مألوف

مألوف

5 0

مَضى الوقتُ، وأنجبتْ شمسُ طفلًا لطيفًا يُشبهها، أسموه آرام، والذي يعني السكينةَ والراحةَ الَّتي نالوها بعد كلِّ هذا العناء.

قام أليسترُ بتعيينِ كلٍّ من دوريان وسامر على إقليمي الشرق والغرب، بينما تزعَّم رئيسُ الشمال الإقليمَ بأكمله، أمَّا إقليمُ الجنوب فقد وضعَ ذلك الرجلَ الكفء الذي كان يُدير ميزانيةَ إقطاعيَّته الصغيرة زعيمًا لهذا الإقليم.

وأوَّلُ قانونٍ وضعه كان المنعَ التامَّ للرُّكوع لأيٍّ كان، ويكفي أن يُحني المرءُ رأسَه بخفَّةٍ كآدابٍ نبيلةٍ لمن أمامه، حتَّى لو كان ملكًا.

أوفى أليسترُ بعهده للإمبراطور، وأعلن للناس أنَّ العائلةَ المالكةَ قد أُعدِموا شنقًا في زنازينهم، بينما قام في الواقع بحبسهم في برجٍ يقع في أطراف العاصمة.

لكنَّ كبرياءَهم الشديدَ وعدمَ تقبُّلهم للواقع القاسي أدَّى إلى نتيجةٍ كارثية، فبعد بضعةِ أشهرٍ من حبسهم في البرج، أجمعوا أمرهم ونحروا أنفسهم قبل أن يُسلِّمهم أليسترُ إلى الإمبراطور.

فالموتُ أحبُّ إليهم من أن يُعذَّبوا تحت أقدامِ رجلٍ يحتقرونه، كان ينحني لهم فيما مضى.

وُجدوا جثثًا متفحِّمةً مقطوعةَ الرؤوس، مُعلَّقةً على أعتابِ أشجارِ البرج، ولحومُهم تتآكل بفعل الديدان.

لم يُشكِّك أليسترُ في حقيقةِ انتحارهم، إلَّا أنَّ سامرًا رأى شيئًا آخر، واعتقد أنَّ ما حدث لم يكن بإرادتهم جميعًا، ففطرةُ الإنسانِ تقتضي أن يعيش، ومهما بلغ كبرياءُ المرءِ، فإنَّه يبيت ذليلًا خائفًا أمام ما يجعل البشرَ متساوين... الموت.

كما عثروا بجانب الجثث على صورةٍ لكلِّ واحدٍ منهم تحمل رموزًا غريبةً تُشبه اللعنات، سمَّاها سامرُ سحرًا، ممَّا جعل أليسترَ مُتشكِّكًا في حقيقةِ ممارستهم للسحر سرًّا.

حين سمع الإمبراطورُ بالأمر، غضب بشدَّةٍ وزار المملكةَ مُتَّهِمًا أليسترَ بخيانته أوَّلَ عهودهم. اعتذر أليسترُ له بصدق، فتراجع الإمبراطورُ خطوةً إلى الوراء بعد الكثير من الإقناع.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

***

في جانبٍ آخر، وقفتْ شمسُ أمامَ المرآةِ بوجهٍ خالٍ من التعابير بعد أن صرفتِ الخادمات.

كانت قد سمعتْ كثيرًا بأنَّ آرامَ لربما يُحبُّ أليسترَ أكثرَ منها لأنها لا تبتسم. فعاهدتْ نفسَها أن تُحاول مجددًا العودةَ إلى ما كانت عليه سابقًا.

نظرتْ إلى انعكاسها في المرآة، وحاولتْ رفعَ زوايا شفتيها لكنها لم ترتفع.

كيف كانت تبتسم سابقًا...؟

تساءلتْ عن هذا بصدق، وكافحتْ لرفعهما عاليًا، لكن ما ظهر هو تعبيرٌ مشوَّهٌ مخيف، ليست ابتسامةً جميلةً بل حزنٌ وكآبةٌ منفِّرة..

بقيتْ على هذا الحال لساعاتٍ طويلة، وبعد أن يئستْ من أمرها تنهدتْ وجلستْ على سريرها بتعب.

وفجأةً سمعتْ طرقًا على الباب، ودخل بعده أليسترُ يحملُ بين يديه آرامَ الذي تعالتْ صدى ضحكتِه اللطيفةِ في الأرجاء.

"أهلًا، شمس."

نظرتْ شمسُ إلى أليسترَ الذي يُبدي تعبيرًا أحمقَ ملوِّحًا بيده، وفي تلك اللحظة رفع آرامُ كفَّه وصفع أليسترَ على خدِّه، وأخذ يشدُّ شعرَه بقوة.

"مهلًا، هذا يؤلم، آرام!"

"بفت-"

لكن صوتَه المتألمَ تلاشى، اتسعتْ عيناه بمفاجأةٍ وحدَّق في شمس.

"هاهاهاها."

أمسكتْ شمسُ بطنَها وانفجرتْ ضاحكةً دون أن تُدرك، باتتْ عيناه رطبتين قبل أن يضحكَ بخفة، وينفجر ضاحكًا أيضًا في النهاية.

وفي تلك الغرفة، دخل دفءٌ جديدٌ بعد زمنٍ طويل.

****

وفي صباحِ اليومِ التالي، عادتْ شمسُ للوقوف أمامَ المرآة، رفعتْ زوايا شفتيها، فارتسمتْ ابتسامةٌ طبيعيةٌ هذه المرة.

غمر الفرحُ قلبَها، رفعتْ أناملَها ولمستْ شفتيها بفرحٍ شديد.

وفجأة-

امتدتْ يدٌ ضخمةٌ من خلفها وغطَّتْ فاها، انتابها الذعرُ الشديدُ وحاولتْ سحبَها بكلتا ذراعيها، إلا أن القبضةَ اشتدتْ على فاها وأجبرتها على ابتلاع شيءٍ ما..

في جانبٍ آخر، جلس أليسترُ على مكتبِه مرتاحًا مطمئنًا.

مضى عامٌ كاملٌ منذ انتهاء الثورة، واليوم أيضًا تمكنتْ شمسُ من الابتسام بعد وقتٍ طويل..

شقَّتْ ابتسامةٌ ثغرَه وهو يتصفحُ أحوالَ البلد.

قُرع البابُ، فأذن بالدخول للطارق، دخل مساعدُه وحنى رأسَه بخفة، ثم سلَّمه رسالةً سوداء قائلًا:

"لقد وصلتْكَ رسالةٌ غير أن اسمَ المرسِل غيرُ مرفقٍ فيها إطلاقًا."

أومأ أليسترُ برأسه وأمر بجلب سكين، ثم بعد أن فتح الشمعَ ورفع الرسالة، تساقطتْ من بين ثناياها خصلةُ شعرٍ سوداء.

تحير أليسترُ قليلًا، ثم رفع الرسالةَ وقرأها بتعابيرَ جادة.

"أَنتصرتَ عليَّ أنتَ يا مُدَّعي البطولة، لكن والذي جعل الليلَ سرمدًا، والنهارَ لباسًا، إني لأفضحنَّ ضعفَك أمام الناس وأدعهم يكتشفون واجهتَك الزائفة، وها أنا سأترك يدي لتخطَّ تاريخَ العالم من جديد.

-ذاتُ الشعرِ الأسود.

انتابه هاجسٌ سيئٌ بعد أن قرأها، ألقاها جانبًا وقرر التحققَ من الرسائل المتبقية، لكن قبل أن يفعل، فُتح البابُ بعنف.

دخل الحارسُ المرافقُ لشمس وصرخ قائلًا:

"جلالتَك! إنَّ جلالتَها...!"

نهض سريعًا قبل أن يسمحَ له بإكمال كلامه، تحقق هاجسُه السيئ، وأخذ قلبُه يخفق بقوة.

ركض إلى غرفةِ شمس، فاستقبلَه منظرٌ مريع.

كانت شمسُ تجلسُ على الأرض وتتقيأ دمًا أسود، أتاها بسرعةٍ صارخًا باسمها، لكنها كانت تحتضر بالفعل.

همستْ بلطف، وابتسامةٌ هادئةٌ ارتسمتْ على شفتيها:

"أليستر، أظنُّ... بأن وقتي قد حان لأغادر، لا تحزن كثيرًا.. فمنذ البداية لم أكن أعتقد بأنني سأعيش طويلًا، الأيامُ التي قضيتُها معك كانت حقًا أفضلَ أيام حياتي... كح كح."

سعلتْ بقوة، فسَال الدمُ الأسودُ من زوايا شفتيها، رفعتْ ذراعَها المرتجفة ومررتْ أناملَها على خدِّ أليسترَ ماسحةً دموعَه.

همستْ:

"لا تبكِ... هذا يمزق قلبي، عش سعيدًا أرجوك، يكفيني أن تزورني كلَّ حينٍ وتضع زنبقةً واحدةً على قبري، فقط... لا تنسني من فضلك."

رفعتْ بصرَها نحو السماء، وتلاشتْ أنفاسُها ببطء.

أخذ جسدُها الدافئُ يبردُ ويتصلب بين ذراعيه، بينما كان يردد اسمَها بشكلٍ فارغٍ بصوتٍ مرتجف:

"شمس... شمس.. أنتِ لم تموتي، أليس كذلك؟"

كان عقلُه فارغًا، شُلَّ تفكيرُه بالكامل، وعيناه لا تستوعبان ما حصل للتو.

لابد أنه كابوسٌ رهيب، أليس كذلك؟

أن يستيقظ سعيدًا ثم يجدها جثةً أمامه، هذا ليس إلا مخاوفَه تجسدتْ في أحلامه.

نعم، يستحيل أن تكون ماتتْ هكذا فجأة، صحيح؟

قبل قليل كانت تبتسم..

وفجأة، شعر بكفٍّ توضع على كتفه، التفت فرأى سامرًا ينظر إليه بتعابيرَ متألمةٍ ومشفقةٍ على حاله.

ضحك بفراغ، وسأله:

"سامر، لابد بأنني أتوهم الأشياء الآن، أليس كذلك؟ يبدو بأن مساعدي كان محقًا، فقلةُ النوم تسبب الهلاوس، هل تعلم أيَّ هراءٍ أراه الآن؟ أرى بأن شمسَ قد... شمسَ قد..."

اختنقتِ الكلماتُ في صدره، ولم يستطع أن يُكمل جملتَه.

"توقف، أليستر، أعلم بأنه من الصعب تصديق ذلك، أعلم، ولكن....... شمسُ رحلتْ عن العالم."

ضحك مجددًا منكرًا الأمرَ بصوتٍ أعلى، رفع يدَه المرتجفة وأزال كفَّ سامر عن كتفه، وقال له بشفتين مرتجفتين:

"سامر... هل أنتما تتآمران عليَّ الآن؟ أنتَ ودوريان؟ لعلمك فقط، هذا ليس مضحكًا! لا تمزح معي هكذا!"

تنهد سامرُ بتعب، وقال:

"ليس كذلك، أليستر، تماسك، لا تفقد عقلَك أرجوك.."

توقف عن الكلام فجأة بعد أن لمح طرفَ ورقةٍ بارزًا تحت كفِّ شمس، ضيق عينيه مستغربًا، ثم اقترب من جثةِ شمس، فوجد بجانبها صورتَها كُتبتْ عليها لعناتٌ كثيرة.

غمغم بذهول:

"سحر...؟ هذا سحر!"

استفاق أليسترُ من غفلتِه لوهلة، وشدَّ ياقةَ سامر وصرخ فيه إن كان يمتلك طريقةً لعلاجها إن كان ما حدث سحرًا، لكن سامر عضَّ شفتيه بأسف، وهز رأسَه نافيًا الأمر، مشيرًا إلى كونها ماتتْ بالفعل.

مرَّ أليسترُ بجميع مراحل الحزن بعد موتِ شمس: الإنكار، الغضب، لوم الذات، الاكتئاب، وأخيرًا... القبول.

حينئذٍ، وقف ذلك الفارسُ أمام القبرِ الممهدِ بالزهور وهو يُخفض سيفَه.

حين ماتتْ والدتُه ظنَّ أنها المرةُ الأخيرةُ التي قد يفقد فيها عزيزًا، لكنه لم يعلم حينئذٍ أن أزهارَ عزائها ستهدي معطيَها جنازةً تحت التراب.

سالتِ الدموعُ وبللتِ الخدين، لكن لا عزاءَ له بعد الآن.

فمن يقدمه قد اختفى بالفعل، وها هو قد بات وحيدًا مجددًا.

كان في تلك الفترة هشًّا نفسيًا لدرجةٍ تقترب من الجنون، فكلُّ ما قاتل من أجله بات هباءً منثورًا، فما فائدةُ كونه ملكًا يحكم الناس ويحميهم بينما أعزُّ الناس لديه قُتل في حصنه؟

زاره الإمبراطورُ وقدم له كأسَ العزاء، وقال له كلماتٍ جعلت غضبَ أليسترَ يرتكز في نقطةٍ واحدةٍ فقط.

"ألم تلاحظ شيئًا أليستر؟ إن جميعَ ممارسي السحر الأسود حملوا لونَ الشعر ذاته، العائلةُ المالكةُ التي حبستَها في البرج، خدمُهم، وحتى قاتلُ زوجتك، ألم تقل لي قبل قليل إن خصلةَ شعرٍ سوداءَ انزلقتْ من بين طيات الرسالة؟ لابد بأنها الأميرةُ الهاربةُ ماريان من فعلت، كلهم عُثر على صورةٍ بجانب جثثهم، حتى زوجتُك."

صمت لوهلة، ثم أشار لأحدهم، فأحضر من الخارج رجلين أسودي الشعر، رفع الإمبراطورُ سيفَه وقطع رأسيهما دون تردد، فتدفقت الدماءُ السوداءُ كالنوافير وملأت المكتب.

ابتسم بلطف، ثم همس بإغراء:

"أرأيت؟ هؤلاء هم قتلةُ زوجتك، كلُّ من يحمل شعرًا أسود... مارس السحرَ الأسود، انتقم لها يا أليستر."

تأثر أليسترُ بكلماته، واندفع بجنون آمرًا مساعديه أن يجمعوا كلَّ ذي شعرٍ أسود، وفكرةٌ واحدةٌ تملأ رأسَه وهي... الانتقام.

ثم قام بقطع رؤوسهم جميعًا، ملأتِ الساحةَ الدماءُ الحمراء، امتزج بها قليلٌ من الدم الأسود، معظمُهم الأبرياء، وأقليتُهم السحرة.

وقف دوريانُ يشاهد بصمت، وابتسامةٌ ترتسم على شفتيه، بينما حدق سامرُ إلى الموقف بشفقةٍ وحزن، لكن حسَّ العدالة لديه لم يكن عاليًا ليضحي بعلاقته القديمة مع صديقه ويوقفه.

لم يوقفه أحد..

عُرفت الحادثةُ عبر التاريخ بحادثةِ "مجزرةِ الدمِ الأسود".

توفي أليسترُ بعد أن أورث كرهَه لذويهم إلى آرام، وقال له مرارًا أن يمنع أقدامَهم من أن تطأ بلادَنا، وأنه لن يؤوي أيًّا منهم هاهنا.

ومن هنا نشأتِ المأساة، واستمر الاضطهادُ حتى الوقت الحاضر، فالجميع يخشى أن يتورط معهم، ومن بقي منهم قد غادر البلادَ وسافر إلى أخرى.

ولكن سؤال: "من قتل شمس حقًّا؟" بقي قائمًا دون حل.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

****

-الوقتُ الحاضرُ-

في إحدى القرى الصغيرة، على حافَّةِ العاصمةِ سديم، أطلَّتْ رؤوسٌ سوداءُ من تلك البيوتِ الحجريةِ ينظرون بحدقاتٍ ممتزجةٍ بالأملِ والرجاءِ إلى امرأةٍ تتوسَّطُ القريةَ وقوفًا، انسابَ شعرُها الفاحمُ الطويلُ يُغطِّي ظهرَها، اعتراه بعضُ الشيبِ الطفيفِ لكنَّه لم يُخفِ لمعانَه الساحر، كان الناسُ كأسرابِ الغربانِ التي تجتمعُ عند وقتِ الغسقِ بينما هي تنتصفُهم، وكلُّهم تفاءلَ بأن يحيزوا على مرادِهم من تلك المرأةِ التي تجهرُ بأمانيهم.

صرختْ بصوتٍ جهوريٍّ مهيبٍ يترددُ صداه في القريةِ كلِّها:

"ذلك الملكُ العادلُ لم يعدل!، والأطباءُ لم يشفوا آلامَنا!، وأصحابُ السلطةِ لم يبالوا بأحوالِنا!، فأيُّ إنصافٍ هذا وقوفُنا هنا بكلِّ وجلٍ كأنَّنا نخشى أن تحلَّ صاعقةٌ بنا لمجرَّدِ وجودِنا؟ ما ذنبُنا ولادتُنا في هذا العالمِ بشعرٍ أسود؟ زمنُ الصمتِ قد انتهى، وها قد حان وقتُ الكلام... لا، بل وقتُ التحرُّكِ والمضيِّ قدمًا، لسبعين سنةً صبرنا لعلَّ الملكَ يُصغي لكلماتِنا، لكن هيهات!"

استمعَ الجميعُ بآذانٍ صاغيةٍ، وتدريجيًّا تحرَّكتْ أقدامُهم ووطئتْ خارجَ أعتابِ بيوتِهم بتردُّد، بينما لمعتْ مُقَلُهم بأملٍ خافت.

أكملتْ كلامَها ويدُها المُجعَّدةُ تُمسكُ أطرافَ شعرِها:

"إنَّما ما عشناه كان وهمًا وظلمًا، فهل الجريمةُ تُحدَّدُ بلونِ المرءِ وشخصِه أم بما ارتكبَه من شناعة؟ إن كان أصحابُ السلطةِ يصمُّون آذانَهم متجاهلين معاناتَنا، فلنُسمعْهم إذًا طرقاتِ أقدامِنا وهي تلجُ قصورَهم! اتَّهمونا بالشعوذةِ ومهما جهرنا ببراءتِنا لم يُصدِّقونا، لذلك لا يلومونَنا الآن إن استعملناها فعلًا لقتلِهم!"

حينئذٍ، تقدَّمتْ رجلانِ صغيرتانِ إلى الأمام، وسأل الطفلُ بوجلٍ مُحمَّلٍ بالأمل:

"إذًا، ماذا علينا أن نفعلَ الآن أيتها العفراء؟"

حين سمعتْ تلك الكلمات، شقَّتْ ابتسامةٌ مجنونةٌ ثغرَها، ضحكتْ بخفَّةٍ وهي تُجيب:

"وماذا غيرُ ذلك؟ ما سنفعلُه هو..."

ارتكزتْ عيونٌ كثيرةٌ تُحدِّقُ فيها من كلِّ صوبٍ ومكانٍ وهي ترتقبُ كلماتِها الأخيرة.

"الانتقام."

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

***

"هل هذا هو المكان؟"

غمغم آسرُ متناوبًا بنظراتِه بين الخريطةِ التي يرفعُها بكفَّيه وبين القريةِ الماثلةِ أمامَه.

"هممم، يبدو ذلك."

أجابَه يوسفُ مُقرِّبًا وجهَه من الخارطةِ مُمعنًا النظرَ فيها.

التفتَ آسرُ إلى الكتيبةِ خلفَه وقال:

"جميعًا، تأهَّبوا جيِّدًا وخذوا حذرَكم، إذا رأيتم أيَّ شيءٍ مُريبٍ فأبلغوني من فورِكم."

"حاضر!" أجابوا بصوتٍ واحد.

شدَّ اللثامَ حولَ وجهِه وتقدَّم إلى الأمام، ووطئتْ أقدامُه القريةَ، مرَّر ناظرَيه على البيوتِ العتيقةِ ذاتِ البناءِ القديم، وأذنَاه لا تسمعان صوتًا غيرَ حفيفِ أوراقِ الأشجارِ التي تُحرِّكها الريحُ وخُطى الجنودِ من خلفِه.

سمعَ غمغمةً طفوليةً، فتوقَّف والتفتَ بسرعةٍ إلى مصدرِها، رأى طفلًا صغيرًا أسودَ الشعرِ يختبئُ خلفَ أحدِ البيوتِ وينظرُ إليه بفضول.

تبادلا النظراتِ للحظاتٍ قبلَ أن يخرجَ الطفلُ من المبنى ويركضَ ناحيتَه، شدَّ آسرُ قبضتَه على سيفِه رافعًا حذرَه.

أدارَ الطفلُ رأسَه وصاحَ خلفَه:

"يا رفاق! يا رفاق! لن تُصدِّقوا ما أراه هنا! هناك فرسانٌ حقيقيون يقفون أمامي الآن!"

على إثرِ كلامِه، خرجتْ جموعٌ من الأطفالِ يُطلُّون برؤوسِهم من خلفِ المباني كقطيعٍ من الغربان، ثم ركضوا جميعًا ناحيةَ آسرَ ومن معَه.

تشبَّث أحدُهم بساقِ آسرَ وقال بصوتٍ مُشرق:

"هل أنت فارسٌ حقيقي؟ هذا رائع! إنَّها المرَّةُ الأولى في حياتي التي أرى فيها أحدَهم!"

فعلَ الآخرون ذلك مع الجنودِ المتبقِّين، وتشبَّثوا بهم وهم يُطلقون صيحاتِ التعجُّب.

ضحكاتُهم البريئةُ وعيونُهم اللامعةُ خفَّفتْ حذرَه قليلًا، فما الذي يمكنُ لمجرَّدِ أطفالٍ أن يفعلوه؟

تلمس احدهم سيفه بعجب وصرخ الآخر بأنه سيلتحق بالفرسان حين يكبر، مما جعل قلب آسر يلين قليلا.

ما ذنُبهم؟ أو ينبغي أن أُصدق بأن هؤلاء الأطفال يستخدمون السحر الأسود؟

اغمض عينيه بقوة، كأنه يحاول أن يمحو صورتهم من ذهنه،

ليتَه يستطيع أيضًا...ليته يقدرُ على العيش كمن معه متغاضيًا عما يحدث.

فلولا أنَّه احتاج إلى السلطة بدوره، ما لجأ إلى هذا، وما استمر في العمل مع اولئك الفاسدين.

فالاميرة تضطهدُ أخته، وأخاه قد اختفى وذوو السلطة يتكتمون عن خبره، وأباه مات، ولكن ما ادراه أن المرض كان السبب حقا؟

هل لو سلمهم الآن سيقضون عليهم ويقتلوهم؟

وبينما كان يُديرُ عينَيه، لاحظَ أنَّ الطفلَ المتشبِّثَ به يرتجف، دارتْ عيناه باضطرابٍ يمينًا وشمالًا، ثم دسَّ يدَه داخلَ سترتِه.

ضيَّق آسرُ حاجبَيه متحيِّرًا من هذا الوضعِ المُريب، ورغم أنَّهم كانوا أطفالًا، ما كان له إلَّا أن يُضمرَ الشكَّ والريبةَ نحوَهم.

نظرَ الطفلُ نحوَ آسرَ مُجدَّدًا ثم همس:

"أنا آسفٌ سيِّدي، لكن لا سبيلَ إلى النجاةِ غيرُ هذا."

لُجِمَ لسانُه لثوانٍ، ثم بيدٍ مرتجفةٍ استلَّ سكينًا وصرخَ بقوَّة:

"الآن!"

ثم همَّ أن يطعنَ آسرَ، وفعلَ الجميعُ مثلَه، علتِ الصيحاتُ هنا وهناك، ثم استداروا مُحاولين الهروب.

طُعِنَ من الجنودِ من طُعِنَ، ونجا منهم من نجا، لكنَّهم أمسكوا بالأطفالِ وهمُّوا بقتلِهم لولا أن أوقفهم آسرُ الذي كان ممَّن تفادَوا الإصابةَ نتيجةَ الهجومِ المفاجئ.

"توقَّفوا! لا تقتلوهم! من غيرِ المُخوَّلِ لنا أن نتصرَّفَ بأرواحِهم كيف نشاء! ثمَّ إنَّهم لأطفالٌ صغارٌ، يمكنُ أن نستفيدَ منهم كرهائنَ دون قتلِهم! عالجوا مصابيكم وتأهَّبوا جيِّدًا فالقادمُ أكبر!"

تجمَّدتْ أذرعُ الجميعِ إزاءَ تلك الكلمات، وفي النهايةِ اكتفوا بتقييدِ الأطفالِ دون قتلِهم.

سمعوا بعدها صوتَ طرقاتِ أقدامٍ تدوي في الأرضِ مُعلنةً حلولَ من جاءوا لأسرِهم.

ظهرتْ جموعٌ من الناسِ، بحدقاتٍ عازمةٍ حاقدةٍ، يحملون رماحَهم عاليًا ويتأهَّبون لصدِّهم.

وفي تلك اللحظة، تقدَّم يوسفُ الذي كان من ضمنِ المصابينَ مُمسكًا بأحدِ الأطفالِ، وصاح قائلًا:

"توقَّفوا مكانَكم واستسلموا! أطفالُكم بين أيدينا، ولئن لم تنتهوا عن سحرِكم لنسفكنَّ دماءَهم ونجريها مع دمائِكم!"

ارتجفَ الطفلُ الذي بين يديهِ، وأخذ ينتحبُ بصوتٍ عالٍ مُناديًا والدَيه، نظر بقيَّةُ الأطفالِ ناحيتَه، ثم حذوا حذوَه وأخذوا يبكونَ بصوتٍ عالٍ مُنادينَ والدَيهم.

اهتزَّ الناسُ لوهلةٍ وهمُّوا أن يرموا برماحِهم، فأرواحُ أطفالِهم بين يدي عدوِّهم، وخطَّتُهم فشلتْ فلم يتمكَّنوا من الفرار.

وفي تلك اللحظة، شقَّ صوتٌ ثابتٌ وقفتَهم المهتزَّةَ، وأعاد لهم عزيمتَهم:

"بل أنتم من عليكم الاستسلامُ إن أردتم النجاةَ، أيُّها الفرسان، فإصاباتُكم ليستْ مجرَّدَ جرحٍ غائرٍ، وحيواتُكم على وشكِ الانتهاء، فسمُّنا طالَكم وسينتشرُ في قلوبِكم حتى يُهلكَكم، ولئن لم تتركونا وشأنَنا لنقاتلنَّكم حتى نفنى أو تفنوا أنتم معنا!"

وكأنَّهم كانوا ينتظرون كلماتِها، شعر الجنودُ بحرارةٍ غريبةٍ تنتشرُ من بين جراحِهم، ازرقَّتِ المنطقةُ حول الإصابةِ وتقطَّعتْ أنفاسُهم.

ارتجفَ يوسفُ مُترنِّحًا قبل أن يركعَ على إحدى ركبتيهِ مُستندًا على سيفِه.

'هذا سيِّئ.'

شدَّ آسرُ قبضتَه مُحوِّلًا نظرَه نحو تلك المرأةِ التي وقفتْ بينهم مُبتسمةً بخبث.

ورغم ثباتِها، إلَّا أنَّ الناسَ من حولِها كانوا مهتزِّين بوضوحٍ وخائفين، وخصوصًا الرجلَ الذي يقفُ بقربِها، كانتْ حدقتاه تتَّجهانِ دون توقُّفٍ نحو الطفلِ الذي يُمسكه آسرُ.

قرَّر آسرُ استغلالَ هذا الموقفِ فابتسمَ بدورِه وقال:

"ثم ماذا؟ مصابونا ليسوا بالكثير، بينما أطفالُكم جميعًا بين أيدينا."

كان من الواضحِ بأنَّ الناسَ يعتمدون على تلك العجوزِ بينهم، وبدونِها فهم مستعدُّون للاستسلامِ فورًا.

أُكمل من الموضع الذي توقفتُ عنده، مع الالتزام بعدم تغيير أي كلمة، وإنما إضافة الحركات فقط:

"حسنًا.. أيُّها الناسُ، ما رأيُكم بهذا؟ لديَّ عرضٌ لكم، يُنقذُ لكم أطفالَكم، ويكتفي بحبسِكم دونَهم." رفعَ سبابتَه عاليًا وأشارَ نحوَ المرأةِ قائلًا:

"مَن يُمسِكْ بها ويُخضِعْها، فسأعفو عن طفلِه وأُخلي سبيلَه."

سخرتِ المرأةُ تهزُّ رأسَها بعدمِ تصديقٍ:

"هراءٌ، هل أنت تُحرِّضُ حلفائي عليَّ؟ وكأنَّ أحدَهم سيفعلُ، فظلمُ ملكِكم هو من جعلَنا هكذا."

ركَّزَ ببصرِه نحوَهم دونَ أن يُعيرَها اهتمامًا يُذكر، تحديدًا إلى الرجلِ الذي يقفُ بجانبِها، ووضعَ كفَّه على رقبةِ الطفلِ الذي يُمسِكُه مُطبِقًا أصابعَه على عنقِه مُحاكيًا خنقَه دونَ أن يُطبِّقَ قوَّةً فعليَّةً.

رأى من بعيد بضعة رجال يلقون برماحهم خلسة مقتربين من المرأة، فاكمل بثقة

"جنودُنا يُستبدلون باستمرارٍ، لكنَّ الطفلَ واحدٌ، ولا يمكنُ استبدالُه، لو أنَّكم هاجرتم وتركتم هذه المملكةَ لما وجدناكم وحاولنا محاربتَكم، لكنَّكم لم تكتفوا بأن تسكنوا المكانَ بل حاولتم الإفسادَ في الأرضِ، وطالتْ يديكم السحرَ حتى استغللتُم فلذاتِ أكبادِكم، والآن كفِّروا عن خطاياكم وسلِّموا أنفسَكم لنعفو عن أطفالِكم ونعاقبَكم دونَهم."

"يكفي، لقد انتهى وقتُ الحديثِ، ولا مجالَ للاستعطافِ الآن، جميعًا هاجموا!"

'سحقًا، هل فشلتُ؟'

شدَّ آسرُ قبضةَ سيفِه وتأهَّبَ لما هو قادمٌ، لكنْ من بينِ جموعِ الناسِ، لم يُهاجمْ إلَّا بضعةُ أشخاصٍ، بينما الباقون وقفوا فقط مراقبين.

التفتتْ نحوَهم وأعادتْ أمرَها:

"ما خطبُكم؟ هيَّا، هاجموا!"

ثم فجأةً، انقضَّ أحدُهم عليها وأمسكَ كفَّيها ووضعَهما خلفَ ظهرِها.

"ماذا؟! مَن يجرؤ؟!"

حدَّقتْ خلفَها فإذا به الرجلُ الذي كان يقفُ بجانبِها مسبقًا، نظرَ إليها باعتذارٍ وقال:

"أعتذرُ بصدقٍ، لكنَّكِ لم تُخبرينا بأنَّ أرواحَ أبنائِنا ستكونُ رهينةً لهذا، بل إنَّكِ قلتِ ألَّا تهديدَ سيُصيبُهم، وأكَّدتِ أمرَ فرارِهم، فما هذا الذي يحدثُ الآن؟"

"أفلِتْني! اللعنةُ عليك! فليأتِ أحدُهم ويجرَّه عنِّي!"

تبادلَ الجميعُ الأنظارَ، لكنْ لا أحدَ حرَّكَ ساكنًا، جميعُهم وقفوا مترددين كأنَّهم يُوافقونه، حتى مَن كان يُهاجمُ تراجعَ مُراقبًا ما يحدثُ.

زفرَ آسرُ براحةٍ، ثم أشارَ بعينَيه إلى الجنودِ وتقدَّمَ إلى الأمام، بينما دنا هو من المرأةِ أسرعَ الجنودُ لتقييدِ الناسِ جميعًا.

رآها تُحاولُ أن تقونَ ببعضِ الحركاتِ الغريبةِ بيديها، وتفتحُ فاها لتتمتمَ بالطلاسمِ، ففكَّ لثامَه عن وجهِه سريعًا وحشرَه في فاها.

تجمَّدتِ المرأةُ حين رأتْ وجهَه، اتَّسعتْ عيناها وتباطأتْ حركاتُ يدِها حتى خُيِّلَ إلى مَن يُقيِّدُها بأنَّها استسلمتْ فخفَّفَ قبضتَه قليلا.

استغلَّتْ هي تلك الفرصةَ فبصقتِ اللثامَ واندفعتْ نحوَ آسرَ، خالها ستهاجمه فتراجع إلى الخلف لكنها رفعتْ كفَّيها ووضعتهما على وجنتَيه ثم شدت رأسه نحوها وبحلقت فيه بتمعن.

تصلب آسر مكانه مرتبكا من سلوكها، وظن أنه هالك الآن لا محالة، رفع كفيه بيأس ليدفعها بعيدا لكن قبل أن يفعل..

ببصرٍ مُحتقنٍ، ويدينِ مُرتجفتينِ، صرختْ بهستيريا:

"أنت! أنت...! أنت ابنُ ذلك الرجلِ، أليسَ كذلك؟! هل جئتَ لتُفسدَ عليَّ حياتي كما فعلَ هو من قبل؟!"

اوقفت كلماتها الغريبة كل محاولاته للدفاع.

والدُه؟ عمَّ تتحدَّثُ؟ حدَّقَ فيها مُستغربًا ذكرَ والدِه الميتِ فجأةً بينما أكملتْ كلماتَها بأنفاسٍ مُستعرةٍ:

"ألعنُكَ! ألعنُكَ أيُّها الوغدُ! هل تعلمُ ماذا؟ أنتَ ستخسرُ كلَّ شيءٍ، كلَّ شيءٍ! شياطيني استرقتِ السمعَ وقالتْ لي ذلك الآن، وأنتَ ستباتُ وحيدًا، هاهاها.. هاهاهاها!"

أمسكَها أحدُ الجنودِ مُجدَّدًا وقيَّدَها، وهمسَ قائلًا لآسرَ:

"أعتذرُ أيُّها القائدُ، سأضمنُ ألَّا تقتربَ من أحدٍ مُجدَّدًا."

ثم أخذَ خرقةَ قماشٍ شقَّها من قميصِه وحشرَها في فاها وقيَّدَ يدَيها وجرَّها مع غيرِها من الناسِ.

بقي آسرُ مُسمَّرًا مكانَه، رفعَ أناملَه ولمسَ وجنتَيه حيثُ كانتْ كفَّاها من قبلُ وهو يتساءلُ في داخلِه عن سببِ شعورِه بكونِ وجهِها مألوفًا..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منافقون

المؤلف .💜lilium
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة