السَمسَار

السَمسَار

23 0

تذكر: لا تلهك الروايات والقراءة عن الصلاة وذكر الله.

ادعموني ولو بنجمة🤍

قراءة ممتعة🤍

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

'هَذه هِي النِهاية ' فَكَرتْ.

انتَظَرَتْ طَويلاً وهِي تُغمِضُ جُفُونَها ...لَم يَحدُثْ شَيء ، فَتَحَتْ عَينَيها خُلسةً .

كانَ الرَجُلُ يَسحَبُ كِتابَاً مِن الرَّفِ بِجوارِها.

امسَكَ بِه ثُمَّ استقام ، تَوقَفَ قليلاً آخِذاً نَفسَاً عَمِيقَاً ثُمَّ فَتَحَهُ مِن مُنتَصَفِه وبدأَ يَقرأُهُ بِتعابِيرَ خَطيرة.

كانَ عُنوانُ الكِتاب " الأَميرة والكَعكة المَسمُومَة".

كانَ كِتاباً اعَادتهُ كاثرين لِتوِها دونَ أن تَفتَحهُ بِسبب اسمِه الطُفُولِي .

قرأتْ مُلخصَ الرِواية المكتوب علی غِلافِها فَقط ، تحدثَتْ القِصة عَن اميرةٍ تَعرضَتْ لِلتَسَمُم مِن أحدِ الوُزراءِ المُقربين مِنها دونَ أن تَعلمَ ، وكما هو الحَال في مُعظمِ القِصص الخيالية أتى فارسٌ مَا وأحضرَ لها الدواء وتزوجَها لاحِقاً ، قصة رومانسية نَموذجية.

الغَريب فقط هو تَعابير الرَّجلِ المُهيبة كأنَّهُ يحمِلُ بينَ يَديهِ أعظمَ سِرٍّ فِي العَالم.

هل يَستحِقُ الأَمر أن يقرأَهُ بِهذهِ التَعابير الجَادة؟

شعرتْ كَاثرين بِالفُضُول ، حَاوَلتْ أن تَختَلِسَ النَّظر بِحذرٍ وهِي ترفعُ أصَابِعَ قَدمَيها لَعلَّها تُبصِرُ مَا يَتأمَلُهُ مِن كَلماتٍ.

أحَسَ الرَّجُلُ بِحَركتها فالتَفتَ نَحوَهَا واطبَقَ الكِتابَ بقوةٍ مِمَا جَعلها تَجفَل.

ابتسمَ بِتكلفٍ وسَأل " هل هُناك شيءٌ يُمكنني مُساعدتُكِ فِيه ، سَيدتي؟"

لم تتمالكْ كَاثرين فُضُولَها، رُغم فَظاظتِه مَعها ،قالتْ " أنا فُضولية بشأنِ مَا طَالعتَهُ لِلتو ".

-بنفسِ الابتسامة- تَجاهَلها كأنَّهُ لم يَسمعهَا لِلتو واستدارَ يَمضِي نَحو الباب ، تَوقفت قَدماهُ قُرب طَاولةِ صاحِبِ المَكتبة ، نَظَرَ إليه قائِلاً بأدب " سَآخُذُ هذا الكتاب"

اومَأ العَجوز بِرأسه ، انقرعَ الجرسُ بَعدها مُعلناً خُروجَهُ من المكتبةِ دونَ تَردُد.

وقفتْ كاثرين هُناك تَنظُرُ بإحراج ، اشتَعلتْ غَضَباً وهي تُفكِر فيه ، كيفَ له أن يَتجاهَلها هَكذا؟

زفَرتْ بِسخط ثم نظرت إلی الكُتب مجدداً مُستاءةً مِمَا حَدث، هَمَّتْ لِلبحثِ بَينها لكن يَداها تَجمدتْ فَجأة ، طرأَ عَلی بَالِها أمرٌ مَا.

أخرجتِ الوَرقة التّي اعطَاها إيَّاها صَاحِبُ المَكتبة سريعاً وطَفقتْ تَتصفحُها بِمقلتَيها بِلهفةٍ.

استقرتْ حَدقتَاها عِند آخِرِ اسمٍ مكتوبٍ فِيها.

" الأميرة والكعكة المسمومة".

سَخرت قائلةً بِإستهزاء: " هاه! إذن هُو مَنعني مِن قِراءتِها لأنَّها تَخُصُ ذاكَ الرَّجُل؟"

جَعَّدتِ الوَرقةَ بِكفها غَيظاً ثُمَّ رَمتهَا أرضاً.

" لا يَهُمُنِي " قالتْ بِحنقٍ وهِي تَتَصفَحُ سريعاً اسماءَ كُتُبِ الرَّفِ التَّالِي.

أمسكت إحدى الكُتُب وسَحبَتهُ بِحدةٍ نَحوها.

اهتزَ الرَّفُ قَليلاً مِمَا جَعلَ كِتاباً آخر يَسقُطُ فوقَ رَأسِها.

" آه ، مؤلم!" قالتْ وهي تَفرُكُ هَامَتَها بِراحةِ يَدِها.

انحنتْ صَوبَهُ لِتُعِيدَهُ مَحِله ، لكن عُنوانَهُ لفتَ انتباهَها.

" أشهر أقوال المجانين في العالم".

للمؤلف: فرانك دييغو - المستشار السابق للملك.

قبضتْ عَليه وراحتْ تنفُضُ بِكفها الغُبارَ المُتراكم على أديمِـه.

فتحته على أولِ صَفحة.

_________________

" اهلاً بِك عَزيزي القَارئ،

كتبتُ هَذا الكِتاب لأَجلِ أن تُرفِهَ عَن نَفسِكَ وتضحَكَ مِن قَلبك.

استمتِع !"

______________

رُسِم بِجانِبِ الجُملةِ الأَخيرةِ مُلصقُ وجهٍ ضَاحك.

قلبتْ الصَفحة التَالية وبدأتْ تقرأُ بِهُدُوء.

_______________________

" اللونُ الأَسودُ ليسَ بخطيئةٍ وحُبُهُ ليسَ بجريمةٍ ، أنتمْ الجاهلونَ هُنا والمُقيدونَ بِأصفادِ النِظام ونحنُ الأَحرار".

- القائل: راني ذو الشعرِ الأَسود.

-مصيره : أُعدمَ حرقاً على المنصةِ لاحقاً بِتهمَةِ مُمارسةِ السِّحرِ الاسوَد.

______________

" الناسُ أسوياءٌ حَتى المَّلك ، لا فرقَ بيننا ، كُلُنا آدمِيين من أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ ومملكةٍ واحدة ، لا داعٍ لإجبارِ أنفسكم على أتباعِ ضَلالِ المَلك والأنقياد وراءَ حُكمِه مُستسلمِينَ ، فهو ليسَ سِوى مُجردِ مَجنون"

-القائِل:الجُندي صَابر.

-مصيره: قتلت عائلتُهُ فِي الحَرب فأصبحَ مختلاً ، عفَى الملكُ الطَيبُ عَن جُنونِه في البداية لكنهُ تجاوزَ الحَدَ فأعدِمَ بتهمةِ إهانةِ العائلةِ المَلكية.

_________

" الظِلالُ تَتبعُني ، إِنهُم هناك ! يُراقِبونني ...يَخشونَ أن أتحدثَ وأُفصِحَ لِلناسِ ما رأيتُه ! سَاعِدوني !"

- القائل:رئيس الفُرسانِ السَابق خَالد .

-مصيره: أصيبَ بِالجنونِ بعدَ مُكوثِه في الحربِ طويلاً،

ماتَ بنوبةٍ قلبيةٍ لاحقاً.

________

تسارعتْ أنامِلُها تُقلِبُ الأَوراقَ بِنفاذِ صبرٍ.

حركتْ مُقلتَيهَا سريعاً تتفحَصُ ما هُو مَكتوبٌ

ثُمَّ بِعَصَبيةٍ ، قَبضَتْ عَلی حافةِ الكِتابِ مِن دُبُرِه وأفلتتْ الصَفحات من بنانها تنسابُ ومَعها مئات مِن الجُمل والكلمات تَحكِي قِصَصَ أُناسِ سَخِرَ العَالَمُ مِنهم ورَماهُم بِالجنون.

________________

"الأصواتُ التَّي أسمعُها قريبَ مَنامي لَيلاً تقولُ الحَقيقة، لكني أَخافُ أن تَفتِكَ بِي."

.

.

.

"مَمراتُ القَصرِ تتبسِمُ لِلجميعِ، لكنهَا تُخفِي الكَثير."

.

.

.

"الزُهور لا تحتاجُ إذنَ أحدٍ لتنمو حيثُ تُريد."

.

.

.

.

"كلُّ العيونِ تتبعُني، حَتى عَندما أُغلقها."

.

.

.

.

"الأرضُ لنا جميعًا، وليستْ مِلكيةَ الملوكِ فَقط."

.

.

.

"لن أُؤذيَ أحدًا فقط لأنَ القانون يقول لي أن أفعل."

.

.

______________

مَرتِ الاوراقَ بينَ اصابِعِهَا سَريعاً حَتى تمزقَ طَرفُ بَنانها بِحافتِها وتقطرتْ مِنه بعضُ الدِماء ، لكنه كانَ آخِرَ شيءٍ قد تعيرُهُ اهتماماً الآن ، توقفتْ يَداها فجأة ، تجمدتْ نَظراتُها واستقرتْ مُقلتَيها عَلى جملةٍ واحدةٍ فقط بِتركيز.

[العوالِمُ المتوازيةُ موجودةٌ ويمكنُ الانتقال بَينها ! أنا أحِدى تلكَ الحَالات ، صَدقُونِي !]

القائل :______

مصيره:______

لسببٍ ما لم يُذكر أسمُ القائِل او مَصيرُهُ ، لم يُذكر إن كانَ حياً او ميتاً.

' عوالِمٌ متوازيةٌ ، هاه؟ '

أخذتْ تمسَحُ تِلكَ الجُملة بِأطرافِ أصابِعها وهي تَتَمعنُها.

إن كانَ هُناكَ تَفسِيرٌ مَنطِقي لِحالتها فسيكونُ انَّها انتقلتْ لِعالمٍ موازي مُختلِفٌ عَن عَالمِها.

مزقتْ تلكَ الصَفحة ودستهَا في كَمِها وهي تُتمتِم " هذا يُمكنُ أن يَكونَ دليلاً".

*******************

جلستْ فتاةٌ شابةٌ أمامَ طاولةِ الزينةِ وهي تَلُفُ احدی خُصلاتِ شعرِها البُني المُجعد بِسبابتِها.

وقفتْ خَلفها فتاةٌ ترتدي حِجاباً أبيضاً طَويلاً وجِلباباً اسوداً واضعةً كَفيها فوقَ بِعضَهما البَعض.

عَقَدتْ الشابَةُ حَاجِبيها قَائِلةً بِتهكُم " ما هذا يَا قمراءُ؟ ألم أُخبِركِ أن تَجعلِي تَسرِيحةَ شَعري كَالأميراتِ؟ هَذا بَشِع ".

أخفضتْ قَمراءُ نَظرتَها قائلةً بِأَسفٍ وهِي تُجِيبُهَا

" انا أسِفة سَيدتي الشَّابة مَارغريت، سَأحاوِلُ إِصلاحَ الأَمرِ أَكثر".

ضَربتْ مَارغريتُ بِقدمَيها الأَرضَ وهي تَقول "أنتِ لا فائدةَ تُرجَى مِنكِ حَقاً ! اينَ أنتِ يا ميري !؟"

صرختْ بِصوتٍ عَالٍ وهِي تُصفِقُ بِيديها فَفُتِحَ البَابُ بِلَمحِ البصرِ.

دخلتْ إمرأةٌ ذاتُ مئزرٍ أسودٍ الغُرفة عَلی عجلٍ، احنتْ رَأسَها ووضعتْ يَدهَا عَلى صَدرِها

" هل ناديتِني ، سَيدتي الشَّابة؟"

اوماتْ مَارغريتُ بِرأسِها وهي تَقولُ " هذه الخَادمة لا تصلُحُ لشيءٍ حَقاً !"

رمقتْ قَمراء بِإزدراء مِن أَعلى إلى أسفل وقالتْ بِإحتقارٍ

" رُغمَ أنَّها عَمِلتْ هُنا خَمسَ سَنواتٍ مَا زالتْ لا تَستطيعُ فِعل شيءٍ ! ".

رفعتْ مِروحتَها اليَدوية مغطيةً ثَغرهَا واكمَلتْ بِتعجرُفٍ

" العَامة يَبقونَ عَامة مهما عَلمنَاهُم ، اليسَ كَذلك ميري؟"

اومأتْ ميري بِرأسِها تُزينُ شَفتيها بِبسمٍ مُصطنعٍ

" نعم ، سيدتي الشابة"

استقَامتْ مَارغريتُ قائلة برثاءٍ:

" رُغمَ أَنني أتعامَلُ مَعها بِلطفٍ إلا أنَّها جاحدةٌ ، انظري ماذا فعلتْ بِشعري".

دراتْ بِشعرها القَصيرِ المُموج وتَظاهرتْ بِالبُكاء.

اطربتْ ميري مَسامِعها بِكلامٍ مُنمَقٍ مواسيةً إيَّاها:

" لا بُّدَ أنَّها تَغارُ مِنكِ يا سَيدتي الشَّابة ، فلا أحدَ أجملَ وأروعَ وألطفَ مِنك ، لا شكَ أنَّ وليَ العَهدِ الأمير رِيكاردو سَيقَعُ في حُبِكِ مِن النَظرةِ الأُولى".

شَقَتْ ابتسامةٌ شَفتيها وضَحِكتْ بِشدة ، تُومِأُ بِرأسِها فَرحاً.

دَنَتْ مِن قمراءِ واستقرتْ أمَامَها واضعةً يَدها عَلى خِصرِها.

" اسمعِي قمراء ، اعلمُ أنَّني جميلةٌ لدرجةِ الغِيرة ولكن مِن الضَروري حقاً أن تَجعليني ابدو رائعةً ، الأحقادُ والأضغانُ ليستْ جيدةً ، تَعلمينَ هَذا مُذ أنكِ مُسلِمةٌ أليس كذلك ؟"

قالتْ قمراء وهِي تَحني رَأسها " نعم ، سَيدتِي الشَّابة ، سَأبذُلُ جُهدي لأَجعلَ شَعركِ يبدو جميلاً".

اوماتْ مَارغريتُ بِرأسها راضيةً وجلستْ مجدداً أمامَ المرآة.

أخرجتْ قَمراءُ صُندوقَ المُجوهراتِ وقالتْ لها هامسةً

" سيدتي الشَّابة ، هل تُفضِلِين أن تَضعي أقراطاً حَمراء تلُائِمُ فُستانَكِ أم ذَهبيةً لِكي يبدوَ الأمرُ كطقمٍ مَع الزيِّ المَلكي لِلناظرين؟"

احمرَّ وجهُ مارغريت، حمحمتْ قليلاً قائلةً بِغرور " اجعليها ذهبية "

" أمركِ ،سَيدتي" قالت قمراء.

ألبَستها الأقراطَ بهدوءٍ ثم بدأتْ تمشُطُ شعرها وتُنعِمُه ، وَضعتْ عَليهِ قليلٌ مِن الدبابيسِ الحَمراء عَلى شَكلِ فَراشات .

أنهتْ الأمرَ بِخفةٍ ثُمَّ تَراجعتْ إلی الخَلف.

أومأتْ مَارغريتُ بِراسِها راضيةً " الآنَ هذا أفضل".

ابتسمتْ قمراءُ لها وانحنتْ " هل تحتاجين شيئاً آخر ، سَيدتي الشَّابة؟"

لوحتْ بِيدها وهِي تتلمسُ وَجهها المَملوء بِالنمشِ البُني

" لا ، يُمكِنُكِ الإِنصرافُ".

خرجتْ قَمراءُ مِن غُرفة الشابة، عادَ شريطُ ذاَكرتها إلی اليومِ الذي وصَلتْ فِيه هنا.

حينَ أبدتْ رغبتها بإيجادِ عملٍ اعترضتْ امها بِشدة، لكنها اصرتْ.

لم تكنْ سِيلين بِأحسنِ حَالٍ ، صِحتُها تَتدهورُ ببطءٍ ولا يُمكِنُها السَماحُ لَها بِالعمل وهِي على هذا الحال.

نتيجةً لِذلك ، بحثتْ بِعمقٍ عنِ الوظائف المُتوفرة وفي النهايةِ قررتْ ان تعملَ كخادمةٍ فِي منزلِ إحدى العَائلاتِ النَبيلة.

ذهبتْ إلى عَائلة نَبيلة مُتواضعة وطَلبتْ تَوظِيفها ، رحبتْ بِها رئيسةُ الخدمِ في البِدايةِ بِسعادةٍ.

لكن حِينَ عَلِمتْ بِأنَّها مُجردُ فتاةٍ مِن عامةِ الشَّعبِ غضبتْ واخبرتها أنَّهُم لا يُوظِفُونَ العَوام ، أثناءَ مُغادرتِها المَكان بحزن صادفتها السَّيدة الصَّغيرة مَارغريت، ابنةَ تِلك العَائلة النَبيلة.

كانتْ مارغريتُ عَائدةً مِن احدى حَفلاتِ الشَّاي ، شَعرتْ بالغيظِ مِن احدى السَّيداتِ الصَّغيراتِ التَّي كانتْ تَتباهى وتَتَفاخرُ بِخادمَاتِها.

ثُمَّ حِينَ رأتْ قمراءَ توقفتْ ثُمَّ امسكتْ بِيدها بِسرعةٍ قائلةً بِدهشةٍ " يا لَجمالِكِ! مَن تكونينَ؟ "

ابتسمتْ قمراءُ بِحرجٍ، صَرَّحتْ رئيسةُ الخدمِ هُويتِها لِمارغريت وهي تَحني رأسَها أدباً

" إنها فتاةٌ عَامية ، سَيدتي الصغيرة"

استغربتْ مَارغريتُ

" عامة؟ ماذا يفعلُ العوامُ في مَنزلنا؟"

اجابَتْ رئيسةُ الخَّدمِ موضحةً

" جاءتْ إلى هُنا لِتعملَ كَخادمةٍ ولكن لا تَقلقي ،اوضحتُ لها الآنَ أنَّنا لا نَستقبِلُ العَوامَ هُنا".

رفعتْ مَارغريت حَاجبها لكنها بَعدها تَذكرتْ تلكَ الفتاةُ المُتغطرِسةُ مِن حَفلِ الشَّاي، ابتسمتْ قليلاً ثُمَّ رفعتْ ذقنها وقالتْ بِغُرور

" حسناً ، مُوافقة ، اجعلِيها خَادِمتي الخَاصَة"

قالتْ رئيسةُ الخَدمِ بِحيرةٍ " لكن سَيدتي، اليسَ مِن المَمنوعِ أن نَقبل عَاميةً كَخادمة؟"

رفعتْ مَارغريتُ مِروحتَها بِغطرسةٍ وقالتْ وهي تَرمُقُ رئيسةَ الخدمِ بطَرَفِ عَينها

" يُمكِننا عَملُ أستثناءٍ واحدٍ ، اليس كذلك ؟"

أحنتْ رئيسةُ الخدمِ رأسَها وقالت " كما تشائينَ ،سَيدتي الصَّغيرة".

منذُ ذلكَ اليَّوم ، بَدأتْ قمراءُ بالعملِ كخادمةٍ شخصيةٍ لِمارغريت.

لم يكنْ مَا حصلَ لِلتوِ امراً غَريباً او نَادراً ، فقد احبتْ مارغريتُ إِظهار تَفوقِها الدائِم عَلى قَمراء وكأنَّها تُخبِرُها

' مَهما فَعلتِ، مَهما كُنتِ جميلةً ، مَهما حَدث، سَأكون أنا أفضلَ مِنكِ دائماً'

بعدَ مضِي عَامٍ هُنا، اخبرها آسِر ان تَتَوقفَ عن العَمل وألحَ عَليها خشيةَ أن تَتَورطَ في مَشاكلٍ هِي في غِنى عَنها.

مَرَّتْ كلماتُهُ في ذِهنها

' النبلاءُ يا قمراءُ مُتغطرِسِين ومَغرورين ، يَظنُونَ أنفُسَهم مُتفوقِين عَلى النَّاسِ بينما لا يَستطيعونَ حملَ سيفٍ خَشَبِي حَتى لكنَّهُم يَملِكونَ السُّلطة..تِلكَ التَّي نَفتقِدُها نحنُ فبمجردِ كلمةٍ مِنهم تَتَناثَرُ الرُؤوسُ وتُعَّلَقُ في جُدارنِ ساحةِ الإستحقاقِ المَركزية ، حَتى لو كانَ ظُلماً'

لم يكنْ آسِر يريدُ أن تعانِي اختَهُ اكثرَ مِن ذلك وهي بنتُ اثنتا عشر عاما فقط، ارادها ان تستمتعَ بِحياتها وتمرحَ كما يفعلن الصغيراتِ في عُمرها.

اومأتْ قمراءُ حينها بِرأسها ، فكرتْ بأنَّ أمَها ليستْ على مَا يُرام وتحتاجُ ان تمكثَ مَعها تَرعاها.

قدمتْ طلبَ استقالةٍ الى رئيسةِ الخدمِ لكن حينَ سمعتْ مارغريتُ بالخبرِ اعترضتْ بشدةٌ ورفضتْ طَلبَ استقالتها .

امرتها ان تَبقى وتَخدمُها مُقابل زيادة الاموالِ التي تُعطِيها ايَّاها ، رفضتْ ثانيةً فلم يعد يهمها المال الآن ولكن....

" قمراء ، اظنُ انكِ تعتقدينَ أنكِ تملكينَ خياراً ، اليسَ كَذلك؟"

اقتربتْ مارغريتُ مِنها ورفعتْ ذقنها بِقوةٍ باستخدامِ مِروحتِها

" انتِ مجردُ عاميةٍ ...إن اختفيتِ من العالمِ فجأة فلن يُبالي أحدٌ، اليسَ كَذلك؟ وإن قُتِلَتْ أمكِ فلن يهتمَ احدٌ ايضاً اليسَ كذلك ؟"

القتْ بِها ارضاً قائلةً " لِذلك كُوني ممتنةً انَّنِي امنحكِ شرفَ ان تكونِي خَادِمَتي!"

أدنتْ مِروحتها قُربَ فَاهِهَا ناظرةً إليها بإشمئزازٍ واحتِقار.

لن تنسَى قمراءُ تِلك النظرة مَا حيّتْ ، حدقتَاها رمتهَا بالسمِ قبلَ لِسانها، كأنَّها تنظُرُ لكائنٍ أدنى أو مجردُ حشرةٍ ، كانَ آسِر مُحقاً... النبلاءُ قساةٌ وغيرُ مُراعين.

حزنتْ قمراءُ حُزناً شَديداً وعِندما عَادت قصّتْ لآسِر مَا حصل.

لفتْ يَديها حَولَ نَفسها قائلةً " انَا خائفةٌ ، آسِر... ماذا لو قامتْ تِلكَ النبيلة بِقتلِ أُمي؟"

رأى آسِرُ الهَمَّ والحُزن يَكتَنِفُ مُقلتَيها ،مَسَّد عَلى رأسِها راسماً عَلى شَفتيهِ ابتسامةً خفيفةً ، قالَ مُخففاً عَنها

" لا تَقلقي يا قمراءُ، سَأحميكِ وأُمي بِنفسي ،لن أدعَ أيَّ عائلةٍ نبيلةٍ تَمُسُكُم بِأذى إن شَاءَ اللّٰه"

شَعرَّتْ بِالدفءِ من ابتسامتِهِ الحانيةِ ونظراتِه المليئةِ بالقلقِ عَليها.

سكنتْ رُوحُها قليلاً واومأتْ بِرأسِها مبتسمةً .

ومنذُ ذلكَ اليوم قبلَ ست سنواتٍ مازالتْ مارغريتُ لم تَتغير.

قَطَعَ عَليها تَفكيرها وصولَ خادمةٍ تَمشي بِسرعةٍ نَحو غُرفةِ مَارغريت ، طَرقتْ البابَ بِعجلةٍ وما إن أُذِنَ لَها حَتى فَتحتِ البَابَ وصَرَّحَتْ بِلهفةٍ:

" سَيدتي الشَّابة! لقد وَصلَ الضُيوف !"

كانَ وليَ العَهدِ الأَميرُ رِيكاردو والأميرةُ الثالثةُ إليزابيث قَادِمونَ كَضيوفٍ اليومَ إليهم.

نهضتْ مارغريت بقوةٍ مِمَا جعلَ الكُرسِيَ يرتطمُ بِالأرض خرجتْ مِن البَاب واندفعتْ مُسرعةً بينَ المَمرات ممسكةً فُستَانَها الثقيل بيديها ، مشتْ بِلهفةٍ ، خفقَ قَلبُها واحمرتْ وَجنتَاها خجلاً وهي تُفكِر بالأمير رِيكاردو .

وصلتْ امامَ البَّوابةِ واحنتْ بِرأسِها على عَجلٍ ،تقِفُ بجانِبِ وَالدَيّهَا.

بطبيعةِ الحَال وكونها خَادمتَها ، وقفتْ قمراءُ قُربَها تحني رأسَها أيضاً.

" ارفعوا رُؤوسَكم" سَمِعوا صوتاً انثوياً نَاعماً يَقولُ بِلطف.

استقَامُوا ونظروا أمَامَهم.

وقفَ هُناكَ شابٌ طويلٌ ذو شَعرٍ أشقرٍ وعينين بُنية ، يَمتلِكُ لحيةً خفيفةً مرتدياً ثياباً مطرزةً بِالَّونين الأبيضِ والذّهَبي ،رَسَمَ عَلى شَفتيهِ ابتسامةً ارستقراطيةً مثالية.

قُربَهُ وقفتْ إمراةٌ فاتنةٌ ذاتُ عيونٍ زرقاءٍ ،انسابَ شَعرُها الأشقرُ المموج حَتى ظَهرها ، تَدلتْ قِلادةُ الصَّليبِ الذَهبية مِن عُنُقِها، استقامتْ بِكرامة تُغطي فَمها بِمروحتِها.

قَهقَهت وهي تُضيقُ عَينيها مُبتسمةً

" يبدو بِأنَّ عائلةَ فَالوا تُرحِبُ بِنا بِحفاوةٍ اليَوم".

تَقدَّمَ السَّيدُ فَالوا خَافِضَاً رأسَهُ:

" إنه لَمِنَ الشَّرف أن يزورَ سُموكُما هذا المَكان المُتواضع".

اومأَ ولي العَهد بِرأسه بِغطرسةٍ، ابتسمَ السَّيد فَالوا وهو يَضعُ يَدهُ عَلى ظَهرِ مَارغريت التّي اقتربتْ ايضاً قَبلَ أن يعرِف.

" أُعرِفُكَ عَلى ابنتي ، مَارغريت"

التفتَ بَعدها نَحوها " مارغريت، حييّ سُمُوه".

احمر وَجهُهَا ، امسكتْ بِطرفِ فُستنانِها بِأنامِلها وانحنتْ قائلةً:

" مارغريتُ فَالوا تُحيي سُموكُم الكَريم".

قال بتبسمٍ مُصطنعٍ " ارفعي رأسك ، سيدتي"

استقامتْ ونظرتْ بِلهفةٍ امَامها وهي تُجوِلُ عَينيها يميناً ويساراً بِخجل.

كررَ السَّيد فَالوا مُجدداً "إنَّه لَمن الشَّرفِ حقا ان-"

قاطعَهُ وليُ العَهد " هل سَنستمِرُ واقفين أمامَ الباب نُحيي بَعضنا ؟"

ضحكَ سيَد فَالوا بِحرج " لا طبعاً سُموكم ، تَفضلُوا ".

شعرتْ مارغريتُ بجفافٍ في حَلقها فنظرتْ إلى قَمراء واشارتْ بِعينيها نَحو المَاء.

لاحظتْ الاميرة أليزابيث إِشارتها فتبِعتْ نَظرتها.

أبصرتْ حينئذٍ إمرأةً خلابةً تكادُ تقسِمُ أنَّها لم ترَ بِمثلِ جَمالِها قَط.

وقفتْ مندهشةً تُطالِعُها كأنَّها لوحةٌ فنيةٌ.

ثُمَّ دونَ أن تُدرِكَ ذلك قَادتها قَدماها نَحوها.

" اليزابيث ؟"ناداهَا أخُوها بِحيرةٍ لكنها لم تَسمعه .

مشتْ بسرعةٍ ومقلتَيها لا تَلتقطانِ إلا صُورةَ قَمراء التَّي كانتْ تفكِرُ حينئذٍ إن كانَ عَليها الذَهابُ لإحضارِ الماءِ فوراً أم عَليها إِنتظارُ دخولِ الضُيوفِ أولاً.

غيرَ عالمةٍ أنَّها مَن كانتْ تمضِي الأَميرة تِجاهها.

توقفتْ خُطوات الأَميرة اليزابيث أَمامها ،قبضتْ عَلی يَدها بقوةٍ وهِي تنظرُ إليها بِعيونٍ مُشرقة.

رفعتْ قمراءُ رأسَها بِهلع .

' هل... هل كانتْ تَقصِدُنِي حَتى هُنا؟' فكرت بأرتباك.

" يالَجمالُكِ ! هل تَمَ صِناعَةُ منتجاتٍ جديدةٍ للتجميلِ دونَ عِلمي؟!" قالتْ بحماسٍ وهي تَتَفحصُ بِمقلتيها كُلَّ أنشٍ بِوجهِ قَمراء.

احمرَّ وجهُ قمراء واجابت " ك- كلا ، إنَّهُ لشرفٌ أن تمتدحِيني ، سُموكِ".

هزَّتْ رأسَها " هذا ليسَ مديحاً ، إنَّها الحقيقة ، ثُمَّ هل جَمالُكِ طبيعيٌ تماماً؟ حقاً؟"

اومأتْ قمراءُ بِرأسِها مرتبكةً

غرقتْ اليزابيث بالتفكيرِ واخفضتْ رأسَها.

نظرتْ إليها قمراءُ بِقلقٍ.

ثُمَّ رفعتْ رأسَها على حِين غرةٍ.

جفلت قمراء وجلةً مِمَا ستنطقُ بِه تالياً.

قالتْ متناسيةً كرامتَها دونَ ترددٍ " ثُمَّ كُونِي خَادِمتي !"

" ماذا؟ سُموكِ؟" قالتْ مَارغريتُ بِحيرةٍ.

شدَّتْ الصليب المُعلقُ في عُنقها وقالتْ

" أقسِمُ بشرفِي أن أحميكِ وأن اجعلكِ لا تندمينَ على هَذا القرارِ ، سَأحترمُ خياركِ ولكن اريدكِ أن تَكوني مَعي".

أحبتْ أليزابِيث الجمالَ اكثرَ مِن كُلِّ شيءٍ آخر ، منذ كانتْ طفلةً جُلُّ تَفكيرها كانَ ينصبُ نَحو مَا هو لامعٌ وفريدٌ.

ومِن شِدةِ عِشقِها لَه طلبتْ أشهرَ أطباءَ العَاصمةِ وصَيادِلتهم والخِيميائين فَقط لِكي يجعلونَ وَجهها يَبدو أجمل.

ارداتْ ان تكونَ المرأةُ الأكثرَ سِحراً وجاذبيةً فِي العالم.

هامتْ بِكلِّ ما هو جميلٌ وارادتْ امتلاكَهُ مَهما حَصل.

وبضمنِهِ هذهِ الخادمة التَّي تقِفُ امَامَها.

كانتْ قمراءُ تشعرُ بحيرةٍ كبيرةٍ ،قبضتْ يَديها بِعصبيةٍ علی جِلبابِها تخفِضُ هَامتها، اصبحتْ عجلاتُ عَقلِها تدورُ بِسرعةٍ.

كانَ جَوابُها مُحدداً سَلفاً.

وهل كانَ امام قمراءُ خياراً أصلاً بَعد أن ارادتها الأميرة؟

قَالتْ بصوتٍ خافتٍ أشبهَ بِالهمسِ " كما تشائين ، سُموكِ".

تجولتْ عيني مَارغريت بين الأميرة وقَمراء ، احمرَّ وَجهُها بِغضبٍ ، لم تعدْ تستطيعُ التحكمَ بِتعابيرها فَرفعتْ مِروحتها تهفُ عَلى أديمها غيرَ مظهرةٍ مِنه سَوى عينيها اللتانِ تلمعانِ بغيظٍ.

كانَ منصبُ خادمةِ الأميرةِ الشَّخصيةِ كبيراً ويطمحُ إليهِ الكثيرُ مِن السَّيداتِ النَّبيلاتِ بِضمنهم مَارغريت.

لن يكونَ لمجردِ عاميةٍ أيُّ فرصةٍ أن تكتسبَ مِثلَ هذهِ المكانةِ المرموقةِ.

نظرتْ بحقدٍ إلى قمراء ، ما الذي ينقصنِي مُقارنةً بِها؟ لماذا اختارتْ أن تجعلَ تِلكَ العامية خادمةً لَها وليس أنا؟ أولستُ بأجملَ مِنها؟ حتى قمراء أقرَّتْ بأنَّها أقلُ مِني بهاءً.

تقدمتْ إلى الأمام وهي تقولُ لِلأميرةٍ بابتسامةٍ أجبرتْ شَفتيها عَلى رسمها" لكن سُموكِ ، تلكَ الفتاةُ مجردُ عاميةٍ".

التفتَتْ الأميرةُ تِجاهها وقالتْ " الجمالُ لا يقيدُ بِالنسب "

رفعتْ رأسَها بِفخرٍ ممسكةً مِروحتها بأدآبٍ ارستقراطية لا تشوبها شائبة وهي تقول " انا أميرةٌ ملكيةٌ وأنا اقول بأنَّها جميلةٌ لأنَّها كَذلك ، ليسَ جميعُ النُبلاء سَاحِرين وفَاتنين فُهناكَ الكثيرُ مِنهم يَملكونَ القاباً فارغةً فقط، مجردينَ مِن الجمالِ والاخلاقِ وكلِّ مَا هو جَميلٌ".

اسَتدارتْ الأميرةُ بعدها قائلةً لقمراء بإبتسامة " ما اسمكِ يا صبيحةَ الوجهِ؟"

شدَّتْ قمراءُ اكمَامَها وقالتْ بخجلٍ " اسمِي قمراء..."

اتسعتْ ابتسامَتها وقالتْ بنبرةٍ يشوبها الابتهاج " هاها انتِ حقاً قمراء... هذا هو الوصفُ الملائِمُ لكِ حقاً".

أخذتْ قمراءُ تعبثُ بِحافةِ حِجابها ، دحرجتْ عَينيها جانباً وقالتْ " شُكراً ، سُموكِ".

تلاقتْ نَظراتُها مَع مَارغريت.

قبضت مارغريتُ يَديها بقوةٍ حَتى ابيضتْ.

بدأَ جَسدُها يَرتجِفُ مِن الإِذلال.

لم تستطعْ تَحمُلَ المنظرِ فاستدارتْ وركضتْ الى الداخلِ سريعاً.

" مارغريتُ؟ مارغريت!"

صاحتْ السيدة فَالوا بِدهشةٍ حِينَ رأتْ ابنتها تهبُ كالريحِ الى الداخلِ تَتسابقُ قَدميها للدخولِ وهي من كانت انغامُ اشواقِها وحَماسها لِلُقيَا ولِي العَهدِ تُطرِبُ مسامِعَ العَامِلين في ارجاءِ القَصر.

فكرتْ قمراءُ بقلقٍ وهي تنظر لِلمشهد ' رُبَّما كان آسر محقاً تماماً بعدَ كُلِّ شيءٍ'.

******************

اطلتْ خيوطُ أشعةِ الشَّمس من نافذةِ تلكَ المَكتبةِ القَديمة مائلةً بِغروبِها ومعلنةً نهايةَ نَهارها وحلولِ لَيلها.

جلستْ كَاثرين على الأرضِ منهكةً مِمَا حدثَ اليوم ، استمرتْ بالبحثِ عَلَّها تجِدُ شيئاً مُشابِهاً ولكن... لا شيءَ.

والأعظمُ هو خَوفُها مِن العَودة ، ماذا لو كانَ ذلكَ الرَّجُلُ مازالَ يَبحثُ عَنها ؟ بدا خطيراً.

أستندتْ واضعةً ذراعيها خلفَها على الأرضِ.

تنهدتْ وهي تُتمتِمُ ناظرةً إلى أعلى الرِّفِ بعجزٍ:

" لو أنَّني فقط أعرِفُ سَمسَاراً يُعطيني المعلومات ويقومُ بصنعِ هويةٍ جديدةٍ لِي".

فجاة سَمِعتْ هَمساً قُربَ اذنِها

"يُمكنني ان اعَرِّفَكِ على شخصٍ كَهذا"

"هغغغ" انتابتَها قشعريرةً والتفتتْ فوراً بِهلع.

كانَ الرجلُ العجوزُ صاحِبُ المكتبةِ.

وضعتْ كاثرين يَدها على فُؤادِها تتنهدُ بإرتياحٍ

" لقد أفزعتني"

ابتسمَ بغموضٍ وقال " كنتُ فقط اودُ المُساعدة".

نظرت إليهِ بنظرةٍ تسألُه عن سَببِ وجودهِ خَلفها

ثُمَّ تذكرتْ مَا قاله

" اه صحيح ، قُلتَ شيئاً عن مُساعدتي ، ماذا تَعني؟"

نظرَ بِلا مُبالاةٍ إلى الرَّفِ الفَوضوي بجانبهِ قائِلاً

" يمكِنُنِي أن أُعرِفَكِ عَلى أكثرِ رجلٍ ذو علمٍ بِمملكةِ أدام بِأكملها...لا ، بَل رُبَّما في العالم كله".

نظرتْ إليه بِحيرة " أنَّى لَكَ مَعرِفَةُ شخصٍ كَهذا؟"

هزَّ كَتِفَيه : " أنا أعرِفُهُ فقط ".

قفزتْ كَاثرين عَلى قدميها قائلةً بِأملٍ ورجاءٍ

" حقاً؟ ألا يمكنكَ ان ترتِبَ بيننا لقاءً؟"

اومأ بِرأسه " بَلى ، لكنهُ يعملُ كسمسارٍ لِذلك عليكِ أنتِ أن تدفعي ثمنَ كُلَّ شيءٍ ".

غرقتْ نظرتُها وقالتْ بقلقٍ

" ثُمَّ هل هُو يقبَلُ الدُيون؟ لا املُِك الكثيرَ من النقودِ الآن وأخشی أن يكونَ السِعرُ باهظاً جِداً لكنني أعدكَ ، سَأسدِدُ كُلَّ شيءٍ لاحقاً".

عند سَماعِه كلَامها ، امسكَ العجوزُ ببطنِه وضحكَ بصخبٍ ، اندلعَ ضِحكٌ عالٍ هَزَّ اركانَ المكتبةِ الهادئةِ، انزلقتْ دمعةٌ عَلى مَآقِه .

نظرتْ إليهِ كاثرين بِإستياءٍ ، هل قالتْ شيئاً مُضحكاً الآن؟

مَسحها بِسرعةٍ وهو يُحاوِل أن يتوقف قائلاً

" إنَّه هاهاها...أسعارُهُ ليستْ مالاً".

امالتْ كاثرين راسَها بتعجبٍ " ليستْ مالاً؟"

توقفْ أخيراً عَن الضَحِك تماماً ، عادَ وجهُهُ للجديةِ وقالَ

" نَعم ، اسعارُهُ ليستْ أموالاً...إنَّها أعمار"

تزايدتْ حِيرتها " أأنتَ تتكلمُ بالألغازِ الآن أم أنكَ تهزأُ بِي؟ ماذا تقصِدُ بِكلامِكَ؟"

اجابَها " إنَّهُ ما أقولُهُ حرفياً ، عليكِ ان تدفعي ثمنَ المعرفةِ بعمركِ وحياتِكِ".

حدقتْ بِه بنظراتٍ تَطلُبُ توضيحاً أكثر.

حكَ رأسَهُ قائلاً

" كيفَ أقُولُها؟ أعني انَّهُ ليسَ مِن الغَريبِ أن تري شاباً في ريعانِ شبابِهِ يخرجُ وقد تظَافَرَ الشيبُ في هَامتِهِ وثَقُلَ جَسَدُهُ وضَعُفتْ قُوتُه.. لقد أستغرقَ عُمره ، هذا هو ثمنُ المَعرفة ، إن لم تكوني مستعدةً للتضحيةِ بهذا على الأقلِ فلا تتأملي أن تنالي الحقيقةَ ابداً ، يا صغيرة".

" أنَّى لَهُ أن يَأُخذَ مِن عُمري بِالضَبط؟"

" هذا شيءٌ سَتعرفينَهُ فقط بعدَ لِقائِكِ إيَّاهُ، إذن ما رأيكِ؟"

غرقتْ حَدقاتها السَّوداءُ قالتْ بشرودٍ " أيمكنكَ ان تمنحني وقتاً لِلتفكير؟"

" كما تشائين ، لكن اعلمي أنَّهُ لا يستقِرُ طويلاً في مكانٍ واحدٍ ، معكِ إلى الغدِ أعطنِي جوابَكِ إمَّا نعم أو لا" استدارَ بعدها يَهِمُ بِالمغادرةِ.

قالتْ كاثرين على عجلٍ " المعذرة ، لكن هل يُمكنني المبيتُ هُنا الليلة؟"

لا يُمكنها النَومُ عِند الجدةِ خشيةَ أن يجِدَها ذلِكَ الرجل ، كما انَّها لا تريدُ أن تُسبِبَ لها مشاكلَ بعد أن اعتنتْ بِها.

"حسناً" قالَ بِبساطة مُغادراً المَكان.

توقف بعدها وهو يحك رأسه كأنه تذكر شيئا.

التفتْ إليها وهو يشيرُ إلى أحدِ زوايا المَكتبة قائلاً

" هناك غِطاءٌ هُناك ، خُذيه مَعكِ دائماً، قد تَحتاجينه بِما أنكِ بِلا مأوى" انهى كَلامَهُ بتبسمٍ غريبٍ كأنَّه سعيدٌ بِوضعها.

تجاهلتْ كاثرين الأمر و اومأتْ برأسها " حسنا".

التفت بعدها منصرفاً تاركاً إيَّاها وحدَها.

استلقتْ كاثرين قَلقةً ، ماذا تَفعلُ تالياً؟

الأمرُ اشبَهُ بِحُلُمٍ ، اخذُ الاعمارِ؟ هراءٌ ثُمَّ هُراء ، لا يملِكُ الأعمارَ وغَيبِها إلا الله.

دارتْ في راسِها كُلُّ الاحتمالاتِ ، في النهاية لم تتمكنْ مِن النَوم.

طلعَ الفجر وهي تُحاوِلُ أن تجزمَ بِرأيها .

لم يكن هناكَ اذانٌ هُنا إذ قَلَ المُسلمون فصلتْ الفجر ثُمَّ الاستخارة وارتاحتْ بَعدها ، سَتفعل .. لا بُّدَ انَّهُ جاهِلٌ يعتَقِدُ انَّ بِاستطَاعِته ان يَسلِبَ الاعمار.

هِي الآن تحتاجُ الهويةَ بِشدة ، كما انها تحتاجُ ان تعرفَ اكثرَ عن صَاحِبِ تلكَ المَقولة فهو دَلِيلُها الوحيدُ الى الآن.

عزمتْ الامر ونهضتْ من فَورِها.

كانَ العَجُوزُ مُستَقِراً على مَكتَبِه وكأنَّهُ طِيلةَ الليلِ لم يُحرِك سَاكِناً قَط.

ذهبتْ الى العَجوز وقالت " سَأفعل ، سَأرى ذلكَ الشخص".

ابتسمَ العجوزُ كأنَّهُ توقَعَ رَدها ، قال " اتبعيني".

أخذَ مَعَهُ مصباحاً زيتياً وقامَ من كرسيهِ.

سارَ نحوَ احدِ الرُّفُوفِ البعيدةِ وامسكَ كِتاباً ثُّمَ سَحبه.

انفتَحَ ممرٌ مخفي خَلفَ الرّف يقودُهُ سلالمٌ تنحَدِرُ نحوَ الأسَفل ،حملقتْ كاثرين فِي الكِتاب.

" الأمير الهارب".

ابتسمتْ بِسخرية ' إذن لِهذا مَنعني من تلِكَ الكُتُب ؟'

هزَّتْ رأسَها وتَبعَتهُ ، وَلجوا معاً الى الداخلِ نازلين من السَلالم ، كانَ الهدوءُ قوياً والظلامُ شَديدا لا يُنيرُ المكان إلا ذلكَ المِصباحِ الوامضِ.

تكشفتْ امامَهم حجرةٌ مليئةٌ بصناديق متباينة الأَحجامِ ، وقفَ عند صندوقٍ صغيرٍ وفَتحه ، اخرجَ مِنه بروشاً رُسِم بداخِلهِ شعلةً سَوداء .

التفتْ إليها ، سَلمها إيَّاهُ قائلاً :

" اذهبي غداً إلى الحانةِ في الزقاق الثَالث والثَلاثين، سَتجدين رَجُلاً يَجلِسُ هُناك ، اريه فقط هذا الرمز وسَيفهمُ كلَّ شيءٍ".

ثم طَفقَ يشرحُ لَها الطريق بالتفصيل.

اخذتْ كاثرين البروشَ مِنه ثُمَّ نظرتْ الى العَجوزِ بشكٍ.

" وكيفَ يُمكنني أن أثِقَ بِك؟ ماذا لو كُنتَ تُحاوِلُ قَتلي؟ "

قالَ بابتسامةٍ خبيثةٍ :

" لانَهُ لا خيارَ امامكِ سِوى انا ، انتِ مجبرةٌ ان تثقي بِي فلا حلَ لكِ غيري الآن وإلا فاعطني ما مَنحتُكِ إيَّاهُ الآن وغادري فوراً ، لن اخسرَ شيئاً لكنكِ قد تمَوتين".

صمتتْ قليلاً ، كان محقاً رغم خطورةِ الأمر.

سألتْ بريبة " وانتِ....لِمَ تُحاوِلُ مُساعدتي إذن؟"

ضحكَ قليلاً " فقط... لأنَّهُ مُمتع".

بقيتْ تُحملِقُ فيه تَتَفحصُ وجهَهُ باحثةً عن أيِّ آثارٍ لِلكذبِ.

قالَ بِابتسامةٍ " هيَّا ، كوني ممتنةً أنّي أُساعِدُكِ".

قالتْ دونَ ان تُزيغَ بَصرهَا عَنه " هل يُفترضُ بي أن اشكُركَ؟"

هزَّ كَتفيه " مَن يَعلم؟"

تنهدتْ ، لا فائدةَ من الجدالِ معه فهو كما قالَ مفتاحُها الوَحيد ، إمَّا النجاةُ وإمَّا الموت ، لو امسكَ بِها ذلكَ الرجل وظنَّ أنَّها جاسوسةً ايضاً فلا تعلمُ مَا سيفعلهُ بِها لذلكَ عَليها محاولة النَجاة عَلى الأقل.

" وداعاً"

قالتْ ثُّمَ استدارتْ وهي تُغادِرُ القَبوَ وَحدها ، وقفَ هُناك يُراقِبها من أسفَلِ السلالم بوجهٍ خالٍ مِن التعابير حَتى أختفت.

ابتسمَ بسخريةٍ " حظاً سعيداً إذن".

________________

خرجتْ كاثرين من المكتبةِ ثُّمَ بعدَ أن مضتْ في طَريقها تباطئتْ خُطواتُها فجأة.

' صحيح ، لم أسألهُ عن الوقتِ الذي ينبغي أن اقابِلَ السَمسارَ فِيه ، هل أذهبُ الى المَوقع فوراً؟'

تنهدتْ وبعد بعضِ التَسامرِ والتَفكير قررتْ أن تتجهَ نحوَ ذلكَ المَوقع الآن فإن لم تجدهُ فستعودُ وتسألُ العجوز ، لم تكن تريدُ رؤيةَ وجهِ ذلكَ العجوزِ مجددًا ، محيَّاهُ يُثيرُ غرابةً وقشعريرةً كأنَّهُ مُحتالٌ مِن الدرجةِ الأولى.

أقدمتْ مجدداً على المَسير وهي تَستحضِرُ في ذهنها الطَريق الَّذي وصَفه العَجوز.

كانتْ الشوارِعُ خاليةً مِن النَّاس والصَمتُ سَكِينُ المكان، مَا كسرَ ذاكَ الهدوءِ المُرعبِ هو فقط صَوتُ الريح الذي يُحرِكُ أوراقَ الأَشجار وتغاريدُ عَصافيرِ الصَباح.

شعرتْ كاثرين بالوجلِ قليلاً ، هِي الآن تسير في أزقةٍ مهجورةٍ لا يدخُلها الناس، وفي أولِ الصَباح.

هل كان يُخطط لأغتيالي حقاً بعدَ كُلِّ شيءٍ؟

لكن لِمَ سَيفعل؟ حتى هُو أقرَّ بمظهري الرَّث والمُثير لِلشفقة.

جالَ في ذِهنها صورُ ذَلكَ الصَّبي ذُو الشَّعرِ الأَسود مِما جَعلها تَرتعِشُ، لقد قَتلوهُ حقاً فِي النهاية.. ناسٌ مَجانين.

فركتْ ذِراعَيها بِبعضها.

وصلتْ اخيراً امامَ بابٍ مهترءٍ مِن الخَشب ، عندما وَلجتْ الى الدَاخل دَقَ جرسُ البَاب ثُمَّ رحب بها هُدوءٌ مُريع.

أحتوى المَكان عَلى طاولاتٍ دائريةٍ حَولها بعضُ الكَراسي ، وفي صَدره كانَ هُناك طاوِلةٌ تَمتدُ على طُول عرض المكان تَقِفُ خَلفها امرأةً سمراءً ترتدي حِجاباً وتمسَحُ صَحناً بخرقَةِ قماشٍ.

حينَ دقَّ صَوتُ الجَرسِ في مَسامِعها نظرتْ إلى الوَالج بِطرف عَينها لِلحظة ثُّمَ عادتْ لِلتركيز فِي الاطباقِ بين يَديها.

جالتْ نظرةُ كَاثرين فِي المكان بحرجٍ حَتى استقرتْ على رجلٍ يَجلِسُ في اقصى اليَّسارِ عند طاولةٍ تقعُ قُربَ النَّافِذة ، كانَ يرتدي عباءةً سوداءً تغطِيهِ بالكاملِ ويُمسِكُ بكتابٍ مَألوف.

دنتْ كاثرين مِن الطاولة ووضعتْ البروشَ عَليها امَامه ، رفعَ رأسَه عند سَماعه صوت القعقعة التّي اصدرَها عندَ وضعِهِ عَلى الطَاولة ،وحينَ أبصرَّهَا أغلق الكتاب بهدوءٍ ووضعهُ جانِباً ثُمَّ اشارَ بيدِهِ إلى الكرُسِي أَمامه.

رمقتْ كاثرين الكِتاب بِلمحةٍ سريعةٍ.

" الأميرة والكعكة المسمومة".

كانَ يجلِسُ امامَها ذاتَ الرجل الذي كَان في المَكتبة.

فعلتْ كمَا قالَ واستقرتْ على الكُرسي دونَ أن تُخفِضَ حَذرها.

حلَّ السُّكونُ مُجدداً ، سُمِعَ صَوتُ انسكابِ الماء مُتسَرِباً الی كوبِ القَهوة.

مشتْ المرأةُ السَّمراءُ تَحمِلُ صينيةً صغيرةً ثُّمَ توقفتْ امامَ طاوِلتِهما ووضعتْ الفِنجانين عَليها ، ثُّمَ استدارتْ عَائدة ادراجها.

امسكَ بِفنجانِ القهوة وقرَّبَهُ مِن فاهِه شارباً رويداً.

جلست كاثرين تراقبه بصمت ، لم تلمسْ كاثرين الفِنجانَ حتى، خشيتْ ان يكونَ مَسموماً.

ثبتَتْ مقلتيها فقط على وَجهه، كلاهُما صَامتان ينظرانِ لبَعضهما.

" لنبدأ الآنَ، إذن؟ ما هي أسئلتك؟" بَعدَ دقائق وضعَ الفِنجان قائلاً بصوتٍ أجَش .

أخرجتْ كاثرين الوَرقةَ مِن حَقيبتها بهدوءٍ جاعلةً إيَّاها على الطاولةِ تدفَعُها بإصبعها نَحوه ، تكلمتْ دون ان تُزيحَ بصَرها عنه

" اريدُ مِنكَ ان تُخبِرني عَن صاحِبِ تلكَ المَقولة".

قبضَ عَلى الورقة ، تَكلمَ دونَ أن يرفعَ مُقلتيه عَن كلماتها:

" هذا الشخصُ وُسِمَ بِالجنونِ قبلَ ثلاثةِ اعوامٍ بسببِ قولِه هذا الكلامِ الغَريب ، أثرَّ كَلامَهُ في بعضِ الناسِ وخُصوصاً الأطفال فحُكمَ عليهِ بالإعدامِ لولا انَّ الملكَ ارسلَ في طَلبِهِ فذهبَ هُناك إلى القَصرِ المَلكي وأنقطعَ خبرُهُ بَعدها..."

" ما اسمُه؟ وهل هُو ميتٌ ام حَيّ؟"

عَلا رأسَهُ ناظراً إليها ، ابتسمَ قليلاً ثم رفعَ اصبعاً واحداً، أمالت كاثرين رأسها حائرة.

قال " ما قلتُهُ لِكِ حتى الآن يُكلِفُ سنةً واحدةً أنستِي ، هل تودِين حقاً ان تَعلمي عنهُ اكثر؟ فهذهِ المعلوماتُ التفصيلية لا يَعلمُها كثيرٌ من النَّاس ".

ابتعلتْ ريِقها ثُّمَ ضربتْ الطاولِة بخفةٍ بِقبضبتها وقالتْ:

" مهلاً ! هذا غيرُ عادلٍ ! انتَ لم تخبرنِي سوى بقليلٍ مِن المعلومات ، أنَّى لِهذا أن يأخذَ كُلَّ هذا العُمر؟"

بالطبعِ ، هي لم تصدقْ انه يستطع سَلبَ العُمرِ فعلاً فمِن الواضحِ انَّهُ مجردُ مجنونٍ ، لكن عدم التفاوضِ يُشعرها بالخسارةِ حتى لو لم تَدفع شيئاً.

" هذا سِعرُ المعرفةِ أنستِي ، لكن ولأنَّها المَرةُ الاولی لكِ هُنا سَأُخبركِ بجوابِ سُؤالِكِ كَهدية ، نَعم.. إنَّهُ حَي".

جفَّ حَلقُها قليلاً ، امسكتْ يَديها بتوتر ، لقد حققتْ الآنَ هَدفَها الاول .

هناكَ شخصٌ قَد يكونُ من عالمٍ مختلفٍ مِثلها وهو في القصرِ المَلكي الآن.

اطمئنتْ قليلاً ثُّمَ انتقلتْ إلى هَدفِها الثَاني فوراً

" هل يُمكنُكِ صُنعُ الهَويات ؟ احتاجُ هويةً جديدةً".

اومأَ برأسِه بفهم " حَسناً".

تنهدتْ بإرتياحٍ واكملتْ " اريدها ان تكون هويةً حقيقيةً لا مزيفةً ، كُلُّ مَا عليكَ تزييفه هُو مكانُ وِلادتي ، اجعلهُ مَملكة ادام ".

اجابَ " نعم ،حسناً، هذا سَهل".

نظرتْ اليه بشكٍ " كما قُلت ، لا ينبغي ابداً ان تكون مزيفةً".

ابتسم بتكلف " نعم ، لن تكونَ كَذلك ، الآن هل ننتقل إلی معرفةِ السعرِ اولاً ام سَتُخبريني بتفاصيلِ الهَوية؟"

" ابدأ بالسِعر" قالتْ بتوتر.

رفعَ اصبعاً " سنةً واحدةً".

اومأتْ براسِها "حسناً".

ضاقتْ عَيناهُ بِريبة " لا تبدينَ مصدومةً كالسابق".

هزَّتْ كَتفيها "حسناً ، انا ارتجالية قليلاً".

" ما اسمُكِ؟ كم عمركِ؟ وما هِي ديانتُكِ؟ "

" اسمي كاثرين ، عمري الآن 23 عاماً ، ديانتي الإسلام".

اومأ براسه ثم كرر عليها المَزيد من الأسئلة واجابتْ بِهدوء.

بعد انتهائِه قالتْ " مَتى سَأتسَلمُها؟"

رفعَ اصبعاً واحداً ، فكرت بقلق 'ماذا سيقولُ الآن ؟ اسبوعاً؟ شهراً ؟ او رُبَّما...في أسوءِ الاحوالِ سَنةً؟!!'

اجابَ " بعد ساعةٍ مِن الآن".

نظرتْ إليه بحيرةٍ " ليس سنةْ بل سَاعة ؟"

نظرَ إليها بِغرابة ثُّمَ ضَحك " هذه اشياءٌ انا معتادٌ عَليها ويُمكنني القيامُ بِها بسرعةٍ ، لا تشغلَي نفسكِ بِها".

" حسناً..." قالتْ ثُّمَ نهضتْ مِن مَكانها.

" هل سَتسحبُ مِن ' عمري' الآن ام بَعد ان اتسلمَ الهُوية؟"

ابتسم "سَأخُذ الآنَ سِعرَ المعلوماتِ وبعدَ اكمالِ الهُوية وإعطائِكِ إيَّاها سَأخُذُ سِعرها".

اقتربَ مِنها وبدأ يُردِد كلاماً غريباً وطلاسماً واختتم بقولِه

" يا عُمرَّها أخرُج وتعالَ إلي !" سرتْ قشعريرة اسفلَ عمودها الفَقري.

' هذا الرجل...مجنونٌ بِالتأكيد! لن اتعامل معه مجدداً ما حَييت! هل يعتقِدُ حقاً ان عمري سيخرجُ راكضاً من جسدي وينتقِلُ اليه بمجرد ترديده الكلمات؟ '

حينَ رأتهُ اولَ مرةٍ اعتقدتْ بأنَّهُ رجلٌ ذكي ، فكرتْ كاثرين حينئذٍ بجديةٍ

' أن تبقى صامِتاً افضلُ بكثيرٍ من ان تُظهر لِلناسِ جهلَكَ وغبائكَ'.

ابتسمتْ بتكلفٍ " هل انتهيتَ الآنَ؟"

اومأ برأسِهِ راضياً " نعم "

قالت معترضة بتهكم " لم اشعرْ بأيِّ شيءٍ ، هل أنتَ تتقاضی فراغاً كأَجرٍ لَك؟"

هزَّ رأسَهُ ناظراً إليها بشفقة، قالَ بِفلسفة:

" العمرُ مجردُ رقمٍ لن يظهرَ تأثيره إلا اذا تزايدَ كثيراً".

سخرت في داخلها ' وعُمري لن يتزايدَ مع هرائك ابداً ، انتَ مجردُ احمق'.

صمتت ثم قالت بإرهاقٍ " حسناً، سَأذهبُ إذن".

خرجتْ مِن الحانة ، تستنشقُ هواءَ الصباحِ بإرتياحٍ..

انتهتْ الأمورُ بخيرٍ الآن.

قررت ان تتجول قليلاً ، عادَ الى ذهنها ذاك الصبي مجددا ، صورتُه الميتة عالقةً في ذِهنها لا تنفكُ عن الظهورِ امَامها وإفزاعَها علی حِين غَرةٍ.

" هل هُو مسلم؟" تمتمتْ بِتفكير.

لاحظتْ أن اغلب النصارى هُنا كَانوا يرتدونَ قلائدَ صَليبٍ فِي أعناقِهم.

تمتمت " هل أذهبُ لِلتحقق؟"

فكرت ' وإن كانَ مسلماً... ربَّما قد أقومُ بدفنهِ بنفسي رَيثَما يمرُ الوَقت'.

وصلتْ الى ذلك الزقاق بِسرعة .

دنتْ من جُثمانِه وهي تُكافِحُ لوقفِ ارتعاشِها مشجعةً نَفسها عَلى الاقترابِ اكثر.

لم تتغيرْ هيئته كثيراً عن السَابِق سوى أن جثته ازدادتْ زرقةً وتَصلُباً ، غطتْ الجروحُ والكَدماتُ وَجهه.

وامتلأتْ يداهُ بخدوشٍ عَميقةٍ كأنَّ قاتِلَهُ تفنَنَ بِتعذيبهِ بِالسكين قَبل المَوت.

قالتْ بِأسى وهي تمسحُ بِكفها احدی الكَدمات مرتعشةً

" وإن لم يدفنكَ النَّاسُ جميعاً جهلاً ورُعباً ،فكفايَّ سَتفعل".

كانتْ احدی يديه تقبِضُ على ورقةٍ صغيرةٍ ممزقةٍ ، امسكتْ كَفهُ وفتَحتهَا بلطفٍ آخذةً الوَرقة .. دُوِنتْ عليها بخطٍ خشنٍ غليظٍ هِذه الايات

﴿إِنَّ المُجرِمينَ في ضَلالٍ وَسُعُرٍ۝يَومَ يُسحَبونَ فِي النّارِ عَلى وُجوهِهِم ذوقوا مَسَّ سَقَرَ﴾

بدأتْ يَدها تهتزُ بقوةٍ وترتعش، سقطت الورقة من كَفِها.

تراجعتْ الى الخَلف متعثرةً كأنَّها تلقتْ صفعةً عَلى وجهِهَا، طفقتْ تمسَحُ وجَهها بكفها تارةً وتتمتمُ تارةً أخرى

" ك-كلا .. كاثرين ، انتِ بخير.. انتِ بخير ، لم تفعلي شيئاً خاطِئاً" .

فركتْ يداها بِبعضِها وهي ترتجفُ ، اغمضتْ عينيها آخذة نفساً عَميقاً .

"هووو...." زفرتْ بِقوةٍ ثُمَ فتحتْ عَينيها ، بدأت تمسح ذراعيها ببعضها بسرعة ،جالتْ مُقلتيها تتفحصُ الزُقاق.

وقعتْ نظرتُها على سَيفٍ خشبِي مكسور في الزاويةِ، انزلتْ يَديها من حولها ثُّمَ اتجهتْ نحوه رويداً والتقطتهُ بنفسٍ مُرتجِفٍ.

شدَّتْ قبضتَها عليه كأنَّها تمنحُ القوة لذاتِها ثُّمَ بدأتْ بِالحفر.

لم تكنْ كاثرين تعلمُ شيئاً عن تغسيلِ الموتى وتكفينهم لكنَّها مزقتْ البطانية التي اعطاها ايَّاها صَاحِبُ المكتبة عند النوم وكفنتهُ بِها بِسرعة ثُّمَ وضعتهُ في القبر واعادتْ الترابَ عَلى وجهِه.

استغرقتْ العملية بِرمتها خَمسَ ساعاتٍ كاملةٍ ، كانت كاثرين مُنهكة ومُتعبة بِشدة .

نظرتْ الى الشمسِ التي اصبحت في كبدِ السمَاءِ الآن ثُّمَ مسحتْ العرق الذي تَكَّونَ علی جَبينها بِكَمِها.

امتلأتْ ذراعيها وثيابَها بِالتراب ، نظرتْ إليهم بِفراغٍ عميقٍ ثُّمَ نهضتْ رويداً.

ذهبتْ عائدةً الى تلكَ الحَانة ، حين دخلتْ استقبلها السمسار بوجه متقلبٍ بين الحيرة والغَضب.

" ماذا حصلَ لَكِ؟ لِمَ تأخرتِي؟ هل تعلمين كم انتظرتكِ؟ وما خطبُ ثيابِك المليئةَ بِالتراب؟" اغرقها بالأسئلةِ وهو ينظر اليها بارتباكٍ.

دحرجت عينيها" لا شيء ، أسفة عَلى التأخير ، هل اكملتَ الهوُية ؟"

اومأَ بِرأسه وهو يرمُقها باستياءٍ " نعم ، تفضلي"

بسطَ يَدهُ حاملا الهوية فامسكتْ بها واخذتْ تُقلبها بِكفها ، اومأتْ بِرأسها وتقدمتْ خطوةً الى الأمام.

" الان، خُذْ سِعرها".

لكنه لم يُحرك سَاكِناً ، جالتْ عَيناهُ تتفرسُ أديمها بِغرابةٍ ثُّمَ قال " هل انتِ متأكدةً بأن هذا كل شيء؟ الا تريدينَ معرفةَ أي شيءٍ آخر؟"

هزت رأسها " كَلا ، يَكفيني ما علمت".

عقد حَاجبيه وقالَ مُلِحاً مُجدداً:

" انا رجلٌ اعلمُ الكثيرَ مِن الأمور ، تفويتكِ هذهِ الفرصة الآن قد يجعلكِ نادمةً لاحِقاً".

ارتابتْ كاثرين مِنه ، ما خَطبُه؟

قالتْ بحزمٍ " لا اريدُ ان اعرِف اي شيء ، أستأخذُ من عُمري الآن ام امضِي فِي طَريقي ؟"

ابتسم مضيقا عينيه قائلا بثقة :

" اوه..حقاً؟ لا تريدين معرفةَ اي شيءٍ، اليسَ كذلك ؟"

خطا الى الامام ، امالَ رأسَه قائِلاً بخبثٍ:

" ولا حتى سَببَ وجودكِ هنا أو هوية مَن جاء بِكِ إلی هذا العَالم، يا فتاةَ الزَّمن؟"

تسارعت أنفاسها، وتجمّدت الكلمات في حلقها بينما ابتسم بخبث كصياد اوقع فريسته في شباكه.

_______________________________________

ردد معي لمدة دقيقة:

سبحان الله وبحمده (3)

سبحان الله العظيم (3)

الحمد لله (3)

لا اله الا الله (3)

الله اكبر (3)

ادعموني ولو بتعليق

رأيكم بالفصل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منافقون

المؤلف .💜lilium
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة