" مَهلاً ، هل نَقتُلُها فَحسب؟" هَمسَ جاك لِسيمون.
سَمِعتِ الشابةُ كَلامَهُما وعَادتْ لِرُشدِها أَخِيراً .
خافت بشدة وبدأت تتكلم بصوت متوسل مرتعش:
" أَنا أَسِفة ! أَسفة حقاً ! أَرجُوكم لا تَقتلونني ! لم أَنتبه جيداً ما الذي كُنتم تَقُولُونه ؟"
قال جاك بإنزعاج :" كُنا نَتكلمُ عن هذا الجهاز الغريب الذي قلتي أنكي ستتواصلين فيه مع معارفك ، ماذا كان أَسمه ؟ هَافو؟"
قالت مصححة له :" آه نعم ، إنه الهاتف"
ثم بعد أن هدأت من رَوعِها خَطرت لها فَكرة ذكية.
ابتسمت بخبث وقالت :
" هل تودون أن تعلموا ما هو الهاتف ؟"
اومأ سيمون برأسه.
ونظر جاك إليها بنظرة تقول أن تسرع وتجيب فقط.
اكملت بحماس :
" إنه جهاز يقوم بتجميد لحظات من الزمن !"
جاك بإستغراب " لحظات من الزمن ؟"
اومأت برأسها متلهفة وأكملت:
"إنه ما أقوله حرفيا ! انظروا إلى هذا !"
اخرجت الهاتف من حقيبتها وألتقطت لهم صورة ، ومضَ ضَوءٌ سَاطعٌ ثم أختفى..
اقتربت منهم بسرعة تريهما الصورة التي ألتقطتها ،قالت بإثارة :
" انظروا ! لقد جمدت هذه اللحظة هنا !"
"هذا مذهل !" صرخ جاك.
بينما سيمون كان ينظر إليه بشيء من الرهبة والصدمة.
ابتسمت لنفسها إذ أنها حققت هدفها ثم قالت بنبرة مأساوية كأنه ليس باليد حيلة :
" كم أود أن أجمد لكما المزيد من لحظات الزمن هذه لكنكما تطرداني من هنا..."
نظرا إليها بصمت بنظرة مليئة بالندم.
اكملت قائلة بإبتسامة " لكن...إن سمحتم لي بالدخول ، سأجمد لكم الكثير من اللحظات مثل هذه ومن يعلم؟ قد أعطيكما إياه إن ساعدتماني.."
تبادل سيمون وجاك النظرات.
ابتلع جاك ريقه وقال بنبرة مترددة :" لكننا هنا نحرس الحدود ولا يمكنك إغرائنا ، ماذا لو كنتي جاسوسة؟ لا يمكننا أن نخاطر برقابنا ، اليس كذلك سيمون؟"
اجاب سيمون :" نعم ولكن..." هز رأسه مترددا ايضا ثم قال بنبرة حازمة وخطيرة " اذا أقسمت أنك لست جاسوسة سنسمح لك بالدخول "
هتفت الشابة بسعادة وحماس " أقسم بالله أنني لست جاسوسة ! أنا مجرد إمرأة ضائعة!"
قال سيمون بريبة " لكن لو كنت مجرد أمرأة ضائعة حقا فلِمَ سَتُحاولين الدخول إلى مملكة أدام بدلا من محاولة إيجاد طريقك ؟"
قالت بتوتر :" لا أعلم كيف أعود لطريقي ، هاتفي لا يلتقط أي إشارة هنا وأشك بأنني سأجد شيئا جديدا بعد أن بحثت لساعات هنا لذلك اريد أن ابحث عن معلومات أكثر عن مكان وجودي داخل المملكة"
اومأ سيمون برأسه والتفت إلى جاك :" أنا موافق على عرضها ، وأنت؟"
تردد جاك قليلا ثم أومأ براسه ايضا قائلا " انا ايضا موافق لكن..."
قال بحزم وتهديد " إذا وقعت بأي ورطة إياك أن تذكري أسمائنا أو أن تشركينا ، مفهوم؟"
اومأت برأسها.
"و..." صمت جاك قليلا ثم قال بحزم
" إذا كنتي تكذبين وكنتي جاسوسة فعلا وانت تخدعيننا فأنا سأقطع رأسك بنفسي"
ابتلعت الشابة ريقها بخوف واومأت برأسها بشدة هي تطمأنهم وتقول:
" لا تقلق ، أنا حقا لست جاسوسة ، أنا أفتقر حتى للمعلومات الأساسية عن المكان الذي سأدخل إليه لذا ...هل ستساعداني؟"
هز سيمون رأسه نافيا " لا ، مجرد سماحنا لك بدخول المملكة هو مساعدة كافية ، لا يمكننا المخاطرة أكثر بإعطائك أي معلومات ، هل تريديننا أن نتهم بالخيانة؟"
اجابت الشابة :" أنا أسفة حقا ، اشكركما جدا على مساعدتكما ، سأعطيكما هاتفي كمقابل بشرط أن..."
نظرت إليها بحزم وقالت :" بشرط ان تخبراني على الاقل ببعض المعلومات الأساسية عن هذه المملكة ، أي معلومات ، معلومات قد يعلمها اي رجل يعيش فيها "
تبادلا النظرات بتردد ثم بعد بعض التفكير اومأ جاك برأسه
نظر سيمون إلى جاك وأكد " فقط ما يعرفه أي شخص".
بدأ جاك يتحدث:
" مملكة ادام هي ليست بمملكة ذات تاريخ طويل فقد أسست منذ 70 عاما فقط ، تحالف الملك هارفي الأول مع امبراطورية سايلس العظمى لتأسيسها.."
بدأ يسرد ما يعرفه اي شخص ومختصر كلامه كان كالآتي :
تأسست مملكة ادام على خراب مملكة سابقة تدعى مملكة ريداس حيث تحالف الملك هارفي الاول مع امبراطورية سايلس لأسقاط حكمها وغزوها ، قسمت المملكة الى أربع أقاليم مختلفة بالإضافة إلى العاصمة، كل إقليم حكمته عشيرة معينة .
إقليم الشمال الذي حكمته عشيرة نفرا الشمالية.
إقليم الجنوب الذي حكمته عشيرة سيلان الجنوبية.
إقليم الشرق الذي حكمته عشيرة رادوس الشرقية
إقليم الغرب الذي حكمته عشيرة غارون الغربية.
سألت الفتاة " ثم إذا دخلت من هنا أين سأكون أنا بالضبط؟"
أجاب جاك " أقليم غارون ، في حافة إقطاعية صغيرة يضمها إقليم غارون"
أومأت شاردة .
أكمل جاك " اوه كما انه عليك أن تحذري من الأشخاص ذوي الشعر ال..."
لكن قبل أن يكمل جاك كلامه وضع سيمون يده على فاهه وقال " لقد اعطيناك الكثير من المعلومات ، هذا يكفي الآن أعطنا الهاتف"
اومأت الشابة بفهم ثم قامت بمسح كل صورها من هاتفها وكل المعلومات المهمة وأبقت فقط على الكاميرا.
علمتهما كيف يستخدمان الكاميرا وشرحت ميزاتها كأنها مروجة تقوم ببيع البضائع.
أعطتهما الهاتف بعد أن تحققت من الساعة ، لم يبق وقت كثير حتى تشرق الشمس..
بعد أن خطت قليلا للأمام توقفت كأنها تذكرت شيئا ما ثم أستدارت محرجة وسالت "عفوا ، هل يمكنني أن أسألكما سؤالا أخيرا؟"
نظر إليها سيمون وهز رأسه إيجابا.
قالت " امم ، هل يوجد كعبة هنا؟ هل يوجد عرب أساسا؟"
نظر إليها جاك بحيرة وقال " أولسنا نتحدث العربية الآن؟ إذن نحن عرب"
أردف سيمون بنظرة غارقة " الكعبة... نعم، هي موجودة لكن لا يتواجد الناس كثيرا حولها إلا في مواسم الحج "
فرحت بشدة وقالت بإبتهاج " ثم هل يوجد مسلمون هنا؟"
سيمون بتردد " نعم ، ولكن ما هذه الاسئلة الغريبة؟"
تجاهلت الشابة سؤاله وقالت" ثم اين تقع الكعبة بالضبط؟"
" تقع الكعبة في جهة الشرق من المملكة .." أجاب بحيرة.
غرقت الشابة في التفكير .
' الكعبة موجودة والمسلمون موجودون، لكن لا احد حولها بكثرة ... هل انا في الماضي ام الحاضر؟ أم هل انا انتقلت إلى عالم مختلف تماما ؟'
التفتت نحوهم وشكرتهم مجددا ، افسحا لها المجال للمرور من البوابة فدخلت أخيرا إلى تلك المملكة الغريبة... إلى مملكة ادام.
*****
مملكة أدام- سنة 433-
إقليم سيلان - إقطاعية غارجا
في منزل صغير متهالك ، اشَرقتْ أَشعةُ الشّمسِ داخلةً من نافذته المكسورة وزقزقتِ العَصَافيرُ مُعلنةً بدايةَ يومٍ جديدٍ.
عَلا صوتُ ضِحكةِ صَبي صَغيرٍ وهو يتكلمُ بِحماسٍ مَع فتاةٍ صَغيرةٍ تَرقُدُ في فِراشها:
" هل تعلمين ماذا يا قمراء؟ سافرت أُمي اخيرا إلى حيث يقبع الجيش لتسأل عن أخي أثيل!"
كان صبياً اسمراً ذو عينين عسليتين وشعرٍ بني ، يحمل ابتسامةً مشرقةً ابرزت اسنانه الامامية قليلاً.
ابتسمت الفتاة الصغيرة وأعتدلت قليلا مستندةً على جدار يقبع خلفها ثم قبل ان تتكلم اصابتها نوبة سعال.
" كح..!كح..! أوحقا ما تقول، آسِر؟"
كانت فتاةً جميلةً ، وجهُهَا أَبيضٌ مشرقٌ كالقمرِ، وشَعرُها بني محمر ، كانت تحمل شامةً صغيرةً بارزةً قرب فمها ..كانت قمراء ، ذات عيون تشبه خاصة اخيها إلا أنها كانت اغمق من خاصته قليلا .
اومأ آسِر برأسه مبتهجا وقال " قريباً يا قمراء قريباً ! قد نرى أثيل قريبا!"
دار في الغرفة مبتهجاً وهو يضحك.
قهقهت من حماسته المفرطة واومأت برأسها.
كان صباحاً هادئاً لولا أن سَمِعَا صوتَ قرعِ البابِ فجأة.
ابتسم آسِر وقال " سأذهب لأرى من هناك".
ذهب نحو الباب وسأل " من الطارق؟"
لم يجب أحد.
قام آسر بفتح الباب فأستقبله رجل كبير ذو لحيةٍ بيضاء كثيفة ، أبتسم آسِر بإشراق حين رآه وحياهُ بأبتسامةٍ عريضة.
" أهلا بك ، عم نادر "
أبتسم الرجل أيضا بخفة وقال " أهلا آسِر ، كيف حالك؟ جئتك اليوم بخبر... لستُ أدري إن كان سعيدا أم حزينا "
أمال آسر رأسه بفضول ثم سمع اخته تنادي من الداخل " من جاءَنا ، آسِر؟"
" اوه ، إنه العم نادر! تفضل عمي بالدخول ولنكمل كلامنا داخلا "
اومأ نادر برأسه ودخل.
جلس نادر على فراش مهترئ قد خرج الصوف والقطن من بعض أركانه .
نظر إلى آسِر وقمراء بجدية وفتح فمه واغلقه مرات عديدة كأنه لا يعلم كيف يخبرهم الخبر دون أن يجرحهم.
بعد عناء طويل تكلم اخيرا وقال " أسمعا يا صَغِيرَايّ ، اليوم وصلتني رسالةٌ من رجلٍ كان يعيش هنا ولكنه أنتقل الى مكان أخر بسبب بعض الظروف ، قال بأنه قد أعطى والدكم بعضَ المالِ كدين ولكنَ والدكم مات قبلَ أَن يُسدِدَه ، قال الرجل بأنه سيتنازل عن أكثر من 80% من المبلغ بسبب صداقته مع أبيكم ولكنه يحتاج المال فورا وقال لي بأن أرسله له فور استلامي رسالته"
توقف عن الكلام قليلا وارتشف بعض الماء الذي وضعه آسِر أمامه.
أكمل قائلا " قال لي بأنني إن لم أرسله له خلال يوم فسيأتي بنفسه ويأخذه من هنا ، قال بانه لا يستطيع أن يؤجل الأمر مطلقا وأنه ضروري جدا بالنسبة له الآن..." صمت قليلا ثم سأل "والدتكم غاردت، اليس كذلك؟ يبدو بأنه كان يعلم بهذا فأرسل الرسالة لي انا"
اومأت قمراء برأسها بنظرة غارقة.
أجاب آسِر " نعم! قالت بأنها ستذهب الى العاصمة!"
" العاصمة؟ يستغرق السفر من هنا حتى العاصمة اسبوع على الاقل " تمتم نادر بشرود.
قالت قمراء بقلق " كم هو المبلغ المطلوب؟"
أجاب نادر " 200 لاك"
نهضت قمراء بحزم وهي تستند على الجدار ، نظرت بجدية الى نادر قائلة : " سأذهب لارى إن كنا نملك هذا المبلغ"
نظر إليها آسر بقلق خائفا ان تسقط لكنها ابتسمت له مُطَمئِنةً وغادرت ببطء.
التفت نادر الى آسر وسأل " آسر ، ألا تفكر بالإنضمام إلى الجيش؟"
امال رأسه بحيرة وقال " الجيش؟ لا ، لا افكر بهذا "
تنهد نادر وقال " آسِر ، أنت كبير بما يكفي الآن ، كم عمرك؟ الم تبلغ 14 سنة؟"
أومأ آسِر برأسه ثم قال " نعم ، لقد بلغت 14 قبل شهر "
ابتسم نادر واجابه بنبرة جادة " نعم ، انت كبير الان ،أنت المسؤول عن أمك وأختك بغياب أخيك أثيل ...ربما واجه أثيل بعض الظروف فلم يستطع إرسال بعض المال لكم ولكن هل هذا يعني بأنك ستترك عائلتك تموت جوعا؟"
نظر إليه آسِر وسأل " ثم ماذا أفعل؟"
أجابه نادر بحزم " أنضم إلى الجيش ، أنت لا تستطيع العمل في المزرعة بسبب عمرك ولأنك لم تتعلم علم الأعشاب لكن يمكنك الانضمام إلى الجيش أنا واثق من قدراتك"
آسر بقلق " لكن...."
قطع عليهم تلك اللحظة عودة قمراء وهي تبتسم قائلة " وجدت المبلغ المطلوب"
أبتهج كلا من آسر ونادر لكنها اكملت بمرارة " مع هذا ، هذا المبلغ كل ما نملك الآن... إنه آخر ما أرسله لنا أثيل قبل أن تتوقف رسائله فجأة"
أبتسم نادر لهما قائلا " لا تقلقي ، أنا أعمل في المزرعة ، سأتكفل بكما وأرسل لكما طعاما ريثما تعود والدتكما "
سرت أساريرها وأبتسمت بإشراق " شكرا لك ياعم ! لن أنساها لك ابدا !"
نهض نارد وأقترب منها ، مَسَّدَ على رأسها قليلا وقال " لا داع لشكري يا أبنتي ، ركزي على تعافيك الآن ولا تقلقي بمثل هذه الأمور ، فأخيك آسر لن يدع أي شيء سيء يحصل أليس كذلك ، آسر؟"
حول نظره نحو آسر ، أبتسم آسر بإحراج واومأ برأسه قائلا " نعم... سأجد حلا إن شاء الله"
أبتسم له ثم قال " حسنا ، سأذهب الآن ، إن أحتجتما لشيء فأخبراني"
هزوا رأسيهما معا علامة على الإيجاب.
خرج نادر من البيت وبقي آسر وقمراء لوحدهما.
لاحظت قمراء علامات القلق بادية على محيا أخيها فسألته "ما الخطب؟"
لكنه لوح لها بيديه قائلا " لا شيء"
لم يكن آسر يكره الجيش بحد ذاته لكن كان لعائلته تاريخ معه.
كان والد آسر رجلا فقيرا يعيش بكده وتعبه فيساعد هذا ويرشد هذا ليحصل على المال ، لكن هذا لم يكن كافيا لمعيشتهم.
أراد والده الأنضمام إلى المزارعين الذين تقودهم عشيرة سيلان لكن الأمر لم يكن سهلا.
المحاصيل التي كانت تنمو في إقليم سيلان كانت ناضجة وذات جودة عالية ، كانت تجارتها تمر عبر مملكة أدام بل عبر القارة بأكملها...كانت تجارة ناجحة.
لأجل ذلك اهتم رئيس العشيرة السيد ديلان بالمزارعين ليضمن توفير أفضل جودة ليبيع بأعلى الأسعار.
ففرض مجموعة من القوانين الصارمة على المزارعين منها هذا القانون:
[يجب أن يكون المزارع قد درس علم الأعشاب والنباتات سابقا ] .
وضع هذا القانون لكي يكون المزارعين على علم بالاعشاب الضارة وإزالتها والأعشاب النافعة للزروع والإبقاء عليها.
كانوا يقيمون أختبارا سنويا ليضموا مزارعين جدد من أنحاء المملكة .
لكن والد آسر لم يستطع الأنضمام وذلك لكونه لا يملك المال الكافي ليقوم بدراسة الأعشاب والنباتات وتعيين مدرس خاص له .
نتيجة لذلك اضطر أن يحاول البحث عن وظيفة خارج إقليم الجنوب.
كانت عشيرة غارون تمثل قوة المملكة وجيشها هو جيش المملكة لذلك كانت تحتاج الى ضم جنود باستمرار .
لكن كما هو الحال مع عشيرة سيلان وضعت مجموعة من القواعد والقوانين الصارمة منها هذين القانونين:
الاول : لا يتسلم الجندي أي راتب إلا بعد خدمته لمدة سنة في الجيش .
الثاني: لا يحق للجندي الأستقالة بعد أنضمامه إلا بعد أن يخدم في الجيش لمدة عشر سنين على الاقل ولو قدر وأنه مات قبل أن يتمها، يأخذون أحد أبناءه -غالبا يكون البكر- ليتم السنين الباقية.
لكن : لو مات أثناء الحرب أو أثناء اداء مهمة فهو معفو عنه وتستمر عائلته بتسلم راتبه دون إرسال أبناءها.
لم يكن الجيش يهتم بالعمر قَدّرَ إهتمامه بالقوة الجسدية وقوة التحمل.
ورغم هذه القواعد القاسية قرر والده الأنضمام إلى الجيش ، بعد أن خضع لأختبار القوة الجسدية تم قبوله هناك.
لكن لسوء الحظ ، لم يتم والد آسِر عاماً واحداً حتى أُصيبَ بمرضٍ نتيجةَ عدوى فَيروسِية من زميله في السكن.
حاول التعافي بشتى الطرق ، زار عدة الأطباء ، لكنه وبعد صراع طويل مع المرض... مات.
بطبيعة الحال ووفق القواعد ، تم أخذ أخيه الأكبر أثيل ليحل محل والده... كان أثيل يكبر آسِر بأربع سنين فقط ، طمأنه قائلا أن الأمر لن يكون صعبا.
وفعلاً ، أتم أثيل سنة كاملة هناك ثم بدأوا بتسليمه راتب ، كان يرسل لهم رسائل بأنتظام يخبرهم عن حاله مع نقود كثيرة تكفي لمعيشتهم بهناء دون قلق.
أستمر هذا الوضع لثلاث سنين حتى توقفت رسائل اثيل فجأة .
كانوا قلقين عليه ، لم يعد يرسل شيئا... لا مال... لا رسائل.. ولا تلك الهدايا التي أعتاد أرسالها لأخويه الصغيرين ووالدته.
شهر ... شهرين ...ثلاثة... لم تصل أي رسالة او خبر منه، ازداد قلق الأم كثيرا وقررت أن تذهب إلى العاصمة حيث يعمل أثيل وتسأل عنه.
كان اليوم هو اليوم الذي غادرت فيه.
تنهد آسر وتمتم :" أتمنى أن يكون أثيل بخير "
.
.
.
من جهة أخرى في مكان آخر ، وقفت إمرأة طويلة تغطي شعرها بشال يماثل لون شعرها البني ... كانت سيلين أم آسِر ، نظرت بقلق إلى الرجل الذي يجلس امامها.
قال الرجل بأدب :" سيدتي ، يرجى إعطائي هويتك "
أخرجتْ سيلين الهوية من حقيبة صوفية صغيرة وأعطتها إياه.
نظر إليها وقلبها بكف يده متفحصا إياها خشية أن تكون مزيفة.
أعادها لها وقال : " انتظري قليلا ، سأتحقق من القائد إن كان الجندي أثيل موجود هنا "
ذهب تاركاً سيلين خلفه.
وقفت تشد حقيبتها بكِلتَا يديها بتوتر.
مضى حوالي 10 دقائق ثم عاد الرجل مجددا ، جلس على كرسيه وقال بهدوء : " اعتذر سيدتي، لا يوجد لدينا جندي بهذا الأسم "
صُعِقتْ بِكلامِه ثم قالت : " ماذا ؟! هذا مستحيل ! لقد أتيت هنا بنفسي حين سجلتموه أول مرة في الجيش! أنت بالذات كنت من كتبت أسمه في تلك القائمة !"
حك أذنه قليلا بأصبعه : " لا أذكر شيئا كهذا سيدتي"
أغروقت الدموع بعينيها وقالت : "أرجوك.. تحقق من الأمر مرة آخرى ، أبني كان يعمل هنا بالتأكيد"
قال بإنزعاج : " قلت لك ، لا يوجد لدينا جندي بهذا الأسم ، هل تتهميني بالكذب الآن؟"
اخفضت رأسها بحزن ، استنشقت الهواء بعمق وهي تفكر بما تفعله تاليا ثم بعد دقيقة رفعت رأسها فجأة وقالت بأمل:
" اين السيد الشاب فيلكس غارون؟ هل يمكنني... هل يمكنني مقابلته؟ كان أثيل يعمل تحت قيادته المباشرة، أرجوك أخبره "
تبدلت تعابير وجه الرجل الماثل أمامها ، سخر منها وقال بإستهزاء رافعا سبابته نحوها : " السيد الشاب غارون؟ من سيراه؟ أنت؟"
توسلت بصدق : " أرجوك ، فقط أخبره بأنني أود مقابلته"
كان السيد الشاب غارون هو أملها الأخير بأن تعلم أي شيء عن أبنها.
كان معروفا بطيبه بين الناس لذلك فكرت بأنه ربما... فقط ربما يوافق على مقابلتها.
" تسك" نقر على لسانه قائلا بتهديد : " لن يوافق السيد الشاب على مقابلة مجرد إمرأة عادية مثلك "
سقطت دموعها من محجريها ، قالت بصوت مختنق : " السيد الشاب طيب لذا.. أرجوك فقط أخبره"
نظر الحارس إليها بشفقة ثم قال وهو يلوح يديه : " حسنا ، حسنا سأخبره ".
قام من كرسيه مجددا ثم قبل أن يمضي التفت اليها وقال : " من حسن حظك أن السيد الشاب موجود هنا اليوم فهو لا يتواجد هنا دائما ".
وقفت مكانها تنتظره ، لفح البرد وجهها .
رفعت رأسها الى السماء فإذا بندفة ثلج تسقط على أنفها.
تمتمت : " بدأ الشتاء اخيرا إذن".
اصطدمت أسنانها بعضها ببعض ، وضعت يديها حول نفسها وهي تفركهما بعضهما ببعض لعلها تنال قليلا من الدفء.
نظرت سيلين أمامها فلمحت من بين الضباب ذلك الرجل عائدا.
" يبدو بأنه قد عاد وحده " غمغمت بحزن.
ثم لمحت فجأة ظلا آخر يمشي خلفه ، ضيقت عينيها قليلا بتركيز فأنتبهت بأنه كان رجلا آخر أطول يمشي خلفه.
ابتسمت بارتياح ، يبدو بأنه وافق على مقابلتها بعد كل شيء .
وصلا إليها معا ، خفضت رأسها ووضعت يدها على صدرها قائلة :
" يحيا السيد الشاب لعشيرة غارون ، اشكرك حقا لتلبية طلب تلك المرأة المتواضعة ومجيء حظرتك بنفسك لتراني ، انا ممتنة حقا".
رفع يده قائلا : " إرفعي رَأسك"
رفعت رأسها فقابل نظرها شابٌ طويلٌ ذو شعر أحمر ،لحيته خفيفة ،عينيه بنيةٌ غامقة، وقفَ بشموخٍ مرتدياً دروعاً حديديةً حولَ جسدهِ وعَلَّقَ حولَ خصره سيف ضخم .
هبت رياح قوية فرفرف الرداء الأزرق الذي كان يرتديه على ظهره ، رُسِمَ عليه رمز عشيرة غارون ، درع بداخله صقر .
قال لها:" إذن ؟ أأنت من كنت تبحثين عن ذلك الجندي المدعو أثيل؟"
أومأت برأسها بقوة وقالت : " نعم! هل تذكره يا سيدي الشاب؟ كان يعمل تحت إمرتك المباشرة ، كان يرسل لنا بأنتظام عن حاله ولكن فجأة توقف عن إرسال أي رسائل لنا وأنقطعت أخباره والآن يتم إخباري بأنه لا وجود لجندي كهذا هنا! هل يعقل هذا ؟ ارجوك أخبرني إن كنت تعلم اي شيء عنه ، سيدي الشاب"
تحدثت بنفس واحد بسرعة.
أجابها السيد الشاب فيليكس بإبتسامة : " إهدئي قليلا ، نعم أنا أعرفه"
فرحت سيلين بشدة وقالت بأبتهاج : " حقا؟! ثم هل تعلم أين هو الآن؟".
أومأ فيليكس براسه قائلا : " نعم ، لقد انضم إلى امبراطورية سايلس العظمى.. الجندي أثيل ترك الجيش الآن وذهب بإرادة الحرة هناك بعد أن اقترح سموه إمبراطوار إمبراطورية سايلس العظمى عليه ذلك".
تلاشت الإبتسامة من وجهها ، قالت بعدم تصديق :
" مستحيل ، لم يذكر شيئا كهذا لنا ابدا... هل تركنا وحدنا؟"
أبتسم فيليكس لها وقال :
" لا اعلم سيدتي عن هذا... ، لكنه أحب اقتراح سموه ووافق عليه دون تردد".
رفعت رأسها مجددا .
" حقا؟ وماذا اقترح عليه سموه بالضبط؟".
توتر فيليكس قليلا ثم قال : " امم.. طلب منه ان ينضم الى جيشه فوافق ...اهاهاها".
ضيقت سيلين عينيها ' إنه يكذب...'.
كان متوترا بوضوح ، شخص بمكانته يتوتر أمام امراة عامية مثلها ...لاشك ان الامر اكبر مما تصورت.
أستمرت بالكلام تبتسم له متجاهلة شكوكها
" ثم هل يمكنني مقابلته؟ هل يمكنني أن أتبادل معه الرسائل ؟"
أجاب فيليكس وهو يدحرج عينيه جانبا
" للأسف لا يمكنك ذلك سيدتي ".
ضيقت عينيها بشك " لماذا ؟"
قال بتوتر : " اهاهاها ، لا تسيئي فهمي سيدتي ، لكن أبنك قال لي بأنه لا يريد التواصل مع أي أحد وأنه سيكون بخير".
رغم أنها رأت من خلال كذبه الواضح إلا أنها استمرت بالأبتسام كالساذجة.
ربما ....تكون عشيرة غارون بأكملها متورطة بقضية أختفاء أثيل...وفي أسوء الأحوال الامبراطور ،ربما.
لكنها مجرد عامية ، لن يهتم احد لما يحدث لأبنها طالما هي لم تتكلم عنه أو تثير ضجة لإختفاءه.
'أثيل... يبدو بأنك تورطت بشيء خطير ، خطير جدا'
ظهور أحد أبناء تلك العشيرة أمامها رغم مكانته ومحاولته أقناعها هو أكبر دليل على أن هناك شيئا عظيما قد حدث لإبنها... شيء لا تستطيع التعامل هي وحدها معه.
رغم انها طلبت مقابلته لكنها لم تتصور ان يوافق حقا.
طيب؟ لا يوجد شخص كهذا في العالم ، ليس ممن قابلتهم حتى الآن على الأقل.
قلقت بشدة وخافت ...' أثيل ، أين أنت؟' فكرت بقلق.
لكنها لم تظهر افكارها الداخلية أمامه ، ابتسمت له وقالت:
" اشكرك سيدي الشاب ، لقد ارتحت الان بعد أن علمت مكان أثيل ، كم كنت قلقة بشأنه".
أبتسم هو أيضا وتنهد بارتياح واضح مما زاد شكوكها
قال : " لا بأس ، كما تعلمين فأنا اهتم ايضا بما يحدث لمرؤوسي.. ".
' كاذب ، منافق' فكرت.
انحنت له قليلا مجددا " إذن ، سأنصرف الآن إذا سمحت لي ، سيدي الشاب".
أبتسم بفرح " بالتأكيد ، رحلة آمنة".
__________________________
ردد معي لمدة دقيقة :
سبحان الله وبحمده (3)
سبحان الله العظيم (3)
الحمد لله (3)
لا اله إلا الله (3)
الله أكبر (3)
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3)
﴿وَذَكِّر فَإِنَّ الذِّكرى تَنفَعُ المُؤمِنينَ﴾
رأيكم يهمني ، أدعموني ولو بتعليق 🤍🤍
أنستغرام : lilu_m111
.💜lilium