرت إليه مرة أخيرة بمزيج غضب و.. ندم؟ ثم سارت بخطوات قوية بعيدًا، تمشي بغير هدى.

بقيَ سيلدي هناك في صمت لبعض الوقت، يراقبها تبتعد حتى توارت عن أنظاره، ثم تنهد بإرهاق، وراقب السماء بتعابير محبطة.

"إنها حقًا تفقد صبرها حين تشعر بأن أمانها ويقينها يتعرضان للتهديد. إنها.. تريد حقًا أن تسيطر على كل جزء من حياتها.. ومحاولاتها عقيمة". تمتم سيلدي لنفسه وهو يخرج سكينه من جيب سترته، وينقل نظراته إليه؛ يراقب انعكاس عينيه البرتقاليتين عليه.

بدا وكأنه يحاول أن يلتمس لها الأعذار، ألا يكرهها، ألا يفقد أمله منها؛ لأنه يحتاجها.

ولأنها تحتاجه أكثر.

استغرق في التفكير لبعض الوقت وهو جالس على ذلك القارب. يفكر مرارًا وتكرارًا في خطوته التالية، وماذا عليه أن يفعل الآن بعد أن فقدها.

فقدها؟ مهلًا.. لا يمكنه أن يفقدها! لا يجب عليه أن يسمح لنفسه بفعل هذا.. ليس مجددًا!

سرعان ما لمعت عينيه بضوء برتقالي داكن، وكأن روحه تحترق وتحترق بداخله. نهض وقفز نحو الرصيف، وهو يعلم أن عليه اتباعها سريعًا..

لأنه إن لم يفعل..

فإن الشخص الذي يراقب كادري من بناية عالية قد يعقد العزم ضدها.

ويشحذها برمحه القادر على تذويب الحديد.

وقد كاد يفعلها.

[عند كادري] :

بعد أن هتكت بجام غضبها على سيلدي، أخذت تمشي وتمشي بين جمع الناس. مستاءة لا تعرف إلى أين تتجه.

جزءًا كبيرًا منها غاضب بشدة وساخط لكل ما يجري من دراما غير منطقية. لكن.. جزءًا منها يداعبه الذنب.. وكان يلسع.

ماذا لو أنه مظلوم؟ ماذا لو كان حزينًا فزادت هي حزنه؟ لم تحتمل أذية مشاعره في تلك اللحظة، لكنها لا تريد أن تضع نفسها في موقف خطير.

أدركت أن كل ما عليها فعله هو التوقف عن التفكير، لكن الفكرة استمرت تنخر في رأسها دون توقف، تعاد وتعاد كشريط صوتي محطم.

لكن المحيط من حولها.. أرغمها بطريقة ما أن تتوقف عن التفكير..

لأنها بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا جديدًا كلما مشت..

الناس.. يرتدون ملابس غريبة، تحركاتهم غريبة، والأجواء من حولها غريبة.

بعضهن نساء يرتدين فساتين طويلة تصل للأرض، وأكمامها منتفخة ومزخرفة بالدانتيل وطبقات من التُل.

وألوان ثيابهن، البنفسجي الداكن والأحمر القاني تنتشر بالمكان، وطبقات من الكشكش والشراريب.

أما الرجال فكانوا يرتدون سترات قصيرة عند الورك وبعضهم طويلة تصل للركبة، بتفاصيل مطرزة على الصدر والأكمام، ألوانها قاتمة مع لمسات فضية.

قفازات طويلة، قبعات عالية أو مزخرفة بريش؛ هذه الاكسسوارات كانت متواجدة على كل شخص مر من أمامها.

لكن مع إطالة السير نحو الأمام، أخذ كل شيء يتغير..

يتغير الناس وتتغير أزياءهم؛ وكأنها دخلت فجأة عبر بوابة سحرية، حيث كان الجميع يرتدون كالمهرجين!

كان انفجارًا بصريًا من الألوان الصارخة مثل الأحمر الفاقع، والأصفر الساطع، والأزرق كهربائي وغيرها، كانت تتقاتل على انتباه العين، كأن الجميع قفزوا من لوحة فان جوخ!

حتى الأقمشة؛ حرير، ساتان، مخمل، شيفون، كلها متشابكة في طبقات غريبة، وثمة شرائط متطايرة، وبراق يلمع ويتطاير من حولهم.

ملابسهم مزخرفة ببقع هندسية، وخطوط متعرجة، ونجوم صغيرة.

وثمة قبعات ضخمة وغريبة الشكل، وأنوف حمراء دائرية، وأقنعة مزخرفة، وأزرار عملاقة، وقفازات طويلة متناقضة في اللون، وجرس صغير يرن مع كل خطوة.

كل شيء فوضوي ومزركش بشكل غير متوقع، وكأنها انتقلت فجأة إلى عالم خيالي.

لكن يبدو وكأن الأمر يزداد غرابة كلما تحركت نحو الأمام، وشعور مضطرب راودها هذه المرة.

بدأ الناس يلبسون ألوانًا مقرفة؛ رمادي باهت، بني مترب، أخضر داكن شبه متعفن، أزرق كئيب يميل للسخام.

لا بريق ولا لمسة فرح، كلها ألوان جعلت غصة تعلق في حلقها.

أقمشتهم ثقيلة، خشنة، ومتجعدة. فاسدة بطبقات غير متساوية، وأطراف مهترئة.. وأسلاك غريبة تتلوى كالثعبان من أطراف ملابسهم.

الزخارف كانت قليلة جدًا، أي زخرفة تبدو كأنها صدئة ومشوهة، كأزرار مفقودة أو مهترئة، وحواف غير مستقرة كأنها ستتفكك مع الحركة.

بدت ملابسهم وكأنها خائفة وكئيبة.

أين هي؟ ومالذي يحدث هنا؟

كانت تمشي باضطراب وتدفع الناس عن طريقها، تنفسها يضيق شيئًا فشيئًا وهي تلاحظ وجوههم تتغير وتتلوى؛ مثل أقنعة المهرجين!

هل عليها عن تبحث عن سيلدي؟ لا، ذلك الوغد الكاذب، لا يمكنها أن تثق به بعد الآن.

ستحاول أن تنجو وحدها.

هي قررت ذلك، وأخذت تدفع وتدفع حتى وصلت إلى زقاق مظلم وخالٍ من الناس، وركضت عبره. ثم أخيرًا عمّ السكون، ولم تكن تسمع سوى صوت ضجيج الناس البعيد.

كاد قلبها يسقط لوهلة ذعرًا عندما قفزت قطة من خلف سلة مهملات صدئة، هسّت بغضب، ثم ركضت بعيدًا.. قطة حمراء.

انحنت كادري تلتقط أنفاسها الضيقة ثم عادت تركض عبر الزقاق الطويل، وخرجت أخيرًا من الجانب الآخر من المدينة.

كان مكانًا مختلفًا تمامًا.

كان الدمار الشامل يسيطر على كل بقعة من تلك الأنقاض، الهواء ملوث، الفضلات في كل مكان، وثمة.. مجموعة قطاع طرق تقترب منها.

لقد ابتسموا لها بينما هي تراجعت بحذر، وأخذوا يغازلونها بألقاب مقرفة وبذيئة. نظرة نحو الأعلى.. نظرة نحو الأسفل.

لم يتركوا منها إنشنًا مستورًا، حتى أخذت ترتجف.

"يكفي" بعدما كاد الخوف يتمكن منها، وقف الرجل ذو الرمح الأسود أمامها، ونظراته الفارغة مركزة على الرجال المنحرفين.

"من الوقاحة التطاول على امرأة عزلى" قال، ومن ثم أشار نحوهم برمحه، فجعلهم يتراجعون.

"اتركوها لي".

قال تلك الكلمات.. الغريبة.. ولمعت عينيه الصفراوتين بشرارة جعلت الرجال يبتسمون فيما بينهم ثم يتراجعون وهم يتمتمون ببعض المديح.

أبقى الرجال الطويل على تعابيره الفارغة، ثم التفت نحوها وابتسم بجاذبية، ومد يده إليها. يراقب كيف هي تتراجع خطوة حذرة.

"يمكنكِ أن تثقي بي". بعد أن نطق بتلك الكلمات بنبرة ناعمة، هي نظرت ليده الممدودة، ثم لعينيه.

وسرعان ما.. وجدت نفسها تضع يدها على يده.

وابتسامة غريبة راضية وخاضعة ترتسم على محياها.. مع شرارات الخوف.

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة