ساقها بقبضة من ورد عبر الممرات الضيقة، جدرانها مزينة باللوحات المؤطرة على طول الطريق، صورًا تحمل شعورًا غريبًا ينبعث منها كغبار الحرب.
استمرت كادري في متابعة صاحب العينين الصفراوتين بذهن خالٍ وعيون باهتة.. وابتسامة غير صادقة.
في النهاية أخذهما الطريق إلى ما يشبه البار؛ غرفة ضخمة هادئة يكسوها الأثاث المغطى بالجلد البني. موسيقى الجاز الخافتة ورائحة البخور المحترق تسيطر على الحواس.
سحب صاحب العينين الصفراوتين كادري نحو المنضدة الخشبية الطويلة، حيث وقف خلفها رجل طويل القامة نحيل البنية.
كان يمتلك عيون بيضاء شفافة.. وعيونه البيضاء راقبت كل إنش من جسد كادري، وكأنه يراقب روحها خلسة.
امتدت زوايا شفتيه الجافتين ببطء شديد مع كل نبضة قلب هادئة منها، وانحنى على المنضدة الطويلة بمرفقيه، ثم مد يده مرفوعة الكف نحوها.
"علمتُ دائمًا أنكِ ستقفين أمامي يومًا، لكنني لم أخِل أن هذا اليوم سيحين بهكذا سرعة".
عينيه بدت ناعسة، وزواياها الخارجية كانت منخفضة، وكأنه حزين رغم تلك الابتسامة.
وضعت كادري يدها فوق خاصته بكل سرور، فما لثب حتى توسعت ابتسامته برضا. حرك جسده بخفة يدور حول المنضدة حتى وقف أمامها.
"حلوتي الغالية ونبضي الثمين، لا تعرفين كم أنا ممتن لوقوفكِ تحت قبضتي المخلصة".
استخدم كلماته المعسلة ليجذب انتباهها، أو حتى ابتسامة منها، وقد فعل؛ إذ أنها ضحكت بخجل ولوحت بيدها الأخرى بخفة "ما كنت لآتي لولا صديقك الظريف هنا. ينبغي أن توجه شكرك إليه"
قالت تشير نحو الرجل ذي الرمح الذي قادها إلى هنا؛ صاحب العينين الصفراوتين.
نقل الرجل بالابتسامة الصغيرة عيونه الناعسة ببطء نحو الآخر، وأومأ له برأسه "أشكرك يا عزيزي كيال. أنا واثق أنك أفضلهم طاعة ومسؤولية".
لم تتغير تعابير كيال، فقط نقل رمحه ليده الأخرى، لينحني ويده الحرة على صدره "إنه واجبي يا سيد المقام". ثم استقام وأشار نحو اللوحة الكبيرة المغطاة بستارة مخملية.
وقال: "اسمح لي يا سيدي ميلخازار أن أقترح عليك.." ترك بقية جملته معلقة بالهواء، وكأنه واثق بأن ميلخازار يفهم مقصده.
وقد فعل، حين نقل نظراته التي تحمل شغغًا وهوسًا غامضًا لا يلين، وأصابعه تداعب أصابع كادري وكأنه يعبر عن حماسته بتلك الطريقة.
"يا ملكتي السوداء الحلوة.. بالأمس، وتحت شرفي وشرف جميع رفاقي، وعدتُ نفسي بأنني سأمهد لروحك الطريق عبر مسارات النجوم".
سحب خصلة من شعره الطويل شديد السواد خلف أذنه، وعينيه انتقلتا بهيام بين عينيها البنيتان؛ تبحثان بيأس عن شيء ما.
"لذلك، فقد صنعتُ لكِ، وبكل حب، لوحة جبارة قادرة على سرقة أنفاسكِ دفعة واحدة وتقديمها كقربان لقلبي الذي فقد بريقه منذ بداية الوجود".
تزامنًا مع نطقه لآخر حرف، حتى تجمع شمل من الرجال والنساء غريبي المظهر وجامدي التعابير من حولهما.
ظهروا من اللامكان.
مزينين بأجود أنواع الألبسة والمجوهرات، يكسوا كل واحد منهم اللون الأسود. بعضهم مخملي وآخر لامع، ومن عيونهم تتساقط شرارات غريبة.
شرارات سوداء.
ببطء، هو انخفض على ركبته اليسرى، وبعينيه البيضاوتين نظر إليها بمزيج توسل وهوس، يشابك أصابعه مع خاصتها.
"فأرجوكِ.. أرجوكِ يا ملكتي السوداء، امنحيني عقلك وقلبك.. كله لي".
~
تحت السكون الذي خيّم المدينة، وتحت سماء تظللت باللون الأسود شيئًا فشيئًا، كان سيلدي يتحرك بخوف وتوجس يملآن قلبه.
كان عليه أن يصل إليها قبل انقضاء العشر ساعات.
لقد عقد مع عذراف اتفاقًا بالفعل، لكنه في قرارة نفسه ربما لم يكن واثقًا تمامًا من مقدرته على الفوز في هذا.
كما كان في تحديه 'العشر دقائق' مع كادري في منزلها.
يذكر كيف شكك في نفسه وقدراته في تلك اللحظات. كان بحاجة للبقاء معها، لكنه لم يكن قادرًا على شرح نفسه أو سبب بقائه لها.
لم يكن ببساطة قادرًا على ذلك.. لأسباب مختلفة.
لقد صنع اللعبة معها محاولًا كسب الوقت، وربما الثقة منها بيأس. تحدث عن أوراقه المخفية، لكن في الواقع، حدث كل شيء بطريقة غير مخطط لها.. هذا ما يذكره على الأقل.
لم يرغب في إظهار ذلك الخيط الرمادي الغريب أو أي شيء من ذاك القبيل. كان مدفوعًا فقط برغبته الشديدة بالبقاء.
ولكن بدا الأمر.. وكأن كيانًا آخر حرك الأحداث وقتها.
وربما سيفعلها مجددًا هذه المرة.
وبينما كان يتحرك في أركان المدينة، فوق المباني وخلف الأزقة، باحثًا في كل مكان، انشغل في الوقت نفسه بمراقبة ساعة جيبه بحذر وحاجبان عابسين.
لكنه فجأة شعر بقوة خفية تدفعه إلى الخلف بشدة، حتى ارتطم بتمثال حجري لامرأة تشبه والدة كادري ينتصب وسط المدينة.
"ما هذا؟!" تآوه سيلدي بألم وهو يستقيم، راغبًا في فتح عينيه ليسترق النظر من حوله، لكن قبل أن يفعل حتى، دفعته القوة الخفية مجددًا بلكمة جعلته يحلّق بعيدًا.
جعلته تلك اللكمة يبصق الهواء من فمه بينما ارتطم ظهره بإحدى البنايات المنخفضة، فجلس سريعًا وأخذ يلهث وهو ينظر حوله بذعر.
توسعت عينيه البرتقاليتين حين شعر بشيء يقترب، فسرعان ما سحب نفسه مختفيًا من تلك البقعة، يظهر قرب التمثال.
لقد تمكن من رؤية مسبب تلك القوة، كان شيئًا يكسوه اللون الأحمر.. ظل داكن عديم المظهر.
وقد أظهر نفسه وهو يلتفت نحو سيلدي ويحدق به بنار تحترق في عينيه.
كانت نارًا بمعنى الكلمة.
التقط سيلدي أنفاسه "هـ هذا..!" وهو يسحب سيكنه بسرعة من جيب سترته ويوجهها نحو الظل الأحمر.
ارتجفت يدا سيلدي.
لأن الظل.. فاحت منه رائحة تشبه الرماد، ثم بوم! تحول فجأة إلى قطة حمراء ضخمة، وأخذ يركض باتجاه سيلدي بسرعة جنونية.
لدرجة أنه لم يمتلك متسعًا من الوقت ليبتعد، فانتهى به الأمر مرميًا إلى خلف بقوة جعلت رأسه يدور قبل أن يرتطم بجدار حجري.
"أنت تمزح معي!" تمتم سيلدي بغضب واختفى سريعًا ليظهر خلف ذلك القط، ويقفز على ظهره.
توسعت أعين القط بغضب، وأخذ يتقافز كالثور، يحاول إبعاد سيلدي عن ظهره، ويصرخ بصوت مرتفع وغريب، يشبه فحيح أفعى عملاقة.
"هل أرسلك عذراف لإيقافي؟" قال سيلدي وهو يتشبث بفرو القط؛ يئن بخفوت وهو يكافح ليبقي نفسه ثابتًا على ظهره.
"هل فعل؟ أخبره.. أخبره أن خطة ضعيفة كهذه لا تعني شيئًا لي!" بكلمات متقطعة وبغضب مكبوت سخر سيلدي، ودون سابق إنذار، حشر السكين في رقبة القط.
اشتدت وطأة الألم على المخلوق الأحمر. وحين ظن سيلدي أن هذا كافٍ لإخراسه، أخذ القط يهسهس بحدة ويتقافز بقوة ازدادت شدتها فجأة!
"لابد أنك تمازحني!" تذمّر سيلدي واختفى من على ظهر القط ليظهر فوق قبة إحدى المباني، يراقبه بعبوس من بعيد، وتشتد قبضته على سكينه "ذلك العذراف.. هو وجماعته لا ينوون السماح لي بالفوز حتمًا".
راقب المكان حوله بأعين ضيقة، وبرتقاليتيه اشتدتا سطوعًا، وكأن نارًا تحترق بداخلهما، بينما يقرص الهواء بأصابع يده الحرة.
"من الأفضل أن أتجنب الإلتباس مع هذا الكائن المقرف" نقل نظره نحو القط بالأسفل الذي تحول مجددًا إلى ظل مجهول الشكل؛ ثم اختفى ببطء. "لا أريد أن أخوض معركة لا طائل منها".
بهذا القرار، أخذ سيلدي روحه عبر أزقة المدينة، ينتقل من هنا إلى هناك بحثًا عن أي خيط يقوده إلى كادري.
لكنه لم يعلم تمام العلم بعد.. أنه كان مراقب.. من قِبَلِ هذا الظل منذ وقت طويل.
.
.
بينما عند كادري، كان الناس من حولها يصفقون ويغنون بأصوات ونغمات غريبة بدت كالتعاويذ، وميلخازار يقودها أقرب نحو اللوحة.
"بمجرد أن تنخفض هذه الستارة الرقيقة يا حلوتي، سترين روحك منعكسة على لوحة غالية معلقة بحب على هذا الجـ..".
انقطعت كلماته وضيّق عينيه وهو ينقلهما نحو الأرض، وساد السكون في أرجاء المكان. الناس من حولهم توقفوا عن التصفيق والغناء وأبقوا تعابيره فارغة.
وكأنهم نوع من الدمى التي فقدت من يحرك خيوطها من خلف الكواليس.
اقترب كيال منه وهو يرفع رمحه وكأنه يستعد لما هو آتٍ، وهمس بجدية "يا سيد المقام، ما الأمر؟".
رفع ميلخازار يده نحوه، يطلب منه الإنتظار. ظلّ صامتًا يحدق بالأرض، وكادري تراقب الجدار أمامها بعيون مفتوحة لكن ميتة.
"فهمت" أخيرًا تكلم ميلخازار، ثم التفت نحو كيال، وابتسامة ناعمة ارتفعت بجانب تعابيره الحزينة. "يبدو أن عذراف يخطط لكمين لامع يا عزيزي".
حرر يد كادري واقترب من اللوحة، يداعب الستارة بأطراف أصابعه وهو يبقي عينيه عليها، وبنبرة خفيتة لا تحمل وهجًا هو أردف "يريد منا أن نتفضل وننتظر لتسع ساعات قبل أن نعرض اللوحة المبجلة على أميرتي السوداء الجميلة".
رمش كيال بخفة يستوعب ما سمعه للتو، ثم لمعت عينيه بوهج بارد حاد وهو يثبت كلتا يديه على رمحه. "أرى أن ننتظر يا سيد المقام، فنحن، النسوس، نحب المكائد المحاكة بدهاء. وعذراف..".
ترك جملته ناقصة وهو ينقل نظره نحو كادري، ثم اقترب منها بضع خطوات كبيرة، وقرّب رمحه من مؤخرة رقبتها. "من فضلك امنحني الإذن يا سيد المقام".
لم يجبه ميلخازار مباشرة. ظل يراقب سكون القمر الأصفر في السماء التي يتغللها السواد، وأمل مظلم يتبلور في عينيه الشفافتين.
حتى تكلم: "تفضّل يا عزيزي كيال، ولوّن هذا اليوم بالشر.. اجعله ينبض بالحياة أكثر، اجعلني أضحك حتى أرقص كما ينبض قلبي الآن ترقبًا".
"اجعلني أرقص فوق جثتيهما اليائسة".
يتبع~
Dontin