تيك.. توك.. تيك.. توك.. تيك..
الساعة فوق المدفأة تهمس بصوتها الخافت.
"العداد بدأ:12:31 صباحًا"
بدأ الوقت يركض، ومعه ركض قلبها خوفًا.
ما كان سيلدي لينتظرها حتى تدرك الموقف الذي هي فيه، إلا وضغط على الزر أعلى ساعته الكلاسيكية، وبدأت اللعبة.
اتبعت كادري مباشرة غريزة النجاة داخلها، وبدأت بالركض نحو غرفة النوم.. ولم تلحظ الابتسامة غير الطبيعية التي شوهت وجه الدمية خلفها.
كانت خطتها الأولية البسيطة أن تحبس نفسها في غرفة النوم بالمفتاح، ولن يتمكن سيلدي من التسلل حتى من النافذة؛ لأنها ببساطة كانت مغطاة بحاجز حديدي بالكاد يسمح بمرور ذبابة، وقد فعلت ذلك.
مع كل دقة ثانية، دق قلبها مرتين.
هي حاولت أخذ شهيق لتعيد تنظيم أنفاسها، لكن أنفاسها تقطعت، والهواء من حولها كان ثقيلًا.
مالت للأمام متكئة على الباب، تشد قبضتها على قميصها فوق صدرها، وتنفسها ضحل وسريع. كانت عينيها واسعتين، ظنت أنها ستموت في أي لحظة.
الهواء كان محملًا برائحة ثقيلة لا تطاق.
كانت مثل.. رائحة احتراق؟
رائحة احتراق..
شهقت كادري بذعر والتفتت بسرعة للخلف، فإذ به سيلدي يقف في منتصف الغرفة، ممسكًا بسكينه في قبضته اليسرى، وابتسامة غريبة، تكاد تكون مجنونة، تلف وجهه البلاستيكي!
"ماذا؟!"
قفز قلبها كأنه يطرق بابًا قديمًا، ضاق الهواء من حولها أكثر، وأخذت تلهث وهي تحرك يدها المرتجفة بصعوبة لتحاول فتح قفل الباب. بينما هو، بخطوات صغيرة، بطيئة، وبحجمه الذي كان أصغر من أن يُهدّد، أخذ يقترب أكثر وأكثر.
ببطء شديد، يستمتع باللعب على أوتار قلبها.
"توقف!"
هي صاحت بذعر، تنقل نظراتها السريعة بينه وبين قفل الباب. ومع الـ كليك التي صدرت مع فتح القفل؛ قفز سيلدي نحوها وسكينه مرفوع في الهواء، مستعد للهجوم.
خرجت هي سريعًا وأغلقت الباب عليه، واستطاعت سماع صوت ارتطامه الثقيل بالباب وهي تركض مسرعة نحو الحجرة الصغيرة في منتصف المنزل.
عبر الممر هي تركض، الممر الذي كان يفترض بطوله ألا يتعدى الأربعة أمتار، لكنها لا تزال تركض فيه.
يطول ويطول، يتمدد نحو الأمام أكثر. تراه قصيرًا، لكنه لا ينتهي. "يكفي!"، هي صاحت بذعر، تتعثر، تنظر حولها بأعين واسعة. تساءلت، مالذي يحدث؟ صار المنزل كله فجأة خطًا منفردًا، وكأن كل خطوة هي في الأصل فخ!
شيئ ما في نظرات سيلدي خنقها؛ وكأنه يعرف إلى أين ستذهب، ماذا ستفعل، وكيف ستختبئ.
رمشت، رأته يقف أمامها، فصرخت وهي تتوقف عن الركض. يداعب حافة السكين باصبعه جيئةً وذهابًا، ويميل رأسه ببطء. بعينيه البرتقاليتين ينظر إليها بشيء من الشفقة.
"هيا الآن، ليس الأمر وكأنني سأقتلكِ". قالها ببطء، ثم توسعت ابتسامته فجأة، تكاد تلامس أذنيه. "بل أبحث فقط عن رفيق سر محفوظ.. أنتِ!"
"هذا يكفي!". هي تراجعت، تراه يُخرج ساعته وينظر إليها وكأنه يتفحص الوقت، يمسحها بمنديل جيبه، وعينيه الزجاجيتين مشرقتين بلون برتقالي شاحب مثل ضوء قمر دموي ميت.
تراجعت، استدارت وبدأت تركض على طول الممر نحو الاتجاه المعاكس. لا تفكر، فقط تتذكر أماكن الاختباء من ألعاب الطفولة: تحت الطاولة، خلف الستارة، داخل خزانة الملابس.
في كل مرة كانت تختبئ، كان سيلدي يكتشفها. تختبئ في خزانة الملابس، لكنها فجأة تجد نفسها أمام باب المطبخ، وسيلدي أمامها؛ وكأن المنزل نفسه انضم للعبة، وكان في صف سيلدي.
في كل مرة كانت تختبئ، كانت تسمع وقع خطوة غير متوافق مع جسد صغير؛ كخطوة رجل بالغ يلف أصابعه حول مفاتيح الضوء.
الأضواء تلاشت، والعتمة صارت سميكة، فطرح ذلك رهبة مضاعفة في صدرها.
صوت خفيف بجانب أذنها: "لا تتعجلي". وحين تلتفت بسرعة، لا ترى له أثرًا. كانت تسمع همساته من خلف الجدران، أعلى السقف، وحتى من الأرض أسفلها. استشعرت تواجده من كل زاوية حولها، تدور عينيها هنا وهناك، وكأنها سترى شيئًا.
صورته التي تُخيّلُ لها في الظلام لم تبدُ مثله بالضبط: عيناه أعرض، ابتسامته أكثر حدة، وظل من النوايا الخبيثة يلمع تحت عينيه.
نما في داخلها شعورًا بالحصار، كأن البيت نفسه صار سجنًا، وهو أكد ذلك بنفسه حين همس لها من إحدى زوايا المنزل "لم يعد هذا البيت بيتكم، بل أضحى مسرحًا".
عينيه البرتقاليتين كانتا تلمعان في الظلام، تقودها خلفها، ثم تختفي فجأة. يتقافز هناك وهناك، وضحكاته الغريبة ترن من كل زاوية في المنزل؛ كأذنب خشبي يطعن الهواء.
"لا يحتاج كل فعل قوة. أحيانًا يكفي أن تعتقدي أنكِ محاصرة!"
بنبرة غنائية هو همس في الهواء، من مصدر غير محدد، تسمعه حولها.
فكرت وفكرت في طرق تتمكن بها من خداع سيلدي أيضًا، لأنها توقعت أنه يقرأ الأشياء البسيطة من حوله، لكن عقلها كان متوقفًا تمامًا؛ وكأنه ترك زمام المبادرة لجسدها.
عليها إذن أن ترتجل، فهي ليست بحاجة لعينيها للتحرك داخل هذا البيت، هي حفظته عن ظهر قلب.
ركضت نحو السلم المؤدي للسطح، حيث سيكون ضوء القمر، وتوقعت أنه يلاحق من أسفل. كانت تبقي تركيزها نحو الأسفل بينما تتراجع للخلف أعلى السلم؛ تبحث في الظلام عن ضوء عينيه. لكن الصوت أتى من فوق، من خلفها. "مرحبًا!"
استدارت بسرعة، همست بصوت مرتعش، "مـ.. لماذا؟ لماذا تريد أن تبقى هنا؟!". وكأنها بدأت تيأس من هذه الملاحقة. لم تتمكن من رؤية تعابير سيلدي في الظلام، لكنه ردّ ببساطة، بلمحة خفيفة من الجدية، يقف في درجة أعلى منها، عينيه الآن في مستوى عينيها.
"لأنكِ آخر من يعرف أن هذا البيت لم يعد بيتكم"
ساد الهدوء لوهلة، راقبت هي المكان حيث يفترض أن يكون في صمت، تحاول أن تفهم مالذي يقصده بكلماته، حتى أضاف كلمات جديدة.
"إن اللعب والهروب ما هو إلا نسخة مصغّرة من حياة الإنسان كلها. الكل يركض، يخاف، يتوه، وفي النهاية، الباب مغلق أصلًا"
أضاءت عينيه مجددًا، مظهرةً ابتسامته الخبيثة وهو يخفف ربطة عنقه الفراشية الخضراء ذات نقوش ناب الكلب من حول رقبته قليلًا، وكأنه يستعد لأمر ما.
أدركت هي أخيرًا أنها وضعت نفسها في موقف سخيف. توسعت عينيها، وبدأت تهرب نزولًا عبر السلم، منعطف خلف المدفأة، قفزة عبر الأريكة، ولم يكن أحد ينتظرها.
توقفت عن الحراك، تراقب حولها ببطء، حتى اشتمت رائحة معدنية قرب كتفها؛ كان قريبًا جدًا منها!
فلتذهب هذه اللعبة إلى الجحيم!
كان هذا ما فكرت به وهي تركض نحو باب الخروج، تسحبه لتفتحه، لكنه.. كان مغلقًا.
"هل تظنينني بهذه الحماقة؟ توقعتُ حدوث هذا وأغلقته". لا شيء سوى صوت سيلدي الآن خلفها مباشرة.
بسرعة حاولت التراجع، لكن شيء مشدود على معصمها.. كان خيطًا رماديًا رفيعًا، بريقه ضعيف؛ كسلسلة رقيقة، متصلة بأعلى ذراع سيلدي.. الذي كان يبتسم ابتسامة كاملة لم ترها من قبل. "قلتُ لكِ، لدي بطاقاتي"
لم يعطها فرصة. بلمحة بسيطة، سحب الخيط.
جسدها لم يسقط عنفًا، لكنه تمايل؛ كما لو أن العالم فقد زاوية صغيرة منه، وجعلها تتعثر للخلف.
لم تصرخ، بل وسعت عينيها والتقطت أنفاسها في حلقها حين شعرت به يقف على كتفيها، وزنه ثقيل، ورائحة الاحتراق الكريهة كانت أوضح بكثير.
شعرت ببرودة على جانب عنقها، ثم ضغْط.. ثم صمت.
دار العالم الظلامي من حولها، ولم تعد تشعر بالأرض تحت قدميها. شعور غريب بالخطر داهمها.
هي ظنت.. أنه سيقتلها حقًا.. تمامًا مع دقة أخرى من الساعة: 12:42 صباحًا.
"اهدئي"
همس لها في الظلام، في نبرته ركن ما يشبه العطف؛ كما لو أن جزءًا حكيمًا فيه يحن عليها. سحب السكين بعيدًا عن عنقها، وقفز عن كتفيها، في اللحظة التي سقطت هي فيها على ركبتيها، تلتقط أنفاسها التي سُلبت منها بجنون.
انتفضت ورمشت بعينيها تعتاد على الضوء الذي انتشر فجأة في المنزل. تنظر نحو اليمين، فترى سيلدي يقف فوق الطاولة ويده على مفتاح الضوء.
"أخبرتكِ أنني لن أقتلكِ، فلماذا خفتي؟" قال بينما يراقب ساعته الفضية، ويتمتم لنفسه. "مرّت إحدى عشرة دقيقة"
أعادت هي نظراتها نحو الأرض وهي تلهث، وكانت لا تزال تحت رحمة ما تبقى من خوف. "لأنه من الصعب أن أثق بشيء خيالي يحمل سكينًا"
تنهد هو، وبدا أن كلماتها أزعجته. قفز عن الطاولة وهو يعيد إدخال السكين في جيب سترته، ويجيب بشيء من الغرور. "كنتُ متمسكًا بكلمتي. فكما قلتُ سابقًا، أنا رجل ذو مبادئ"
"لا تتحدث عن المبادئ بينما تحمل سكينًا في يدك!" هي صاحت به بانفعال، لكن..
نظر كلاهما نحو الباب عندما رن الجرس.
يتبع~
Dontin