تذكر : لا تلهك القراءة والروايات عن الصلاة وذكر الله.
ادعموني ولو بتعليق🌸
قراءة ممتعة 🤍
______________
استَلقتْ قَمراءُ على العُشبِ ناظرةً إلى السماءِ تَستَمِعُ صَوتَ خَريرِ الماءِ الذي يَتدفقُ مِنْ الشَلالِ سُقُوطاً إِلى نَهرِ سَيلان.. النهرُ الذي يَستقَي مِنهُ أُناسُ هَذه الإِقطاعية.
انتَشَرَ شَعرُهَا البُني المُحمرُ على العُشبِ وأَنسابتْ أَشعةُ الشَّمس تُغَطِي جَسَدَها دُونَ وَجْهِهَا.
أغمَضَتْ عَينَيهَا مُستَمتِعَةً بِهذا الهُدوءِ.
" قَمراء ! قَمراء !"
بَعد فترةٍ قصيرةٍ ،شَعَرَتْ بِيدٍ تَهُزُهَا فَفَتَحَتْ عَينَيهَا نَاظِرةً إِلى الوَجهِ الذي أَمَامَها... كان آسِر.
أَعتَدَلتْ بِبُطءٍ قَائلةً " ما الخطبُ ،آسر؟"
أجابها آسِر بِإِبتهاجٍ " لَقد عَادتْ وَالِدَتي!"
وقفت بسرعة بفرح "أوحقا ما تقول ؟"
أومأَ بِرأسِهِ وهُو يَحُثُهَا عَلى الإِسرَاعِ لِلعودةِ إلى المنزلِ.
وَصَلَا إلى المنزلِ بِسرعة.
دَخَلتْ قَمراءُ اولاً وهي تَستَقبِلُ وَالِدَتَها " أُمي! أهلا بعودتك! أنا وآسِر أشتَقنَا لَكِ كَثِيرَاً "
فَتَحَتْ سِيلِين ذِرَاعَيها وضَمَّتْهَا إِليها مُرحبةً بِها بأبتسامةٍ .
" قَمراء ، كيفَ كَانَ حَالُكِ؟ أَنا أَيضاً أشتقتُ لَكُمَا كَثِيراً ".
أَجَابتْ قَمراء بإِشراقٍ " كُنَا بِخيرٍ ".
حَوَّلَتْ سِيلين نَظَرَهَا نَحوَ آسِر :" وأنت آسِر؟ أكُنتَ بِخيرٍ ؟"
أومأَ بِرأسِهِ أيضَاً مُبتَسِماً لكن بَعدها تَحولَ وَجهُهُ لِلجديةِ وقال:
" إِذنْ أُمي؟ مَا أَخبارُ أَثيل؟ هَل حَدثَ شَيءٌ سَيءٌ لَه؟"
تَغَيَرَ تَعبِيرُ سِيلين وتَحولَ وَجهُها لِلَّونِ الأَحمر ، أَجابتْ وهي تُحاولُ كَبتَ غَيظِهَا قَدرَ الإِمكَانِ:
" لا أَعلم ، هَؤلاءِ الأَوغَاد ... لا أَعلم مَاذا فَعَلوا بأثيل"
" ماذا حَدَث؟" قَال آسِر بِحِيرة.
تَنَهَدَتْ سِيلين وَوَضَعَتْ يَدهَا على جَبهَتِهَا ، نَظرتْ إِلى صَغِيرَيها وَقَالت " سَنَتَحَدَثُ فِي الدَاخِل ، أُدخُلُوا وأَغلِقُوا الباب".
كَانَ هُناكَ طَاولةٌ مُحاطةٌ بِكَراسِي قَد تَآكَلَ خَشَبُهَا ونَمَتِ الطَحَالِبُ فِي بَعضِ زَوايَاهَا.
جَلَسَتِ الأُمُّ عَلى أَحَدِ الكَرَاسِي وأَشَارَتْ لِآسِر وقَمراء أَن يَجلَسَا أَيضَاً.
ثُمَّ بَدأَتْ تَقُصُ عَليهما مَا حَدَث.
استَمَعَا لَهَا بِصمتٍ وبَعد فترةٍ تَكَلَمَ آسِر
" إِذنْ، أَنْتِ تَقولِينَ بِأَنَ عَشِيرةَ غَارون بِأَكمَلِهَا قَد تَكونُ مُتَوَرِطَةً وهُم يُحَاوِلُونَ التَسَتُر عَلى اختِفَاءِ أَثِيل عَبرَ إقنَاعِكِ؟"
أَومأَتْ سِيلين بِرأسِهَا بِقوة " بِالضَبط ، وإِلا فلِمَ سَيُكَلِفُ السَيد الشَاب نَفسَهُ عَناءَ التَحَدُث مَعِي أَنا بِنفسه؟ كَانَ يَستَطِيعُ بِبسَاطَة إِرسَالَ أَحَد مَرؤُوسِيه لِإِخبَارِي عَن أَثيل.. هُناكَ شيءٌ مُريبٌ فِي المَوضوع ، حَتَى لَو كَانَ أَثيل ذَهَبَ هُناكَ بِمحضِ إِرَادَتِهِ فلابُدَّ أَنَ هُناكَ شَيئاً مَخفِياً وسَبَبَاً يَحُثُهُ عَلى ذَلِك".
استَمَعتْ قَمراءُ لِما قَالته ثُمَّ ابتَسَمَتْ مُخَفِفَةً حِدةَ الجَوِّ قَائِلةً:
" لِمَ تَفتَرِضِينَ الأَسوَء ،أمي؟ قَد يَكُونُ السَيد الشَاب قَد أُعِجِبَ بِمَهَارةِ أَخِي بِبَسَاطة وَلِذلِكَ أَتَى لإِخبَارك بِنَفسِه "
هَزَّتْ سِيلين رَأسَهَا " لا يُمكِن ، لَمْ أَلمَحْ أَيَّ أَثَرٍ لِلمَودة فِي وَجهِه... كَان بِبَسَاطة يُحَاوِلُ إِقنَاعِي كَي لا أَبحثُ عَن أَثيل مُجَدداً كأَنَّهُ يُرِيدُ التَخُلَص مِني ".
أَجابَ آسِر " ثُمَّ ...إِن لَم تَلمَحِي أَيَّ أَثَرٍ لِلمودة فِي وَجهه..فَماذا رَأيتي منه ؟"
تَجَعَّدَ وَجهُ سِيلين قَليلاً وهِي تَتَذَكَر ، أَجَابَتْ بِصوتٍ هَامِس " رَأيتُ فِي وَجهِه.... الإِشمِئزاز".
*****
فِي مَكانٍ آخر ، جَلسَ رَجلٌ عَلى كُرسِي جِلدي وَاضِعاً سَاقا فَوقَ الأُخرى عَلى مَكتبٍ أسودٍ وُضِعَ أَمَامه.
مَالَ إِلى الخَلفِ مُسنِداً رَأسَهُ عَلى الكُرسي ، أَغمَضَ عَينيه بِبطء .
تَنَفسَ بِعمقٍ مُتَمتِمَاً "هَذِه هِي الرَاحة ...أَشعُرُ بِالإِنتِعَاش"
زَفَرَ بِبطء مُبتَسِماً.
سَقَطَتْ أَشعةُ الشَّمسِ مِن النَافِذة مُخترِقَةً شَعرَهُ الأَحَمَر.
طرق...طرق.
فَجأَة ، سَمِعَ صَوتَ قَرِعِ البَاب.
فَتحَ عَينيه واعتَدلَ فِي جَلسَتِهِ مُنزَعِجاً مِنْ إنقِطَاع لَحظَةِ السَّلامِ التَّي شَعرَ بِها لِلَحظة، قَال " ادخُلْ"
دَخَلَ رَجلٌ عَجوز امتلأَ رَأسُه شَيباً ، يَرتِدي بِذلةً رَمادية اللون.
احنَى رَأسَه قَليلاً وهُو يَقول " يَحيا السَّيد الشَّاب غَارون ، إعذرْ وَقَاحَتي ومُقَاطَعتِي لِوقت رَاحتِك "
قال فِيليكس بِغَطرَسَة " إِرفَعْ رَأسَك "
رَفع رأَسَه نَاظراً إِليه.
قَاطَعَ فِيليكس ذِراعيه وَقَال " إِذنْ، مَا هُو الأَمرُ المُهم الَّذي جَعَلَكَ تُقَاطِعُ وَقتَ رَاحَتِي رُغمَ عِلمِكَ أنني أُحِبُّ أَن أَكونَ وَحدِي خِلالها ؟"
احنَى العَجوزُ رَأسَهُ مُجَددا وَقال بِنبرةٍ جَادة :" السَّيد يَستَدعِيكَ إِلى مَكتَبِهِ فَوراً ".
" كَما تَوَقَعت " غَمّغَمَّ وَهُو يَنهضُ مِنْ كُرسِيه.
قالَ لِلعجوز " قُد الطَرِيق "
مَشُوا خِلالَ مَمراتِ القَصرِ ذاتِ الجُدرانِ الزَّرقَاء المُزينةِ بِزخارفٍ ذَهبيةٍ حَتَى تَوقَفُوا أَمَامَ بَابٍ أَزرقٍ نُقِشَ عَلَيهِ بِخيوطِ الذَّهَبِ دِرعٌ بِداخِلُه صَقر.
رَفَعَ العَجوز مِقبض البَابِ الحَديدي ثُّمَ طَرَقَهُ ثَلاثَ مَرات.
انتَظَرُوا قَليلاً ثُّمَ سَمِعُوا صَوتاً مِن الدَاخِل.
" أُدخُل"
فَتحَ العَجوزُ البَاب ودَخَلَ هُو وفِيليكس إلى المَكتب.
احنَى العَجوز رأسَهُ قَليلاً وَوَضَع يَده اليُمنی عَلی صدره أَمامَ رجلٍ ذو شَعرٍ احمر يَقفُ قُرب النَافذة مُمسكاً يَديه خَلف ظَهرهِ ، يَنظرُ إِلى شَوارعِ مَدينةِ الزَاجل.
قَال العَجوز بأَدب " لَقد أَخبرتُ السَّيد الشَاب بِالحضور وهو هُنا كَما أَمرت ، سَيد غَارون"
لم يَمنحْ سَيد غَارون لِلعَجوز نَظرة وَاحدة حَتی وَلكن العَجوز فَهِمَ صَمتَهُ عَلى أَنه طَلبٌ لِلمغادرة فَأَحنى بِرأسه مُجدداً ثُمَّ غَادرَ المَكتب.
بَقِي فِيليكس مَع وَالده هُناك يَلفُهما الصَمت.
أَول مَن فَتح فَاهه هُو سَيد غَارون ، وكأَنَّ كُلَّ مَا كَان يَحتفظُ بِه مِن هُدوءٍ حَتى الآن كَان مُجرد وَاجهة، بِمجرد أَن أَغلقَ رَئيسَ الخَدمِ البَاب أَستدارَ ناظراً إِلى إبنه.
قَال له بِغضب " فِيليكس ، لِمَ تَصرفتَ لِوحدك؟ هَل تَودُ أَن يَقطعَ المَلكُ رَأَسَك؟ لِمَ تهورتَ وقَابلتَ تِلك المَرأة؟"
عَلى نَقيضِه كَان فِيليكس هَادئاً ، ابتسمَ لَهُ قائلاً
" لا داعٍ لِلقلقِ يا أبتِ ، لَم تَشُكْ تِلكَ المَرأة فِي شَيء ، لقد أَقنعتها بِأن أَبنها غَادرَ بمحض إِرادَته ..أَنا أعلم كيفَ أتعاملُ مَعَ الأُمور"
دَعَكَ جَبينهُ بِأصَابعه مُغمضَاً عَينيه بِإرهاق ، تنهدَ بِعمقٍ ثُمَّ نَظر مُجددا إِلى أبنه قَائلاً
" هَل أنتَ مُتأكد ؟ أنتَ لَم تَجعلها ترتابُ منك، اليس كذلك؟ "
أومأَ بِرأسه مُبتسماً بِثقة " نَعم ، هِي بِالتأكيد لَم تفعلْ ، لقد خَدعتُها تماماً..."
أومأ سَيد غَارون أخيراً بإرتياحٍ واضحٍ وجلسَ عَلى كُرسِيه الجِلدي بإسترخاء.
بَدأ فِيليكس بالتفاخرِ قائلاً:" لَقد أخبرتُك دائماً بأن تُوكِلَ لِي المَهام ، أنا شَخصٌ مُؤهلٌ تماماً ويُمكنني حَتى التَمثيل !"
قَال السَيد غَارون مُحولاً إنتباهه إلى المُستندات أَمامه وهو يُلوح بِيده مشيراً إليه بِالمغادرة:
" نعم..نعم ، حَسناً ، يُمكنكَ الإنصراف".
نَظر فِيليكس إِلى وَالده بِخيبةِ أَمل إِذ كَان يرجو أَن يَمتدحه قليلاً ويُثني عَليه لِحسن تَصرفِه ،غَادرَ المَكتب بإحباط غالقاً الباب خَلفه بِقوة.
رَفع السَيد غارون بَصرهُ بِغيظ بَعد أن سَمِعَ صَوت إِغلاق البَاب العَالي.
" هَذا الفَتى..." تمتم من بين أسنانه.
تنهد بإرهاق ثُمَّ أَعاد أنتباهه إلى الأَوراق التّي وُضعتْ أَمامه على المكتب.
" آمل فقط أَن لا يَتسبب بِمصيبةٍ جديدةٍ " غمغم بنظرة غارقة.
******
دَخلتْ سِيلين المَطبخ تَبحَثُ عَن طَعامٍ تُعده كَعشاء.
فَتحت الثَّلاجة، لكنها كانت فَارِغة، فَبدأتْ تَتفحصُ أَحد الأَدراج المُعلقة عَلى الحائط، أَصَابعها تُصدرُ صَوت احتكاكٍ خَفيفٍ بِالخَشبِ البَارد.
" أُمِّي..."
استدارت نحو مصدر الصوت فإذا به آسِر يَقِفُ قُرب البَاب يُمسك يَديه بِإحراج.
ابتسمت له وقالت " ما الخَطب ، آسِر؟"
أَخذَ يَعبثُ بِأصابعه، يُقرنُ سَبابته بِإصبعه، وعَيناهُ تَتَجنبان إلتقاءَ نظَرها، ثُمَّ قَال بِصوتٍ مُتردد:
" هل سمعتي عن الرجل الذي أستدان أبي منه؟"
اومأت سيلين برأسها وهي تملأ القدر لتضعه على النار.
قالت " نعم ، اخبرتني قمراء ، من الجيد أننا كنا نملك المبلغ المطلوب .."
رَفع آسِر رأسَه بِحزم كأَن كلمات الشَجاعة تَصعدُ بِصعوبةٍ مِن صَدره قَائلا " أمي..أنا ، أنا سَأنضم للجيشِ"
لَيسَ الأَمرُ أنَّها مُجردُ كَلماتٍ قَالها بِتهور ، مُنذُ سَماعِه كلام نَادِر قَضَى وَقتاً طَويلاً يُفكرُ فِي الأَمر ، عَائلته كَانَتْ تَعتمدُ عَلى المَال الَّذي يُرسِلُه أَخيه الأَكبر أَثيل ، الآن بَعد أَن تَوقفت رَسائلُ أخيه وَضَاع خَبره فِي مَصيرٍ مَجهول ...حَان دَورُه لِيعيلهم ويَتصرف.
رُغم أَنّه تَردد لِوهلة إلا أنَّه شَعرَ بِأن الوَقتَ قَد حَان أَخيراَ لِلبوحِ بما يُفَكِرُ فِيه .
سَقطَ القِدرُ أَرضاً ، تَناثَرتْ قَطراتُ المَاء عَلى قَدميه وارتجَفَ تَحتها قَلبه.
تَسربَ المَاءُ ببطءٍ مُبللاً أَرضيةَ المَطبخِ الخَشبية .
شَعر بِنبضاتٍ قَلبه تَتسارع في أُذنيه، تَدقُ بِقوة، كَأنها صدى خَوفِه فِي أَرجاءِ الغُرفة.
حَلَّ صَمتٌ ثَقيلٌ، كأنَّ الصَوت قَد هَجر المكان.
استدارت سِيلين ضَاحكةً " هاهاهاها ، يبدو بِأنني لَم أَسمعك جَيدا يا بُنيَّ بِسبب صَوتِ المَاء ، انتَ... لم تَقلْ لِلتو أَنك تُريد الإِنضمامَ لِلجيش اليسَ كذلك؟"
صَمت آسِر قليلاً...وأخفضَ بَصرهُ عابثاً بِيديه مُجدداً.
كان متوتراً وخائفاً من ردةِ فِعلها.
لم يُجبْها ولم يُنكرْ ما سَمِعت..
تلاشتْ إبتسامةُ سِيلين، اقتربتْ مِنه وركعتْ أَمامه وهِي تَقول كأنَّها تُنكرُ الوَاقع " مُستحيل... أنتَ لا تُفكرُ بِهذا فعلا، اليسَ كذلك ؟" ارتعشَ صَوتُها فِي نهايةِ كَلامها
فتحَ آسِر فَمه بِصعوبةٍ، ورفعَ بصرهُ نَحوها، صوتُهُ يرتجفُ قليلاً:
" أُمّي... أنا أَعلم أنَّ العَيش ليسَ سهلاً ، النَّاسُ لا يَعيشون على المَاء والهَواءِ فَقط ، فَهُناك بُطونٌ تَحتاجُ طعاماً وهناكَ أمراضٌ تَحتاجُ عِلاجاً "
اقتربَ منها مُمسكاً حافةَ ثَوبها قائلاً بنبرةٍ يشوبُها البُكاء
" أُمّي.. أنا مَسؤُول عَنكم ، أبي قَد مَات وأَخي اختفَى ، أرجوكِ لا تمنعيني مِن هذا.."
لكنَّها القت بِيديه بعيداً ، نَهضت وهِي تَصرخُ فِيه مرتعشةً:
" مُستحيل ! لَن أُرسِلك هُناك مَهما حَدث ! ليسَ وأَنا عَلی قَيدِ الحَياة..! أتُريدُني أَن أَخسركَ كما خَسرتُ زوجي من قبل ؟ أم تُريدُ أنَّ تَختفِي عَلی حِين غرةٍ كأَخيكَ وتَترُكَني وَحدِي؟ لَن تَطأ قَدمُك خَارجَ المَنزلِ إلا عَلى جُثَتِي !! "
أجابَ مُتوسلاً وهو يُحاوِلُ إِقناعَها " لكن أُمي ..هَكذا سَنموتُ جُوعاً" أبتلع رِيقَهُ ثُمَّ أشارَ إلى الطَحالب المُبتلة عَلى الأرض " أنتِ لا تُخطِطِين لِلعَيشِ عَلى حَساءِ الطَحالب فَقط ، اليسَ كذلك؟"
أغْرقَتِ الدُموعُ عَينيهَا لكِنها هَزَّتْ رأسَها مجدداً وهي تَقول
" مُستحيل ، أُفضلُ أَن أموتَ جُوعاً عَلى أَن أُرسِلك إِلى حَتفِكَ بِيدي"
" أُمّي " تمتم وهُو يبتلعُ دُموعَه بِصعوبة.
انهارت سِيلين عَلى رُكبتيها وهَي تُغطي وَجهها بِكفيها ،جَسدُها يَرتَجف.
كانتْ تَعلم أنَّه مُحق...، لَكنها لا تُريدُ إِرسَاله هُناك.
المَوتُ والحَياة ، خَسِرت سِيلين كُلَّ شَيء ، عَائلتها وزَوجها وأخوانها...والآن حَتى أبنَها الأَكبر اختَفى مِن أَمام نَاظريها وانقطعَتْ أَخباره.
كانَ وُجود آسِر وقَمراء هو مَا يَجعلهُا مُتماسكة لا تَفقِدُ صَوابها حَتى الآن.
اقترب مِنها آسِر ببطء " أُمّي..".
" لا أريدُ أَن اخَسركَ كما خَسِرتُ أَبيكَ وأَثيل ، لا أُريد...!"
قالتْ بصوتٍ مملوءٍ بالبكاء وهي تُغطي وجهها .
لَمس كَتِفها بِرفق مُحَاوِلاً تَهدئتها " أمي..."
احتَضنَت آسِر بِكلِّ قُوتِها ووضَعت رأسَها عَلى كَتفه.
تشبثت بِه وهي تَقول:
" أنتَ وقمراء كلُّ مَا أملِكُ الآن، ورُبَّما ...فقط رُبَّما.. أثيل بخيرٍ أَيضاً.. أنتم حَياتي وكَنزي ، أَنتم مَا جعلني أَستمر حَتى الآن"
أَحاطها آسِر بِذراعيه وقد بَدأت دُموعه تَنهمرُ ايضاً دُونَ تَوقُف ، كأنَّه سَدٌ قَد كُسِر فقد تَكلمَ عما يِجيشُ فِي نَفسه ايضاً.
" انا خَائفٌ ايضاً أُمّي... أنا خائف.. لكن لا مفرَّ ! لا يُمكنني أن اسمَحَ أن يُصيبكي وقَمراء أيُّ شيءٍ من جوعٍ أو اذى ، أنتِ وقمراء كلُّ ما أملكُ كَما انني وقمراء كل ما تملِكِين، أنتم أعزازٌ عليَّ حَقاً ولا أريد أن يصيبكم أيُّ ضُر "
صمتَ قليلاً ثُمَّ استمر " لأجلِ ذلك...."
رفع يَده ومسحَ دموعَهُ بأكمامه ، قالَ مُبتسماً " لأجل ذلك سَأنضم وأقاتلُ ..،لِأجلكِ أنتِ وقَمراء، لأجلِ أثيل، لأَجلنا جَميعاً.."
لم تَتكلم سِيلين وبقيت صامتة.
نَظر إليها آسِر بقلق خشيةَ أن تَرفضَ.
أبتلع ريقه ، شَعرَ بأنَّه سجينٌ ينتظرُ حكمَ الإعدام.
طال الصَمت حتى شَعر أن قَلبه ينهار ثم اخيراً
بعد فترة ، نَطقت بصوت مُنخفض أَجش
" ثُمَّ عِدني....."
رَفعت رأسها وهي تقول بِحزم " عدِني أَنَّك لَن تَموت ولَن يُصيبك أيُّ أذى"
أبتسم لها آسِر بِشدة حَتى ظَهرت غمازات في وَجنتيه وبرزت أَسنانه، ثم قال لها " أعدك يا أمي ، أعدك بأنني لن اموت او يصيبني أذى شديد إن شاء الله".
بادلته سيلين الأبتسامة من بين دموعها .
" ما الذي يَحدثُ هنا ؟" دَخلتْ قَمراء المَطبخ وهي تَدعكُ عَينيها لِكي تَمحو أثرَ النُعاس مِنها.
قال آسِر " سأنضم للجيش"
" ماذا؟!!!" اختفى النعاس من عَيني قمراء وأخذتْ تُحدق به بعيونٍ مُتسعةٍ غَير مُصدقة.
أومأ آسِر رأسه بحزم ، نَظر إلى سيلين ثم قال " وأيضاً... سَأبحث عن أثيل ، لا بُّد ان يَكونَ بخيرٍ في مَكانٍ مَا"
صمتَتْ سِيلين.. ، التَورط بِشيء قَد تَكون أحد العَشائر الأَربعة الرَّئيسية ورَاءَهُ أمرٌ ينبغي تَجنبه ، لكنها سَتكون كاذبةً اذا قالت أنها تُريدُ مَنع آسِر مِن البَحثِ عَن أثيل.
رمَقته وقالت له بجدية " فقط ، لا تفعلْ أيَّ شيءٍ خَطير.. أنتَ وَعدتني ، اليسَ كذلك؟"
أبتسم آسِر " نعم ، لنْ افعل شيئاً خطيراً بإذنِ اللّه ، سَأحقِقُ فِي الأمرِ بِهدوء دونَ لفتِ أنظار عَشيرة غارون".
كانتْ قَمراء تَتَناوب النَظر بينَ وَالدتها وآسِر وهي تحاول أستيعاب مَا يحصل ، ثُمَّ حِين فَهمتْ اخيراً أمتلأتْ عَينيها بِالدموع ، هَمَّتْ تَمشي بسرعةً نَحو آسِر وهي تقول
" هَل ...هَل سَتتركنا ايضا؟!"
ثُمَّ قَبل أنّ يُجيبَ آسِر قَالت سِيلين بِإبتسامة
" لا ، لَن يَفعل... سَنُسَافرُ نَحنُ أيضاً لِلعيشِ فِي العَاصمة وعَليه أن يَزُورنَا كثيراً جداً ، سَتفعل اليسَ كذلك، آسِر؟"
سألت وهي تخزه بكوعها.
صُدم آسِر مِمَا قالته ثُمَّ سَألَ بِخجل
" ماذا؟ هل سَتُسافِرون لِلعيشِ في العَاصمة مِن أجلي؟"
" بالطبع " قالت سيلين بإبتسامة.
أومأ برأسه وهو يتنحنح و يقول:
" نعم ، حسنا..افعلوا ما تَشاؤُون".
" مَتى سَتذهب للتسجيل؟" سألت قمراء.
" غداً، ينبغي علينا الذهاب غدا " أجابَ بِحزم.
" لم هذا؟" سألت قمراء بفضول
" لأن غداً هو اليومُ الثاني من شَهرِ دِيسمبر " أجابها.
" وما الذي يَعنيهِ هَذا؟"سألت قمراء بحيرة.
كانَ التَسجيلُ مَسموحاً به في أوقاتٍ محددةٍ من الشهر فقط ، عادةً يكونُ أولَ ثلاثةِ أيامٍ مِن كُلِّ شَهر.
فلو تأخروا سيضطرون للإنتظار حتى بداية الشهر القادم للتسجيل.
شرح آسر هذا لقمراء.
" حسناً ، عَلينا أنّ نَتَجَهزَ إِذن" قالت سيلين.
"ثم علينا أن ننام لنذهب مبكرا غدا !" صاحت قمراء.
أومأ آسر برأسه .
.
.
.
.
أشرقَتْ الشَّمس صباحاً وتجهزوا جميعاً لِلمغادة .
" هل نسينَا أيَّ شيءٍ؟" سَألت سيلين.
هز آسِر رأسه نافيا " لا أعتقدُ ذلك"
قامتْ سِيلين بغلقِ بابِ المنزلِ بالمفتاح.
نظرتْ إلى المنزل وهي تقول بتمتمة " لن نعودَ هُنا مجدداً ، لَيس حَتى وقتٍ قَريب".
التفتتْ إلى صِغارها مجددا مبتسمةً " هيا بنا ".
قالتْ وهِي تَحملُ احدى الحَقائب الكَبيرة بِيدها:
" هَل أوقفت عرَبةً لِتوصلنا إلى الَعاصمة ، آسر؟"
اجاب " نعم ، إنَّها هُناك" اشار نحو شارع الإقطاعية.
اقتَربُوا مِنها ، سَألت سيلين السائق عن السِعر فأجابها
" 5 لاك"
كانتْ سِيلين تحمل ما تبقى مِن المَال الَّذي أخذته مَعها حِين سَافرتْ إلى العَاصمة ، اخرجَتْ المَال مِن حَقيبتها الصُوفية واعطَتهُ لِلسَائِق.
رَكِبوا جَميعاً ثُمَّ بَعد أَن تَحقَقَ السَائِق مَن جُلوس الجَميع ضَربَ ظَهر الحِصان بِسوطِه فأنطلقَ مُسرعاً.
استغرَقَتْ الرِّحلة مِن إِقليمِ سَيلان حَتى العَاصمة حَوالي 14 ساعة بالعَربة العادية.
أخذوا أوقات مُتقطعة من الاستراحات وبعد يَومٍ كَامل وصَلوا هُناك أخيراً... إلى العَاصمة.
قامت سِيلين بتأجِير غُرفةٍ واحدةٍ في نُزُلٍ قَريب.
كانتْ قَمراء نائمة لذلك حَملتها سِيلين ووضَعتها عَلى السرير بهدوء ثُمَّ بعد أن تَركتْ حَقائبها في النُزل ذَهبتْ وآسر إلى مَركزِ التَسجيل.
أخذَ الرَجُلُ الّذي يَقومُ بالتسجيل مَعلومات آسِر وتَحققَ من هُويَتِه.
ثُمَّ بعد ان تَمَ ملءُ الإستمارة بِالكامل حَدَّقَ به بوجهه الخَالي مِن التَعابير قائلاً
" مِن الغَد ، يبدأُ دوامك أَيُّها المُتدرب"
اومأ آسِر برأسه مُؤديا التحية العسكرية التي تَعلمها من أثيل سابقا :" حاضِر !"
خفَفَّ الرَجلُ من حدة تعابِيرهِ واومأَ برأسِه مشيراً إليه بالإنصراف.
عَادوا إلى النُزل فوجدوا قمراء مُستيقظة.
" هل قُمتم بالتَسجيل؟" سألت
ابتسم آسِر وهو يضربُ صَدره بِفخر " نعم ، سأبدأُ الدَوامَ غدا!"
ابتسمتْ قمراء بِحُزن واومأتْ برأسِها أيضا..
"مَتى سَتغادر بالضبط؟" سَألت مُجدداً
" السَاعة السَّابِعة صباحاً" أجابها.
" فَهِمت" ابتسمتْ ثُمَّ اضطجعت عَلى السَرير وهِي تُغطِي رأسَها.
نظرت سِيلين بينهما ثُمَّ قالت:" هيَّا الآن آسِر ، الوقت متأخر ..اذهب لِلنوم أنتَ أيضاً"
ابتسمَ لها وهو يُومأ قائلا:" تُصبِحين على خَير ، أُمي"
ابتسمت له أيضا ثم انحنت وقَبلت جَبهته وهِي تَهمِس:
" وأنتَ أيضاً ، عَزيزي آسِر".
أغلقتْ الأنوار ثُمَّ نَامَ الجَميع...
.
.
.
.
أستيقظَ آسِر صباحاً وذهبَ يَتجهزُ مُرتدياً الثِيابَ الرَّسمِية ، إنه يَومُه الأَول.
استيقظتْ مَعه سِيلين وقَمراء وأفطروا مَعاً ثُمَّ بَعد أن تَجهز أخيراً وأَكلَّ إِفطاره هَمَّ لِيذهب.
أَحتضنَ آسِر أمه قائلاً : " أمي ، سَأشتاق لك كثيرا"
بادلته سِيلين العناق وهِي تُمَسِدُ شَعره " كُنْ بِخيرٍ فقط.." قالتْ مِن بين دموعها.
ألتَفَتَ بَعدها إلى قمراء مبتسماً :" الى اللقاء ، قمراء"
قال لها وهو ينظر لها بعيون دافئة.
لم تُجبه قمراء.
استدار بعدها لكي يَمضي في طَريقه ولكن قَبل أن يفعل.. اوقفته :
" انتظرْ ، آسِر"
تكلمت وهي تخفض رأسَها وتضعُ يَديها خلفَ ظَهرها.
" ما الخطب، قَمراء ؟" ألتفت آسر لها.
مدَّتْ يَديها نَحوه ، كانتْ تَحمل صندوقاً مغلفاً وهناك رَبطة حمراء معقودة أعلَاه.
" مَا هذا ؟" سَأل آسِر مبتسما.
رفعتْ قمراء راسَها وابتسمتْ بإشراق " هَدية لك"
تفاجأ آسر وقال ضَاحكا : " مَتى كانَ لَديكِ الوقتُ لِشراءِ هديةٍ لِي ؟"
عبثتْ بِخُصلةٍ مِنْ شَعرها وهي تَقول " حينَ ذهبتُمَا انتَ وأُمِّي لِلتسجيل ..."
قال آسِر بصدمة: " هل كنتِ تتظاهرين بالنومِ حِينها ؟"
اومأت برأسها بخجل.
انفجرَ آسِر بالضحك وقامَ بالتربيتِ عَلى شَعرها.
فتحَ العُلبة مُتحمساً .
" ما هذا؟" قالَ بعد ان اخرجَ مَا فيها .
"إنها سَاعة" اجابتْ سِيلين من خلفه.
"فكرتُ بأنكَ سَتحتاج إلی معرفةِ مَواقيت الصلاة حينَ تكونُ هنُاك" قالت بخجل وهي تعبث بأصابعها.
ضحكَ آسِر وأحتضنها قائلا : " شُكراً لَك قَمراء ! لقد أعجبتني الهدية حقاً !انتِ رائعة!"
ابتسمتْ قمراء بإرتياح.
" ما هذا أيضا؟" قالتْ سِيلين مشيرةً إلى ورقةٍ موجودةٍ في العلبة.
نظر إليها آسِر أيضا بفضول وحَاول فتحها.
قالت قمراء بفزع : " لا تفتحها ! إنها رسالة ! لا تفتحها حَتى ينتهي يَومُك هَذا"
ضحكتْ سيلين وهي تَقرصُ وجنتَها قائلةً :" ما الذي كتبتي لهُ بالضبط؟"
ضَحكتْ قمراء بطفولية وقالت " سَيعرفُ حينَ يَصلُ هُناك"
تفاجأ آسِر بطلبها بأن لا يقرأها الآن لكنه اومأ برأسه مبتسماً ، عبثَ بشعرِها مُجدداً ثم لوح لهما مغادراً.
نظرتْ قَمراء إليه بنظرة غارقة .
لم تدخل سِيلين ولا قمراء المنزل حَتى غاب آسِر عن ناظريهما.
بعد أن اختفى شَعره البُني مِن الأُفق ، دخلتْ سِيلين إلى المنزل.
بقيت قمراء تحدق في الأفق حَتى بعد اختفاءه وهي تفكر بنظرة غارقة:
' ينبغي ان أجد عملا ايضا ، فالجيش لا يعطي راتبا إلا بعد سنة من العمل'
.
.
.
يا آسرُ والروحُ تخشى هلاكـــَكَ
كيفَ الفؤادُ ينجو بعدَ فِراقِـــَك؟
أوتمضي تاركي وأمّي هنـــا
والعيشُ بعدَك أصبحَ كالأشواكَ؟
إن غبتَ عن عيني فدمعي شاهـــدٌ
أني حفظتُ بسمتَك وضحكاكَ
كُن بخيرٍ وامضِ سالمـــا
وارحمْ قلبًا يتمزقُ لِلُقياكَ
ها أنا قمراءُ أكتبُ بقلمـــي
وأنتَ ستقاتلُ بسيفِ يمناكَ
فيا حبَّذا من أخٍ كنتَ دومـــا
بَررتَ بالأمِّ ولم تنسَ أبـــاكَ
فأسألُ ربّي أن يحفظَكَ سالِمـــا
ويَرحمَكَ ويجعلَ الفردوسَ مثواكَ
–من أختك الصغرى " قمراء"
_________________
ردد معي لمدة دقيقة :
سبحان الله وبحمده (3)
سبحان الله العظيم (3)
الحمد لله (3)
لا اله إلا الله (3)
الله أكبر (3)
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3)
﴿وَذَكِّر فَإِنَّ الذِّكرى تَنفَعُ المُؤمِنينَ﴾
رأيكم بالفصل؟🤍
أنستغرام : lilu_m111
.💜lilium