{الفصل الرابع: ما قبل عضة القدر بثانية}

{الفصل الرابع: ما قبل عضة القدر بثانية}

19 0

صوت الرعد خارج النافذة خَفَت، وكأن الوحش الهائج الذي كان يصرخ هدأ أخيرًا تزامنًا مع رنة جرس الباب.

"أمي!"

صاحت كادري بحماسة، واندفعت نحو الباب، لكنها توقفت فجأة، التفتت نحو سيلدي، حاجبها مرفوع، عينيها تتفحص الظلال خلفه. "اسمع، هل يجب أن أخبئك؟"

اقتربت لتلمسه، رغبة في حمله وإخفائه، لكنه تراجع كفريسة تدرك الخطر قبل أن يضرب.

"فقط لا تقتربي"، همس، وعيناه المريبة تتجهان نحو الباب، كأنهما تحاولان قراءة ما وراءه. "سأذهب لأختبئ بنفسي".

كادري تنفست ببطء، شعرت بالحرج، نظرت أرضًا بينما تتململ بيديها. "لم أبقَ في المنزل وحدي من قبل، وأخشى أن أفتح الباب ويظهر أنهم ليسوا عائلتي." ثم رفعت عينيها نحوه بابتسامة متكلفة، "هل يمكنك أن تبقى قريبًا... فقط لتقفز إذا ظهر أحد غير متوقع؟"

سلك سيلدي خطوة صغيرة، أمعن النظر فيها، ثم أطلق ضحكة خافتة. صوته الخشن يخترق صمت الغرفة المفاجئ بعد توقف رنين الجرس. كادري عبست بارتباك، "لا أفهم... لماذا ترفض الاقتراب أصلًا؟"

سكن سيلدي للحظة، كما لو كان يزن كل كلمة قبل أن يجيب، ثم همس بصوت هادئ لكنه ملغوم بالغموض: "ليس بعد.. لن أخبركِ بعد".

خفض عينيه ببطء من كادري نحو ساعة جيبه وهو يخرجها، وينظر فيها. لاحظت كادري أنه كان على غطاء الساعة شكل يعسوب فضي، أجنحته ملونة تلمع مع الضوء.

هو تكلم بينما يحدق في ساعته، "أضحكني اعترافك الصريح بجبنك". ثم أعاد ساعته وهو ينقل نظراته نحو كادري. "وأنا أحب الصراحة، لذلك سوف أنزل اليوم فقط عن خطتي وأسمح لكِ بلمسي"

يسمح لها بلمسه؟ لماذا كان يتحدث وكأنه أهم ارستقراطي في العالم؟ ذلك جعلها تجعد حاجبيها باستنكار. بدون مقدمات، هي اقتربت وسحبته من ذراعه وحملته، جعل ذلك شهقة صغيرة تخرج من شفتيه، توسعت عينيه، وجسده.. انكمش وكأنه يشعر بالاحراج.

لاحظت كادري ذلك، وتمتمت بنبرة مرحة قليلًا: "ظريف..! والآن دعنا نفتح الباب الذي يرن منذ ساعات. أمي ستوبخني". كلماتها جعلته يعبس، وضرب ذراعها التي كانت ملتفة حوله. "ألا تظنين أنكِ ارتحتي لي أكثر مما هو مسموح لكِ؟!"

لم تجبه، بل ركزت عينيها حولها، تستشعر جسده الصغير قريبًا منها. لاحظت شيئًا.. جسد سيلدي لم يكن بلاستيكًا نقيًا، كان ثمة شيء ما فيه مثل الفوم المغطى بالمطاط أو السيليكون الخفيف جعله أكثر مرونة من الدمى البلاستيكية المعتادة. كذلك كان أخفَّ وزنًا عن المرة السابقة، أقرب لدمية حقيقية.

مع هذا هي أوقفت تركيزها. تمسكت بسيلدي المنكمش خلف ذراعيها، اقتربت نحو الباب، واستقرت يدها على المقبض البارد ذو اللون الذهبي، ولم تنتظر قبل أن تحرك المقبض نحو الأسفل وتفتح الباب.

كانت عائلتها تنتظرها بابتسامة..

غريبة.

"أمي!"

هتفت بحماسة وهي تحتضن والدتها، ولم تلحظ نظرات الحذر الغامضة من سيلدي نحوهم، رغم أنه كان يتظاهر بكونه مجرد دمية جامدة.

"شعرتُ أن الست ساعات مضت كيوم! لماذا تأخرتم؟!"

دفعتها والدتها من كتفها بخفة لتدخل، وتبعها شقيقها، وشقيقاتها، ووالدها الذي تأكد من إغلاق الباب بعد دخولهم. أجابت والدتها بنوع من الضجر: "كنتُ أعدّ الثواني لأعود، لكن تعلمين؛ الواجبات وما أدراكِ ما الواجبات"

رغم أن كادري شعرت بشكل لا واعي أن أسلوب حديث والدتها كان مختلفًا، إلا أنها ضحكت. "أعرف. أكره أيضًا أن أضطر لفعل ما لا أريد". غمزت لوالدتها في النهاية. كانت أمها ترغمها في كثير من الأحيان على التنازل عن رغباتها، بسبب حمايتها المفرطة.

"من أين لكِ بهذه الدمية الأنيقة؟!"

قال شقيقها وهو يسحب سيلدي منها، جعل كادري تجفل، وتتشبث بسيلدي "ابتعد بحق الجحيم، إنها دميتي!"

لماذا يهتم شقيقها الوقح بشأن الدمى فجأة؟

كبح سيلدي رغبته في الصراخ غضبًا، وأبقى ابتسامته المزيفة على وجهه، كدمية حقيقية. بقيَ صامتًا، يراقب تحركات الجميع بعينين كاشفتين، وكأن كل ابتسامة أو كلمة تخبئ شيئًا.. واستشعرت كادري منه رائحة احتراق كانت أوضح فجأة.

كان يلاحظ أسلوب أحديثهم، مشاعرهم، وهالاتهم من خلف عينيه البرتقاليتين، اللتان بدتا أكثر تركيزًا، وأغمق لونًا. يبتسمون، يالهم من منافقين. هكذا فكّر، وكان يكبح انكماشة متقززة كلما لمسه أحدهم.

شقيقتيها التوأم كانتا تقفان في الزاوية، تبتسمان ببرود.. قليلًا فقط. والدها ينظر حوله، وكأنه يرى المكان لأول مرة.

كادري كانت تراقبهم، وشعور بعدم الراحة يضغط قاع صدرها، خفيّ تقريبًا. بعد أن حيّتهم ودردشت معهم قليلًا، دخلت بسيلدي المطبخ، وأجلسته على الطاولة الرخامية الطويلة، وأراحت يديها على جانبيه فوق الطاولة، تهز ساقها اليمنى بخفة وهي واقفة. "لماذا أنت مستميت لتبقى معي هكذا؟ حتى أنك اخترعت لعبة وغششت فيها"

"لم أغش"

نكر، واستقرت يديه الصغيرتين فوق بنطاله البني. كان ثمة طيف أحمر خفيف في زوايا أذنيه، وكأنه لا يزال محرجًا من حملها له. نظر إليها بعبوس خفيف غير لطيف. "اتبعت أساليبي فقط، كما اتبعتي أنتِ أساليبك عبر الركض والصراخ كدجاجة مقطوعة الرأس"

توسعت عينيها، وأصدرت ضحكة مصدومة غير مصدقة. تراجعت سريعًا للخلف وتذمرت، "أنت! أه.. إذن ما هو ذلك الخيط الرمادي الذي ظهر فجأة واختفى فجأة؟"

تنهد هو بقلة صبر، وقرص الهواء بكلٍ من اصبعيه السبابة والابهام بكلتا يديه، وكأنه يحاول كبح غضبه. "أنتِ تسألين كثيرًا. لستُ مضطرًا لأجيبكِ على كل هذا"

"بلى، أنت مضطر!" قالت بحدة وهي تقترب وتضرب بيديها الطاولة على جانبيه، جاعلة أكتافه تنتفض بخفة. "عليك أن تملك تفسيرًا لكل ما يحدث هنا. أنا لا أفهم حتى الآن كيف أتحدث إلى دمية وآخذ ردود فعل منها!"

"أنت تكررين ذلك". هو تمتم بحدة وحرك عينيه فجأة سريعًا بعيدًا عن عينيها، يقطع التواصل البصري، وكأنه يعاقبها على شيء بسيط. "ستفهيمن كل شيء مع الوقت. توقفي عن استجوابي"

هي تنهدت بسخط خفيف، وضغطت شفتيها بقوة معًا، ويبدو أنها لا إراديًا، نفخت خديها. نقلت عينيها جانبًا نحو الطاولة، وتمتمت. "كانوا يتصرفون بشكل غريب.. عائلتي. انني أتخيل كثيرًا، فلم آكل شيئًا منذ الأمس". كانت تقولها بِنيّة تعليق أكثر من كونه إخبار. لكن..

"أنتِ لا تتخيلين"

الكلمات الثقيلة التي قالها سيلدي، جعلت كادري توسع عينيها وتثبتها على عينيه. وكأنها تقول بعينيها "أنت تمزح" لكن بصيغة خوف.

"هذا ليس خيالًا، هذه..". توقف فجأة عن الكلام، وحدق بها بصمت طويل، جعلها تشعر أن لحظة واحدة يمكن أن تقلب كل شيء. ثم أستنأف بنبرة مظلمة:

"هذه ليست عائلتكِ".

هي أطلقت أنينًا خافتًا، وكأن أنفاسها سبقتها. تنظر إليه بذعر مهيب في عينيها، وتتشبث يديها بالطاولة، في اللحظة التي خفض هو يده اليسرى البلاستيكية الصغيرة نحو يدها اليمنى، وضغط برفق على أصابعها. "عليكِ ألا-.."

"اخرس!"

صاحت وهي تسحب يديها بعيدًا وتتراجع. بتنفس ضحل هي أشارت نحوه. "أنت بغيض، أتعرف ذلك؟ تكذب علي لتخيفني؟! هذا لم يعد ممتعًا!"

رفع حاجبيه. "لا.. أنا-"

"فقط اصمت!". بنبرة مرتجفة، كأن الخوف سرق جزءًا من روحها، هي صاحت بغضب "غبي!" ثم ركضت نحو الحمام، وحبست نفسها هناك.

انحنت تلتقط أنفاسها. قلبها الضعيف يؤلمها، ومعدتها الفارغة تدغدغ بشكل غير مريح. كان القدر يلعب بأعصابها دائمًا، لكن ليس بهذه الطريقة، ليس بهذه الطريقة الوقحة!

ماذا قصَد سيلدي حين قال أنها ليست عائلتها؟ ماذا إذن؟ أشباح؟ أرواح؟ ملائكة؟ لا يمكن ألا تكون تلك عائلتها!

هي أرادت أن تثبت له ولنفسها أن ما قاله كان كذبًا، خدعة. خرجت من الحمام ركضًا نحو والدتها بعد أن هدّأت نفسها، وسحبت جسدها نحو الأريكة لتجلس قربها.

"أمي"

نادت مع ابتسامة مرتجفة، تنظر بها إلى والدتها، التي نظرت إليها بقرف.

بقرف؟ لماذا؟

"ماذا تريدين؟"

سقطت ابتسامة كادري عند رد والدتها الخشن على غير العادة، لكنها أجبرت بصعوبة ابتسامة أخرى على شفتيها. "هلّا تعطيني هاتفي؟"

"خذيه. ما شأني؟" أجابت والدتها.

ما شأنها؟ ما شأنها؟! لم يكن هذا الرد الذي توقعته كادري بالضبط. لقد كانت والدتها صارمة لدرجة أنها كانت تضع لها جدولًا لهاتفها. تأخذه يومًا، ولا تأخذه في اليوم التالي. واليوم.. لم يكن يوم الهاتف، ووالدتها.. ما كانت لتعطيها إياه مهما ترجّت.

لكنها هنا لا تعترض.. لا تغضب.. فقط "ما شأني" ؟!!

شهقت كادري ووقفت، تراجعت للخلف وتعثرت، قلبها يطرق كطبول الحرب عند التفكير بأن من كانت جالسة بجانبها للتو لم تكن والدتها، وربما ليست بشرية حتى..

هل كان سيلدي محقًا؟ لم يكن يمزح؟ لم يرغب في السخرية منها وتخويفها فقط؟!

إذن ما هذه المخلوقات بالضبط؟!

كانت لطالما تخاف من الغرباء خلف الأبواب... وها قد علمت أن الغرباء يمكن أن يكونوا في الداخل طوال الوقت.

يتبع~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيضاء المخادعة || The Deceptive White

المؤلف Dontin
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة