رجلٌ لا ينحَني

رجلٌ لا ينحَني

18 0

وُلِدَ الناسُ في مملكةِ أدام على كُرْهِ السحرةِ وتوارثوا هذه الضغينةَ فيما بينهم؛ فإذا أرادوا ذمَّ شخصٍ ما وصفوهُ بالساحر، وإذا أرادوا قتلهُ اتهموهُ بممارسةِ السحر.

​إذا لمحوا معالمَ السحرِ تتجلى على إنسانٍ ما خافوهُ وارتعبوا منه، ولكنَّ وجَلَهُم لم يكن ممتزجاً بتقديرٍ واحترام، بل كان جُلُّهُ احتقاراً واشمئزازاً.

​إذا سُئِلَ أحدٌ منهم: "لماذا نفعلُ ذلك؟" فقد لا يملكُ جواباً، أو لربما العقلاءُ منهم سيقولون لك بأنَّ ذلك يعزى إلى شرهم وخرابهم ومحاولتهم الاستحواذَ على المملكة.

ولم يكن خوفهم منهم بلا معنى، بل كان لهُ جذورٌ طويلةٌ تمتدُّ منذ عهدِ أليستر مونتغوميري، الملكِ المؤسسِ لأدام.

فبعد تأسيسهِ المملكةَ بفترةٍ قصيرة، قضى على تجمُّعٍ هائلٍ من أناسٍ خُلِقوا بشعرٍ أسودَ دون أن يبدي سببهُ بشكلٍ واضح.

​سلَّمَ الناسُ "أليستر" ثقتهم العمياءَ ورأوا أنَّ فعلهُ صوابٌ، كما ذمَّهُ آخرون بصمتٍ دون أن يجهروا بذلك رهبةً مما قد يفعلهُ بهم أيضاً، بينما "أليستر" بحدِّ ذاته فعلَ فعلتهُ تلك نتيجةَ الغضبِ فقط..

​.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

​مملكة ريداس -عام ٣٥٠-

(ما قبل تأسيس مملكة أدام بعشرين عاماً)

​-قصر آل مونتغوميري-

​في قصرٍ شاهق، اصطفَّ حرسٌ على الجانبين يقفون بصرامةٍ ويبسطون كفوفهم بجانبِ رؤوسهم ممسكين رماحهم بتعابيرَ مهيبة، امتزجت ألوانُ جدرانِ القصرِ بالأبيضِ والأحمر، كما غطت سطوحَهُ أحافيرُ ونقوشٌ قديمة.

​هبَّت رائحةُ مسكٍ ممتزجٍ بالنعناع، تلاها طرقُ أقدامِ رجلٍ أشقرَ يمشي بين الحرسِ المصطفين، يرتدي زيّاً أزرقَ وعلى أكتافهِ حطَّت عباءةٌ سوداءُ فروية، يمسكُ بيمينهِ كفَّ طفلٍ ذي عشرةِ أعوامٍ يرتدي ذاتَ الزيِّ ويملكُ ذاتَ الشعر.

​رفعَ زوايا شفتيهِ وبحدقتينِ تحملان دفئاً طفيفاً سألَ الرجلُ بنبرةٍ ناعمةٍ الصبيَّ بجانبه: "هل تذكرُ جيداً ما قلتهُ لك يا أليستر؟"

​أومأَ أليستر برأسهِ مرتدياً تعبيراً صارماً محاولاً التظاهرَ بأنهُ ناضجٌ رغم أنَّ ملامحهُ الطفوليةَ طمست ذلك، قال:

"نعم، أتذكرُ ما قلتهُ جيداً يا والدي"

وضعَ يدهُ على صدره ثم أكملَ قائلاً بنبرةٍ غليظةٍ مصطنعةٍ محاولاً تقمُّصَ هيبةِ البالغين:

"الولاءُ لريداس هو الأساس، وإن عادانا كلُّ الناس".

​ضحك الرجلُ بخفةٍ ثم وضعَ راحةَ يدهِ على رأسِ أليستر ومسدَهُ قائلاً بمرح:

"أحسنتَ".

ابتسمَ أليستر بفخرٍ وشدَّ قبضتهُ على يدِ والدهِ مسرعاً خطاهُ ليواكبَ مشيَ والده، ركبا بعدها عربةً سوداءَ حملتهما متوجهةً نحو القصرِ الملكي.

​بعد مضيِّ عشرين دقيقة، توقفتِ العربةُ أمامَ بوابةِ القصر، ثم بعد أن تحقَّقَ الحرسُ الملكيُّ من هويةِ الداخلين سمحوا لهما بالمرورِ إلى الداخل.

​قفزَ أليستر بساقيهِ القصيرتين من العربةِ تبعهُ والده، وفورَ خروجهما هرعَ رجلٌ مسنٌّ نحوهما واحنى رأسَهُ بخفةٍ محيياً إياهما:

"تحياتي لسيادةِ المستشارِ الدوق مونتغوميري، تحياتي لك سيدي الشاب".

​أومأَ الدوق مونتفيل مونتغوميري برأسهِ بخفةٍ ثم سأل:

"أين جلالتُه؟"

​أجابَ الخادمُ بأدب:

"جلالتُهُ ينتظركم الآن في قاعةِ العرشِ مع سموِّ وليِّ العهد، كان يترقَّبُ قدومكم بكلِّ شوق".

​شدَّ أليستر قبضتهُ على كفِّ والدهِ بتوتر، وحين استشعرَ الدوقُ ذلك التفتَ إليهِ وابتسمَ ناحيتهُ محاولاً طمأنته. أعادَ بصرهُ نحو الخادمِ وقال:

"قُدِ الطريق".

مضى بهم الخادمُ ناحيةَ القصرِ حتى توقفَ أمامَ بوابةٍ ضخمة، وحين تنبَّهَ الحرسُ لوصولهم نفخوا صدورهم متأهبين بشدة، استقرَّ المستشارُ أمامهم وقال:

"أبلِغ جلالتَهُ بحلولي".

أخفضَ الحارسُ رأسَهُ ثم التفتَ بسرعةٍ وضربَ قدمهُ أرضاً كجنديٍّ مدرَّبٍ وأمسك مقبضَ البابِ المستديرَ بكلتا يديهِ وطرقهُ مرتين بقوةٍ ثم صاحَ بأعلى صوته:

"سيادةُ المستشارِ الدوق مونتغوميري والدوقُ الصغيرُ يستأذنانكم للدخول!".

​حلَّ الصمتُ في المكان، وبعد لحظاتٍ فُتِحتِ الأبوابُ من الجانبين وظهرَ في محلِّ البصرِ سجادةٌ حمراءُ قانيةٌ مبسوطةٌ في المنتصفِ وصولاً إلى درجٍ منخفضٍ ممتدٍّ حتى العرش.

مشى المستشارُ يخفضُ بصرهُ ممسكاً بيدِ ابنهِ بخطواتٍ ثابتةٍ ومتزنة، أغلقَ الحراسُ البابَ مجدداً.

سكونُ المكانِ جعلَ صوتَ طرقاتِ حذائهِ يترددُ ببأسٍ أكبر، رفعَ أليستر بصرهُ وهو يمشي بسرعةٍ متعثراً ليواكبَ خطى والدهِ الطويلةَ فلمحَ وجهَ والدهِ المهيبَ مجرداً من أيِّ تعبير، فنفحةُ فخرٍ ضربت فؤاده:

'نعم، هذا والدي'.

رفعَ رأسَهُ بثقةٍ وأطالَ خطاهُ مملوءاً في داخلهِ بشيءٍ من الابتهاج.

​توقفت أقدامُ والدهِ أمامَ الدرجِ مباشرةً. مخفضاً رأسَهُ، تركَ يدَ أليستر ووضعَ يده على صدره.

ثم ودون سابقِ إنذار-

​انخفضَ راكعاً على ركبةٍ واحدةٍ كاسراً تلك الوقفةَ الشامخة، كعُودٍ تصدَّعَ من منتصفه، أحنى ظهرهُ بإفراط، وشدَّ قبضتهُ فوقَ صدره مدنياً رأسَهُ بعمق، قال بصوتٍ مهيب:

"الولاءُ لريداس هو الأساسُ وإن عادانا كلُّ الناس، يحيا جلالةُ الملكِ العاشر، يحيا سموُّ وليِّ العهد".

​وقفَ أليستر بجانبِ والدهِ وكفهُ معلقٌ في الهواءِ ينظرُ بذهولٍ لما جرى للتو، تناوبت نظراتُهُ بين الملكِ ووالدهِ دون أن يشعر، لم يركع هو فقد علَّمتهُ والدتهُ أنَّ كرامتهُ وشرفهُ هما أهمُّ ما قد يملكهُ المرءُ في هذه الحياة.

كانت تقولُ لهُ دائماً: كن عزيزَ النفس، طيبَ القلب، واثقَ الذاتِ لكن غيرَ مغترٍّ أو عنيد.

فأين الشرفُ والكرامةُ في تلك الوضعيةِ المهينةِ التي قامَ بها والدهُ للتو؟

سرت قشعريرةٌ أسفلَ عمودهِ الفقري، تسلَّلَ الرعبُ ببطءٍ يملأُ قلبهُ الصغيرَ رويداً رويداً، وحين أبصرَ والدهُ الثابت كالجبال يثني ظهرهُ بهذه البساطةِ أمامَ رجلٍ آخر، انتابه هاجسٌ أشبهُ بالخيالِ أنَّ والدهُ الشامخَ قد كُسِر، كما أنَّ خيبةَ أملٍ عميقةً شيئاً فشيئاً أخذت تستقرُّ بداخله.

​لم يلحظ أليستر حدقتي الملكِ المثبتتين ناحيته، إذ كان يراقبهُ باهتمامٍ عميق؛ هذا الفتى الوقحُ الذي لم يجدد ولاءَهُ ويثني جسدهُ ناحيتهم.

وبنفسِ الوقتِ عُقِدَ حاجبا وليِّ العهدِ من موقفهِ الفظِّ وعدمِ تقديمهِ الاحترامَ الواجبَ له ولإبيه -ملكِ هذه البلاد.

​شعرَ المستشارُ بشيءٍ مريبٍ إذ لم يأذن لهُ الملكُ بالاستقامةِ فوراً رغم مرورِ خمسِ دقائقَ بالفعل، وهو شيءٌ لم يعتدهُ منه.

ثمَّ قبلَ أن يفتحَ فاهُ ويستفسرَ عما إذا كان هناك خطبٌ ما، وصلَ لمسامعهِ صوتُ الملكِ المستاءُ قائلاً:

"لقد خابَ ظني فيكَ أيها المستشار، لم أخلْ أنكَ لم تُعلّم ابنكَ بعدُ الأخلاقَ المناسبةَ وكيفيةَ تقديمِ الاحترامِ الواجبِ تجاهَ العائلةِ المالكة".

​انتابَ المستشارَ هاجسٌ سيء، همسَ بداخلهِ ينكرُ تلك الفكرة: 'مستحيل.. أليستر لم يبقَ واقفاً، أليس كذلك؟'

كان متأكداً من أنهُ أخبرَ مارلين أن تعلّمَ أليستر كيفَ ينحني لريداس ويجددَ ولاءَه، لذا من المستبعدِ أنهُ ما زالَ مستقيماً.

​استأنفَ الملكُ كلامهُ ناظراً إلى أليستر بعيونٍ يملؤها الكبرُ والازدراء:

"رغم أنني ها هنا ماثلٌ أمامَهُ إلا أنهُ يستمرُّ بالنظرِ إليَّ بتلك العيونِ الوقحة".

​انتفضَ أليستر من حدقتي الملكِ المثبتتين نحوهُ وتراجعَ خطوةً إلى الوراء، وفي الوقتِ ذاتهِ رفعَ المستشارُ رأسَهُ دون وعيٍ وحوَّلهُ ناحيةَ أليستر.

تلاقت أبصارهما، ابتلعَ أليستر ريقهُ بتوترٍ حين لاحظَ دهشةً تعتلي وجهَ والده. سريعاً، أمسك المستشارُ بكتفِ أليستر وضغطَ عليهِ بقوةٍ جاعلاً إياه يركعُ قسراً ثمَّ أخفضَ رأسَهُ أيضاً وقال بنبرةٍ مملوءةٍ بالأسف:

"أعتذرُ جلالتك، يبدو بأنَّ أليستر غمرتهُ روعةُ جلالتكم وهيبتكم فكان متفاجئاً جداً ونسيَ أن يجددَ ولاءَه".

​قاوَمَ أليستر، لكنه كلما حاولَ أن يقفَ ضغطت يدُ والدهِ على قفاهُ ببأسٍ أكبرَ جاعلةً إياه ينحني بعمق.

كان مستاءً، لِمَ عليهِ أن يركع؟ تنهَّدَ قليلاً ثمَّ أحنى رأسَهُ بطاعةٍ بتعابيرَ مرتبكةٍ ممتزجةٍ بالاستياء.

عزمَ أن يسألَ والدهُ فورَ عودته.

​رفعَ الملكُ حاجباً واحداً، غمغمَ ببضعِ كلماتٍ من بينِ أنفاسهِ ثمَّ قال:

"يمكنكم النهوضُ الآن".

اعتدلَ المستشارُ بسرعةٍ ونفضَ ثيابَهُ بأناقة، كما حذا أليستر حذوه.

أشار الملكُ بسبابتهِ إلى المستشارِ فاقتربَ صعوداً إليهِ من الدرج، ولحِقَ أليستر بهِ مرتبكاً.

انفرجت أساريرُ الملكِ رويداً، وأخذَ يحادثُ المستشارَ بنبرةٍ مرحةٍ قليلاً، كأنهُ شخصٌ مختلفٌ تماماً عما كان عليهِ قبل لحظات.

ثمَّ حوَّلَ حدقتيهِ ناحيةَ أليستر وقال بنبرةٍ دافئة: "إذن، أنتَ هو أليستر؟"

​أومأَ أليستر برأسِهِ باضطراب، وضعَ الملكُ كفَّهُ على ظهرِ وليِّ العهدِ وقال:

"إذن، سيكونُ من الرائعِ أن تتعرَّفا على بعضكما أنتَ ووليُّ العهد".

نفخ وليُّ العهدِ صدرهُ بغرورٍ ورفعَ رأسَهُ عالياً، تقدَّمَ خطوةً إلى الأمامِ وقال مديراً رأسَهُ ناحيةَ والده:

"جلالتك، إن كنتَ تودُّ منا التحدثَ فهل لنا الذهابُ إلى الغرفةِ المجاورةِ لقاعةِ العرش؟"

​توسعت ابتسامةُ الملكِ وأومأَ برأسِهِ قائلاً:

"كما هو متوقعٌ من وليِّ العهد، لابدَّ أنكَ لا تودُّ أن تعكّرَ صفوَ حديثنا الجاد، بالتأكيدِ يمكنكَ استخدامها".

​ابتسمَ وليُّ العهدِ بغرورٍ عندَ سماعهِ مديحَ الملكِ ثمَّ تقدَّمَ بثقةٍ بخطواتٍ واسعةٍ وأومأَ للحراسِ برؤوسهم ففتحوا البابَ بسرعة، لم يتبعهُ أليستر متردداً فتوقفت قدماهُ أمامَ البابِ والتفتَ وليُّ العهدِ محدقاً فيهِ بنظرةٍ تحثُّهُ على الإسراعِ فهرعَ إليهِ مسرعاً على مضض.

ولجوا القاعةَ بهدوءٍ ثمَّ أُغْلِقَ الباب.

​بمجردِ إغلاقِ الباب، عقدَ وليُّ العهدِ ذراعيهِ وابتسامةٌ خبيثةٌ أخذت تتسللُ على شفتيهِ رويداً. رفعَ رأسَهُ عالياً بغطرسةٍ وقال بنبرةٍ آمرة:

"ارْكَع".

​"عفواً؟" ردَّ أليستر بغباءٍ إذ لم يستوعب ما قالهُ للتو، شكَّكَ في سمعهِ ونظرَ إلى وليِّ العهدِ بحيرة.

رفعَ وليُّ العهدِ حاجبهُ وقال:

"هل أنتَ أصم؟ قلتُ لكَ أن تجثو أمامي فوراً".

​نظرَ إليهِ أليستر بعيونٍ ثابتةٍ دون أن ينبسَ ببنتِ شفة، انزعجَ وليُّ العهدِ من تلك النظراتِ فتقدَّمَ إلى الأمامِ ووضعَ كفهُ على أليستر محاولاً إجبارهُ على الركوعِ كما فعلَ الدوقُ للتو، لكنَّ أليستر لم يخضع له، وعلى عكسِ قبضةِ رجلٍ بالغٍ فما زالَ وليُّ العهدِ في طورِ النموِّ لذلك مهما سلَّطَ من قوةٍ لم يتزحزح أليستر من مكانه.

ارتجفت شفتا وليِّ العهدِ بضيق، وبعد أن يئسَ من هذا، رفعَ كفهُ باستسلام.. لا، بل حين ظنَّ أليستر أنهُ استسلم، رفعَ كفهُ عالياً ثمَّ على حينِ غرة-

​دوى صوتٌ حادٌّ كما التفَّ رأسُ أليستر جانباً.. لقد صفعهُ للتو على خدِّه.

قال وليُّ العهدِ بازدراء: "كنتُ أنوي أن أتوافقَ معك، ولكن.. كيف تجرؤ على تجاهلي؟ أين الحراس؟ حراس!! حراس!".

​حين سمعوا صراخَ وليِّ العهد، فتحَ الحراسُ البابَ بقوةٍ وهرعوا جاثين أمامه:

"سموك، هل ناديتنا؟".

قال بأنفاسٍ مرتجفةٍ من شدةِ الغيظ:

"هذا الشخصُ يجرؤ على تجاهلي، أين والدي؟ هل ما زالَ في غرفةِ العرش؟ اسحبوا هذا الخائنَ هناك لمحاكمتهِ فوراً!".

تبادلَ الحراسُ نظراتٍ مترددة، ورغم أنهُ كان أمراً مباشراً من وليِّ العهدِ إلا أنهم كانوا مترددين في لمسِ جسدِ ابنِ المستشارِ مباشرة، فهو في النهايةِ الرجلُ الثاني في السلطةِ الملكية.

​لم يدم ترددهم طويلاً، إذ سمعوا صوتاً صبياً يقاطعهم فجأة:

"لا حاجةَ لذلك، سأذهبُ بنفسي".

قال أليستر بهدوءٍ وكفهُ معلَّقٌ على خدِّه المحمرِّ وعيناهُ تحترقانِ بعزيمة، التفتَ إلى الأمامِ ونظرَ إلى الحراسِ كأنهُ يقولُ لهم أن يمضوا قدماً. نظر وليُّ العهدِ بضيقٍ ممزوجٍ بتعجُّبٍ إلى أليستر الذي ما زالَ هادئاً في موقفٍ قد يُتَّهمُ فيهِ بالخيانة. وفي النهاية، تبعوا الحراسَ ووقفوا جميعاً أمامَ الملكِ مجدداً.

​تنهَّدَ الملكُ مغمضاً عينيهِ بينما يدلكُ صدغَهُ بأصابعه، سألَ باستغراب: "ما الذي يحدث؟".

تقدَّمَ وليُّ العهدِ بثقةٍ وقال: "جلالتك! أنا أتهمُ شخصاً ما بإبطانِ رغبةِ الخيانة!".

ارتجفَ حاجبا الملكِ قليلاً عندَ سماعهِ تلك الكلمةَ الخطيرة، فتحَ عينيهِ وتحوَّلَ تعبيرهُ إلى الجِد، سألَ قائلاً: "خيانة؟".

أومأ وليُّ العهدِ وقال بصوتٍ عالٍ يصدحُ صداهُ في أرجاءِ القصر:

"أنا أتهمُ أليستر مونتغوميري بتهمةِ إهانةِ العائلةِ المالكة! لقد أمرتهُ أنا -وليَّ عهدِ المملكة- بأن يركعَ أمامي ورفض!".

​تحوَّلَ وجهُ المستشارِ إلى شاحبٍ حين خرجَ اسمُ ابنهِ على حينِ غرة، بينما نظرَ الملكُ بذهولٍ عندَ سماعهِ هذا الاسمَ غيرَ المتوقع.

نظرَ بطرفِ عينيهِ إلى المستشارِ الذي استعادَ وعيهُ متأخراً. ركعَ أمامَ الملكِ قائلاً:

"يبدو أنَّ هناك نوعاً من سوءِ الفهم، ابني أليستر لن يضمرَ نيةً كهذهِ إطلاقاً؛ إنهُ خطئي لأنني أغفلتُ تعليمهُ شيئاً بهذهِ الأهمية، سأقبلُ أيَّ عقوبةٍ تنزلها بي يا جلالتك".

​حين سمعَ هذهِ الكلماتِ بُغِتَ أليستر بشدةٍ وصرخَ لا إرادياً مستاءً من سخافةِ ما وصلَ لمسامعه:

"لا! لِمَ ستتحملُ العقوبةَ عن شيءٍ أنا فعلته؟! أنا لم أركع لأنني لم أرد ذلك فحسب! ثمَّ كيفَ قمتُ بإهانةِ وليِّ العهدِ بينما في الواقعِ هو من قامَ بصفعي؟!".

​"صمتاً!".

انتفضَ حين سمعَ صوتَ والدهِ المتوترِ الذي عادةً ما يكونُ هادئاً. التفتَ والدهُ مجدداً نحو الملكِ مخفضاً رأسَهُ بأسفٍ والعرقُ الباردُ يتصبَّبُ بغزارةٍ من جبينه. رفعَ الملكُ زوايا شفتيهِ بابتسامةٍ خيريةٍ وقال:

"لا بأس، كيفَ لي أن أعاقبَ أكثرَ الرجالِ ولاءً لي في المملكة؟ أثقُ بأنكَ ستتعاملُ مع أمرِ ابنكَ جيداً".

دنا رأسهُ المنخفضُ بالفعلِ أكثر.. بعدها أذنَ لهُ الملكُ بالمغادرةِ مكتفياً بما ناقشوهُ لهذا اليوم.

​دون تردد، استقامَ وأخذَ أليستر عائداً إلى القصرِ دون أن يطيلَ البقاء. فورَ وصولهِ ذهبَ فوراً لمقابلةِ زوجتهِ الدوقة مارلين مونتغوميري، الأميرةِ السابقةِ لمملكةِ مونور.

دخلَ الغرفةَ وأغلقَ البابَ بإحكامٍ بعد أن أمرَ الخدمَ بعدمِ إزعاجهم أثناءَ خوضهم حديثاً جاداً.

عمَّ الصمتُ لدقائق، وبعد مضيِّ فترةٍ من الزمنِ علت الأصواتُ تدريجياً حتى باتت مسموعةً في الخارج.

كانت تلكَ هي المرةَ الأولى التي يتشاجرُ فيها الزوجانِ منذ زواجهما قبل اثني عشر عاماً.

​وقفَ أليستر خارجَ البابِ ينصتُ لصوتِ والدتهِ الغاضب، والفزعُ والقلقُ تملَّكا قلبهُ الصغير، شعرَ بأنهُ سببُ كلِّ ما يحدثُ الآن، قبَضَ وبسَطَ كفيهِ بشكلٍ متكررٍ قبلَ أن يعزمَ أمرَهُ على فتحِ الباب، ولكنهُ قبلَ أن يطرقهُ فُتِحَ البابُ فجأةً بعنفٍ مما جعلهُ يتراجعُ إلى الوراء.

كان والده -مونتفيل- يقفُ هناك بوجهٍ محمرٍّ ينفثُ أنفاسهُ كأنهُ يجمعُ شتاتَ نفسهِ بصعوبةٍ كيلا يغضب.

تلاقت ابصارهما.

حين أبصرَ أليستر تجمَّدت قدماهُ المسرعتانِ وثبَتَتا في مكانهما دون حراك، نظرَ بمقلتينِ فارغتينِ إلى وجهِ أليستر الفزعِ ..

للحظة، ساد صمت ثقيل.

ودون وعيٍ رفعَ مونتفيل كفَّهُ عالياً..

تصلب أليستر مكانه بوجه شاحب، لم يكن يستوعب شيئا مما يحدث الآن.

ثمَّ -ودون سابقِ إنذار-

​دوى صوتٌ حادٌّ تبعهُ شعورٌ قويٌّ بالوخزِ على خدِّه.

استغرقَ أليستر لحظاتٍ ليفهمَ ما حدثَ للتو..

لقد صفعهُ والده..

والدهُ الذي لم يوبّخهُ أبداً..

والدهُ الذي كان يبتسمُ بلطفٍ كلما التقت عيناهما..

صفعهُ الآن.

أدار رأسه ببطء شديد ونظرَ أليستر إليهِ مذهولاً ومصدوماً، لم تؤلمه الصفعةُ بقدرِ ما آلمهُ قلبه.

بعد أن فعلَ فعلتهُ كأنهُ استعادَ رشدهُ للتو، نظرَ مونتفيل بذهولٍ إلى كفِّهِ المعلَّقةِ في الهواءِ ثمَّ إلى وجهِ أليستر المحمرِّ بعينينِ مذنبتينِ متألمتين، كأنهُ هو من تعرَّضَ للصفع لا أليستر.

​"أليستر!!"

حينئذ قطع صمتهم صوت أنثوي ناعم، هرعت والدتهُ خارجاً أيضاً ووقفت أمامَ أليستر كأنها تحميه، حدَّقت بعينينِ تفيضانِ شرراً بوجهِ مونتفيل.

شد أليستر قبضته خلفها، وأصابعه ترتجف بصمت.

لم يكن ينظر إلى والدته…

بل كان يحاول رؤية والده من خلفها.

صرخت قائلةً وهي تمدُّ ذراعيها جانباً حاجبةً أليستر عن مرأى ناظري مونتفيل تماماً:

"ماذا تفعل؟! كيف تجرؤ على صفعِ ابننا الحبيب؟! ابني ليس بمجبرٍ على الركوعِ في وجهِ أيِّ شخص! إنهُ إنسانٌ ذو كرامةٍ ولن أسمحَ لكَ بجعلهِ مجردَ كلبٍ مخلصٍ آخر!".

​قال وهو يزفرُ محاولاً تهدئةَ أنفاسهِ المرتجفة:

"كلبٌ مخلصٌ آخر؟ هل تصفينني بالكلبِ الآن؟ أنا يا مارلين؟".

نظر إليها بحدقتين متألمتين، اهتزت أجفانه في رجفة خفيفة قبل أن يغمض عينيه بقوة ويزفر بعمق.

حين سمعت كلماته، عادت لرشدها قليلاً، انطفأ الغضب الكامن في مقلتيها للحظة وقالت متلعثمة:

"لـ.. لا، لم أقصد ذلك..".

ولكنه كأنه لم يعد يحتمل الوقوف هنا أكثر، استدار مغادراً بسرعة كأنه يهرب دون أن يستمع لأعذارها، شعر أن مجرد تواجده هنا معها يزيد الأمر سوءاً بالفعل.

​كانت مارلين ابنةَ دولةٍ مدمرةٍ تمَّ احتلالها من قِبَلِ الملكِ الحالي لريداس. عاملها الملكُ كأَسيرةِ حربٍ وكان على وشكِ بيعها لأحدِ النبلاءِ قبلَ أن يتدخلَ الدوق مونتغوميري ويمنعه.

حين سألهُ الملكُ عن الحلِّ البديلِ قال بأنهُ سيتخذها زوجةً له، وافقَ الملكُ فتزوجا وبعد عامينِ رُزِقا بأليستر.

عاملها بلطفٍ واحترامٍ بالغين، حين حزنت واساها وحين بكت احتضنها وهو يعتذرُ رغم أنهُ لا ذنبَ لهُ بمأساةِ عائلتها.

امتلكَ هالةً جعلت من يتحدثُ معهُ يسترخي وينتابهُ الهدوء، كراحةِ من جاءَ متجمداً فجلسَ أمامَ مدفأةٍ في ليلةٍ باردة، مدفأةٍ تذيبُ الصقيعَ الذي أصابَ فؤادَ المرء. امتلكَ أدباً جمّاً، ومالاً وسلطةً لا مثيلَ لهما، وفي شبابهِ كان حلماً لعديدٍ من الشاباتِ النبيلات.

​أحبَّت مارلين زوجها بشدةٍ أيضاً، لكنها بالقدرِ ذاتهِ كرهت ذاك الملكَ البغيض.

كانت تعلمُ أنها مخطئة، لكنها لم تستطع أن تجبرَ نفسها على تعليمِ ابنها المحبوبِ أن ينحني لذاتِ الرجلِ الذي أمرَ ببرودٍ بإعدامِ عائلتها.

اعترفت في قرارةِ نفسها أنها تصرَّفت بقسوةٍ شديدةٍ مع زوجها قبل قليل وقالت الكثيرَ دون أن تقصد، لكنها اعتقدت أنهُ سيتفهم.

لم تكن تعتقد أنهُ سيغضبُ إلى هذا الحد.. انتابها ندمٌ متأخر، لو كانت تعلمُ أنَّ هذا ما ستؤولُ إليهِ الأمورُ لأخبرتهُ ببساطةٍ أن يقومَ هو بتعليمهِ بدلاً عنها.

اعتقدت أنهُ لقربهِ من الملكِ فسيتسامحُ مع ابنها، شدَّت قبضتيها حين فكرت في وليِّ العهدِ الذي اتهمَ ابنها العزيزَ بالخيانةِ زوراً.

​ثمَّ تذكرت أليستر متأخراً فالتفتت إليهِ لتجدهُ يقفُ والدموعُ تغرقُ عينيه، قال بيأسٍ يشهقُ بصوتٍ متقطع:

"أنا.. أنا آسف.. كلُّ ذلك كان بسببي..".

تمزَّقَ قلبها لرؤيتهِ يعتذرُ هكذا، لم يكن ذنبهُ هو بل كانت أنانيتها هي السبب، انحنت على مستوى بصرهِ ومسحت خدَّهُ المصابَ بكفها ثمَّ احتضنتهُ قائلة:

"ليس الأمرُ كذلك عزيزي.. أنتَ لستَ مخطئاً".

أجابها بصوتٍ هامسٍ ووجههُ محمرٌّ من محاولتهِ العقيمةِ لكبتِ دموعه:

"لكن.. بسببي.. أنتِ ووالدي تشاجرتما..".

ربتت على ظهرهِ بلطفٍ وقالت بحزم:

"ليس الأمرُ كذلك، إنهُ ليس خطأك، لقد تصرَّفتُ بتهورٍ لذلك غضبَ والدك، لا ذنبَ لك".

حين سماعِ كلماتها هدأت أنفاسهُ قليلاً واستقرَّ وجههُ على كتفها بينما استمرت بالتربيتِ على ظهرهِ حتى هدأ تماماً..

​من جهةٍ أخرى، دخلَ مونتفيل غرفتهُ وأطبقَ البابَ بقوةٍ محكماً إغلاقه، استندَ إلى البابِ مولياً إياهُ ظهرهُ ثمَّ انزلقَ ببطءٍ كأنهُ ينهار، شعرَ بالفراغِ ينخرُ قلبه.

ترددت كلماتُ زوجتهِ الحبيبةِ في ذهنهِ فرادى، جملةً جملة، كانت تمرُّ بذهنهِ ببطء؛ تحدثت هي طويلاً بصوتٍ عالٍ كأنهت تفرغُ مشاعرها المكبوتة.. كان يعلمُ جيداً أنها ربما لم تقصد شيئاً مما قالتهُ لأنها كانت غاضبةً حينئذ، ولكن وكما يقال: يبوحُ الإنسانُ بما يكنُّهُ في صدرهِ حقاً حين يشعرُ بالغضب.

​ليس الأمرُ أنهُ يكنُّ ولاءً شديداً للملك، لكنهُ لقربهِ منهُ عرَفَ طبيعتهُ الحقيقيةَ أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخر.. ما هو بذاك الملكِ الخيّرِ الذي يعتقدهُ الناس، إذا شعرَ بالتهديدِ ولو قليلاً فلن يتذبذبَ في التخلصِ منه، وينطبقُ هذا الأمرُ على ذاتهِ وعائلته.

لم يوجل على نفسهِ قدرَ وجلهِ على زوجتهِ وابنه، فلو أخذَ الملكُ ذاك الاتهامَ المسلَّطَ على ابنهِ بجديةٍ فلن ينجو أبداً.

​"لا بأس، كيفَ لي أن أعاقبَ أكثرَ الرجالِ ولاءً لي في المملكة؟ أثقُ بأنكَ ستتعاملُ مع أمرِ ابنكَ جيداً".

​كلماتُ الملكِ الأخيرةُ لهُ رغم أنها تبدو عفواً ورحمةً في ظاهرها إلا أنهُ كان يعلمُ جيداً أنها تحملُ معنىً مختلفاً تماماً أي : تعامَلْ مع ابنكَ جيداً قبلَ أن أفعلَ أنا...

زفرَ بتعبٍ وهو يغطي وجههُ والهمومُ تثقلُ كاهله، غمغمَ بأسف:

"حتى أنتِ لا تفهمينني جيداً يا مارلين.. حتى أنتِ".

​.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

​مرت أربعُ سنواتٍ منذ ذلك الحين، أليسترُ الصغيرُ لم يعد ساذجاً، وكبُرَ ليصبحَ صبياً هادئاً.

منذ تلك الحادثة، لم تطأ قدماهُ القصرَ الملكيَّ مرةً أخرى، إذ خلَّفَ في نفسهِ شعوراً عميقاً بعدمِ الارتياح.

ورغم وعيهِ بضرورةِ الانحناءِ لمن هو أعلى منهُ مكانة، إلا أنَّ تلك النزعةَ بداخلهِ أبت أن تنطفئ، فما كان لهُ إلا أن يمتنعَ عن ولوجهِ خشيةَ أن لا تطيعهُ نفسهُ وتستقيمَ ركبتاهُ قبلَ منحِ الإذنِ له.

​لكنهُ لم يعد يستطيعُ تجنبَ ذلك بعد الآن.. تجهَّزَ بخفةٍ داخلَ غرفتهِ قبلَ أن ينزلَ مع والديهِ لينطلقا هناك.

تُقيمُ المملكةُ سنوياً احتفالاً بمناسبةِ تأسيسِ المملكة، يستمرُّ الاحتفالُ سبعةَ أيام.

كلُّ النبلاءِ ما فوقَ سنِّ الرابعةَ عشرَ كانوا ملزمين بحضورِ ولو يومٍ واحدٍ منه، تمكَّنَ من تجنبهِ سابقاً، لكنهُ وبعد أن بلغَ ذاك السنَّ باتَ أمراً لا مفرَّ منه.

​وقفَ بعيداً يطالعُ النبلاءَ في مثلِ سنّهِ وهم يتملَّقون بعضهم البعض ويلقون مجاملاتٍ فارغةً خاليةً من الصدق، اقتربَ منهُ الكثيرون محاولين كسبَ ودِّه، لكنهُ صرفهم بأدب.

كان مرهقاً لمجاراةِ ألعابِ الكلامِ والسخريةِ الخفيةِ في أحاديثهم.

نظرَ إلى كلِّ شيءٍ حوله بلا مبالاة.. تلك الزخارفُ المبالغُ فيها، والإنارةُ الساطعة، وصخبُ الغناء، كلُّ ذلك جعلَ رأسهُ يؤلمه.

​'هذا ممل' فكر بإرهاق.

​ثمَّ فجأةً سقطت أنظارهُ على صبيٍّ يقفُ بعيداً خارجَ إطارِ تلك الصورةِ من المثاليات، تألَّقَ شعرهُ الأحمرُ وهو يواجهُ أشعةَ الشمسِ الساقطةِ من النافذة، فباتَ يبدو للناظرِ كأنهُ ملتهب، استندَ إلى النافذةِ وجلسَ على حافتها ينظرُ من خلالها بوجهٍ خالٍ من التعابير.

انتابهُ فضولٌ طفيفٌ بشأنه، لِمَ لا يتحدثُ مع أحد؟ هل هو أيضاً يكرهُ هذهِ الأمورَ مثله؟

ولأولِ مرةٍ منذ دخولهِ تلك القاعة، قررَ الاقترابَ من أحدهم، مشى بخطى خفيفةٍ حتى استقرت قدماهُ أمامه، رسمَ على شفتيهِ ابتسامةً أرستقراطيةً قائلاً بهدوء: "مرحباً".

​حوَّلَ الصبيُّ رأسَهُ من النافذةِ ناظراً إلى أليستر، تجعَّدَ حاجباُه للحظةٍ ثمَّ استقامتا فوراً كأنهُ يحافظُ على قناعٍ خالٍ من التعابير.

لم يغفل أليستر تلك الحركةَ الدقيقةَ فاستغربَ قليلاً من سببِ انزعاجه.

حينئذٍ أجابهُ الصبيُّ قائلاً: "من أنت؟".

رفع أليستر حاجبه بمفاجأة، ألم يتعرف عليه؟

كان هذا عجيباً، فهو في النهاية ابن مستشار هذه البلاد -الدوق الشاب مونتغوميري- حتى لو لم ترد التعرف عليه فستعرفه بطبيعة الحال بسبب شهرة عائلته.

ليس غروراً منه ولكن من الغريب حقاً أن لا يتمكن من التعرف عليه.

​سألهُ بهدوء: "ألم تعرفني؟"

ضيَّق الصبي عينيه وقال:

"لماذا؟ أو ينبغي أن أفعل؟"

ابتسم أليستر بخفةٍ وقدمَ نفسهُ بأدبٍ قائلاً: "من العجيبِ ألا تتمكنَ من التعرفِ عليّ، لكني سأقدمُ نفسي بسرور؛ أنا أليستر مونتغوميري، الدوقُ الشابُّ لدوقيةِ مونتغوميري".

​توسَّعت عينا الصبيِّ بدهشة: "أوه، إذن أنتَ هو أليستر مونتغوميري؟"

أومأ أليستر ثم سأل: "نعم، من أيِّ عائلةٍ أنت؟"

​"أنا سامر أوار، من ماركيزيةِ أوار"

مدَّ أليستر يدهُ ورفعَ زوايا شفتيهِ بخفةٍ قائلاً: "يسعدني التعرفُ عليك، سيد أوار".

مدَّ سامر يدهُ وبادلهُ المصافحة.. أفسحَ المجالَ بجانبهِ ففهمَ أليستر مقصدهُ وجلسَ هناك أيضاً، نظرَ أليستر من النافذةِ وأدركَ حينئذٍ لِمَ كان يستقرُّ هنا بدلاً من الجلوسِ على المقاعد.

زهورٌ حمراءُ قانيةٌ تختلطُ معها بتلاتُ الزنبقِ البيضاء، تتطايرُ بخفةٍ في الهواءِ تتمايلُ مع كلِّ نسيم، تتساقطُ بتلاتها برفقٍ على سطحِ ماءٍ جارٍ يمتدُّ إلى نافورةٍ تتوسطُ المكان. كان منظراً آسراً..

​حلَّ الصمتُ هناك لبعضِ دقائق، كلاهما يحدقانِ من النافذةِ بهدوءٍ دون أن ينبسا ببنتِ شفة. بعد قليل، نهضَ أليستر من مكانه، التفتَ سامر ينظرُ إليه ففتحَ أليستر فاهه موضحاً: "سيصلُ سموُّ وليِّ العهدِ هنا قريباً.. من الأفضلِ أن نستعدَّ لتحيتهِ جيداً".

​ضمَّ سامر شفتيهِ صامتاً ولم يحرك ساكناً، لكنَّ ملامحَ الانزعاجِ بانت على ملامحه.

أضافَ أليستر بشفقةٍ كأنهُ يفهمُ شعوره: "أنا أيضاً لا أحبذُ فعلَ ذلك، أن تركعَ لغيرك.. إنني أشعرُ بانكسارِ كرامتي في هذا ولكن لا يوجدُ شيءٌ يمكننا فعله".

​حينئذٍ أمالَ سامر رأسَهُ وقال بتبسُّمٍ خافت: "حقاً..؟ حسناً، أنا لن أركع".

اتسعت عينا أليستر بمفاجأة.. ارتجفت زوايا شفتيهِ بقوةٍ ثمَّ انفجرَ ضاحكاً.. أمسك بطنهُ وهو يضحكُ بصخب، حدَّق فيهِ قائلاً بسخرية:

"كأنكَ يمكنكَ ذلك!".

​وفي تلك اللحظة-

​"سموُّ وليِّ العهدِ يدخلُ الآن!".

​فتحَ الحراسُ البابَ على جانبيهِ وولجَ وليُّ العهدِ المكان، بشعرهِ الأسودِ الفاحمِ وملابسهِ الحمراءِ المتألقة، يرفعُ رأسَهُ بشموخٍ وينظرُ للجميعِ بتعالٍ.

ركعَ جميعُ الحاضرينَ على ركبةٍ واحدةٍ وأدنوا رؤوسهم باحترام. صرَّ أليستر على أسنانهِ بقوةٍ لكنهُ حذا حذوهم وركعَ بهدوء، سمعَ صوتَ ضحكةِ وليِّ العهدِ كأنهُ مستمتعٌ بهذا فشدَّ قبضتيهِ بقوةٍ حتى ابيضت مفاصله.

لكنَّ ضحكتهُ تلاشت سريعاً وحلَّ محلها نبرةُ استغراب: "من هذا؟ لِمَ لَمْ تركعْ أنت؟"

​حلَّ صمتٌ ثقيلٌ كأنَّ الصوتَ قد هجرَ المكان، ثمَّ سُمِعت طرقاتُ حذاءٍ خافتةٍ تتجهُ بهدوءٍ ناحيةَ أليستر. استقرت قدما وليِّ العهدِ بالقربِ من أليستر، لهيبُ أنفاسهِ المستعرةِ غضباً وصلَ لمسامعه. رفعَ صوتهُ عالياً وقال:

"هل تتجاهلني الآن؟!".

حينئذٍ، سُمِعَ صوتٌ هادئ، يتناقضُ تماماً مع تلك الأجواءِ الثقيلة:

"سامر أوار، من ماركيزيةِ أوار، جلالتك".

​دُهِشَ أليستر حين سمعَ صوتَ صاحبهِ فالتفتت مقلتاهُ ناحيتهُ دون وعي، كان يقفُ باستقامةٍ أمامَ وليِّ العهدِ بذاك الوجهِ الخالي من التعابير.

لم يركع..؟

هو لم يركع حقاً!

ارتجفت شفتا أليستر قليلاً، تراءى أمامَ عينيهِ ما حدثَ قبل بضعِ سنواتٍ حين أبى أن يخضع، شدَّ قبضتيهِ بقوةٍ أكبرَ ودقاتُ قلبهِ تسارعت قلقاً عليه:

'ما الذي ينوي عليهِ ذلك الأحمق؟'.

ورغم أنهُ لم يتحدث معهُ طويلاً إلا أنهُ شعرَ بالودِّ تجاههُ وتمنى لو يصبحا صديقين: 'الآن، سيستدعي الحراس'.

أغمضَ عينيهِ بهدوءٍ وهو ينتظرُ سماعَ صوتِ وليِّ العهدِ المتعجرف.

"ماركيزيةُ أوار..؟"

​لكن ولدهشتهِ باتت نبرةُ وليِّ العهدِ أكثرَ لطفاً، سعلَ بصوتٍ محرجٍ خافتٍ ثمَّ قال:

"أفهم، يمكنكم النهوضُ الآن".

وقفَ أليستر ونظرَ بذهولٍ إلى سامر. حينئذٍ سمعَ صوتَ أحدهم، كأنهُ يتحدثُ عما يجولُ بخاطرهِ هو:

"مهلاً، لِمَ لم يركع هو لسموه؟"

أجابهُ الآخرُ بتعجُّب: "أوه، كيفَ يمكنكَ جهلَ هويته؟ ماركيزيةُ أوار لا تركعُ لأيِّ أحدٍ في العالم، وقد منحهم جلالتهُ الإذنَ بعدمِ الركوعِ لهُ أيضاً".

​قال بفضول: "ولِمَ هذا؟".

أنصت أليستر باهتمامٍ بالغٍ لمحادثتهم، أجابهُ الآخرُ وهو يحكُّ أذنهُ بلا مبالاة:

"حسناً.. لأنهم مسلمون؟ هم لا يعتنقون الديانةَ المسيحية -الديانة الرسمية للمملكة- ورغم أنَّ كلَّ من صبأ عنها عوقِبَ بالإعدام، إلا أنَّ جلالتهُ منح استثناءً لهم بسبب إنجازاتهم العظيمة".

​حوَّل أليستر مقلتيهِ ببطءٍ إلى سامر ورآهُ بضوءٍ جديد؛ شعرهُ الأحمرُ يتألقُ كَلَهَبٍ مشتعلٍ وابتسامةٌ خفيفةٌ مملوءةٌ بالفخرِ تستقرُّ على شفتيه، في تلك اللحظةِ شعرَ أنهُ يبدو مهيباً أكثرَ من والدهِ حتى.

​الرجلُ الذي لا ينحني..

​لم يكن يعلمُ حينئذٍ أنَّ ذلك الحدثَ البسيطَ لربما كان يمثلُ الشرارةَ لبدءِ كلِّ شيء.

___________________________________________

اعتذر على الانقطاع الطويل.

رأيكم بالفصل؟

لا تنسوا تتفاعلوا فهذا يشجعني على نشر المزيد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منافقون

المؤلف .💜lilium
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة