في غابةٍ عميقة، أضاء القمرُ الليلَ الهادئ...
لم يكن يُسمَع في المكان سوى صوتِ البومِ والريحِ التي تُحرِّك الأشجارَ من فينةٍ إلى أُخرى.
رقدتِ الحيواناتُ، وظهرتِ النجومُ تُزيِّنُ سماءَ الليل... وفي وسط هذا...
"هاه... هاه... هاه..."
كانت هناك شابَّةٌ تضعُ يديها على ركبتيها بوضعيةِ الركوع، وهي تلهث بشدة، تساقط العرقُ بغزارةٍ من جبينها هاويا أرضا موضحا جهدا مضنيا بذلته... اعتدلت قليلًا، مدت يدها وتلمست الحقيبة القابعة فوق ظهرها ثم سحبت قارورةَ ماءٍ من جانبها.
شربتْ منها حتى ارتوى قلبها وهدأت أنفاسها، انزلقت تنهيدة خافتة من شفتيها مثقلة بالإرهاق، تَتمتِمت ببطء بمقلتين فارغتين:
"أين أنا الآن...؟"
حرَّكت رأسَها يمينًا ويسارًا تتفحَّصُ محيطها مجددا ، معتمدةً بذلك على ضوءِ القمرِ كأنها تأمل أن يتغير كل شيء فجأة .
حركت قدميها ودنت من إحدى الأشجار، عقدت حاجبيها ناظرة إليها بتركيز، كانت تحتوي على خَدشٍ في أحد أركانها. رفعت يدها وتلمَّستِ الخَدش بأناملها، غمغت بإحباط تحدث نفسها وهي تفركه:
"نفس المكان... عدتُ إلى نفسِ المكان..."
رفعت رأسَها عاليا واغمضت عيناها وهي تستنشقُ بقوة لتهدّئَ مشاعرها التي تكاد تفيض في ضوء هذا الضياع.
بعد بضع دقائق، رفرفرت جفونها رويدا كاشفة عن مقلتين سوادوتين مملوئتين بتصميم غير معلن، قررت السيرَ بطريقٍ مختلف.
وبينما همت لتفعل، وقع على مسامعها صوتَ قعقعةٍ من مكانٍ قريب.
في العادة، حين يسمع المرءُ صوتًا فجأة في مكانٍ خالٍ من البشر ينتابه الفزع، ولكن الشابة حين سمعته انتباتها مشاعر غامرة ممزوجة بالفرح والراحة، تأملت أن تجد أحدًا ما يُخبرُها أين هي بالضبط.
دنت بهدوء من الصوتِ الذي بات اشبه بهسهسة خافتة ووضعت يدها على فؤادها تكتم أنفاسها في صدرها.
حين خطت قليلا إلى الأمام، توقّف الصوت، كما لو أنه استشعر خطاها، دنت أكثر بتوترٍ وهي تدير حدقتاها حولها بحذر.
وصلت أخيرًا إلى مصدر القعقعة...أتسعت حدقتاها بمفاجأة، أبصرت أمامها بوابة ضخمة غير واضحة المعالم وعلى جانبيها استقر ظِلَّان ضخمان يتحركان ويصدران أصواتا خافتة من حين لآخر ، تجمَّدت قدماها في مكانها، شعرت أن أنفاسها سلبت منها لكنها رغم وجلها ، كانت تُخطِّط أن تقترب أكثر منهما بحذر أكبر إذ لا خيار أمامها سوى هذا بعد أن نفذت منها السبل، ابتلعت ريقها وخطت خطوة الى الأمام أكبر من سابقتها ولكن لسوء حظها وطئت على غصنٍ، فأصدر صوتًا.
قبل أن تستوعبَ ما جرى، شعرتْ بمعدنٍ باردٍ يلامس حافة رقبتَها... ثم همسًا خافتا في أذنها يقول:
"مَن أنتِ؟ هل أنتِ جاسوسة؟"
انتفض قلبها بشدة وهوى أرضا فزعا ، صرخت بقوة وتخبطت متراجعة الى الخلف بسرعة.
تردَّد صوتُها بقوة في الغابة بأكملها، مما جعل الطيورَ تطيرُ بعيدًا.
تبعها أقرب بخطى هادئة كأنه لا يخشى هروبها مطلقا وكرر سؤاله:
"لن أكرر كلامي، اجيبيني قبل أن يهجر رأسك جسدك، هل أنت جاسوسة؟ "
صرخة رعب كادت تنزلق من شفتيها مجددا لكنها تمالكت نفسها بصعوبة، ابتلعت ريقها وقالت بصوتٍ عال مملوء بالخوف:
"لستُ كذلك!! أنا مجردُ امرأةٍ ضائعة!"
دقات قلبها تزايدت مع كل لحظة تمضي مترددة بقوة في أذنها، ارتعشت شفتيها وقبضت على حافة ثوبها ببأس حتى ابيضت مفاصلها ، ما ضغط على رقبتها قبل قليل لا ريب أنه كان سلاحا حادا مهددا حياتها، إذ شعرت بحافته المصقولة.
قال الظلُّ الآخرُ بحيرة: "اشرحي أكثر."
ابتلعت ريقها ثم بدأت تتحدث بتلعثم:
"ل-لقد جئتُ مع أختي الصغرى في رحلةِ تخييمٍ مدرسية، أضعتُ هاتفي فجأةً في الطريق فذهبت لأتفقّده... وبينما أنا أمشي، لمع ضوءٌ ساطعٌ في المكان فجأةً، واختفى الجميع! الأشجار تغيّرت! الناس اختفوا! أسألكما بالله، هل يمكنكما إخباري أين أنا؟"
أدار الظلّان رأسيهما تجاه بعضهما يتبادلان النظرات بغرابة، قال أحدهما للآخر بتعجب:
"منذ متى والمدارسُ تُقيمُ رحلاتٍ مدرسية لطلابها؟"
قال الآخرُ بحيرة مماثلة: "لا أعلم، لكن ما هو الهاتف؟"
هزَّ الآخر كتفيه مشيرًا إلى عدم علمه بهذا أيضًا...
هَبَّت رياحٌ قويةٌ فجأة، وسقط ضوءُ القمرِ على الظلَّيْن، مُبيِّنًا شكليهما، حبست انفاسها وثبتت مقلتيها السوداوين عليهما تلتقطان المنظر المهيب الذي يتكشف امامها.
كانا رجلين ضخمين، يرتديان دُروعًا سميكةً تُغطّيهما بالكامل، أحدُهما كان يحمل سيفًا على خصره، والآخر خنجرين بين جانبيه.
نظرت إليهما برهبة وانبهار ، قالت في نفسها متناسية موقفها لوهلة :' يبدوان كرجلين من القرون الوسطى ، لو عملوا في فيلم تاريخي لحققوا نجاحا باهرا'
قال الرجل ذو السيف وهو يهمس للآخر:
"مهلًا يا جاك، ما فرصُ أن تضيع امرأةٌ في الغابة في جوف الليل أمام مملكةِ أدام دون أن تكون جاسوسة؟"
قال جاك كما لو أن الأمرَ واضح: "صفر."
قال الآخر وهو يهمس:
"ما رأيك؟ هل نقوم بحبسها ومحاولةِ استخراج المعلومات منها؟"
سمعت الشابة كلامهما فامتقع لونها، أخذت تُبرر قائلة:
"لستُ جاسوسة! أنا حقًّا ضائعة! أيُّ جاسوسٍ غبيٍّ يكشف نفسَه أمام الحُرّاس دون أن يتسلل؟!"
أومأ الرجل ذو السيف كما لو أنه وجد الأمر منطقيًّا قليلًا.
قال جاك كما لو أنه لا يستطيع التصديق: "مهلًا سيمون، هل تُؤمن بحجّتها حقًّا؟" أجاب سيمون:
"حسنًا... قليلًا."
ثم قال: "لكن لماذا تتحدثين بتلك اللهجة الغريبة؟"
أجابت الشابة وهي تقبض وتبسط يديها توترا بنبرة متحيرة: "لهجة غريبة؟"
أومأ برأسه، ثم سأل سيمونُ جاكَ:
"هل سمعتَ بهذه اللهجة من قبل؟ هل هي لهجة سكان إمبراطورية سايلِس؟"
سخر جاك رأسه قائلا:
"مستحيل، إنهم يتحدثون بلهجةٍ أكثر
تحضُّرًا."
بعد رؤيتها لموقفهم المريح في التعامل معها تسربت خيوط خافتة من الطمأنينة والأمان الى قلبها إذ لا يبدوان أنهما سيقتلانها الى الآن، لكنها ما زالت لم تخفض حذرها تماما، بعد برهة من التفكير ، رفعت الشابة يدها وقالت :
"المعذرة، لكن هل لي بسؤال؟"
أومأ سيمون وهو يقول: "تفضّلي."
سألت الشابة : "أين أنا الآن؟"
ابتسم جاك بسخرية وقال: "هل ما زلتِ تحاولين التظاهر بأنكِ لا تعرفين أين أنتِ؟"
قبضت كفها المرتعش على فستانها ثم اجابت مثبتة بصرها نحوه :
"انا حقا لا أعلم، هل يمكنك اخباري..، من فضلك؟ "
تبادلا النظرات بينهما ،سعل جاك قليلا بحرج ثم اجاب بتهكم:
"أنتِ أمام بوّابةِ مملكة أدام."
سألت وهي تميل رأسها باستغراب: "مملكة... ماذا؟"
قال جاك بنبرة منزعجة تخفي احراجه:
"مهلًا، على الرغم من أن مملكة أدام ليس لها تاريخ طويل، ولكن أن تقفي أمامها ولا تعلمي شيئًا عنها؟ أين تعيشين أنتِ حتى في العالم؟"
دحرجت الشابة عينيها يمينا وشمالا تحاول التذكر إن كان هناك مملكة كهذه لم تسمع بها سابقا، ثم بعد بضع ثوان اعادت بصرها نظرتها وقالت:
"لقد سمعتُ بجميع أنواع الممالك في العالم، ولكن مملكة أدام؟ أين تقع بالضبط؟"
سخر جاك قائلًا: "هاه! لا بد أنكِ جاهلةٌ إذًا."
رفع سيمون يدَه وقال: "هذا يكفي."
نظر إليها سيمون بتمعُّن، وتفحّصها من رأسها إلى أخمص قدميها باهتمام، ثم سأل:
"إذن، إذا كنتِ ضائعة حقا، ولستِ من هذه المنطقة، ماذا ستفعلين الآن؟ لم أسمع من قبل بوجود أي مناطق صالحة للسكن قريبة من هنا، وأنتِ لا تعلمين بوجود مملكة أدام حتى 'كما تدّعين'... أنا مهتمٌّ بمعرفة كيف ستجدين طريقك؟"
اجابت بوجه خال من التعابير كأنه امر واضح:
"سأنتظر أن تعود التغطية وسأحاول الاتصال بأختي أو معلمتها لأعلم أين الجميع."
قال جاك: "ما هذا الهر..."
لكن قاطعه سيمون قائلًا: "وكيف ستتصلين بهم؟"
قالت بحيرة: "أم... عبر الهاتف بالطبع؟"
سأل سيمون بفضول واهتمام: "ما هو الهاتف؟"
استغربت ردة فعله وقالت:
"ألا تعلم ما هو الهاتف؟" صمت قليلا ثم هز رأسه نافيًا.
استغربت أكثر، وغرقت في تفكيرٍ عميق، وبدأت تُجمِّع كلَّ شيء...
ومض ضوء ساطع واختفى الجميع من حولها فجأة.
أشجار الكرز الجميلة تحولت فجأة إلى أشجار صنوبر.
مهما ركضتْ عادت إلى نفس المكان.
ظهر مكانٌ غريب عليه حُرّاسٌ يرتدون دروعًا وسيوفًا قد عفا عليها الزمن...
والآن، هم لا يعلمون حتى ما هو الهاتف..
كل ذلك كان يشير إلى موقفٍ واحدٍ فقط.
لا بد أنها انتقلت بطريقةٍ ما إلى مكانٍ آخر.
أنكرت الفكرة، قائلة في نفسها: "هيا، أنا لستُ بطلةَ فيلم أكشن وخيال، هذا لن يحصل."
لكن مهما نظرت للوضع، لم يكن هناك جوابٌ آخر...
سأل جاك بانزعاج: "مهلًا، ألن تُجيبي؟"
لكنها كانت غارقة في أفكارها لتلاحظه...
إن كان الأمر كذلك، فإن بقاءها في الغابة الآن خطيرٌ للغاية.
الغابة التي خيّمتْ فيها مع مدرستها كانت آمنةً وخاليةً من الحيوانات، ولكنها لا تعلم إن كان الوضع كذلك هنا أيضًا.
ماذا لو كانت غابةً مليئةً بالحيوانات المفترسة؟ ماذا لو هاجمها ذئبٌ فجأة؟
لا يمكنها المخاطرة.
ثم كأنه يُؤكّد صحةَ استنتاجها، سمعتْ صوتَ عواءٍ صَدرَ من جوفِ الغابةِ مما جَعلها تَرتَعشُ.
من ناحية أخرى، مهما مشتْ هنا، لم يتغيّر المكان أمامها، ومهما بحثت لم تجد شيئًا، لذلك... عليها أن تكتشف سببَ وجودها في هذا الوضع الآن.
لفعل ذلك، عليها أن تبحث في مكانٍ آخر.
ثم، إن كان هناك مكانٌ آخر، فهو...
نعم، عليها أن تبحث في مملكة أدام.
حدّدت الشابة هدفها بسرعة:
للنجاة من هذه الغابة الخطيرة، ولتكتشف وضعها، عليها دخول هذه المملكة مهما كلّف الأمر...
.💜lilium