استيقظت ستيلا في صباحها الخامس في قصر آل دي لوكا على وقع ضحكات مكتومة تنبعث من الطابق السفلي. كانت الغرفة التي تنام فيها فسيحة وفاخرة، على النقيض تمامًا مما اعتادته في حياتها السابقة، غير أنّ قلبها لم يعرف الراحة الكاملة بعد. شعور غريب ظل يهمس لها أنّها غريبة في هذا المكان، ضيفة عابرة في قصرٍ يفيض بالثراء ويخفي بين جدرانه أسرارًا عميقة.
طرقٌ خفيف على الباب أيقظها من شرودها.
– "ستيلا… هل أنتِ جاهزة للنزول إلى الفطور؟" كان صوت ماتيو، أخيها الذي بدا حريصًا في الأيام الماضية على أن يُظهر لها كل الود، وكأنه يحاول أن يعوضها عن سنوات الغياب.
فتحت الباب بخجل، فابتسم لها بعينيه العسليتين، وقال:
– "أبي بانتظارك على المائدة… لا تجعليه يطيل الانتظار."
ترددت لحظة قبل أن تهمس بصوت منخفض:
– "ما زلت غير معتادة على أن أناديه أبي…"
أطرق ماتيو رأسه قليلًا، ثم وضع يده على كتفها مطمئنًا:
– "خذي وقتك، لكن صدقيني… هو كان يتمنى سماع هذه الكلمة منذ سنوات."
نزلت الدرج بخطوات مترددة، وعيناها تقعان على ألكسندر دي لوكا الجالس في صدر المائدة. كان رجلاً شامخًا، ملامحه صارمة، غير أنّ نظرته إليها حملت بريقًا من لين لم تألفه من قبل.
– "صباح الخير يا أميرتي." قالها بصوت هادئ، وكأن الكلمة لا تزال غريبة على لسانه، لكنه يحاول أن يكسوها بالدفء.
جلست بين إخوتها الذين انشغلوا بالمزاح والحديث، فكان لورينزو لا يتوقف عن تعليقاته الساخرة، بينما اكتفى جون بمراقبتها بصمتٍ عميق، وكأنه يحاول أن يفك رموزها.
في خضم ذلك، دخل "شون" ابن عمها. كان طويل القامة، شعره البني ينسدل بغير اكتراث على جبينه، وعلى شفتيه ابتسامة باهتة تحمل الكثير من الغموض. ألقى تحية عابرة وهو يسحب مقعده، غير أنّ عينيه توقفتا عند ستيلا لحظة أطول مما ينبغي.
شعرت بحرارة تتسلل إلى وجهها، فانخفض بصرها سريعًا. ولأول مرة منذ وطأت هذا البيت، أحسّت أنّ قلبها يسبق عقلها بخطوة.
بعد الإفطار، خرجت إلى الحديقة لتهرب من ضجيج المائدة. وجدت ألكسندر واقفًا عند النافورة، يداه خلف ظهره، وملامحه غارقة في صمتٍ ثقيل. ترددت قليلًا، ثم اقتربت:
– "ألكسندر…" توقفت لحظة، وصححت بخجل: "أقصد… أبي."
التفت إليها ببطء، وكأن الكلمة اخترقت جدار قلبه. لم يقل شيئًا في البداية، بل مد يده يلمس خدها بحنان لم تعرفه منه من قبل.
– "كنت قد فقدت الأمل أن أسمعها منك." همس، وصوته اختنق بعاطفةٍ حاول إخفاءها طويلًا.
لم تستطع الرد. أحسّت أنّها أمام رجلٍ اعتاد القوة، لكنه يذوب أمام كلمة واحدة منها.
ومن بعيد، كان شون يراقب المشهد. وحين اقترب منها لاحقًا، قال بنبرة هادئة:
– "علاقتك به لن تكون سهلة… لكن صدقيني، هو يحبك أكثر مما تتصورين."
– "وكيف عرفت؟" سألت بخجل.
ابتسم ابتسامة نصفية، تلك التي جعلت قلبها يخفق بقوة:
– "لأنني أعرف جيدًا معنى أن يخاف المرء من خسارة شخصٍ عزيز."
صمتت، غير أنّ كلماته انغرست عميقًا في داخلها. وفي تلك اللحظة أدركت ستيلا أنّ حياتها في بيت آل دي لوكا لن تكون مجرد بداية جديدة… بل بداية عاصفة من المشاعر والأسرار.
Retaj Hazem