{الفصل السادس: ست قواعد للبقاء}

{الفصل السادس: ست قواعد للبقاء}

16 0

كان أحيانًا يتصرف ببرود، أحيانًا بصرامة، أحيانًا بمرح، وأحيانًا أخرى بغضب ودفاعية. كانت شخصيته تتقافز بشكل غريب، تتغير وتتلون كالحرباء. وبقدر ما أربك ذلك كادري؛ سلّاها.

نتحدث عن سيلدي.

في حينٍ تشعر أنه خطير، أنه ضدها. وفي حينٍ آخر تشعر أنه حاميها، منقذها، وربما ملاكها الحارس الصغير.

كانت تأمل، ولو بنسبة صغيرة، أن يتبين الخير فيه، وأنه ليس هنا للتلاعب بها أو تحقيق هدف أناني، أو حتى المخاطرة بها.

ربما كبر أملها هذا في اللحظة التي قفز فيها من حضنها نحو المخلوق المخيف أسفل السلم، ملوحًا بسكينه نحوه. وكأنه.. وكأنه كان يحاول حمايتها.

المخلوق الذي تبين أنه كلب قوقازي ضخم، ذو فرو شديد السواد!

كانت عينيه تلمع كمصابيح حمراء في الظلام، رائحته خليط من دهن حيواني قديم وخشن، ورطوبة ترابية. كان يزمجر بصوت منخفض، لكن صوته أخذ يتصاعد ويعلو تدريجيًا بشكل غريب؛ كغبار يطحن الحجر.

مظهره المخيف جعل ساقيها تتشنجان في مكانهما، ولم يخرجها من خوفها اللحظي سوى قفزة سيلدي نحو الكلب مع صياحه الجاد "اركضي نحو السطح. بسرعة!".

هل كان عليها ترك دمية صغيرة مع كلب بهذه الضخامة والهرب؟ هل كان سيُعدّ ذلك تصرفًا نبيلًا حتى؟ لن ينافي مبادئها؟

من الغريب أنها في تلك اللحظة الحرجة أخذت تفكر في أمور غير عملية كتلك، لكنها وعَت على الواقع عند زمجرة الكلب التي تعالت بغضب شرس وهو يركض عبر الدرج نحوها.

مظهر ترتعش له الأبدان!

تآوهت كادري بخوف وهي تشرع بالركض عبر الدرج نحو السطح. قلبها تخطَّ النبض، وبالكاد كانت ترى الدرجات بوضوح أمامها، حتى أنها تعثرت حوالي أربع مرات.

بمجرد عبورها من الباب الحديدي الأبيض، دفعته بقوة لإغلاقه وهي تركض لتدخل السطح، فيصدر صريرًا معدنيًا حادًا أرسل الرعب عبر جلدها.

تراجعت نحو الجدار وأخذت تحدق حولها هنا وهناك، تبحث عن شيء ما لا تعرف حتى ماهيته. قلبها يدق كمطرقة تحاول تحطيم صدرها، ومعدتها تكاد تتمزق خوفًا.

كانت الضجة داخل جسدها مخالفة للهدوء الخارجي؛ حيث لا يُسمع شيء سوى همهمات الهواء الليلي الهادئة، أصوات السيارات التي تمر من حين لآخر، ونباح الكلب البعيد الغاضب. بعيد جدًا.

لكن لماذا يلامسها شعور بالذنب تجاه سيلدي، رغم أنه كان من طلب منها الهروب؟

هذا يكفي، عليها الكفّ عن ضم مشاعرها في وقت متأزق كهذا. هي أغمضت عينيها ورفعت رأسها نحو سماء الليل، تحاول جاهدة أن تسترخي. تأخذ نفسًا طويلًا عبر أنفها، وتحرره بعد أربع ثوانٍ عبر أسنانها المرتعشة؛ وكأنها تشعر بالبرد.

بدأت تسترخي قليلًا، إلى أن فتحت عينيها.

ووسعتهما.

عندما ظهر سيلدي فجأة أمام ناظريها؛ يقفز من عمود الإنارة القريب من المبنى، مارًا من فوقها، ثم يهبط أرضًا أمامها مع عثرة صغيرة.

قفز قلبها وقتها.

"وااه!!". هي صاحت بذعر وهي تغمض عينيها وتخفض رأسها سريعًا؛ حركة لا إراديًا لحماية عينيها. "منذ متى..؟!" تقطعت كلماتها في الصدمة.

حشر هو سكين المطبخ الذي يحمله، والذي كان على أطرافه آثار دماء خفيفة، في جيب سترته الداخلي بينما يلهث، وكأنه نجا للتو من مصارعة مع الثيران. ذلك جعل حاجبا كادري ترتفعان قليلًا باستغراب.

"ماذا حدث مع ذلك الكلب؟" هي سألت، لكنه لم يجب. كان يتمايل قليلًا على قدميه للأمام والخلف، وكأنه يحاول التوازن أو تفريغ توتره. بالنسبة لكادري، بدا وكأنه يتحكم بالطاقة من حوله في تلك العملية.

"سيلدي!" نادته كادري بقلة صبر طفيفة ممزوجة بالتوتر، فَـ همهم هو بخفوت وكأنه يختبر صوته، ونظر جانبًا بعينيه، ثم إليها. "القصة أطول من عدد السنين التي عشتها. صدقيني، لا أعرف من أين أبدأ"

"ابدأ بأي شيء، فقط لا تبقَ صامتًا هكذا!". اقترب حاجبيها من بعضهما بعضًا بترقب، ومرّت حركة سريعة عبر حلقها وهي تبتلع. "ما أمر ذلك الكلب؟ وعائلتي.. التي ليست عائلتي؟"

"ذلك الكلب، لقد هاجمهكِ.. لأنه.. امم.." كان يتكلم باضطراب، وكأنه متردد في الكشف عما هو على وشك قوله.

"ما مشكلتك بحق الجحيم؟! فقط تكلم!" صاحت به كادري بقلة صبر، وتوترها زاد الطين بلة. ذلك جعل سيلدي غاضبًا أيضًا، فاحتج "لأنني خائف!"

ساد الصمت في تلك اللحظة، كبركة ماء خاوية في عمق الأرض. حدقت به كادري بعبوس فضولي، وسيلدي نظر بعيدًا عابسًا أيضًا، لكن باحراج.

"خائف.. من ماذا؟" هدأ صوتها قليلًا، وبدا الفضول واضحًا جدًا فيها كشعاع الشمس، أكثر من كونه تعاطف. أجاب سيلدي: "من أولائك القاطنين في شقتك! ولأنكِ ببساطة سوف توقعيننا في مأزق!"

شهقت كادري باستنكار وهي تشير نحو نفسها "أنا؟! لابد أنك تمزح!"

"بل أنا جاد تمامًا. خوفكِ سوف يحطم كل ما سنخطط لفعله دفعة واحدة!" قال وهو يقرص الهواء بأصابعه، وصوته مرتجف قليلًا. ذلك جعل كادري ترتبك؛ مالذي يحدث لجعله يتغير هكذا فجأة؟

هي تأففت بضيق. عليها كبح غضبها لأن هذا ليس الوقت الصحيح للشجار، فهي لم تكن تحب حتى خوض النقاشات الثقيلة كهذه، كما أنها لم تكن تفهم أي شيء حتى لتعترض.

نظرت أسفل إليه بعبوس وهي تعقد ذراعيها، في اللحظة التي تراجع هو فيها خطوة، وأخذ ينقر بقدمه اليسرى على الأرض بخفوت. قالت: "حسنًا. فهمت. سأحاول ألا أفسد أي شيء، اتفقنا؟ لكن من فضلك، أخبرني بما يحدث هنا، لأنني حقًا، حقًا أكاد أفقد عقلي"

رغم محاولتها أن تكبح انزعاجها، إلا أنها فشلت في ذلك تمامًا، وكان ذلك واضحًا في نبرتها الساخطة وتعابيرها المضطربة.

رفع سيلدي حاجبه بخفة، وكأنه مستمتع بردة فعلها الحالية، ثم ضحك بخفوت. "همم، ظننتكِ عبدة لمشاعرك بالكامل حتى هذه اللحظة. ياللعجب!"

"أيها الـ..!" شدت كادري قبضتيها وهي تضغط أسنانها بقوة معًا، وتحاول كبح دفعة غضب تزعج صدرها كأحجار نارية. لكنها هدأت عندما تمتم سيلدي بـ "اجلسي" بنبرة هادئة.

لم تسأل عن السبب، بل انخفضت وجلست على ركبتيها على أرض السطح المترّبة. ولم يكن هذا وقتًا للتفكير في ملابسها التي ستتسخ على أي حال.

ثبت سيلدي عينيه البرتقاليتين الغامضتين على عينيها، وبقيَ صامتًا لثوانٍ قليلة، يختبر صبرها دون قصد، ثم بدأ يتكلم بنبرة خافتة وجادة.

"لقد هاجمكِ نَوهَر لأنه اكتشف أنكِ بشرية"

بتلك الكلمات، دخل في صلب الموضوع مباشرة. بعدها أخذ صمتة لثوانٍ يراقب فيها رد فعل كادري، التي وسعت عينيها وكأنها تختبر خروج الروح.

"بشرية.." هي همست وكأنها تجرب ثقل الكلمات في لسانها، ثم استأنفت بنبرة مرتجفة وكأنها تكافح لكبح رغبتها في الصراخ "ماذا تقصد ببشرية؟ أنت لست بشريًا؟ ولا حتى الأشخاص الذين يتظاهرون بأنهم عائلتي؟ لـ.. لا أحد بشري هنا سواي؟!"

تقلّبت تعابيره باشمئزاز "اعذريني على وقاحتي، لكن.. هل تعانين خللًا في دماغك؟"

"هاه؟!" مدت كادري يدها سريعًا وقبضت على معصمه الصغير قائلة: "أفهم بذلك أنك تهينني؟ أنت تفعل، صحيح؟". فأجاب بانزعاج وهو يسحب يده عن قبضتها "جديًا. من الواضح أمامكِ أنني دمية، فمالذي جعلكِ تظنينني بشريًا؟"

"ظننتك كنت بشريًا وحُبِست هنا بسبب لعنة أو ما شابه!" احتجّت كادري.

توسعت أعين سيلدي، وكأنه تأثر بتلك الكلمات. انخفضت نظراته، وكذلك صوته الذي حمل لمسة من الحزن.

وتمتم "ربما كلماتك تحمل جزءًا من الحقيقة، لكنها تظل نسخة أكثر بهجة منها"

ارتعش قلب كادري عندما أدركت أنها ربما قالت شيئًا جرح سيلدي أو ذكره بما يحزنه، وذلك زاد شعورها بالذنب. هي زحفت ببطء نحوه، وبتردد ربتت على كتفه الصغيرة. "سـ.. سيلدي، أنا.. أنا آسفة".

هو تنهد بثقل ودفع يدها بعيدًا عن كتفه "لا يهم، فقط دعينا.. دعينا نفهم الخطوات التالية". تحمحم وسحبَ سكينه، ثم أشار به نحو كادري التي انتفضت للخلف.

"ست قواعد عليكِ تذكرها والالتزام بها ان أردتِ أن تبقي آمنة مع وجود تلك المخلوقات بالأسفل!" عاد أسلوب حديثه جادًا، وعيونه البرتقالية حملت شرارة خافتة، وارتفعت ابتسامة لعوبة على شفتيه.

لكن لماذا ارتاح قلبها؟ لماذا تسللت إليها لمحة من السعادة بعد رؤية رد فعله هذا؟ هل اعتادت على وجوده بهذه السرعة؟ مستحيل!

هي هزت رأسها بخفة لتطرد تلك الأفكار، وقاطعته "مهلًا.. أخبرني أولًا من هو نوهر الذي تحدثتَ عنه سابقًا؟". قالت وهي تعدل جلستها قليلًا.

ابتسم سيلدي، وأخذ يحرك سبابته على طول حافة سكينه ببطء "انه اسم ذلك الكلب قبيح الرائحة، وهو مع المخلوقات التي تتظاهر بأنها عائلتكِ"

مالت هي رأسها بخفة "أنت واثق؟ من يتظاهرون بأنهم عائلتي كانوا مسالمين، لكن ذلك الكلب.. لقد حاول مهاجمتي!".

حدق سيلدي عميقًا في عينيها، وعبس وكأنه يظنها غبية "مسالمين؟ تشه.. أنت لا تعرفين شيئا. لقد كانوا يطاردونني منذ سنوات، ولا أعرف حتى لماذا!"

"لا تعرف لماذا؟" رفعت كادري حاجبيها بارتباك. هي فكرت أنها لو كانت مكانه، لسألتهم عن سبب ملاحقتهم لها. لكنه هنا يقول أنه لا يعرف لماذا تلاحقه مخلوقات غير بشرية؟!

"ظننتك أذكى من هذا يا سيلدي"

هي أصدرت" تؤ تؤ" محبطة وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا ببطء. هيّج ذلك سيلدي، وضرب الأرض بحافة سكينه "لنعد إلى حديثنا! ست نقاط عليكِ تذكرها!" قالها بحدة أكثر من اللازم.

ثم استأنف، بجدية:

"لا تكذبي أمامهم.

لا تنادي أو تلمسي أحدهم بطريقة خاطئة.

لا تسأليهم عن هوياتهم أو نواياهم.

لا تنظري طويلًا في عيونهم.

ولا -وأعني أبدًا- تضعفي لخوفك مهما حدث!"

سكت قليلًا، يراقب تعابيرها وهي تستوعب ثقل كل قاعدة. الهواء من حولهما أصبح أكثر برودة. رفعت كادري نظرها إليه بتوتر، قلبها يدق باضطراب. "وـ والنقطة السادسة؟" همست.

عبس سيلدي بشكل غريب، ولم تكن نظراته مطمئنة أبدًا؛ كانت تشبه تعابير من يعرف شيئًا لا تريد سماعه.

لوّح بسكينه ببطء، وقال بنبرة خافتة ولكنها حاسمة:

"ليس الآن. ليست مهمة" قالها بغير اهتمام وشيء من الإحراج، وكأنه يريد ترك النقطة الأخيرة كطبق الحلوى، للنهاية.. أو ربما يتجاهلها تمامًا.

ثم استرسل بنبرة غامضة: "والآن.. سأخبركِ بالأسباب"

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة