البداية

البداية

38 0

نزلت ستيلا من الطائرة ببطء، وكلبها كفته يسبقها بخطوتين، يشمّ الهواء الجديد وكأنه يستكشف حدود عالمٍ آخر.

شعرت بنسمة هواء إيطاليا تلامس وجهها بلطف… كانت ناعمة، مختلفة، وكأنها تهمس: "أهلًا بكِ في المجهول."

السماء كانت تتلون بدرجات من البرتقالي والذهبي مع غروب الشمس، كأنها ترسم لوحة ترحيب خاصة بها.

اقتربت سيارة سوداء فخمة، ذات نوافذ معتمة، فتقدّم أحد الحراس وفتح الباب باحترام.

ركبت ستيلا بصمت وجلست قرب النافذة، دون أن تجرؤ على طرح أي سؤال… كل شيء كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب.

جلس ماتيو بجانبها، وكفته عند قدميها، بينما جلس ألكسندر أمامهما.

كان الأخير يحدق بصمت من النافذة، كأنه يقرأ المستقبل من خلال ظلال الأشجار.

دخلت السيارة في طريقٍ خاص، طويل تحفّه الأشجار، ثم ظهرت البوابة...

بوابة ضخمة من الحديد الأسود، يتوسطها شعار محفور بعناية:

"De Luca"

وحوله نقوش لذئاب، ورود، وسيوف… مزيج من الفخر والغموض.

همست ستيلا في داخلها:

"ما هذه العائلة؟ هل أنا فعلًا أنتمي لهذا المكان؟"

تفتحت البوابة ببطء… ودخلوا إلى عالمٍ جديد.

ظهر أمامها القصر.

أشبه بقلعة حديثة، جدرانه مكسوّة بالحجر الفاخر، تحيط به حدائق مشذبة ونوافير تلمع تحت آخر خيوط الشمس.

ترجّلت ستيلا من السيارة بتردد، بينما وقف كلبها بجانبها وكأنه يحرسها.

اقترب منها أحد الحراس وانحنى قليلًا وقال:

"أهلًا بكِ، آنسة ستيلا."

اتسعت عيناها… لم يسبق أن ناداها أحد بهذا الاحترام.

التفتت نحو ألكسندر، فهزّ رأسه بثقة وقال:

"هذا منزلك من الآن. كل من هنا يعمل لأجل راحتك."

بلعت ريقها وتمتمت بصوت خافت:

"منزلي؟"

أجابها بنبرة حاسمة:

"نعم. وستشعرين بذلك قريبًا."

دخلوا من الباب الرئيسي… ووقف الزمن.

رخام أبيض لامع، سلالم مزخرفة، أعمدة شاهقة، وثريات تتدلّى من السقف كأنها نجوم متدلّية في ليلٍ أنيق.

لكن الأجمل لم يكن المكان… بل من كان ينتظرها.

أربعة رجال.

توقف الزمن في عينيها للحظة.

نظرت إلى ألكسندر بتساؤل، لكنه أومأ نحوهم وقال بهدوء:

"دعيني أعرّفك على إخوتك."

ثم وجه كلامه إليهم:

"هيا، قدموا أنفسكم."

تقدم أولهم، شاب في بداية العشرينيات، مظهره غريب وملفت.

سماعات على عنقه، جاكيت وبنطال أسود، شعره أشقر، وابتسامة مشرقة:

"مرحبًا، أميرتي. أنا جون، أصغر الإخوة. سنقيم حفلات ومقالب معًا، هذا وعد!"

ثم، دون سابق إنذار، احتضنها.

تفاجأت ستيلا، لكنها رفعت يدها برفق لترد العناق حتى لا تُحرجه.

همس لها ضاحكًا:

"أتمنى أن أكون أخاكِ المفضل."

ضحكت ستيلا بخفة، فابتسم لها وابتعد.

تقدّم شاب آخر، وسيم، يرتدي السواد بالكامل، وابتسامة خفيفة تزين وجهه:

"أنا ريكاردو."

أومأت له ستيلا باحترام.

ثم جاء ثالث، على ذراعه وشم، وابتسامة حنونة تملأ ملامحه:

"مرحبًا يا أميرتي، أنا إنزو. وأؤكد لكِ… أنا سأكون أخاكِ المفضل، وليس جون."

نظر إلى جون بابتسامة ساخرة، فردّ الأخير بإشارة مستفزة.

ثم اقترب ماتيو وقال:

"أنتِ تعرفينني، لكن سأقدم نفسي من جديد… أنا ماتيو، عمري أربعة وعشرون عامًا—"

فقاطعه صوت عميق وحنون:

"وأنا لوينزو، أبلغ من العمر ثلاثين عامًا."

رمقها بنظرة هادئة وأضاف:

"إذا واجهتِ أي مشكلة… قولي لي."

ثم غمزها بخفة.

احمرّ وجه ستيلا بخجل، لكنها أومأت له بصمت.

قال ألكسندر:

"حان دورك الآن."

فقالت ستيلا بهدوء:

"أنا ستيلا… أبلغ من العمر 17 عامًا. وهذا كلبي، كفته."

ثم تابعت بنبرة خفيفة:

"وتبدو أنكم تعرفون اسمي مسبقًا."

ابتسم ألكسندر وقال:

"كفى تعارفًا لليوم. جون، خذ أختك لترتاح."

قال جون

"حاضر، يا زعي... أقصد يا أبي."

نظر إليه ألكسندر بنظرة جانبية دون تعليق، فتراجع جون بخفة.

أخذها من يدها، وسار بجانبها بينما كفته يتبع خطواتها.

قال جون مبتسمًا:

"اشتقت إليكِ، أختي."

نظرت إليه ستيلا مستغربة:

"لكن… كيف؟"

لم يُجبها، بل بدأ يسألها عن ما تحب وما تكره، حتى وصلا إلى ممر الغرف.

أشار وهو يقول:

"هذه الغرفة في آخر اليمين للوِينزو، والتي بجانبها لماتيو، ثم غرفتي…"

توقف عند باب الغرفة الأولى على اليسار وقال:

"وهذه غرفتك. أوه، نسيت... غرفة أبي هي التي أمامك مباشرة."

أومأت ستيلا بصمت.

فتح الباب وأدخلها، هي و كفته،

نظرت إلى الداخل واتسعت عيناها:

"هذه ليست غرفة… بل منزل!"

ضحك جون وقال:

"قلتيها بصوتٍ عالٍ."

نظرت إليه بإحراج، لكنه ابتسم.

ثم وضع يده على كتفها بلطف، فأصابها ألم مفاجئ عند موضع إصابتها، لكنها لم تتكلم.

لاحظ تعبيرها، فتراجع قليلًا وقال:

"سأترككِ لترتاحي."

أومأت له شاكرة، فأغلق الباب بهدوء.

جلست ستيلا على السرير، وكفته بجانبها.

وضعت يدها على قلبها… شعور غريب يتسلل إليها.

بين الحذر، والدهشة، وشيء صغير يشبه… الأمل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اميرة المافيا المفقودة

المؤلف Retaj Hazem
2025/07/21 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة