تذكر: لا تلهك القراءة والروايات عن الصلاة وذكر الله
ادعموني ولو بنجمة..
قراءة ممتعة ??
___________________________________________
فِي مكانٍ محاطٍ بِالأشجارِ ، مَرَّتْ نسماتُ الهواءِ العَليلة وزَقزقتِ العَصافير .
تحركَ رجلٌ مدرعٌ بينَ فُروعِها ، يُبعِدُ اغصانَها بيدٍ وينفِضُ شعرَهُ مِن تِرابِها بِالأخرى.
تبعَهُ رِجالٌ مُدرعون يَمشونَ وراءهُ بِهدوء .
وصلوا امامَ بابٍ خَشبي مُهترئ ، رفعَ آسِر مِقبضه الحَديدي الصَدِئ ثُمَّ طَرقَه.
سَمِعوا صوتَ حفيفٍ مِن الداخل ثُمَّ عَين تنظُرُ إليهم مِن الفتحةِ الزُجاجِية الصَّغِيرة ، فُتِحَ البابُ بَعدها بصوتِ صَرير.
ظَهر رجلٌ كَهِلٌ نَحيفٌ يرتدي ثياباً تبدو رثةً لِلناظر .
مَرر عَينيه عَلى الواقِفين امامَ بَابه ، رفعَ حاجِباً وقالَ بتعجبٍ
" ما الذي جاءَ بالجيشِ إلى مَنزلي؟"
قالَ آسِر متحدثاً كقائِدهم " وردَنا بلاغٌ أَنّكَ تقومُ باخفاءِ أسلحةٍ في دارِكَ ، اسمح لَنا بالتفتيشِ بِهدوء".
ضاقتْ عيناهُ قليلاً، قالَ باستغرابٍ:
" اسلحة؟ أوتقصدونَ السُّيوف؟ هل تَم حظرُها دونَ عِلمِي؟"
هزَّ آسِر رأسَهُ نافياً " ليسَ هذا النوع مِن الاسلِحة..."
ٰثَبَّتَ عيناهُ علی وجهِه يَتفحصُه مُحاوِلاً إيجاد أيَّ آثارٍ تُشيرُ الى كَذبه.
لكن لو كانَ جاسوساً حقاً كما قالَ القائد مُنير ، فلن يكونَ من الغَريب امتلاكَهُ مهارةً بِالتمثيل فيخدعَهم جميعاً بِمهارته.
نبسَ بِهدوء: " إنَّهُ نوعٌ جديدٌ تم تصنيعُه ، لا يُمكنني إخبارُكَ بِالتفاصيل، اسمح لَنا بتفتيشِ مَنزِلكَ طالما نَتحدثُ بِأدب".
رُغم اعتقاد آسِر بأنَّ اتخاد الاجراءاتِ دون اذنٍ رسمِي فِعلٌ غيرُ صحيحٍ إلا أنَّهُ كان يَثقُ بالقائِد منير بشدةٍ ، إنَّهُ رجلٌ ذو بصيرةٍ ومسؤوليةٍ ، لن يُخاطِرَ بفعلِ شيءٍ غير متأكدٍ مِنه.. وهذا ما جَعله يوافِق على اجراءِ هذه المَهمة مع عِلمه بِخطورتها.
ابتلعَ الرجُل امامَه ريقَهُ مدحرجاً مُقلتيه جانباً بِتوتر " لا يمكنني فِعل هذا ، زوجتي وابنتي نائمتانِ في الداخل ، هل تودونَ انتهاكَ حُرمةِ بيتي؟ ".
قال آسر بحزم " هذا ليسَ بعذرٍ ، ايقظهم وسَنُفتِشُ سريعاً".
نظرَ الى وجهِ آسِر بهدوء ولما رأى عَينيه العازِمة عَلِمَ ألا مجالَ لإِقناعِه ، قالَ بقلةِ حيلةٍ " حسناً سَأفعل".
استدارَ ليلج لكن قبلَ ان يفعل نبسَ بتحذيرٍ :
" إيَّاكُم ان تَتبعُونِي، سَأُوقِظهُن وأعود".
دخلَ بعدها الى بَيته تَتسابَقُ قدماهُ للولوجِ اولاً ، انتظرهُ آسِر خَارِجاً لمدة دقيقة ثُمّ استوقفَهُ أمرٌ لم ينتبه إليهِ سابِقاً ، ضيقَ عينيهِ بشكٍ.
لو كانَ هذا الرَّجُل جاسوساً فلن يكونَ من الحِكمة تصدِيقه ، ليسَ من الآمِن تركَهُ يدخُل وحدَهُ خصوصاً أنَّهُ مُشتبهٌ بِه باخفاءِهِ مَواداً خَطيرةً.
رفعَ آسِر يده الى الجنود خلفه، رمقهم بطرف عينه قائلا بحزم " سَأتبعه ، تريَثُوا هُنا حَتی أعودُ".
ثُم دخلَ المنزِل بخطواتٍ خَافتة ، مشى بِخفة يُدور عَينيه بحثاً عن صَاحِب الدار ، بينما كَان يتفحصُ مُستقصياً مكانَ وجوده خِلسة، سَمِعَ صوت هسهسةٍ قَريبة.
توقفتْ قَدماه، أصغی بتركيزٍ ليُحدِد مَصدرها ، جالتْ عيناهُ على المكانِ بهدوءٍ حتى استقرتْ مُقلتيه على بابٍ مغلقٍ على بُعد بضعةِ أمتارٍ ، اتجه نحوَه دونَ تردُد وأخذَ يُنصِتُ بِصمت .
كان يَصِلُ الى أُذُنيه همهماتٍ و كلماتٍ غيرِ مفهومةٍ كأنَّ من بالداخل يتحدثونَ بلغةٍ مُختلفة.
زادَ هذا شُكوك آسِر ، الصقَ اذنه عَلى البابِ الخَشبي يُحاوِل التَركيز.
ثم على حِين غرةٍ سمِع قعقعةً قَوية مِن الداخل يليها صَرخات مَكتومة .
ابعدَ آسِر رأسَه عن البابِ متراجعاً وأخذ عَقله يفكِرُ بِسرعة يُحاوِلُ قياسَ قَراراته.
فكر 'هل أدخُل فَوراً؟'
حلَّ الهدوءُ لدقائق كأنَّ الضَجة قبلَ قليلٍ كانت كِذبة .
امسكَ آسِر مِقبضَ البابِ مُستعداً لِفتحه بأيِّ لَحظة.
لكن قبلَ ان يَفعَل عَلا صوت آخر ، صوتُ طرقاتٍ عَنيفة على سطحٍ بِلوري ، كأنَّهُ زجاجٌ يَتحطم.
هل هُم يهربون؟
دونَ ان ينظُرَ في الأمرِ اكثر فتحَ الباب بِسرعةٍ ووردَ الغُرفة ، حُبست انفاسُه في حَلقه و تجمدتْ قدماهُ بصدمةٍ ، فغرَ فاهُه واتسعتْ عيناهُ بذهولٍ من المَنظرِ الذي تَكشَّفَ أمامَه.
انبعثتْ رائحةً معدنيةً مُثيرةً لِلغثيان.
انزلقتْ الدماءُ كنهرٍ جارٍ تملأُ الغُرفة متسربةً ببطءٍ وصولاً إلى قَدميه.
كانَ هُناك امراةً مُستلقيةً كَجُثةٍ هَامدة تتسربُ الدماءُ مِن جَسدِها الذي طُعنَ في كُلِّ بقعةٍ فِيه.
تناثرَ شَعرُها القَمحي الطَويل مُلتصِقاً بِجسدِها الدَامي ووجهِها.
كانَ الرَجُلُ يُمسِك بِسكينٍ تنزلِقُ الدماءُ منه هاويةً على الأرضِ ، يَضربُ زجاجَ نافذتِهِ بعنفٍ مُحاوِلاً كَسره.
" انت..." قالَ آسِر والغضبُ والصَدمة يغلونَ في عُيونه.
كانَ الرجل مشغولاً بِمحاولتِه الفِرار، لم ينتبه لِدخول آسِر حتى تَكَلم.
التفتْ نحوه متفاجئاً ، سقطتْ السِكين مِن قبضته مصدرةً صوتاً حاداً و ادار رأسَه نحو النافذةِ المكسورة يرومُ للقفز مِن خلالها بِذعر.
هبَّ آسِر كالريحِ وقبضَ عَلى ذراعيه بِسرعة
" افلتني ! " صرخَ بِوحشية.
بدأ يلوي جَسده ثُمَّ دَس يَده في جيبهِ يَعبثُ بِها حتی أخرجَ جسماً كروياً مِنها والقاهُ على الأرضِ، دقتْ اجراس الانذارِ برأسِ آسِر ، رفعَ آسِر الرجل على عَجل واضعاً إياهُ على كتفه كأنَّه يحملُ كيساً وخرجَ بسرعةٍ من الغرفة.
بعد لحظاتٍ ففط من خروجه ، دوى صوتُ انفجارٍ حادٍ دمرَ الغُرفة وهزَّ أركان البيت هزاً.
حطتْ خطواته على الارضيةِ ، تتسابقُ قدماهُ بلهفةٍ للخروجِ قبلَ ان ينهارَ المنزلُ تماماً .
اخذَ الرجل يرفس آسِر ويلكمهُ على ظهرهِ محاولاً اعاقتَه فبسطَ آسِر كفه وضربهُ بقوةٍ على قِفاه فأُغمِيَّ عليه.
بدأ المنزل يتداعَى شيئاً فشيئا والحجارةُ والصخور تتساقط ، حاول آسِر تجنبها بصعوبة، هوتْ صخرة ضخمة نحوه فتدحرجَ على الارضِ هارباً مِنها في آخر لحظةٍ قبل ان تصطدمَ بالأرض وتتهشم.
"اغغغغ" صرخَ بصوتٍ مَكتوم.
تشققتْ ثيابه وبات جسده مثخناً بالجروح ، استقام بصعوبةٍ مستندا علی سيفه حتی وصلَ الى الباب الذي سُدَّ بالحجارة وبدأَ بِركله بعصبية.
قبضَ على صريمه يضربُ الصخور ويُفسِح الطريق ، وبعد ما بدا كأنَّه ابدي غادرَ أخيراً المكان.
فورَ خروجه ، تداعَى المنزل بأكمله منهارا.
" ها... هاه" ارتفعَ صدره صعوداً وهبوطاً والعرق يتصببُ من جَبينه.
وضعَ الرجل جانباً وجلسَ يسندُ كفيه خلفَ ظهرهِ على الارض يتنفسُ بعمقٍ مغمضاً عَينيه.
بعدَ بضع دقائق ، زفرَ بقوةٍ رافعاً أجفانه ثُمَّ حول بصره الى الرجل بقربه ، وضع سبابتهُ على رَقبته وتحققَ من نَبضه..
لسوءِ الحظ ، يبدو أنَّه قد فارقَ الحياة...عيناهُ باتتا جاحظتين فقدتا بَريقيهِما ورأسُه مَفجوج تنزفُ الدماءُ منه.
تنهدَ وهو يخلخل شعرهُ بأصابعه.
نهضَ متسائلاً في نفسه ' لكن أين الجنود؟'
لم يلحظ الامر بدايةً لكن يبدو ألّا احدَ كان ينتظرُ بهدوءٍ كما أمرَهم.
مشى خطوتين يعرِج بقدمهِ المُصابة ونظرَ من سفحِ الجبلِ فلمح جثثاً منتشرةً في الاسفل.
غرقت عيناه ، أخذَ يمسحُ وجههُ بكفيهِ مرارا بعدمِ تصديق.
قال بادراكٍ " لقد هَاجموا... أحدٌ ما أبلغهم تَحركاتنا ، هل تسللَ جاسوسٌ مَع جنودي؟"
****
أقليم غارون - مدينة الزاجل.
« قصر آل غارون»
تهافتْ الخدمُ يركضون بعجلةٍ حاملِين الأطباقَ والآواني.
" اسرعوا !"
صاحتْ رئيستهم تُوجههم جميعاً وهم يتحركون بتوتر،
وطرقاتُ احذيتهم تملأُ الممراتِ صخباً.
دوى صوتُ رَعدِ مشاركاً في ضجيجهم تلاهُ برقٌ لامعٌ شقَ السُحُب السَّوداء، كانتْ سماءُ اليوم تزمجِرُ بهدوء كأنَّها تنتظرُ أن يؤذنَ لها لِتلقي أمطَارها.
"ما الذي يحدث؟" همستْ خادمةٌ ذات شعر بني قانٍ
اجابتها خادمة اضخمُ منها تهرولُ بعصبيةٍ مبتعدةً
" الا تعلمين؟ اليوم هو يوم الجمع العائلي!"
ضربتْ جبهتها قائلةً بقلق" اوه صحيح! لقد نسيت!"
اعتادت عشيرة غارون على اقامة تجمعاً عائلياً كل 15 يوما ، في هذا الاجتماع ، يحضرُ جميعُ افرادِ العائلةِ المباشرين من ابنٍ او بنتٍ او حتى احفاد ، يجلسونَ جميعاً حول طاولةٍ واحدة ويتقاسمونَ الافطار والاخبار ويترأسهم رئيسهم وأبوهم السيد إياس غارون.
تناقضاً مع الضجيج في الخارج ، في قاعة الطعام ، عمَّ الصمتُ والهدوءُ كأن الكلامَ قد حُرِّمَ في المكان.
امتلأَ سكونها بهزيم الرعد وصوتِ الامطار التي أخذت تنهمر ، تهوي قطراتها على شبابيك القصر الزجاجية ثم تنزلق رويداً هبوطاً على الارضِ مُصدرةً صوتاً خافتاً.
عند رأسِ الطاولة ، جلستْ امرأة ينهازُ عمرها الستين عام ذات شعرٍ أحمرٍ وعينين بنية تتحرك ببطءٍ متفحصةً الجالسين ...كانت زوجة إياس غارون ، السيدة تاج غارون والتي كانت بمثابة الأمِّ الأولى للحاضرِين.
على يمينها ، تواجدت ابنتها الكبرى جُلنار ذاتُ الأربعين عقداً من عمرها المعروفة بالزهرة الرمانية لعشيرة غارون ، ذات شعر يماثلُ امها وعينين كهرمانيتين ، أجلست جلنار قربها كُلاً من ابنيها نَاري و وَجيه.
على يسار الأم الأولى ، جلس رجل في عقده الثلاثين ، ذو شعرٍ احمرٍ يصلُ الى كتفيه وملامحٍ هادئةٍ ، كان الابن الثاني ووريثُ عشيرةِ غارون ...هُمَام.
دوى صوتُ خطواتِ اقدامِ هادئةٍ تعكرُ الصمتَ الثَقيل ، برز رجل ذو شعر احمر تظافرَ الشيبُ فيه ،يرتدي عباءةً حريريةً بيضاء ذات حزامٍ ذهبي لامع وعلى أكتافه رداء بني اللون، وفوق رأسه ما يشبه عمامة سوداء، يُمسك باحدى يديه عَصا والاخرى يضعها خلفَ ظهره ماشياً باستقامة، مقترباً من الطاولة ، هرعَ احد الخدم ساحباً كرسيه عند رأسِ الطاولة .
جلسَ بهدوء ، ينظرُ إلى الجالسين بحدقتاهُ يتفقدهم جميعاً.
جالت عيناه الباردة تسقطُ عليهم واحداً تلو الآخر ، لم يجرؤ أحدٌ على الحديثِ يخفصونَ رؤوسهم جميعاً بوجل إلا زوجتيه الباسمتانِ.
على يمينه استقرتْ امرأة في عقدها الخَمسين ذات شعرٍ ذهبي، طويلٍ، مجعدٍ، ترسُم ابتسامةً لطيفةً على شَفتيها وتنظرُ الى زوجها بحنانٍ ، مدت يَدها تمسحُ على كَتفه قائلةً بلهجةٍ اعجمية
" لقد انتظرتكَ طويلاً ، عَزيزي"
بقربها ، جلسَ الابنُ الاصغر لعشيرةِ غارون....فيليكس.
لم يُجبها بل سألَ فقط بصوتٍ جَهوري هزَّ القَاعة بصداه:
" هل هُناك أحدٌ غَائب ؟"
هزوا رؤوسهم جميعاً ، امسكَ شوكته ثُم رفعها ببطءٍ إشارةً لامكانيتهم الشروع في أكلِ الطعام.
أتباعاً لَه امسكوها أيضاً بهدوء، سرى صوتُ اصطدامِ الملاعقِ وتقطيعُ الطَعام بخفوتٍ.
كان لرئيس عشيرة غارون ثلاثُ زوجات ، الاولى كانت ابنةَ عمه ومحبوبته السيدة تاج غارون ، انجبت له في بداية الزواج جُلنار ولاحقا الوريث هُمام.
وأما زوجته الثالثة السيدة ميلاني فكانت امرأةً اعجميةً من خارجِ مملكة أدام ، التقاها في اثناءِ زيارتِه مملكة صيردا مع سيد عشيرة رادوس الحالي ، عرضَ عليه والدها الزواج منها مقابل بعض المصالحِ سياسية فوافق وكانت بمثابة الأُم الثانية لهذه العشيرة.
انجبت له الابن الاصغر فيليكس .
أما زوجته الثانية ، فقد طُردت من المنزل قبل سنينٍ طويلةٍ لسببٍ مجهول..
بعد بضعِ دقائق ، سأل دون ان يرفعَ بصره :
" سمعتُ أنكَ تأخرتَ في التحققِ من اقطاعية ليديا ليومٍ كاملٍ ، ما الذي جَرى؟"
رغم انه لم يُحدد احدا في كلامه إلا أن هُمام فهِمَ أنَّهُ المقصود.
تذكر تِلك المرأة الغريبة التي اشتبه بها وقال:
" لقد عثرتُ علی امرأةً مريبةً هناك صدفةً، ادعت أنَّها من اهلِ الاقطاعية فطالبتُها بهُويتها ".
رفع مقلتيه نحوه محدقا فيه، قال : " اكمل"
استأنف هُمام كَلامه يخفِضُ بَصره " هربتْ فمكثتُ هُناك ابحثُ عنها حتى وجدتها مجدداً ، طالبتها بالهويةِ فاعطتني إيَّاها".
رفع حاجباً قائلاً بنبرة توبيخ مشوب بخيبة أمل" هربتْ مِنك؟ لم اعهدك ضعيفاً هَكذا، هُمام".
ادنى همام رأسَه بخجل " انا أسِف ، إنَّهُ خَطئي ، لقد اخفضت حَذري".
همست ميلاني تضعُ يَدها قربَ فاهها " لا تلمهُ عزيزي، لا بُّد أنَّها كانت امرأةً قويةً جِداً".
رغم انها قالتها بخفوت إلا أن سُخريتها كانت مسموعةً للجميع.
نظرت إليها تاج بحدة فابتسمت لها في المقابل مستفزةً إيَّاها.
لم يُعر إياس قولَها إهتماماً ، رمقَها قليلاً فقط بعينيه ثُمَّ
سألَ معيداً بصرهُ إلی هُمام
" هل تحققت من كونها مزيفة ام لا؟"
هز هُمام رأسَه مؤكداً " نعم ، تأكدت..إنَّها حقيقية بالتأكيد".
"فهمت" قالَ بهدوءٍ مشيحا بصرهُ بغير اهتمام.
انزعجت ميلاني من ردةِ فعلِه الباهتة تجاهَ الأمر ، اعتقدت أنه سَيوبخه لأنَّه اضاعَ وقته هناك دون فائدةٍ تُذكر، اغضبها هذا التساهُل الشَّديد مَعه ، فكرت بعصبية
' لو كان فيليكس مَحله، هل كان سيغضُ النظر عن الأمرِ هَكذا؟ '
قبضتْ على فُستانها بغيظ ثُم طرأتْ على بالها فكرة فجأة، تراختْ يَدها ببطء ثم توشَحت ابتسامةَ الام المُحبة ونظرتْ الى ناري قائلةً بنبرة دافئةٍ تُخفي نَواياها :
"بالمناسبة ناري، سمعتُ أنكِ قمتِ بزيارة مقر الجيش ، كنتُ اتساءل ما الذي جعلك تذهبين هُناك؟"
حول جميعُ من في القاعة انظارهم نحو ناري ، متفاجئينَ من الامر.
ارتبكت ناري إذ توجهتْ جميعُ العيون نَحوها.
ابتسمتْ بتكلفٍ ، ارتجفتْ زوايا شفتيها وقالتْ
" ااا ، لا شيء ، فقط اردتُ رؤيةَ كيفية سيرِ تدريبِ الجنود هناك".
ابتسمت ميلاني في داخلها لكنها ظاهرياً رفعت حاجباً ، قربت مروحتها من فاهها وهي تقول باستغرابٍ مُصطنع:
" لكني سمعت بأنّكِ قابلت قائد الوحدة الاولى وطلبتي منه إلغاء عقوبة احد الفرسان".
شدت ناري فستانها بقبضتيها حتى ابيضت مفاصلها.
' ذلك الرجل ، يا له من واشٍ !' قالتْ في نفسها بغضب
نظرت إلى جدها بقلقٍ، خائفة مما قد يقوله.
حول إياس بصرهُ نحوها " هل هذا صحيح، ناري؟ "
اخفضت رأسها تعض شفتيها، اومأت بخجل.
نظر هُمام إليها بمفاجأة وسأل " ما شأنُكِ مع ذلك الفارس؟"
قالت بصوت خافت أشبه بالهمس " لقد أنقذني من عصابة لصوص فأردتُ أن أرد الجميل له".
أمالت ميلاني رأسها، غطت فاهها قائلة بصوت ناعمٍ رخيم :
" رد الجَميل؟ إنَّه واجبه كونه حارس مُرافقة، إنه خطأه من الأساس، كان عليه ان يكون اكثر حرصا عليك من اقتراب أي لص من حفيدة الرئيس الذي يعمل بأمرته، يستحق ان يعاقب بشدة". لجمت لسانها لثوان ثُم هزت رأسها تقول بأسف تدس توبيخها بعناية:
" اوه ناري، ليس الجميع ساذجا مثلك، ماذا سيقول الناس حين يسمعون أنّ الحفيدة الوحيدة لسيد العشيرة اتخذت فارساً عامياً خليلاْ لها؟ ألم تعلمكِ جُلنار الأخلاقَ جيداً؟ " انهت كلامها ناظرة الى جلنار.
ثم رفعت زوايا شفتيها وهمست بخفة " ليس بأمرٍ جديدٍ على ابنةٍ ربتها تاج".
احمر وجه ناري ضربت الطاولة دون وعي مما جعل الآواني تهتز وقالت بارتباكٍ متلعثمةً:
" ل..لم اتخذه خليلاً! هذا كذب! أنتِ تكذبين! أنا... أنا..... "
استدارت بعدها ناظرة بتوسلٍ إلى جدها.
نعم.. جدها يُحبها دوماً وسَيعطيها دائما ما تريد.
لم يعاقبها من قبل مهما فعلت ومنحها كل شيء، لذلك لن يفعلَ هذه المرة أيضا..
اليس كذلك..؟
حلَّ صمتٌ ثقيل بعد كلماتها.
فتح إياس شفتيه المغلقتين بإحكام ونبس
"انتِ ممنوعة من الخروج لأسبوعين ناري، فكري فيما فعلته جيداً".
مستحيل!
أغرقت الدموع عينيها ونظرت بحقد إلى ميلاني التي قابلتها بابتسامة مستفزة.
دفعت الكرسي تهم للنهوض لكن إياس نظر إليها وقال بنبرة باردة " اجلسي، ناري".
احتجت بظلم "لكن..! "
" لن تُغادري حتى ينتهي الافطار، هل ستكسرين القوانين العائلية؟ "
لم يعطها مجالاً للتفاوض ، جلست بقو علی مقعدها ووضعت ذراعيها فوق بعضها بتذمر.
لمحت تاج ابتسامة نصر علت ثغر ضرتها فقبضت كفها بقوة حتى انغرزت أظافرها بداخله.
سكنت القاعة ثانية.
بعد ذلك، أخذ إياس يتجاذب اطراف الحديث مع ولديه في الأمور السياسية، يسألهم عن حال مهامهم وأحياناً يطرح اشياء لم تحصل ليرى طريقة تصرفهم في تلك الحالة
ثُم بعد اشباعه فضوله وانهاءه فطوره، رفع إياس منديله وربت بلطف على شفتيه ثم أستقام.
نظر إلى هُمام ونبس بهدوء "حين تنتهي من إفطارك، الحقني إلى مكتبي".
التفت بعدها مغادراً.
بعد رحيله، كأنَّها تنتظر هذا وضعت ميلاني شوكتها على الطاولة وقهقهت بهدوء قائلة لناري
" لا تنسي ان تفكري في أفعالكِ جيداً، ناري".
تراجعت بكرسيها الى الخلف ثم التفتت تغطي فاهها بموحتها.
رمقت فيليكس بطرف عينها ، ففهم اشارتها ووضع ادواته جانبا ايضا وربت على فمه بمنديله ثم نهض يلحقها بسرعة.
تلاش صوتُ خطاهما بعيدا، شدت تاج فستانها قائلةً بغيظ
"تلكَ الشمطاء ! "
حولت نظرها الى جُلنار وقالت بصرامة وغضب :"ينبغي عليك أن تراقبي ابنتكِ جيداً جلنار، كيف تمنحين تلك العجوز الحقيرة فرصةً للسخرية مني؟ "
اعتذرت جلنار بهدوء "انا أسفة حقا، أماه".
قالت بعدها ملتفتة إلى ناري توبخها:
" وانتِ ناري ! ، ينبغي عليك عدم الصرف بتهور، ألا تدركين حجمَ الأسم الذي يلاحقك؟! هل تريدين إهانتي وأمكِ من قبل امرأةٍ عرضها والدها مُقابل بضع مصالح سياسية؟!"
اخفضت ناري رأسها تقول بنبرة مهذبة
" انا أسفة ، سَأطيعُ اوامرك ، ايتها الام الأولى".
بعد ذلك، رفعت رأسها بسرعة ثم ربتت بخفة على شفتيها بمنديلها ودفعت كرسيها، ونهضت بدورها مغادرة.
مشت بهدوء بين الممرات بخطى متسارعة حتى وصلت الى غرفتها وفتحت الباب تلج هناك، اتجهت الى الزاوية وفتحت احدى الخزائن الكبيرة، بين ملابسها المعلقة وضع كتاب أحمر خُط عنوانه باللون الذهبي، قبضت عليه بعناية وضمته الى صدرها بخجل ثم خرجت.
سارت بهدوء حتى وصلت إلى شرفة في أحد اروقة القصر تطل على حديقة واسعة، دفعت الستارة الحمراء داخلة إليها، وقفت تستند على حافتها تستنشق الهواء النقي، انتشر عبير الورد وفاحت رائحة التفاح الأحمر يعبقون المكان طيبا وسكينة.
رفعت كتابها في مجال بصرها تنظر اليه بحزنٍ وخجل.
همهمت بخفة "أنا لا أندم علی فعل هذا".
بينما كانت تهم لفتحه وصل الى مسامعها صوت حفيف خلفها فالتفتت.
" ما الذي تفكرين فيه بالضبط، ناري؟ "
استقر عند الستارة الحمراء شاب مراهق احمر الشعر ، طويل البنية، ابيض البشرة.
ابتسمت بخفة "وجيه... "
وضع وجيه يده خلف رأسه يحكه قائلا " زيارة مقر الجيش؟ هل انت جادة؟ لماذا فعلتي هذا؟ "
زفرت ببطء وقد شق ثغرها ابتسامة خجولة " من أجل الحب يمكنك فعل كل شيء، وجيه".
اتسعت عينا وجيه غير مصدق، قال بحيرة" الحب؟ هل وقعتي بحب أحدهم؟ من؟ هل هو ذاك الفارس المزعوم الذي زرت مقر الجيش بسببه؟ فعلا ؟"
تصبغت وجنتيها بالأحمرار واومأت برأسها، قالت بنظرة حالمة " إنّهُ فارس نبيل، رغم انه لا يحمل لقب النبالة لكن صفاتها فيه".
عادت بذهنها الى ذلك اليوم الذي قابلته فيه.
كان كأيِّ يوم عادي حيث خرجت للتسوق مع خادمتها، رفضت حينئذٍ اصطحابَ الفرسان معها اذ شعرت بأنهم يقيدون حريتها.
لكن لسوء حظها، في منتصف الرحلة اثناء تجوالهم في المدينة، مرَّ لص وسرق قلادتها الثمينة من حقيبتها، لم تكن ناري تهتم بالقيمة المادية لأشياءها فقد عاشت برفاهية وبذخ كافي كيلا ينقصها أي شيء وكل ما كانت تطلبه تجده حاضراً امامها، لكنها كانت هدية ذات قيمة معنوية منحتها إيّاها والدتها، صرخت عليه بقوة وحاولت الركض خلفه، لكن أعاقها فستانها المثقل بالمجوهرات وكعبها المدبب من اتباعه فسقطت ارضا وهي تحاول اللحاق به، غرق قلبها واجتاحها يأس عميق، ظنت أنها ستفقدتها للأبد، دقت صور نظرات الخيبة التي قد تتلقاها من والدتها في رأسها ، ثبتت مقلتيها اللامعتين بالرطوبة على الهارب الذي أخذ ظله بالأختفاء في الأفق ، نهضت بصعوبة تسندها خادمتها والدموع قد شقت طريقها بالفعل عبر وجنتيها سيلا.
لكن حينئذ ظهر فارس ذو شعر بني بوقفة مهيبة وتعابير حازمة شق طريقه بين الناس ولحق به بكل بخفة تتسابق قدماه للوصول إليه سريعاً ، بعد قليل قبض عليه وتحدث معه بهدوء ، لم تسمع ناري شيئا من كلامهما ولم تفهم فحوى حديثهما لكنه في النهاية سمح له بالذهاب وجاء إليها مُعيداً القلادة ، تسلمتها منه بابتسامة مبتهجة وهي تمسح دموعها باكمامها فرحاً وشكرته مراراً ثُم لاحظت بعدها أنه يحطُ بصره أرضاً ولا يلتقي بعينيها فتساءلت عن السبب ، لقد تم الاشادة بجمالها اينما ذهبت وتلقت الثناء من الجميع طيلة حياتها لذلك بعد ثوان من التفكير ظنت أنه امر واضح.
لابد انه خجولٌ منها، هل هو معجبٌ بها؟ هل وقع في حب ابتسامتها الرائعة؟ خفق قلبها بقوة عند هذا الادراك.
لطالما اقترب منها العديد من الناس محاولين كسب ودها لكنها علمت أنهم يفعلون ذلك طمعا بمنصبها ونسبها، عند التفكير بأنَّه قد يكون منهم انطفأ حماسها فجأة.
مع هذا كان متواضعا، رغم انها ارادت اعطاءه تعويضا مناسبا رفض ذلك، هذا جعلها تتراجع عن فكرتها السابقة فهو لا يبحث عن المال او المكافأة، انتابها تأثر شديد من موقفه ، كأنه فارس شجاعٌ هَمام لا يكترثُ بالمناصب وجل شأنه هو راحة حبيبته.
ذكرها هذا ببطل كتاب "الاميرة والفارس" الذي كانت تقرأه إذ تعرضت بطلتها لموقف مشابه لها.
أخذ فؤادها ينبض بقوة حين ابتسم يحني رأسه قليلا ثم غادر..
بقيت في مكانها متحجرة تمسك بقلادتها بكفيها قرب صدرها ووجهها أحمر ، نادتها الخادمة مراراً لكن صوتها لم يدخل اذنها إلا بعد ان اختفى شكله في الأفق.
فكرت حينئذ 'ما خطبي؟ '
اعتقدت أنه مجرد امر عابر وسيهجر امره فكرها قريباً، لكنها كانت مخطئة، فرغم مرور ايام واسابيع على تلك الحادثة، لم تستطع نسيانه.. بل بالاحرى زاد تفكيرها فيه اكثر فلم يلبث يغادر ذهنها ابداً.
وصلها خبر أنَّه قد عوقب لأنّه سمح لذلك اللص بالهرب، لم يعجبها الامر فزارت مقر الجيش وامرت القائد ان يلغي عقوبته.
لم تعلم مطلقا أنّهُ كان مجرد فارسٍ عينه خالها هُمام لها سراً ليتبعها كي لا يصيبها اذى.
عادت بنظرها الى كتابها مجدداً ، لا تعلم لماذا لكن مشاعرها الآن تطابق مشاعر الأميرة في الكتاب.. هل هو الحب الحقيقي حقاً هذه المرة؟
سحب وجيه الكتاب من يدها ، قال بشفقة "ناري، انصحكِ أن تتوقفي عن قراءة الروايات الرومانسية".
ضمت يديها الفارغتين وقالت بحدقتين لامعتين " كلا يا وجيه، انا متيقنة من مشاعري".
كان وجيه عاجزا عن الكلام، تنهد يبعثر شعره بقوة وقال لها
" متيقنة..؟ انت لم تقابليه سوى مرة واحدة فقط ! لقد قلتِ ذاتَ الكلام بالضبط عند رؤيتك السيد جانيس والسيد جاد قبل أن يخطبا امرأة اخرى مدعيةً أنّه حبٌ حقيقي! ،هل نسيتي الأمر بهذه السرعة؟! عليك ان تنضجي، ناري! فقط توقفي عن التصرف بتهور".
هزت رأسها بحزم "هذه المرة مختلفة يا وجيه، لم إكن أدرك الحب الحقيقي حيئذٍ".
برزت عروق في يَده وهو يُحاول كبح غضبه " لا يوجد شيء مختلف، ارجوكِ ناري توقفي عن هذا".
لجم لسانه لثوان ثم اكمل " انت لا تودين ان تمنحي السيدة مطر نفرا سبباً للسخرية منك، اليس كذلك؟".
تجعد وجهها، ادارت رأسها وقالت باقتضاب" مطر؟ لا، لن يحدث شيئ كهذا ، لن اسمح لها بفعلها".
كانت ناري تشعر بالمنافسة الشديدة مع السيدة مطر نفرا، كانت مطر الأبنة الوحيدة لعشيرة نفرا الشمالية، إمرأة معروفة برقيها وجمالها وآدابها التي لا تشوبها شائبة، اذا كانت ناري هي الزهرة النارية لعشيرة غارون فمطر كانت الزهرة الثلجية لعشيرة نفرا.
يرجع هذا الامر جزئياً الى طبيعة العشيرتين، إذ نشأت بينهما عداوة طويلة الأمد ومنافسة على السلطة، اذا كانت عشيرة غارون مسؤولة عن الجيش فعشيرة نفرا كانت مسؤولة عن الشرطة والقوات الداخلية للمملكة مما ولد بينهما مشاحنات حول أهمية كل منهما بالنسبة للمملكة.
كانتا ناري ومطر كاللهب والماء، لا يجتمعان ولا تحبذان بعضيهما.
نظر وجيه إلى أخته بارهاق " آمل هذا".
****
مالت الشمس بأشعتها، تطلق ضوئها البرتقالي الخافت وتختفي في الأفق ببطء معلنةً بداية الليل.
جلست كاثرين في العربة مع جوري يتحدثون عن مختلف الأمور.
نظرت كاثرين بجدية قائلة "لكن، اذا كانت حقا رحلة التخييم المدرسية ذاتها، فلِمَ انتقلنا في فترتين محتلفتين؟ "
هزت جوري رأسها تضع يدها على ذقنها بتفكير "لا اعلم، هذا محيرٌ بالنسبة لي أيضا.. ".
ضيقت كاثرين عينها بتشكك ثم سألت مؤكدةً ظنونها :" بما انك عشت هنا اكثر مني، فهذا عالم مختلف فعلا ،اليس كذاك؟ "
اومأت "اجل، اسماء الملوك والمماليك وقوانينهم.. كلها تدل على أن هذا عالم غريب ذو قواعد جديدة".
زفرت بقلة حيلة "على كل حال، ينبغي ان نركز على خطة العودة الآن".
امالت جوري رأسها "هل تملكين خطة؟ "
تمتمت "حسناً.. "
بعد ذلك ، طفقت كاثرين تشرح لجورتها خطتها من الألف الى الياء، كان هدفها جذب انتباه الأميرة الثالثة ودخول القصر الملكي ومقابلة ذلك الرجل المزعوم، صاحب تلك المقولة إذ كانت تعتقد انه من الممكن أن يعرف شيئا.
نظرت جوري إليها ثم رفعت سبابتها قائلة بجدية " فهمت.. ثم ، ينبغي عليك الحذر من نسيان ما تعلمته عند عملك في الصيدلة، أمامنا طريق طويل للوصول الى هناك وستكون مشكلة كبيرة حقا اذا تلاشت ذكرياتك عن تلك الفترة".
اومأت كاثرين برأسها، ابتسمت جوري بعدها قائلةً بمرح
"بالمناسبة، بينما كنتِ غائبةً، تعلمتُ الغناء، هل تودين سماع صوتي؟ "
رمقتها كاثرين بتعجب " الغناء؟ حسناً، اطربيني" .
اخذ جوري نفسا ثم بدأت تنشد باحساس مرهف، بعد بضع دقائق قالت كاثرين وهي تكتم ضحكتها :" حسناً، هذا يكفي.. لقد سمعتُ صوتكِ".
لكن جوري لم تصمت، ظنت ان كاثرين تمتدحها فعَلَا صوتُها أكثر منغمسةً في الأغنية.
بعد دقائق نفذ صبر كاثرين، شعرت ان اذنيها تطنان واخذ الصداع يشتد في رأسها.
لم تعد تحتمل فقالت " هذا يكفي! "
فتحت جوري عينيها ونظرت إليها بابتسامة، مررت ذراعها عبر كتفي كاثرين وقالت بفخر " ما رأيكِ؟ لا حاجة للمديح إعلم أنّ صوتي لا مثيل له، اليس كذلك؟ "
ضحكت كاثرين قائلةً بسخرية "بل هو اشبهُ بنقيق الضفادع عندما تكون في قمة السعادة !".
" هاي! " صفعت جوري ذراعها متظاهرة بالغضب رغم ارتجاف كتفيها واهتزاز زوايا شفتيها حتی لم تعد تحتمل فانفجرت ضاحكة بشدة ايضاً.
صمتتا بعدها تتطلعان بهدوء من النافذة، كل تستمع الى ضجيج أفكارها منغمسة فيها خارج حدود الواقع.
مرت العربة عبر الشوراع بسرعة تتخطف نافذتها صور البيوت والمتاجر المختلفة، تباطئت سرعتها قليلا عندما لاح بصرهن رجال مختلفين يهرولون من والى الشارع.
لاحظت كاثرين ثيابهم المملؤءة بالتراب والطين وثيابهم الممزقة وهم يرتدون قفازات مطاطية، كانوا بنائين يعلمون على إنشاء برج عال جدا.
اشارت اليه وسألت جوري مخرجة اياها من شرودها
" ما الذي يفعلونه؟ "
نظرت جوري حيث اشارت
"اوه، هذا؟ سمعت اشاعة تقول ان الملك امر ببناء برج ضخم، قيل ان الخبراء توصلوا الى سبيل لصناعة الجهاز الجديد ، كانوا مستميتن لتقليده فقد امتلك العديد من المميزات وكان حلا لمشكلات كثيرة منها طرق التواصل ، يبدو أنها لم تكن كذبة بعد كل شيء".
كاثرين بحيرة "جهاز جديد؟ "
دحرجت عينبها جانبا واجابت " اجل.. حسناً ، يوجد شائعات بأن حراس الحدود اكتشفوا جهازا غريبا اطلقوا عليه "جهاز تجميد الزمن" ".
شعرت كاثرين بكون هذا الحديث مألوفا بشكل غريب
" مهلا ، هل يعقل...بأنهم يقصدون الهاتف؟ "
التفتت جوري اليها، رمشت ببطء
"رُبَّما...؟ شكله مستطيل يشبه الهاتف فعلا، هل تعلمين شيئا؟ "
تنهدت كاثرين وقصت لها كل ما حدث معها عند الحدود،
صمتتا بتفكير طويل.
قالت كاثرين "يبدو ان حراس الحدود شعروا بالخطر من هاتفي وسلموه للسلطات".
اجابت جوري بنبرة جادة " وهذا جعلهم يبدأون بمحاولة تقليده.. اذن، ما يصنعونه الآن هو شبكة اتصال؟ لابد انهم عباقرة لاكتشافهم آلية عمله ومحاولة صناعته بالفعل".
هزت كاثرين رأسها باستغراب "لكن مهما بلغ ذكائهم، كيف يمكنهم تطوير شيء حديث كهذا بسهولة؟ "
" انتظري لحظة " قالت جوري وهي تخرج شيئا ما من حقيبتها.
نظرت اليها كاثرين بصمت وبعد ثوان قالت جوري بابتهاج ترفع كفيها امام كاثرين " تا دا!"
كان هاتفها، ابتسمت جوري بفخر تحك انفها قائلة " لقد احتفظت بهاتفي ولم ابعه".
اثنت كاثرين عليها " هذا جيد، احسنت".
قبضت جوري يدها قائلة بعزم " لكن شبكة الاتصال غير موجودة في هاتفي... سأجد طريقة لأسجلها في هاتفي مهما حدث! ".
قطع عليهما حديثهما صوت توقف حوافر الخيل، تباطئت العربة حتى استقرت على جانب الطريق.
نزلت لينا واقتربت منهما، سألت جوري باستغراب "لِمَ توقفنا؟ "
قالت لينا بابتسامة " كما ترون، غابت الشمس الآن... علينا ان نجد مكانا للمبيت هنا قبل ان يحل الظلام".
اومأت كاثرين برأسها وخرجت من العربة، تبعتها جوري.
سألت كاثرين" هل توجد فنادق هنا؟ "
اجابت لينا بابتسامة "نعم"
ساروا الى الأمام واتجهوا الى عمارة كبيرة صُبغت بالبياض ذات مظهرٍ مهيب يوحي بالفخامة والرُّقي، بعد دقائق وصلوا امام بابه ، التقطت انوفهم هواءاً نقياً يختلط ريحه بالمسك الابيض مع خشب الصندل.
توقفوا امام موظف الاستعلامات الذي رحب بهم بابتسامة.
قالت لينا "المعذرة، لكننا نود حجر غرفة هنا".
انزلقت انفاسه بشفقة، قال مرتدياً تعبيراً مؤسفاً
"اوه، انا اعتذر، لكن تم حجر جميع الغرف".
قالت لينا بحرج "اوه، هكذا اذن، ثم هل تعرف اي فندق اخر قريب من هنا؟ ".
هز رأسه " لا اعتقد ذلك، في هذا الوقت من العام يزور السياح العاصمة فتزدحم الفنادق ليلا، اعتذاري".
التفتت لينا الى كاثرين وجوري بقلق "ماذا نفعل؟ "
اجابت كاثرين " يبدو بانه علينا النوم في العربة بعد كل شيء".
قالت جوري باحباط "ماذا؟ لا! ظهري يؤلمني بالفعل من الجلوس لساعات! ".
ابتسمت لينا " ليس باليد حيلة ".
"اوه لكن مهلا! تذكرت! "قال فجأة محولا انتباههن نحوه
طوق الحرج ثغره، ارتسم على محياه بسمة خفيفة وقال " اعتقد بان هناك فندق قد يمتلك غرفا فارغا".
قفزت جوري ببهجة، انفرجت اساريرها براحة قائلة
"حقا؟ ".
استأنف كلامه قائلاً " أجل، لا يزوه كثير من الناس لذلك اعتقد بانه فارغ".
نظرت كاثرين إليه بريبة "لماذا؟ هل هناك شيء لا نعرفه؟ "
حك خده بسبابته " هذا .. إنه فندق له تاريخ طويل، استخدم ذات مرة كسجن للمجرمين وقيل بانه في احدى الفترات سكنه ساحر اسود، بالطبع لا يوجد شيء كهذا الان لكن الناس مازالوا يخشونه، يعتبرونه مكانا مشؤما ومصدرا للفأل السيء".
جوري باستغراب "ساحر؟ "
نظرن إلى بعضهن وقد اعتلى محياهن القلق الجسيم.
لينا بتوتر "ماذا نفعل برأيكن؟ أنبيت هناك أم نستسلم وننام في العربة؟ "
نظرت كاثرين إلى الموظف وقالت بوجوم :
" أأنت متأكد من قولك أنه آمن؟ هل ستتحمل المسؤولية لو اصابنا شيء ما؟ "
اجابها بحزم لا يترك مجالا للشك:
"نعم، الناس فقط يرفضون الذهاب هناك بسبب ماضيه ويأبون تقبل أن هناك مجالا للتغيير ، اضمن لكم ألا شيء سيحدث هناك".
حولت كاثرين رأسها اليهم بوجه عازم كأنها قررت ما سيفعلونه بالفعل.
همست بخفوت " انتن توافقن على ذلك أيضا، اليس كذلك؟ ".
" نعم" اجابتا ايضا وقد اجمعتا امريهما واتخذتا القرار.
عادت ببصرها نحو الرجل قائلة "دلني عليه من فضلك".
.
.
.
.
.
.
بعد دقائق توقفن امام مبنى قديم، يبدو للوهلة الاولى قصراً مهجوراً، بلاط اسود مع جدران ذات زخارف عتيقة، كأنه قصر نأى الناس عنه يفارقونه وجلاً من مجهوله ودجاه الدامس الذي يعمي الأبصار ، كان كمكان سيئ يتخذه الآباء كتخويف لأبناءهم عند زجرهم من فعل شيء ولا ينتهون.
انبثقت من داخله ريحٌ كئيبة ، خانقة، ممزوجة برائحة شاي أسود محترق ، احتوى على حديقة واسعة ذات اشجار صنوبر شاهقة، علق على اغصانها أشياء غامضة متدلية تحركها الريح شمالا ويمينا كأنها تمائم حظ أو ربما...بأس.
ولجوا داخلا وهم متوجسين بخوف، استقبلهم الفراغ فلا إنسِي يرحب بهم ولا صوتٌ يتهللُ فرحاً بقدومهم.
انقرعت احذيتهن على الارض الصامتة يمشين بحذر بجانب بعضهن، هب نسيم لطيف يحمل هسهسة خافتة .
ثم رأوا من بعيد امرأة مسنة تقبل نحوهم ممسكة بشمعة متوهجة، انفرجت اساريرهن وتنفسن الصعداء مخرجين انفاسهم المكتومة.
دنت منهن ترسم على شفتيها شبح ابتسامة لطيفة، قالت:
"أهلا وسهلا، ما جاء بكن ها هنا؟ "
دفعت جوري كتف كاثرين بكفها لتتكلم نيابة عنهن
حمحمت كاثرين قليلا ثم قالت "اوليس هذا بفندق؟ إذن فمن الواضح اننا جئنا هنا لنحجز غرفا".
نبست تضع يدها على فمها: " اوه اعتذاري، انا اسفة، لقد مر وقت طويل مذ أدى هذا القصر وظيفته".
رغم ان كاثرين خالجها تساؤل عن مقصدها إلا أنها صمتت وجلا مما قد يصل لمسامعها.
"اتبعوني".
مضت المرأة المسنة أمامهن تقود الطريق، صعدت على الدرج تسند يدها على الدربازين بهدوء.
لحقها كل من جوري ولينا، رفعت كاثرين رأسها تنظر لما حولها متفحصة المكان مستضيئةً بنور القمر الخافت.
لاح في مجال رؤيتها خيوط العناكب المعلقة على سقوفها، والغبار المتراكم على البيانو في وسط القاعة كأن احدا لم يمسه منذ قرون، والأريكة المهترئة في الزاوية قرب النافذة المفتوحة يتساقط منها ضوء القمر الباهت.
عادت ببصرها إلى الامام تتبعهم، صعدوا الدرج ذو الشكل الملتوي بهدوء ثم توقفت قدما المسنة فجأة، دست كفها في جيبها واخرجت منه ثلاث مفاتيح فضية وسلمتهن اياها.
رفعت زوايا شفتيها متبسمة ، اشارت الى الممر على اليمين بسبابتها قائلة:
" انعطفن عند هذا الممر، ستجدن ثلاث غرف في نهايته انظرن الى الرقم المكتوب على المفتاح سيطابق رقم الغرفة وادخلوا،ثم..ليلة سعيدة"
استدارت مغادرة دون ان تمنحهم مجالا لسؤالها عن أي شيء.
تبع بصرهن إياها حتى اختفت من مجال رؤيتهن.
قبصت لينا على ذراع كاثرين، ابتسمت شفتاها رغم وجل عينيها وقالت:
"مهلا، هذا المكان مريب، هي لم تخبرنا حتى بأجر المبيت".
هزت جوري رأسها، ابتسمت بتكلف قائلةً:
" لربما نسيت، الا ترينها امراة مسنة؟ ربما أصابها شيء من الخرف المبكر".
"صمتاً" قاطعتهم كاثرين، رغم توترها أيضا حافظت على رصانتها، قالت
"هي مجرد ليلة واحدة وستمضي سريعا، سنغادر غدا صباحا ".
اومأت جوري برأسها على مضص.
قالت لينا مبتسمة بحرج " اذن، ليلة سعيدة.. اراكن غدا صباحا".
"تصبحين على خير".
وردت كل واحدة منهن غرفة، فعلت كاثرين أيضا واغلقت الباب خلفها، التفتت تدرس الغرفة التي ستبيت فيها الليلة بمقلتيها.
بساط عند الباب، سرير منخفض عند النافذة، وخزانة صغيرة.
دنت قدماها من السرير ، انحنت ومررت راحة يدها على سطح الملاءات بحذر ثم حين اطمأنت ارتمت على السرير بارهاق، أخذت تطالع السقف بذهن شارد والهواجس لا تفارقها.
استدارت الى جانبها الايمن تحني كوعها وتضع ذراعها اسفل رأسها، اغمضت عينيها تحاول النوم تطرد خواطرها.
بعد بضع دقائق غمرها الظلام تماما.
"اعلمي اني اسامحك.. ".
من بين السواد والغياهب رأت وجهاً ضبابياً يقول لها ذلك، مدت ذراعها تحاول الامساك به لكنه قبض عليها وسحبها معه إلى ماء ملطخ بالسواد ، غمرهم تماما يعتصر انفاسهم ويخنقهم، حركت ذراعيها بيأس تحاول الصعود بكل بأسها، تراخت حركات يديها رويدا رويدا ثم بعد لحظات اغلقت جفنيها باستسلام تأذن للمحيط ان يبتلعها.
" هاه! "
رفعت جذعها مستيقظة مفزوعة، مغمورة بالعرق البارد، تلهث بشدة، وضعت يدها على عنقها تتحسسه تحاول التأكد من أنها تستطيع التنفس.
اطلقت الصعداء بعد ان علمت انه مجرد كابوس، تمتمت من بين انفاسها المتسارعة "مجرد كابوس آخر.. ".
نهضت ببطء، مشت نحو الطاولة وامسكت ابريق الماء تسكبه في الكأس لتشرب منه ، قربته من فاهها ثم قبل ان تشرب سمعت صوتا خافتا.
تجمدت يدها معلقة في الهواء، فتحت عينيها واخفضت يدها رويدا تنصت بصمت..
كان صوت غناء خافت يصدر من خارج الغرفة.
'هل هي جوري؟ ' فكرت.
اعادت الكأس على الطاولة واقتربت من الباب بهدوء، مررت راحة يدها على سطحه ثم انزلقت ببطء على مقبضه وسحبته وهي تدفع الباب.
كان صوت غناءٍ ناعم، انصتت الى الصوت بتركيز فوصل لمسامعها همسات لطفل صغير ينشد بصوت متقطع:
"كم هو حزينٌ ان تضحكَ السَّما..
فتصدرَ نشيجاً مملوءاً بالرجا..
رياح وامطار ورعود وصدى..
سلاسل وأصفاد لروح النهى.. "
اقتربت من مصدره بخطى حذره، انه يصدر من الطابق السفلي.
توقف الهمس فجأة وسكن المكان.
لكن ماهي إلا لحظات حتى ارتد الصوت إليها مجددا مما جعل قلبها ينتفض وهذه المرة بنغمات رجل ذو صوت ثقيل ينبع من أقصى حنجرته منشدا غناء وصوته مهموم ببأس كأنه يحمل العالم بأسره على كتفيه:
"فأينَ قلبي الناجِ من العدا..
همهمات مكبوتة تقود للردى..
وزماجر احزانهم تكتم في الوغى..
كصخرة تهوي من أقصى الربى.. "
دنت أكثر وانزلت قدمها اليمنى من الدرج تتشبث بالدربازين بيد و تضع الاخرى على فؤادها الذي يكاد يطير خوفا، توقف الصوت لثوان ثم تغير مجددا فاصبح صوت امرأة تنشد كأنها تشعر بكل كلمة بكيانها
" ادركُ صريخهم فأصمتُ مرغمة..
حبيسةَ انفاسي اخشى الصدى..
وقلبي شجنَ من نهر الصبا..
فما عاد للدمع من منى او ندى.. "
وصلت منتصف الدرج فابصرت حينئذ امرأة تقف قرب النافذة تمسك بذراعيها طفلا رضيعاً ملحفاً ، تهزه ببطء كأنَّها تغني له تهويدة.
سكن الصوت، حل صمت هادئ في المكان، قبضت كاثرين يدها وقد تملكها الوجل حتى النحاع.
'ما الذي يحدث هنا؟ '
بعد لحظات، عاد صوت غناء المرأة يبدأ من جديد تنشد كل ما سبق بصوت متهدج كأنها تبكي بينما تهز رضيعها بلطف ناظرة اليه بعينين اموميتين مليئتين بالحنان:
كم هو حزين ان تضحك السما..
فتصدر نشيجا مملوءا بالرجا..
رياح وامطار ورعود وصدى..
سلاسل وأصفاد لروح النهى..
.
فأين قلبي الناج من العدا..
همهمات مكبوتة تقود للردى..
وزماجر الأحزان تكتم في الوغى..
كصخرة تهوي من أقصى الربى..
.
ادرك صريخهم فأصمت مرغمة..
حبيسة انفاسي اخشى الصدى..
وقلبي شجن من نهر الصبا..
فما عاد للدمع من منى او ندى..
قبضت كاثرين كفها المرتعش مقتربة من المرأة ببطء مذهولة وقد أسرها صوتها الرخيم بحسنه ، سمعت المرأة وقع اقدامها فالتقتت اليها وقد شق ثغرها ابتسامة جميلة لكن عينيها لم تبسمان.
توقفت يداها عن هز طفلها وتلاشى منطقها رويداً، اعادت بصرها إلى صغيرها وضمته أقرب إلى صدرها ، جلست على الكنبة قرب النافذة يتراقص ضوء القمر عليها مكونا صورة لها كأنَّها لوحة فنية لأمرأة صبورة ذات عينين حزينة وبسمة مكسورة لا تفارقها رغم الأسباب وبلغوها الجواب.
دنت كاثرين منها تطالعها ومقلتيها لا تلتقطان إلا تلك الصورة، استقرت بجانبها بهدوء.
ساد الصمت، تلك المرأة اخذت تهز صغيرها مجدداً بينما كاثرين فتحت فمها مراراً وتكراراً كأنها عاجزة عن تكوين جملة صحيحة.
همست أخيرا بعد كفاح "تلك الاغنية.. هل انتِ من كتبها؟ "
ادارت المرأة رأسها نحو كاثرين، اختفت ابتسامتها وغرقت نظراتها بكآبة " نعم... ".
نظرت كاثرين إلى ما بين يديها، كانت دمية طفل صغير ملحف بوشاح احمر.
ارتجفت يداها، رغم علمها الجواب، انتابها هاجس غريب فسألت بصوت مرتعش " هل هذا ابنكِ؟ "
سرت اساريريها محولة مقلتيها إليه بابتهاج " نعم".
تمتمت كاثرين بخفوت تنفث انفاسها البيضاء نتيجة البرد من فاهها " لكنها مجرد دمية".
احتدت نظرات المرأة نحوها، قالت بنبرة باردة تضمه اقرب إليها " بل هو ابني! ".
قطع على حديثهم صوت خطى متسارعة نحوهم، رفعت كاثرين رأسها فابصرت المرأة المسنة قادمة إليهم.
توقفت قدماها امامهم وهي تلهث وصدرها يرتفع صعوداً وهبوطاً.
امسكت بيد المرأة الجالسة وسحبتها بقربها، نظرت الى كاثرين باعتذار وقالت:
" اعتذاري، لابد أنها قطعت عليك نومك، هل كانت تغني مرة اخرى؟ "
اومأت كاثرين برأسها بصمت.
تنهدت المسنة بارهاق، غرقت حدقتاها قائلة: " انا أسفة يمكنك العودة للنوم".
حولت كاثرين نظرها نحو الطفل بين يديها، لاحظت المسنة هذا فقالت تدير عينيها بعيدا:
" لا تكترثي بها.. إنَّها امراة مجنونة، فقدت صغيرها مبكرا لكنها بدل البكاء ضحكت، ضحكت بقوة وهي ترفع رأسها عاليا الى السماء جاثية تحت وابلِ المطر المنهمر عليها حتى نفضت قلبي فزعا من مظهرها المختل.. من الافضل ان تعودي إلى غرفتك الآن، الوقت متأخر".
نهضت كاثرين بصمت وعادت بخطى هادئة رغم ان جوفها لم يكن كذلك ، ذهنها كان منشغلا بكثير من التساؤلات ، كافحت تبذل جهدها لتجاهلها ، لم تكن كاثرين تريد ان تقحم نفسها في أيِّ شأن يخص هذه المملكة واهلها، أحياناً يكون الجهل نعمة ، هي لن تقيم هنا ستحقق غرضها بسرعة وستحاول العودة، لا تملك اي نية للاستقرار مطلقا.
ولجت غرفتها مسرعة بتوجس واستلقت على سريرها، تسرب البرد الى اطرافها واستنتاجات كثيرة تجول في ذهنها مسببة صداعاً حاداً وأرقاً ، حاولت النوم، لكنه هجرها تلك الليلة فلم تنم إلا في الساعة الأخيرة قبيل رحيلهم من هنا.
استيقظت صباحا بارهاق تجبر جسدها المحطم على النهوض، كانت كل عضلة في جسدها تبض بألم بسبب سفرهم الطويل.
خرجت من الغرفة فاستقبل بصرها كل من جوري ولينا، كانتا ذات ملامح حيوية كأنهما حظيتا بليلة نوم هانئة على عكسها.
ولجوا القاعة فسمعن صوت وقع اقدام فإذا بها المسنة تقدم نحوهم بابتسامة.
تكلمت معهن قليلا لكن كاثرين لم تنتبه لحديثهن بل كانت عينيها تجول في المكان متفحصة كأنها تبحث عن شخص ما.
في النهاية، قاطعت حديثهم وقالت " اين المرأة التي كانت هنا البارحة؟ "
حولوا انظارهم جميعا نحو كاثرين، امالت العجوز رأسها ، قهقهت قليلا قائلة بنبرة حائرة " أي امرأة؟ أنتن كنتن المقيمات الوحيدات البارحة في هذا الفندق".
قالت كاثرين توضح اكثر باستغراب " كيف ذلك؟ أنا أعني.. تلكَ المرأة التي نَعتِها بالمجنونة ، كانت تغني حاملةً دمية طفل بين يديها تهزهُ هكذا، ألا تذكرينها؟ "
صمتت المسنة مكتفية بابتسامة.
وخزتها جوري قائلة: "اوه كاثرين، لابد انكِ كنت تحلمين، هل أثرَّ بكِ صوتي الجميل لهذه الدرجة حتى باتَ يلاحقك في المنام؟ "
اطبقت شفتاها بقوة تتناوب بنظرها بحيرة بين جوري والمسنة، حاولت كاثرين معها مجددا مذكرة إياها لكنها أبت أن تنبس بشيء غير جهلها بقول كاثرين.
في النهاية، فقدت كاثرين الثقة قليلا بنفسها وفكرت أنه ربما كان كابوساً فعلاً بعد كل شيء.
دفعوا ثمن المكوث ثم خرجن من القاعة.
وهم يسيرون في الحديقة الخارجية، رفعت كاثرين رأسها بشكل طبيعي دون وعي تنظر الى السماء وما حولها حتى تَخَطّفَ بصرها شيئاً افزع فؤادها وجلعها تشعر بأنه هوى على الأرض بين قدميها من هول المنظر ، علقت الكلمات في حلقها وصرخة مكتومة كادت تنزلق من شفاهها قبل ان تغطي فمها براحة يدها بسرعة ومقلتيها تكادان تخرجان من محجريهما رعباً.
كان نظرها مثبتا على ما علق على اشجار الصنوبر البعيدة.
كانت جماجم....جماجم متفحمة شديدة السواد و اسفلها تدلی باقي عظام الجسم مكونة شكل هيكل عظمي مفصول الرأس.
التفت جوري اليها بعد ان لاحظت وجهها الشاحب وسألتها " ما الخطب؟ "
ببطء حولت كاثرين رأسها إليها، كان هناك الكثير من الكلمات التي ارادت التفوه بها الآن لكنها آثرت الصمت، لجمت لسانها واطبقت شفتيها بقوة، لم تكن تريد التدخل في أي شأن هنا.
هزت رأسها تستعيد هدوئها بصعوبة قائلة "لا شيء".
سرت قشعريرة أسفل عمودها الفقري، فكرت وهي تفرك ذراعيها ببعضها
'لم يكن كابوسا....ما رأيته البارحة لم يكن كابوساً، هذا المكان غريبٌ فعلاً'.
اكملوا الطريق بسكون حتى وصلوا الى العربة وولجوا داخلها.
"هل حظيتن بليلة جيدة؟ " سألت لينا باشراق.
لم تجب كاثرين، كان عقلها منشغلاً بكثير من الأشياء دون أجاباتٍ واضحة، بعد دقائق نظرت الى لينا بطرف عينها وسألت بصوت خافت أجش:
" هل يوجد هنا شيء يسمى ب"الطب النفسي"؟
التفتت لينا بحيرة قالت " طب نفسي؟ لم اسمع بقسم طبي كهذا" .
ضاقت عيناها " ثم ماذا عن الامراض النفسية؟ "
حكت لينا رأسها ، طوق الخجل ثغرها بتبسم قائلة:
"اممم، هل تعنين 'بالمرض النفسي' الجنون؟ "
مالت جوري بجسدها نحوه كاثرين وهمست تغطي فاهها بيده:
" لا يوجد شيء كهذا هنا، كل من يعاني من مرض نفسي هو مجنون ومختل، لقد شهدتُ هذا الأمر بنفسي".
ادرات كاثرين رأسها بصمت نحو النافذة، نظرت بشرود الى لافلات المتاجر التي تتسارع مختفيةً بطرفة عين في الأفق ، تساقطت قطرات الأمطار على النافذة تنزلق ببطء على زجاجها الشفاف كأنها تبكي.
في تلك اللحظة، كان عقلها يفكر بأمر واحد فقط.
' مملكة أدام ،هاه؟ عندما يُعدّ الحزن ترفًا، ومرض النفس جنونًا، والقلب مُبلّدًا… فعن أي إنسانية نتحدث؟'
في مملكة أدام لم يعترفوا بالطب النفسي ، كانوا يعتقدون أن كل الجروح والألآم ينبغي أن تكون ملموسة....وما دون ذلك سموه جنونا.
___________________________________________
رأيكم بالفصل؟💜
شخصية ناري الخفيفة وصراعها مع ميلاني؟
الفندق المهجور والمرأة الي غنت؟
الجماجم المعلقة؟
وبس انتهى الفصل اتمنى يكون عجبكم لا تنسون تعلقون وتعطوني رأيكم🪻🪻
.💜lilium