{الفصل الأول: لعبة لعشر دقائق}

{الفصل الأول: لعبة لعشر دقائق}

24 0

نقلت كادري عينيها البنيتين نحو الساعة المعلقة على الحائط، والتي كانت تدق بوتيرة منتظمة، لكنها رغم ذلك تسحب الوقت ببطء شديد. عَلِمَت في قرارة نفسها أنها قد تنتظر لِما بعد منتصف الليل لحين عودة عائلتها من عيد ميلاد ابنة قريبتهم، صوفيا التي بلغت الثانية للتو، لكنها رغم ذلك واصلت التحديق بالجدار، منتظرة بقلة صبر.

ليس الأمر أنها لم ترغب بالذهاب معهم، لكن السيارة التي أخذتهم كانت أصغر من أن تكفي لعشرة أشخاص؛ لأن الجيران انضموا إليهم، فاقترحت هي أن تبقى وحدها في المنزل، للمرة الأولى.. وربما الأخيرة.

ترددت والدتها في السماح لها بالبقاء في البداية؛ كونها كانت صارمة جدًا حين يتعلق الأمر بالأمان، لكنها بعد ذلك وافقت بعد ضغط محاولات الإقناع من زوجها، الذي كان متمسكًا بمفهوم الإستقلالية والاعتماد على النفس. كذلك أختيها التوأم الصغيرتان التان تمسكتا بحجة "إخبارها بما حدث معهن في غيابها"، وشقيقها الذي قال بعبوس وهو يبقي عينيه على شاشة هاتفه "أنا موافق، فهي متسلطة" لعدم رغبته في بقائها معه في نفس المكان.

من وجهة نظرها، لم يكن محقًا في ما قاله، فهي كانت "الأخت الأكبر، ولها حقها في الأوامر بعد كل شي"

كانت تلك الكلمات التي احتجت بها بغضب على وقاحة شقيقها الأصغر.

سمعت صوت دمدمة خافتة من نهاية الممر، وصوت الرعد ينذر بالسوء من خارج النافذة. قلبها كان ينبض ببطء في صدرها، يطمئنها، على عكس صياح الرعد المخيف، لكنها تنهدت فقط بضيق، ورفعت ركبتيها تحتضنها قرب صدرها.

"جديًا، أشعر بالملل"

كانت نبرتها المرهقة خافتة. لم تكن تتوقع أن الملل الذي كانت تشكو منه سيُقاطع بهذه السرعة؛ إذ دوى صوت خافت، كأن لعبة سقطت من فوق الرف، تبعته خشخشة باردة جعلت شعر ذراعيها ينتصب.

نقلت نظرها سريعًا نحو الرف المثبت على يسار غرفة الجلوس، خلفها، وخُيّل لها رؤية دمية ذكورية بلاستيكية تبتسم بشكل غريب.. ألم تسقط الدمية للتو؟ لماذا لا تزال جالسة في مكانها؟

بدأت نبضات قلبها تتسارع قليلًا حين تذكرت أنها لم ترَ هذه الدمية في المنزل من قبل، لكنها طمأنت نفسها باحتمالية كونها لم تلاحظها فحسب؛ فأخواتها يملكن الكثير من الدمى المريبة مثل هذه.

رفعت جسدها الثقيل عن الأريكة على مضض، وسحبت قدميها الحافيتين على السيراميك الفاتح، مصدرة صوت احتكاك مزعج بقدميها وهي ترغم نفسها على الذهاب إلى المطبخ حين تذكرت أنها لم تأكل شيئًا منذ مطلع الفجر.

كانت قد تبقت ثلاثة وأربعون دقيقة حتى منتصف الليل، وكان عليها أن تأكل شيئًا.

فتحت الثلاجة وأطلت بداخلها، بحثًا عن ما يمكن أكله. كان يمكن صنع أكثر من وجبة بالمكونات في الثلاجة، لكنها رغم ذلك لم تجد شيئًا تأكله كالعادة. سمعت من خلفها صوتًا بطيئًا، خطوات صغيرة "تكت.. تكت.." على السيراميك خلفها، لكنها لم تجد شيئًا حين التفتت.

حركت عينيها بسرعة بمحيط المطبخ، وكان قد بدأ قلبها يؤلمها قليلًا. "أه، ألهذه الدرجة أنا جائعة؟" هي تمتمت لنفسها مع ابتسامة صغيرة، لكن عقلها ظل يكرر أن ثمة شيء ما غير طبيعي.

لسبب ما، فقدت شهيتها، فعادت بخطوات متذمرة نحو غرفة الجلوس. ودفعت جسدها على الأريكة الرمادية. حدسها، أخبرها أن عليها النظر نحو الدمية على الرف، وقد فعلت ذلك. لكن.. هل كانت ابتسامة الدمية أعرض قليلًا؟

كانت عينيّ الدمية موجهة نحوها مباشرة، ليست بنفس الزاوية التي رأتها بالمرة السابقة.

وقفت بسرعة وهي تشعر بعينيها تتبلل، وقلبها يتسارع بينما تحدق بالدمية بذعر. بنظرات حذرة راقبت المكان حولها، ثم أعادت نظرها نحو الدمية مجددًا، تستشعر وجود شيء غريب حولها.

كان عليها أن تتأكد بنفسها.

بحركة سريعة، مشت نحو الدمية على الرف، ومدت يدها لتحملها، لكنها.. لكنها كانت ثقيلة جدًا، مثل وزن رجل بالغ، فلم تتمكن من رفعها. أسقطتها وتراجعت وهي تلهث، وتدمع عينيها أكثر، ومعدتها الفارغة تتلوى بشكل مؤلم، خصوصًا بعد صوت الـ "طممم" الثقيل الذي صدر من الدمية عند ارتطامها بالأرض، مثل جسد حقيقي ارتطم.

"أنا أتخيل.. أنا بخير، كل شيء بخير"

كذبت على نفسها، وتراجعت بسرعة. عادت لتجلس على الأريكة، محتضنة ركبتيها إلى صدرها. كان عليها أن تعترف بذلك، لطالما كانت سريعة الخوف والتأثر، وحدثٌ غير طبيعي كهذا.. ربما كان عليها فقط التظاهر وكأن شيئًا لم يكن.

لكنها سمعت صوت سحبة درج من المطبخ، بعده احتكاك معدني بأرض السيراميك، محدثًا صريرًا حادًا، كأن المعدن يجرح الأرض؛ مستمر وبطيء.. سسسسشّكككك..

شهقت ووقفت بسرعة بينما تتراجع وتبقي عينيها على الباب، متوقعة ظهور شيء من خلفه؛ فالمطبخ كان قريبًا من غرفة الجلوس حيث هي. لكن مرت الدقيقة والاثنتين، وهي على حالها هذا؛ واقفة تحدق بالباب بذعر، ولا شيء يظهر.

لكن بتركيزها على الباب، كانت قد نسيت أمر الدمية المريبة على الرف، فحركت عينيها سريعًا نحوها. كانت في مكانها، رغم أن ابتسامتها بدت أوسع قليلًا، ويدها اليسرى كانت خلف ظهرها.

أصرت كادري على أن تتجاهل الأحداث المريبة التي تحدث حولها، متبعة نهجها المعتاد بالهرب مما يزعجها رغم رغبتها الملحة بالذهاب نحو المطبخ، وعادت لتجلس محتضنةً ساقيها.

لحظة الهدوء طالت، ولم تكن تسمع شيئًا سوى دقات الساعة المنتظمة، وقلبها الذي ينبض مع كل دقة، وكذلك عينيها التي تنتقل ببطء بالمكان حولها وتعد الثوان حتى عودة عائلتها، رغم الخوف المُلِح في صدرها.

بعد لحظة صمت طويل، سمعت ضحكة مشوهة جدًا، لم يكن من الواضح ما إن كانت من الدمية على الرف خلفها أم من مكان آخر، وصوتًا خفيفًا تحت الأرض، كأن شيئًا ما يضغط الأرض وهو يخطو، لكنها لا إراديًا فتحت ساقيها قليلًا لتتمكن من رؤية ما أمامها، لعلها تكون قد نسيت التلفاز مشغلًا.

هبطت عينيها، و..

كانت الدمية تقف أرضًا أمامها، بابتسامة غير طبيعية على فمها البلاستيكي، تقبض في يدها آداة معدنية طويلة.. سكين مطبخ.

توقف الزمن.. توقفت عينيها عن الرمش.. وتوقف قلبها عن النبض لأقل من ثانية..

ثم.. عاد ينبض بسرعة جنونية مع صرختها المذعورة، وهي تقف وتتراجع بسرعة لدرجة أنها تعثرت، لكنها وقفت مجددًا، يرتجف جسدها بشكل جنوني، وعينيها تتحركان بسرعة، تحدقان في كل ذرة من جسد الدمية، التي مالت رأسها قليلًا، ولمعت عينيها البرتقاليتان بضوء غير طبيعي، ومددت أصابعها البلاستيكة الصغيرة بدقة قبل أن ترفع السكين وتشير به نحو كادري.

في تلك اللحظة، انطلق الإيدرينالين في جسدها كالجنون! تسمع أصواتًا غريبة، خيال ظلال تتحرك على الحائط، حتى الهواء يبدو أثقل حين يبالغ جسدها في ردة فعله.

دار رأسها وتشوشت نظرتها، فاتكأت على الجدار قربها في محاولة لتثبيت نفسها، لكن الأمر فشل حين اقتربت الدمية، مصدرة صريرًا بلاستيكًا خفيفًا مثل خخخ بجسدها.. ثم همست.

"جبانة"

جبانة؟ هل كان هذا ما يمكن وصفها به بعد رؤيتها لدمية حية بسكين؟ كان بإمكانها سماع نبضات قلبها في أذنها، واحتكاك السكين البارد الخفيف على السيراميك، حيث تصنع الدمية شكلًا دائريًا بطيئًا بالسكين على الأرض وهي تبتسم لكادري ابتسامة مريبة.

كان صوت الدمية رجوليًا بامتياز، ينافي مظهرها الطفولي الصغير رغم وجهها الغامض. صوتًا يحمل ثقلًا وبطئًا أسقط كمًا هائلًا من الخوف في قلب كادري الضعيف.

رفعت الدمية حاجبها الرقيق ببطء وهي تلقي نظرة سريعة على كادري من أعلى لأسفل، ورفعت السكين، تشير بها مجددًا نحو كادري وهي تقترب.

"أين تظنين نفسكِ ذاهبة؟ أنتِ عالقة هنا معي الليلة"

"ابتعد!!"

صرخت كادري بذعر، وبدأت بالبكاء بينما تتراجع، وتنفسها ثقيل، كأنما جبل بركاني يضغط على صدرها. بدا أن رؤيتها بهذه الحال أرضى الدمية، التي ارتفعت زوايا شفتيها ببطء خبيث.

"أنتم البشر جبناء بشكل مثير للضحك بصراحة"

أخفضت الدمية عينيها، تحديدًا نحو السكين التي تفركه بخفة على راحة يدها البلاستيكية، واتخذ صوتها نهجًا تهديديًا بوضوح رغم هدوئه الظاهري.

"أنا وأنت سنلعب لعبة لعشر دقائق"

لم تقترب الدمية ذات الشعر الأبيض متوسط الطول، بل قفزت لتجلس على ظهر الأريكة الرمادية، وتمسك بالسكين في حضنها بينما تحلل كادري بعينيها.

"إن فُزت، سوف أبقى هنا بغض النظر عن خوفك" رفرفت أصابعها ببطء فوق السكين وهي تتأمل ردة فعل كادري.

"لكن إن فزتي.. حينها سوف أختفي دون التسبب بأي أذى، اتفقنا؟" أنهت الدمية كلمتها الأخيرة بشيء من الخبث، وأظلم وجهها بالنوايا المريبة، تزامنًا مع جرس الساعة الذي يعلن حلول وقت منتصف الليل.

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة