تنويه: معظم أحداث هذا الفصل كتبت من وجهة نظر الشخصيات.
قد يكون هذا الفصل ثقيلا، لذلك اقرأه عندما تكون مستعدا.
لا تنسوا تتفاعلون ولو بإعجاب فهذا بصدق يدل على اهتمامكم بالرواية ويشجعني على نشر المزيد من الفصول.
قراءة ممتعة 🤍
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
في اطلال المياه العذبة، وعشب الارض الزمردي، غابت شمس الصباح التي تُطِلُ من نافذة العربة وحل محلها قمرُ المساء.
تباطأت عربة مزينة بخيوط الذهب والفضة حتى استقرت أمام القصر.
فتح حارسي بابها وقال بأدب "سيدي، لقد وصلنا".
اومأت له بخفة ثم قبضتُ على العلبة التي كنت قد وضعتها جانبًا لتوي.
كنت قد أبتعت أثناء عَودتي بعض الحلويات من مقهى مونا الشهير إذ يبدو بأن طعمها المنعش قد راق لها.
خرجتُ من العربة، ودنوت من البوابة بينما أرتفعت زوايا شفتي بِنعومة.
أيُّ تعبيرٍ ستُبدي حينَ تراها؟
تنامى ترقبي بشأنِ ردةِ فِعلها، مشيتُ متمهلًا بخُطى مسترخية وصورتُها الباسِمة وهي تشكُرني بوجنتينِ متوردتين قد تشكلت في دِماغِي بالفعل.
لكن الواقع مغايرٌ لما في الأذهان، والصورُ إنَّما هي وليدةُ لحظَاتها وقد تتلاشى دون أن تترُكَ أثرًا.
فساعاتُ الرخاءِ في حياتي لم تعتد يومًا أن تطولَ، ومرارةُ العيشِ لم تفقدني رباطة جأشي يومًا كما فقعت مرارتي اليوم.
فما استقبلني لم يكن عبيرُها الهادئ، ولا دفءُ ابتسامتِها الحَانية، ولا لمعانُ عَينياها الهِلاليتين.
توقف وقعُ خُطاي أمام البوابة، انخفضت زوايا شفتي المرتفعتين وتصلبَ تعبيرُ وَجهي.
ذابت صورتها الباسِمة تلك كما يذوبُ الشمعُ وينطفِئ في مهبِ الريح.
فما رحب بي في دُجَى المساء صمتٌ ثقيلٌ وهواءٌ بارد يخترقُ العظمَ ويبثُ القشعريرة في الاوصال.
هدوءٌ لم اسمعه منذ زمن بثَّ في صَدري وحشةً وبردًا.
لم تكن تقفُ هُناك..
أنتابنِي هاجِسٌ سيء، لكنِّي قمعته بصعوبة، حركت مقلتايّ سريعًا ونظرتُ حولي لعلّي ألتمسُ ظِلها وألمحه في الافق.
هي دوما تستقبلني عند عَودتي، هل ورد أمرٌ ما..؟
ثم متأخرًا، حولتُ ناظريَّ إلى الحُراس.
نعم، منزلي حصنٌ مَنيع، لا داعٍ للمبالغة في القلق، قد تكون متعبةً فقط.
لكن حدقاتهم تدحرجت يمينًا وشمالًا بارتباكٍ، كأنَّهم يجرون حوارًا داخليًا، لكنهم ما لبثوا للحظاتٍ حتى اقتربوا مني وانحنوا أمامي.
انفرجت شفتاي وسألتُ بتوجس "أين شمس؟ "
ضموا شفاههم بصمت، وبعد وهلة قالوا بخوف "سيدي، هي لم تعد من المرجِ حَتى الآن".
أستنزفِت الدماءُ من جسدي ، صدر صوت قعقة عال.
فزِعَتْ مُقلهُم أرضًا، لم الحظ حتى اني أسقطتُ العلبة، لكن ليس هذا هو المهم الآن.
هرعت فورا الى الأسطبل وامتطيتُ جَوادي الاسود.
كانوا يصرخون بشيءٍ ما، لكنِّي لم أُرهِف سمعي لفهمِ ما يقولون.
بل التفتُ نحوهم وأمرتُهم أن يبحثوا عَنها ثُمَّ ركلتُ جانبِ حِصاني فانطلق مسرعًا.
تشوشَ ذِهني والتخميناتُ بشأن ما حدث تترامى فيه دون ان تمنحني مجالًا للتنفس.
فجزءٌ مني يُطمئنُنِي ويقول بأنَّها لربُّما...ربُّما هي غفت تحتَ الشجرةِ فقط.
فحين نزورُ المرج معًا، تهرعُ هي ناحيةَ شجرةِ الصنوبر وتطالبني بساقيَّ فورًا لتستلقي عليهما مبتسمةً بهدوء.
وما تلبث على تلك الحال دقائقَ حتى تُغلقَ عينيها وتغفو قليلًا.
لكن الجزء الاخر كان وجلًا، فماذا لو أصابها مكروهٌ؟
شددتُ قبضتي على اللجام وانعقد حاجباي بقلق، تمايل شعري الاشعث فحجب رؤيتي وأفصحَ عنها بتتابع، ركلتُ جانبَ حِصاني فازداد سرعةً بعد سرعةٍ.
دون ان أُدرك، وصلتُ الى المرج بالفعل، فشددت اللجام بقوة على أثرِها صهَل حصاني ببأسٍ ورفع قدميه الاماميتين.
نزلت وهممت بالذهابِ إلى تلك الشجرة، ومع كل خطوة تزايدَ فيها نبضُ قَلبي خشيةَ ألا تكونَ ساكنةً تحتها.
تلك الامتارُ القصيرة بدت لي أميالًا طويلة، وتلك الشجرة القريبة بدت لي بعيدةً جدًا.
لم اكتفِ بالمشي، بل ركضتُ.
ركضتُ حتى وطأتْ قدمايَّ تلكَ التَلة، ودخل في مجالِ بَصري ما تحت الشجرة.
أبتلعتُ ريقي بصعوبة ومضيتُ نحوها.
جالت مقلتيَّ في كُلِّ مكان، بل ولبلاهتي نظرتُ حتى نحو السماء.
لكنها لم تكن موجودة في أي مكان.
كأنَّها أختفت من العالمِ كله وتلاشت.
بدلًا من ذلك، وجدتُ سلةً صغيرةً قُربَ الشجرة، دنوتُ منها ونظرتُ لما فيها.
احتوت على تاج زهورٍ غير مكتمل تتناثر حوله زهور الخزامي.
بيدٍ مرتعشة، رفعتُه بأناملي.
لا ريبَ أنَّهُ من صنعها...
لابد أنها كانت تنوي إهدائي إيّاه..
"سيدي، سيدي!"
أيقظنِي من ذهولي صوت صراخٍ خَلفي، التفتُ فإذ بهم الفرسان يُقبِلونَ إليّ.
سألتُهم على وجهِ السُرعة "هل وجدتموها؟ "
هز قائدهم اللاهث رأسهُ نافيًا، ابتلع ريقه وبعد ان استعادَ بعض انفاسه قال لي بعجلة
"سيدي!، لم نجدها، لكننا سألنا الناس المحيطين وقالوا بأنَّهم رأوا عربةَ رجلٍ نبيلٍ تغادرُ المرجَ ظهيرةَ اليوم!".
.
.
.
.
.
***
.
.
.
مرَّ يومان، ولم نجد شَمس.
.
.
.
***
.
.
.
.
جلستُ على مكتبي، فاقدًا قوتي، اتصفحُ اسماء النبلاء بعينين جاحظتين.
رغم أنني وجدتُ خيطًا يقودني إليها، إلا أنني لم أستفد منه شيئًا يُذكر.
فالناس يزعمون عدم تواجد شعار نبيل محفور على العربة، وحين سألتُهم عن سبب قولهِم إنَّه نبيل قالوا بأنَّهم عرفوا ذلك من ثيابه وآدابه النبيلة حين رافق الفتاة التي تَصحبه.
عدم امتلاك النبيل لشعارٍ يزينُ عربتَه لا يقودني سوى لاحتمالين أثنين فقط، أحدهما أنَّه نبيلٌ ذو رتبةٍ منخفضةٍ والآخر أنّهُ لم يركب عربة عائلته اصلًا.
الشهود لم يفيدوني بشيء، فهم لم يروا وجهه حتى، وكل ما شهدوه هو رجلٌ يغطي وجهَهُ بقبعة وهو يركب العربة صحبة فتاة شابة.
وفي الواقع، قد لا يكون هو الرجل الذي اختطف شمس اصلًا لأنَّ الفتاة ركبت معه بإرادتِها.
لكن الشهود قالوا إن شعرها كستنائي قصير وهذا يزيد من إحتمال كونها شمس، اذا لِمَ ركِبت معه؟
هل تعرضتْ لِلتهديد؟
غارقًا في أفكاري، رفعتُ كوبَ القهوةِ لأحتسي المزيد خشية أن تغلقَ عينايَّ فجأة. فوجدتُه فارغًا.
وقبل ان أقرعَ الجَرس لطلب المزيد، سمعتُ طرقًا على الباب تلاه ولوج مُساعدي.
عادةً، ينبغي أن آذنَ لهم اولًا قبل ان يدخلوا، لكنِّي امرتهم ان يدخلوا فورًا اذا ما كانَ الأمرُ عاجلًا.
اعتدلتُ في جلستي سريعًا ونظرتُ إليهِ بحدة.
"هل وجدتَ دليلًا؟"
تنهد بخفة وهز رأسه قائلًا " ليس كذلك".
زفرتُ بقوة واسندتُ ظَهري الى مقعدي، انعقد حاجبيِّ بانزعاج
"اذن ما الامر؟ قلتُ لكم، لا تقاطعوني ما لم يكن امرًا عاجلًا".
" إنَّهُ كذلك سيدي، فقائدُ الفرسان الملكي جاءَ هنا يبحثُ عنك، لقد تغيبتَ عن الذهاب إلى القصر ليومين دون أخذ اجازة ويبدو ان ولي العهد أمرَ بِجلبك".
دلكتُ صدغي النابض بيدي، صررت اسناني وقلت "قل له أنِّي لن آتي".
" هذا غير ممكن".
لكن الرد لم يكن من مساعدي.
رفعت رأسي فوجدت قائد الفرسان يقف امامي بحزم ممسكا بكفه مقبض الباب.
يبدو أنَّهُ تبع مساعدي ودخل أيضا..
"امر سموهُ وليُّ العهدِ بحضوركَ وقال أنّكَ مقصرٌ في عملكَ كمستشار، ولو كنتَ تفكرُ بمخالفةِ الامر الملكي بعدم الحضور، فسأُضطرُ لإتخاذِ الاجراءاتِ الرسمية وإرغامكَ علی المجيء مَعي فورًا".
كبحت غضبي ولجمت لساني كي لا أشتمه بصعوبة وقمت مجبرا، ماذا يريدُ هذا الوغد؟
اليس سعيدًا لأنَّه تخلص مني ليومين؟
رغم أنني تغيبت دون ان أخذ إجازة، الا ان ولي العهد الذي اعرفه سيرقُصُ فرحًا بِغيابي.
صررتُ أسناني وعزمتُ على أخذِ اجازةٍ رسمية بعد انتهاء هذا الهراء، كيلا يبحثوا عني مجددًا.
اومأت وأشرتُ له أن يمضي قدمًا.
ارتخى جسدهُ المتصلب وانفرجت تعابيره بارتياح، كأنه توقع مقاومتي..
أثارَ هذا حفيظتي، لمَ قد يظنُّ هذا؟ لمَ ظنَّ أنّي سأقاوم؟
ما لم يكن جاءَ عالمًا بظروفي، فلمَ قد يظنُّ أنني سأرفضُ الذهاب؟
لا، هذا مستحيل، فانا لم اذكر شمس حتى أمامَ والدي.
مضى الطريقُ سريعًا -او هكذا كان يبدو لي الامر- ووصلنا القصر.
توقفت العربة امام البوابة.
ترجلتُ منها وذهبت بعجلة لمقابلة ولي العهد حتى أعود بسرعة دون تضييع الوقت.
اوقفتُ خادمًا وسألته عن مَحِله فقال لي أنه يمكثُ في غرفته.
استغربتُ قليلًا، سيناقشُ امرًا رسميًا يستدعي حضوري في غرفةِ نومِه لا في المكتب؟ هل جُنَّ أخيرًا؟
هززت رأسي بعدم تصديق وذهبتُ إليه، طرقتُ الباب فسمعت صوته المتعجرف يأذنُ لي بالدخول.
ولجتُ الغرفة فوجدتُه يتكأُ بتكاسلٍ على الاريكة ويرفع كأسًا زجاجيا.
كنتُ على وشك أن اركع، لكنّه قاطعني قائلًا
"لا داعيَ لذلك، فقط اجلس هناك".
شككتُ في سَمعي لوهلة، هل ما سمعتهُ صحيحُ حقًا؟
ولي العهدِ المتعجرف يتخطى فقرة التلذذ بركوعي؟ هل اشرقتِ الشمسُ من مغربها اليوم؟
بقيتُ متسمرًا مكاني مذهولًا حتى امال رأسه بعجبٍ قائلًا
" ما بكَ لا تزال واقفًا هُناك؟ هيَّا، اقترب".
حدقت فيه باستغراب، لكنني امتثلتُ وجلست امامه، فانا ايضا أحبذُ أن يتخطی إذلالي ويصلَ إلی صلبِ الموضوع دون مماطلة.
جلس بتمهلٍ، يُدَوِر كأسَه قربَ شفتيه، يشرب قليلًا ثم ينظر إلي بتسلية.
طال أمرُهُ حتى انعقد حاجبايَّ لا إراديًا
ويبدو ان بوادرَ إنزعاجِي اتضحت له، فضحِك.
انفرجت شفتاه اخيرا وقال " أودُ أن أتخذَ محظيةً لِي قبل الزواج."
وما شأنِي أنا؟!
كادت تنطلق تلك الكلمات مني لولا أن لجمتُ لسانِي بقوة.
ضحك مجددا وقال " اذن؟ ما رأيُك؟"
اجبرت زوايا شفتي على الارتفاع وقلتُ "هذا شأنُ سموك، لم تريدُ رأيي فِيه؟ "
"حسنًا، ربُّما لأنكَ مُستشاري؟"
يبدو أن علي شرح وظيفة المستشار مجددًا لناقص الفهم هذا..
رفعت زوايا شفتي المرتجفة، قلتُ بصوت لطيف قدر الامكان كاظمًا غيظي
"أنا مستشاركَ في الامور الرسميةِ سُموك، امورك الشخصية يمكنكَ الاكتفاءُ بتفيذها دون الاخذ بِرأيي".
ضحِكَ بصوتٍ عال حتى أدمعت عَيناه.
لا أعلم بصدقٍ ما الذي يُضحكه إلى هذا الحد، ربَّما كانت نظريتِي بشأن جُنونه المبكر نتيجة النرجسية المفرطة تحملُ شيئًا من الصحة بعد كل شيء.
وضعَ كأسَه على الطاولة، ثم بجدية غير معهودة قال
" ألن تحاول معارضتي في أخذها؟"
"ولم سأفعل؟" أجبتُ بحيرة، إنه يتصرف بغرابة اليوم.
"حقا؟ هذا جيد، لأنكَ تعلمُ جيدًا عقوبةَ من يريدُ أن يسلبَ الملك محظيته".
حلَّ الصَّمتُ بعد كلماته، كنت انتظره ان ينهي كلامه حتى استأذنه بالذهاب.
وبينما كنت على وشك فتح فاهي قال " محظيتي جميلة، تمتلكُ شعرًا كستنائيًا قصيرًا، ووجهها مشرقٌ كالشمس".
مستحيل...؟
مراقبًا تعبيري بعناية اكمل
"والدها يُرحِبُ بي بشدة إلا أنها لا يبدو أنها تحبني كثيرا، هل لديك نصائحٌ بشأنِ هذا؟"
سَكتَ عن الكلامِ لبرهةٍ، توسعتُ ابتسامته وقال بضحك
"لكن أليستر، وجهُكَ شاحبٌ جدًا، مهلًا، لمَ وقفتْ فجأة؟"
دنوت منه وامسكت بتلابيبه، كنتُ أعلم أن هذا فعل قد اعاقب عليه بشدة، لكنني لم اكن بوعيي، قلت بعينين محتقنة
"هل انتَ من اختطفَ شمس؟"
"اسمُها شمس؟ اذن، هل كان اسم ميلفين كِذبة؟"
صررت على اسناني بشدة، منعت نفسي من ان اخنق رقبته، استجمعت آخر ذرات صبري المتبقية وقلت له
"سموك، لا يمكنك اتخاد امراة متزوجة محظية لك".
توقعت أن يتراجع عند هذا لكن..
" هل يمكنكَ اثباتُ ذلك؟"
"ماذا؟"
رفع رأسه بثقة وازال كفاي عن ياقة قميصه مبتسما باستفزاز.
"هل يمكنك اثبات انك متزوج منها؟"
استعدت رشدي وأجبته محتارا من موقفه الواثق
"نعم، وثيقة زواجي موجودة، كما ان الكاهن سيشهد بالتاكيد على ذلك".
" هل هو على قيد الحياة؟"
"ماذا؟" رددت ببلاهة.
الكاهن..
شاهدي الوحيد..
وثيقة زواجي التي تركتها في الكنيسة...
لا..
لا تقل لي..
وهنا أدركت، انني قد وقعت في مكيدةٍ كبيرة.
.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
خرجتُ هائما على وجهي، واطرافي متجمدة.
استنشقتُ بقوة وفركتُ وجهي بكفي مرارًا.
كان هذا حقا موقفًا مثيرًا للسخرية.
ذلك الرجل، الذي يظن دائمًا أنَّه أفضلُ من الآخرين، لم يكتفِ بمجرد ركوعي له بل تمادى حتى طالت يَداه زوجتي.
وفوق ذلك، مازال علي أن انحني على ركبتي أمامه..
أيُّ ذلٍ أتعرضُ له الآن؟
بل أيُّ عارٍ هذا؟ وأيُّ كلام قد أقوله لزوجتي التي تنتظرني لإنقاذِها الآن؟
آه، صحيح، شمس مازالت تنتظرني الآن.
مازلتُ لم أجدها..
شددت شعري بقوة وفركت عيناي المحمرتين.
ليسَ هذا وقت الذهول.
أولويتي الآن العثور على شمس، التفكير فيما يليه فليأتي لاحقًا.
عند تلك الفكرة، صفا ذهني قليلًا، واستعدت تلك الكلمات التي قالها ولي العهد للتو.
قال إنَّ والدها يُرحِبُ به بشدة، اليس كذلك؟
إذن، هل كان الرجل النبيل الذي اصطحب شمس معه والدها؟
انقبض قلبي عند تلك الفكرة، هل تلاعب بمشاعرها واقنعها بإتباعه..؟
شددت قبضتي بقوة، لن اسامحه حقًا لو آذها بكلمة.
أوقفتُ سائق العربة على عجل وجعلته يغير وجهته حاثًا إيَّاه على المضي بأقصى ما يستطيع من سرعة.
'فلتُرحِب بالجحيم القادم إليكَ، أيُّها البارون مالديري.'
.
.
.
.
***
.
.
.
.
.
لم أُدرك تماما ما حصل بعدها، حين رأيتُ وجه البارون المتفاجئ لم اتمالك نفسي ولكمتُهُ بقوةٍ على وجهه.
جاء الحراس ليوقفونني، لكنهم ما إن علموا بهويتي حتى تراجعوا خائفين مما سيلحقُ بهم لو مسوني.
أمسكتُ بياقته وجررته جرًا عبر قصره ليخبرني بمكان شمس.
لم يتحمل الامر فبكى وأفصح عن كل شيء، وقال ان أصُبَ غضبي على ولي العهد لا عليه.
وفي النهاية، تركني واقفًا وحدي أخيرًا امام غرفة، يحمل بابها زجاجًا عاكسًا يظهر من بالداخل غير أن من بداخله لا يرون خارجه.
رأيتُ شمس تجلِسُ هناك، شاحبةً، ثيابُها رثة ومتشققة، وشعرها أشعث، تحدق بذهول في الافق، تغطي الخدوش كفيها وذراعيها.
دنوتُ من الباب ببطء ووضعت المفتاح فيه محاولا الحفاظ على رباطة جأشي.
ثم فجأة-
رأيتُها ترفع ذراعيها بتردد.
تجمدت ذراعي عند فوهة المفتاح.
مرت تلك اللحظة ببطء شديد.
ضغطت بكفيها بوهن على عُنُقها، لكنها ما لبثت للحظات قبل أن تشتد قبضتيها حتى بانت عروق يديها واحمر وجهها.
إنَّها... إنَّها تحاول خنق ذاتها!
تسمرت لوهلة قبل ان ينتابني الهلع الشديد، مما جعل يداي ترتجفان.
تخبط كفي وأنزلق المفتاح من اصابعي مرارًا نتيجة عجلتي في فتح الباب.
سقط المفتاح ارضا فانتشلتهُ بعجلةٍ ووضعتُه في فُتحة الباب حتى تمكنت من فتحه أخيرًا هذه المرة.
تقدمت نحوها بخطى سريعة.
كانت تضع يديها جانبا، وتحدق ببرود.
هل يُعقل....؟
هل رُبَّما تأخرت...؟
انتابني يأس عميق فادرتها نحوي بقوة.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
.
وجهٌ شاحبٌ كالورق.
عينانِ مُهتزتان زمرديتان كانتا ذات يومٍ خَلاصها.
حاجبين معقودين.
كان ذلك الوجه الصبيح ملاذي حين هجرني العالم، لكني الآن بدخولي حياته دمرته، لابُّد أنَّهُ كرهني أيضًا.
وجودٌ بغيضٌ غيرُ مرغوب فيه في العالم، هذا ما أنا عليه.
وإلا فلمَ تعتلي ملامحه الغضب؟
ارتجفت شفتاه بخفة، لم تغب تلك اللحظة عن مقلتيَّ اللتان تفحصان كل شبر فيه.
فوجوده هنا الآن باحثًا عني، بعد ان آمنت بتخليه عني أيضًا، هو معجزة بحد ذاتها.
قال بصوت اشبه بالصراخ يفيضُ شجنًا
"ماذا كنتِ تفعلين؟!!"
ماذا كانت تفعل...؟
آه، صحيح، كنتُ اود إنهاء وجودي البائس..
هل رأى ذلك؟
دون أن أدرك، نظرت إليه بتوقع، هل سيُثني علي؟ لأنني علمتُ العبء الذي اكونه.. ؟
رفعت زوايا شفتي مبتسمة بخفة،
آه، هل سيُقبِلُني الآن كما يفعل في الأيام الخوالي؟
ويقول لي أنني أحسنتُ صنعًا؟
مجرد التفكير بذلك يجعل قلبي يشعر بالدغدغة.
اقتربت اصابعه مني بحذر، وانا بدوري تقدمت قليلا الى الأمام.
لكن اصابعه انحدرت عن شفتي وتحسست رقبتي.
هل سينهي حياتي هو بنفسه..؟
حسنًا، لا يبدو الامر سيئًا.
الموت على يد رجل أُحِبه.
بل سيكون هذا حظًا عظيمًا لي، ان يكون آخر وجه أراه قبل موتي هو وجهه.
مسحت اصابعه رقبتي برفق.
اهتزت عيناه بشدة، ضم شفتيه بألم.
قال بصوت خافت تردد صداه في الظلام البارد "لماذا.....؟"
ارتعش كفه بشدة.
اطرقت مقلتي إلى اصابعه التي بالكاد لامست رقبتي،
سأل لماذا لكني لم افهم.
أملت رأسي
"ماذا تقصد؟"
اخفض رأسه بارتباك ونظر إلي مجددًا، قال بتلعثم بصوت متلاشي
"ماذا كنتِ تحاولين فعله؟ هل تأخرتُ كثيرا؟ هل حاول ذلك الوغد ان يفعل بكِ شيئا...؟!"
انتقلت اصابعه وامسكت بكفي بقوة ثم شابكهم مع اصابعي.
إنه دافء...
دنوت ببطء وأسندت رأسي على صدره.
لو ضمني للمرة الاخيرة، فلا بأس بالموت حقًا.
أقسم أني لن أكون جشعة.
اساسًا، من الغريب ان اتزوج شخصًا متألقًا مثله، يحبه الجميع عكسي انا...
لف ذراعيه حولي ببطء واحتضنني بحذر.
آه ، كم اشتقت إليه.
ثم تذكرت سؤاله السابق.
فهززت رأسي بين احضانه بضعف.
قلت بصوت أجش
"لم يحدث شيء، المهم أنك هنا الآن".
وبعدها، غلف ظلام مريح بصري، ظلام حالك مطمئن وخال من الكوابيس.
.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
"شمس؟ مهلا، شمس؟ شمس! "
ربتت برفق على خدها لكنها لم تفتح عينيها.
تحسست نبضها سريعا فوجدته خافتا.
"مهلا، طبيب! طيبب!"
جالت عيناي في كل مكان حتى توقفت عند البارون الذي يقف بعيدًا.
ارتعش وأمسك بخده المصاب حين التقت ابصارنا.
صررت اسناني وقلت له
"احضر طبيبًا الآن! أقسم لك لو اصابها مكروه لن يبقى أثر لأنفاسك حتى في باطن الأرض! "
"حاضر! " ارتجف بشدة ثم هرع ليحضر طبيبًا على عجل.
رفعتها بين ذراعي وهممت بالخروج لكن رائحة عفن أوقفت قدماي.
عند ذلك، مررت ناظراي على المكان الذي كانت تمكث فيه.
حائطٌ متسخ نمت عليه الطحالب، جرذان ميتة عند الزوايا، طاولة زينة عفا عليها الزمن، سوط معلق ورأس ثور جامح.
ضغطتُ على فكي بقوة، أيُّ جحيمٍ عانته هنا لتحاول محو ذاتها..؟
.
.
.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
.
"يبدو انها عانت من سوء التغذية والارهاق النفسي والجسدي في الآونة الأخيرة، وبسبب هذا أغمي عليها، لا تقلق إنها نائمة الآن فقط".
قال الطبيب هذا بينما يخلع سماعاته، زفرت انفاسي المكتومة وأمات برأسي.
لكن الطبيب لم يغادر بل وقف ينظر إلي بثبات، انتابني التوتر فسألته "هل هناك شيء آخر، حضرة الطبيب؟ "
اومأ برأسه، ترددت شفتاه قليلا ثم قال "وأيضًا... زوجتك حامل".
" ماذا؟"
شككتُ في سمعي لوهلة، مزيج غريب ومكثف من المشاعر انتابني في الآن ذاته.
الفرح، والخوف، والحزن، والعزم.
غلب علي التأثر الشديد فتشوشت رؤيتي ببعض الماء..
هل تمطر عيناي الان؟
لا، بل هي مناسبة سعيدة لا استحقها، ولا ينبغي لي البكاء الآن.. حتى لو كانت دموع سعادة.
لكن مع الفرح شعور المسؤولية تنامى في داخلي، فالآن ينبغي أن أحمي روحًا أُخرى غير شمس.
"نعم، لذلك اعتني بها جيدًا، فهي في مرحلة حساسة جدًا الآن، إذن استأذنك".
انحنى الطبيب وغادر بعدها.
بقيت متجذرًا مكاني ناظرًا إلى وجهها النائم بسلام.
" أليستر"
قطبت حاجبيها وتقلبت اثناء نومها مغمغمة بخفوت، فاقتربت منها وامسكت بيدها على وجه السرعة
"نعم، أنا هنا عزيزتي".
انزلقت دمعة من عينيها المغمضتين وشدت قبضتها على يدي.
ربت عليها بابهامي برفق مبتسمًا والدموع تحجب بصري.
ثم فجأة رفرفت جفونها كأجنحة فراشة ببطء كاشفة عن عينيها العسليتين.
" أليستر... "
"نعم، شمس"
حين سمعت صوتي، استعادت عيناها بعض تركيزها.
رمشت مرارا ثم رفعت اناملها وتحسست وجنتاي، كأنها تتأكد من حقيقة وجودي.
"حلم...؟"
همست فهززت رأسي نافيًا.
عضت شفتيها بقوة، ثم رويدًا رويدًا تشوهت تعابير وجهها بألم.
ترقرقت الدموع في عينيها وأخذت تنتحب بصوت مفجع مزق قلبي.
ضممتها سريعًا نحوي فاندست بين ذراعي ودفنت وجهها في صدري.
بكت طويلًا حتى بات صوتها أجشًا، بينما كنتُ أمسحُ على ظهرها برفق.
ثم بعد أن هدأت انفاسها قليلًا قالت لي "أليستر، أنت لن تتركني أليس كذلك؟ "
"لا، لن افعل". اجبتها بسرعة وشددت ذراعي حولها.
رفعت رأسها ونظرت بعينيها المحمرتين إلى وجهي.
فتحت فاهها ثم همست
" اذن، عدني".
ضغطت شفتيها معا، انعقدت حاجبيها وشهقت بخفة ثم اكملت
"عدني انك لن تتركني مهما حدث"
اومأت برأسي واحتضنتها مجددًا قائلًا
"اعدك، اعدك انني لن اتركك مهما حدث، اعدك انني لن اتركك ولو حاربت العالم أجمع، حتى لو اريق دمي وسلبت انفاسي، فجثتي لن تكون إلا بجوارك، أنت فقط".
ارتخت ذراعيها فجأة واسدلت جفونها تغطي عينيها.
انتظمت انفاسها فعلمت بأنها قد نامت.
غطيتها برفق واطفأت الانوار، طبعت قبلة خفيفة على جبينها ثم استدرت مغادرًا.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
خرجتُ هائمًا على وجهي، والعجزُ ينخرُ داخلي، وعدتها لكن أنّى لي الوفاء به؟
والأعظمُ أنَّها باتت تحمل روحا أخرى بداخلها، وعليَّ ان احميهما معا.
هل سأفقدهما كما فقدتُ والدتي؟ ومن ذات الرجل؟
لا يلدغُ الفأرُ من ذاتِ الجُحر مرتين.
ولن الدغ منه مجددًا، لكن كيف...؟
نظرت إلى الأمواج المتلاطمة أمامي، وعقلي قد عجز عن إيجاد حل.
فزواجي كان سرًا ولا يوجد شاهد غير ذلك الكاهن، ولو وجد غيره فولي العهد سيقتله، لارَيب.
هذه معركة لا يمكنني خوضها وحيدًا.
احتاج المساعدة.
لكن ممن؟
والدي لن يمد يده لي، فهو شديد الوفاء للملك، من ضحى بزوجته لن يبالي بالتضحية بابنه أيضًا.
وفي تلك اللحظة، رأيت بعيدا عن بصري نسرًا يبسط جناحيه ثم يضمها، يكتسي جلده ريشًا أحمرًا .
ذلك اللون الاحمر يذكرني حقا برجل ما.
خطر وجه في ذهني فقفزت على قدماي بسرعة.
وجدتها!
رجل لا ينحني للملك.
رجل لا يشترى ولاءه بل يكتسب، ولا يجبر بل يقنع.
إنه..
سامر.
.
.
.
.
.
***
ما إن أنبلج الفجر واشرق الصباح، ركبت عربتي وزرت حوزة اوار.
عدت إلى ايام مضت، حين كنا نتدرب معا ونتبارز جولات عديدة فيهزمني في كل مرة.
توقفت عن الذهاب اليه منذ اشهر مضت، تحديدا منذ وفاة والدتي.
لابد انه يتدرب الآن ويقاتل الفرسان واحدا تلو الآخر محطمًا معنوياتهم وساحقًا آمالهم بالفوز عليه يومًا.
طيفّ ابتسامةٍ خافتةٍ زين شفتيّ عند التفكير في وجهه.
تباطأت العربة اخيرًا حتى استقرت امام البوابة.
خرجت منها واومأت للحراس، امتثل كبير الخدم يستقبلني بحفاوة فسألته عن مكان سامر فارشدني الى ساحة التدريب.
من بين رؤوس الفرسان، برز رأسٌ أحمر يتمايل يمينًا وشمالًا.
اقتربتُ منه بخطى وئيدة كيلا اقاطعه فرأيته يتبارز مع قائد الفرسان، يتصبب العرق من جبينه وابتسامة مستمتعة ترتسم على شفتيه.
انتظرته حتى فرغ ثم أخذتُ علبة ماء واتجهت نحوه.
اتسعت عيناه بمفاجأة حين رآني، ثم اصطحبني الى قاعة الاستقبال.
هنالك قصصت عليه كل شيء، منذ خبر زواجي سرًا الى ما آل إلي المآل الآن من رغبة ولي العهد في اتخاذ زوجتي كمحظية، لا لأنه يحبها، بل لأنه يريد أن يكسرني.
طيلة الكلام، استمع الي بصمت دون ان ينبس ببنت شفة.
عقدت اصابعي، واستأنفت حجتي قائلًا
"سامر، إنَّ الانحناء امام عاصفة واحدة قد لا يعني الكثير، لكن عندما يمر الاعصار فينبغي أن تفكر في حل آخر غير الانحناء".
احتدت حدقتا سامر، راقبت مقلتاه تعبيري بعناية منتظرًا ما سأقوله تاليًا.
سَكتُ لوهلة على الكلام، نظرت اليه مباشرة ثم قلت بعزم
"سامر، أنا...سأقوم بالتمرد".
.
.
.
.
***
.
.
.
.
.
وكما توقعت، لم يخب ظني، وافق سامر على مساعدتي شرط أن امنحه بضعة امتيازات خاصة اذا نجح التمرد.
كما انه قال لي أنني لا ينبغي أن اذكر امره ابدًا اذا ما فشل التمرد.
ومنذ ذلك الحين، اخذنا نرسم خططا متباينة ونعرض اسماء النبلاء الذين قد نضعهم في الصورة.
وفي يوم من الايام، احضر سامر رجلًا معه.
ولم يكن هذا الرجل سوى ابن عمي، دوريان مونتغوميري.
" انا لا أعلم كيف غَفِلتَ عن عقل شيطاني كهذا، اعتقدت أنه قد يكون اول رجل تلجأ إليه عند حاجتك الى المساعدة".
نظرت الى دوريان بحيرة فابتسم لي بمكر ورحب بي، ولأنني اعرف مدى بغض دوريان للعائلة المالكة لم امانع اشراكه في خطتنا.
دوريان بات عقلنا المدبر، وكما اسلف سامر، كان غاية في الدهاء.
اقترح ان أُظهر استسلامي وخضوعي لولي العهد وان أُسلمه شمس فقط مؤقتًا.
ولأكون صادقًا، كان هذا امرٌ ترددت فيه كثيرًا، لكن لا خيارَ امامي، ينبغي ان أُظهر موقفًا خاضعًا.
لأستعيدها يوما... ينبغي ان اجمع شتات نفسي وأتركها في القصر، فقط حتى ينتهي الأمر.
بكت شمس حين علمت بهذا وتشبثت بي بشدة راجية إيايَّ أن لا ارسلها كمحظية الى ولي العهد.
لكن لا حيلةَ أمامي، فكل ما استطعت تقديمه لها هو وعد آخر، بانني ساتسلل ليلًا وازورها حين يغيب الجميع.
ومضت الأيام، حتى باتت شمس محظيته..
كانت خطة دوريان ان اقوم بقلب الرأي العام لعامة الناس اولًا ثم الجأ الى اقناع كبار النبلاء ليساندوني ويمدوني بالقوة العسكرية والسياسية لتثبيت موقفي.
ولأنني رضخت الى ولي العهد ولم اعد اعارضه علنًا، لم يشك في شيء.
لابد أنه اعتقد أن هدوئي هو مجرد استسلام، بينما كان هدوء ما قبل العاصفة.
كذبتُ على عامة الناس وأخبرتهم ان الملك ضاعف الضرائب مما دفعهم الى اكنان استياء كبير تجاهه، ثم بعد أن فضحت امامهم بعض فساده السياسي واقنعتهم بأنني المنقذ وزرعت فيهم املًا تراجعت خطوة الى الوراء.
فدون ان اقولها بصوت عال، اخذوا يرددون بينهم انني ملائم للحكم أكثر من الملك الحالي.
كانت الامور تسير بسلاسة لكن ببطء شديد، وهذا لم يؤثر سلبًا الا على شمس.
عندما ازورها ليلًا، تبتسم لي باشراق، لكنني كنتُ اعلم كم هي تعاني هنا بصمت، فما انفكيتُ عن طمأنتها ودعوتها إلى الصبر، فهذا أكثر ما تحتاجه الآن.
هذا.. حتى حدثَ ذلكَ الامر.
في يوم من الايام، زرتُها ليلا كعادتي.
لكنها بشكل غريب، كانت تقف امام الشباك تنظر الي بوجه شاحب، بدل البسمة اكتسى وجهها بالخوف والرعب.
تحول تعبيري الى جاد عند ذلك وسألتها عمَّ حصل.
بمجرد ان رآتي، ارمت في احضاني واجهشت بالبكاء.
حاولت ان اهدأ من روعها، كانت الكلمات التي تخرج من حلقها غير مفهومة، واصوات شهقاتها تغطي كل ما تحاول البوح به.
وأخيرا من بين شهقاتها، سمعتها تقول
"لقد.. حاول ان يلمسني..".
تجمد الدم في عروقي، شددت قبضتي على ذراعيها ونظرت الى وجهها بجدية" ماذا... قلت؟"
اخفضت رأسها وبكفها حاولت ان تمسح عينيها بخشونة
"لقد حاول ان يلمسني، اخبرته انه لا يمكنه ذلك، لكنه أبى الاستماع الي، وفي النهاية اخبرته...انني حامل".
بلغ توتري عنان السماء، شددت يدي على ذراعيها وصرخت
" لماذا اخبرتِه؟! ماذا قال لكِ بعد ذلك؟ اجيبيني! "
تأوهت فادركت انني قد آلمتها، خففت قبضتي لكن توتري لم يزل.
قلت بإلحاح بصوت اكثر هدوءا بقليل "ماذا قال لك؟"
اطرقت رأسها ارضًا وضمت شفتيها.
مسحت عينيها بخشونة ورفعت رأسها ناظرة إلي بوجه اكثر هدوءًا و... برودًا.
انتظرتها بصبر حتى فتحت شفتيها ونبست بصوت اجش
"أليستر، إن امرك قد طال حقًا، وعاجلًا غير آجلٍ، فإن ولي العهد كان سيكتشف ذلك، تركك لي في وكر عدوك... اليس هذا قولا ضمنيًا بأنك لا تهتمُ بأمرِنا؟"
حدقت في بعينين معاتبتين
"نعم، كما يدور في ذهنك، سيقتله، لن يسمح بنمو طفلكَ في أحشائي، وانا لن اسمح له بقتله لذلك ساموت معه، هل هذا جيد؟"
نظرت اليها بعدم تصديق، شددت كفي حولها، ضحكت بفراغ وقلت لها
"عم تتحدثين، شمس؟ كل ما افعله الآن هو لأجلِكُما، أنتِ وطفلي، ما هذا الحديث عن الموت؟"
تنهدت بعجز بعينان حملتا خواء، تنظر الى النافذة خلفي
"أليستر، يبدو انك لم تفهم الامر بعد، انتَ لم تُنهِ استعدادتك حتى الآن، سينجح تمردك.. لا أشكُ في ذلك، لكن ثمن الوقت الاضافي هو رحيلنا".
اعادت بصرها إلي وحدقت في عيناي، تلعثمت امام تلك النظرات التي لم اعهدها، قلت مبررًا
" ل-ليس كذلك! أنا... انا! ساذهب الآن! ساجعل دوريان يسرع مسار الخطة ويختصره! لن يفعل شيء لك!".
نظرت الي دون ان تنبس ببنت شفة.
لم احتمل الامر أكثر، استدرت وغادرت، دون ان انظر إليها مرة اخرى.
لم اقترب من العربة حتى، بل انتزعت الحصان منها، دون ان الحظ ان عينيها كانت تتبعاني حتى النهاية.
صهل حصاني ببأس وعدى سريعًا حتى وصلت الى بيت عمي.
خرج دوريان يفرك عينيه ماحيًا اثر النوم ونظر إلي بدهشة.
لكنه ما لبث للحظات حتى استعاد وعيه وقادني الى غرفة الاستقبال.
وافق على مطالبتي إيّاه ان يسرع مسار الخطة، لكني بسبب ذلك بِتُ اكثر انشغالًا من المعتاد، حتى انني توقفت عن زيارتها منذ ذلك اليوم.
لا... بل هي مجرد حجة واهية، فعيناها الخاويتان اخافتني وجعلتني ادرك انني لربما اخسر كل شيء مرة أخرى.
وهذا الخوف والعجز الذي ينخر داخلي جعلاني مترددًا في رؤيتها مرة اخرى، فلم اكن واثقا من أنني لن اهتز امام عينيها المعاتبتين.
كما فقدت والدتي وكرامتي، سأفقدها وابني.
وكما لم اغلب عدوي تلك المرة، سينتصر علي هذه المرة أيضا.
تلك الافكار لم تفارق ذهني لحظة.
لذلك تجنبتها... دون ان أدرك ذلك، فقد كنت مقتنعًا بأن رؤيتها ستزيد من كثافة هذه الافكار التي تجعلني اواجه واقعي.. وأنني سأفشل هذه المرة ايضا.
غادرت إلى الشمال بعدها لأقنع رئيسه بالتحالف معي، وعدته بمنحه سلطة ومالا اذا ما أمدني بقوته العسكرية ونجح التمرد.
كنت يائسًا ويبدو أنه رأى من وراء يأسي هذا، فطالبني بأن امنحه اقليمًا كاملًا اذا نجح التمرد.
اسوء ما قد تفعله هو ان تظهر ضعفك امام خصمك، لكن الارتباك الشديد والضغط النفسي المحيط بي جعلاني اظهر ضعفي دون قصد.
ادت مغادرتي إلى الشمال والرجوع منه ان اتغيب عن العاصمة لمدة ثلاث اسابيع أخرى.
وهذا يعني انني لم أرها...لمدة تقارب الشهر.
ورغم انها مدة ليست بالقليلة إلا أن ايامها مرت علي كلمح البصر.
وصلت العاصمة اخيرًا، وقررت ان استجمع قوتي.
ينبغي علي رؤيتها..
ما فعلته كان خاطئا، فهي لم تذكر سوى الحقيقة!
وانا بحماقتي كنت اتجنبها بدل ان اكون بجانبها.
هي... تحتاجني.
شددت قبضتي وعزمت امري على زيارتها هذه الليلة.
ومضى الصباح وحل الليل وقلبي الخافق يأبى السكون.
نظرت الى تلك الشرفة المألوفة، ابتلعت ريقي وتسلقتها.
لكنها... لم تكن تقف هناك تنتظرني.
تجولت بنظري في الغرفة حتى وجدتها تجلس على السرير، تحيك الخيوط ببعضها وتنسجها.
اقتربت منها، لكنها لم تلحظ وجودي، ترددت شفتاي قبل ان تفتح ثم همست
"شمس؟"
توقفت يداها عن الحركة، واخيرًا رفعت رأسها.
تجمدتُ.
فهي لم تظهر أي بوادر ترحيب بي.
بل اكتسى وجهها بالهدوء فقط.
دنوتُ منها بعجلة وسألت "شمس؟ هل انتِ بخير؟ هل حاول ان يفعل بكِ شيئا؟!" ارتعشت شفتاي ثم رغم صعوبة الامر الا انني سألت "هل... هل طفلنا بخير.. ؟"
حدقت في دون ان تنبس ببنت شفة، ثم هزت رأسها ببطء.
سقط قلبي، ماذا تعني بهذا؟!
حدقت في ثم قالت "لا تقلق، كل شيء على ما يرام".
اطلقت الصعداء عند هذا، بقيت تحدق بي دون ان تزيح بصرها.
ابتسمت قائلا
" لا تقلقي شمس، التحضيرات تسير بسلاسة".
تسللت يدي وامسكت بكفها " لم يتبق الكثير... قريبًا ستخرجين من هنا".
توقعت ان تبتسم خجلا وتومأ برأسها كالعادة...
انزلقت نظراتها الى ايدينا المتشابكة ثم عادت إلى وجهي.
لم تبادلني الامساك بيدي حتى..
فتحت فاهها وقالت بلا روح "حقًا؟"
وهنا لاحظتُ شيئًا غريبًا.
عيناها...
عيناها...كانتا فارغاتان تماما، لا لمعان فيهما، لا توقع، ولا ابتسامة..
مجرد خواء.
هدوءها كان مريبا، لم يكن راحة.. بل أعمق من ذلك.
وهنا أدركت ذلك...
أنني ارتكتب خطأ.
وأن شمس لم تعد شمس.
.
.
.
***
خرجتُ من حُجرتِها وحدقت بكفي بفراغ، ضحكة ساخرة انزلقت من شفتاي.
علا بصري نحو السماء المظلمة، فرأيت الغيوم تغطي نجومها وتمنع بريقها من أن يصل عيني.
عضضت شفتي بقوة، حتى الغيوم..
حتى الغيوم قررت أن تغطي سمائي...
غطت الغيوم شمسي وحجبت ضياءها، والآن هي تغطي النجوم وتمحو تألقها.
ضغطت على فكي ببأس حتى آلمني، ما أصنع؟ هل هذا هو العجز الذي اخبرني به والدي؟
هل الانحناء امام العاصفة هو حقًا السبيل الوحيد؟
هوت قطرات الماء من تلك السحب الحالكة على وجهي وصفعته، اخفضت رأسي واستكملت طريقي سيرا على الاقدام.
مشيتُ طويلًا حتى تمزق حذائي، وتلطخت ملابسي بالوحل.
لم اشعر حتى بألم قدماي النازفتين، ولا بمرور الزمن وانا امضي.
بل إنّ دماغي حُبِس في دائرة من اللوم الذاتي والذنب.
كم مضى من الوقت وأنا امشي؟
لاحَ في الافق منزلي، ليست دوقية مونتعوميري، ولكن منزلي بحق.
رأيت الخدم يهرعون ويحضرون المناشف، لكنني مضيت قدما دون ان انظر اليهم منكسًا رأسي.
لطخ طين حذائي الارضية الرخامية، لطخ الطين البياض ودنسه كما دنست حياتها بوجودي.
ولولاي، لم تكن لتدخل في هذه اللعبة السياسية اساسًا ولم تكن لتعاني.
بسببي... لم تفقد روحها فقط، بل فقدت حتى ما يجعلها مشرقة.. ابتسامتها.
زارها والدها، من تاقت اليه بشدة، وناداها بابنتي ليتلاعب بها، تلاعب بها بسبب من؟
نعم، تلاعب بها بامر من ولي العهد، ليسيطر علي.
صد بصري باب خشبي، رفعت رأسي فإذا به باب غرفتها.
يبدو بأن قدماي قادتني اليه دون ان أدرك ذلك...
فتحت الباب فاستقبلتني رائحة عطرية.
رائحتها...
هي... لقد فقدت حتى رائحتها، فهي لم تحملها حين رأيتها بل كانت تحمل رائحة مسك ثقيل لا تناسب شخصيتها.
تهاوى جسدي على فراشها، واحتضنت ذراعاي لحافها.
غطيت به انفي و رأسي مستنشقًا بعمق.
هل مر كل ذلك الوقت حقا....؟
هل مر وقت طويل مذ كنا نضحك معا ونمزح مع بعضنا..؟
شددت قبضتي حول اللحاف واغمضت عيني قسرًا بينما اصوات الأمطار الصاخبة تصم أذناي.
كانت ليلة طويلة بحق.
.
.
.
.
***
انبلج الليل وحل الصبح، لكن ما وصل لمسامعي ليس خبرًا سعيدا كانتهاء تجهيزات التمرد.. ولا صوت شمس المشرق وهو يوقظني.
بل استيقظت على خبر استدعاء من ولي العهد.
ويبدو أنه ينوي الاعلان عن امر هام، فقد جمع جميع نبلاء الفصيل الامبراطوري واستدعاني ايضا وهذا زاد قلقي.
هذا مريب بحق..
تجهزت سريعًا، دون ان اولي اهتمامًا كبيرًا لما سارتديه، فتحت خزاني وارتديت اول بذلة ظهرت امامي.
توجهت إلى القصر في العربة.
مرت المناظر الطبيعية من الشباك امام عيناي، نظرت ببهوت اليها ومررت بصري أعلاها بتعب.
السماء رمادية.. وتوشك على ان تلقي عبئها الثقيل.
تلك المروج والتلال لم تذكرني إلا بذاتها المشرقة، لكن السماء الرمادية تمحو ذلك الإشراق وتعيدني إلى واقعي.. وترسم صورتها الفارغة من الحياة في ذهني.
انشغل ذهني بمحاولة تخمين اعلان ولي العهد.
آمل فقط أنه غير مرتبط بشمس..
ابتلعت ريقي بصعوبة ومحوت الافكار السلبية التي تضعفني، توقفت العربة أخيرًا امام القصر.
ترجلتُ منها ونظرت بقلق إلى تعابير وجوه الحاضرين عسى ان التمس الحقيقة من تعابيرهم.
حاول الكثيرون التحدث معي لكنني صرفتهم بإيماءة خفيفة، فانا لست بمزاج جيد لأُساير الاعيبهم.
واخيرا، حَلَّ ولي العهد في المكان.. لكنه لم يكن وحده.
نظراتي اتجهت خلفه دون أن تمنح وجهه لمحة.
ثم تناهى الى مسامعي كلمات مؤلمة جرحت أذني
"لقد وصل سمو ولي العهد ومحظيته ميلفين!".
وقفت شمس بجانبه، مزينةً بالخضار، تطرقُ مقلتيها أرضًا، وتشبك كفيها معا بوجه خال من التعابير.
ركعَ الحاضرين فركعتُ معهم، لكن بصري لم ينخفض عنها، حبيبتي.
أومأ ولي العهد برأسه راضيا فاستقمت دون ان أُزيح بصري.
تحدث ولي العهد مع النبلاء باسمًا، مستمتعًا، بينما عيناي ابتا أن تنصرفا عن وجهها الذي فقد اشراقه.
ولكم رجوت ان تنظر الي قليلًا.. لكنها آوت الارض فقط في عينيها.
كنت اعلم جيدًا، لابُّد انني بدوتُ بحالةٍ رهيبةٍ ايضًا، لابُّدَ أنّنِي أنظُر اليها الآن بعينين جاحظتين وهالات عيناي قد امتدتا حتى ذقني، لكنّي رغم ذلك تمنيتُ ولو لمحة منها تنظر فيها إلي، عسى ان تتعاطف قليلًا مع جَناني المشتاق وتغفر لي ما صنعتُ بها.
" يبدو انك مهتمٌ بمحظيتي، اليس كذلك ايها المستشار؟"
استفقتُ من غَفلتي، ولأولِ مرةً منذ وصولي، دخل في مجال بصري شيئًا آخر غير وجهها، التفتُ على تلك الكلمات اللاذعة، وحولتُ نظري الي قائلها، فوجدت ولي العهد ينظر الي بخبث شديد.
اطرقت مقلتيّ سريعًا ونبست بضعف
"كيف اجرؤ؟ إنَّنِي فقط أتاملُ ذوقَ صاحب السمو الرفيع".
ابتسم ولي العهد بتمهل
" هممم، معكَ حق، عادة ذوقي يكون جميلًا، لكنني هذه المرة آويت دون قصدٍ امرأةً خائنة".
نظرتُ اليه بحذر وسألت
"سموك، ماذا تقصد...؟"
رفع رأسه ومرر عينيه على الحاضرين قائلًا بصوت جهوري
"هذا صحيح! لقد استدعيتكم اليوم جميعا لأنني علمتُ شيئًا مهمًا!"
امسك بشمس من ذراعها بقوة وقدمها امامه مما جعلها تتأوه، صرخ قائلا "هذه المرأة.. تجرأتْ على خيانتي! انها تحمل في احشائها طفل رجل غيري!".
للحظة، شككت في صحة ما قاله للتو.
استنزفت الدماءُ من جسدي، بات وجهي شاحبًا.
تعالت الهمسات من حولي، ونظرات خالطها الازدراء وُجِهَت الى شَمسي.
لكم اردتُ ان اصرخ امام الجميع في تلك اللحظة،
هذه زوجتي!
زوجتي انا فقط!
لا تنظروا إليها هكذا، لا تهمسوا بكلمات تجرحها!
ابتسم ولي العهد مثبتًا بصره على وجهي ثم سأل " ايتها المحظية ميلفين، هل تُقِرِين بخيانتكِ؟"
لم ترفع شمس مقلتيها عن الارض، كأنها تعلم بالامر مسبقا، بوجهها الخال من التعابير، فتحت فاهها وقالت بهدوء
"نعم، أُقِرُ بذلك".
تعالت الشهقات هنا وهناك، أُناسٌ يصرخون بوقاحتها وأُناسٌ يوجهون اليها اصابع الاتهام.
ازاحت شمس بخفة كف ولي العهد عن ذراعها وركعت ارضًا ثم قالت "سواءً اردت إعدامي، أو قتلي ها هنا الآن، يمكنكَ فعل ما تشاء بي، يا صاحبَ السمو".
والغريب انني لمحت طيفَ ابتسامة باهتة زين شفتيها.
ابتسامة حملت ارتياحًا..
لماذا..؟
بل كيف؟
كيف وصلت الى هذا الحال؟
كيف لم الحظ هذا حتى؟
كل هذا بسببي.. لقد تركتها..
لقد تركتها حتى باتت تفضل الموت على الحياة.
لو انني فقط بقيت بجانبها.
لو انني استمعت اليها ولم اتركها في القصر بحماقة شديدة..
لو انني على الأقل لم اسافر إلى الشمال!
هل كان وجهها سيحمل شيئًا آخر غير البسمة؟
في وقت مضى، كانت شمسًا.. تضيء المكان بنور ابتسامتها الجميلة وعينيها الهلاليتين،
لكن نورها فتر حين ظلت بقربي، فباتت قمرًا.
حمحم ولي العهد قائلا "حسنا، سأقتل الطفل الآن، وسأبقي على حياتكِ".
رغم تظاهر ولي العهد بالكرم إلا ان جميع الحاضرين يعلمون ان قتل طفل امرأة في شهرها الثامن سيودي بحياتها.
خصوصًا انه لم يكن ينوي إحالتها الى مستشفى، بل سيُعينُ سيافًا يغرسُ سيفه في بطنها.
**
اومأ ولي العهد بارتياح إلى أحد الحراس الذين يقفون عند الباب فقاموا بجلب السياف المختص.
مرت تلك اللحظات ببطء شديد، وعينا اليستر غُشِيتا بضباب وانعدام تركيز، شعر بالخدر يعتري رأسه ولا أفكار تنقذه من هذا الوضع.
ثم قبل ان يصل السياف، تقدم أليستر الى الامام ونبس بخفوت
"سموك".
التفت ولي العهد نحوه، في البداية ظن ان اليستر قد تخلى حقًا عن شمس وكان ينوي تركها وشأنها أيضا، لكن عيني أليستر وهما تراقبان شمس اليوم لم تكن تحمل نظرات عادية.
بل هي أقرب ما تكون الى نظرات عاشق غارق في حبه.
ابتسم ولي العهد قائلا بغطرسة " ما الامر؟"
ركع اليستر امامه، حنى رأسه حتى كاد يلامس الارض.
تبلل الرُخام بقطرات شفافة سقطت من محجريه، قال بصوت مائي
"سموك، لقد فزتَ عليَّ، ارجوك... ارجوكَ لا تقتل شمس او طفلها".
همس بداخله
'سأنحني... والله سأنحني... فقط لو تركت لي زوجتي.'
حل الصمت في المكان بعد كلماته، نظر الجميع نحوه بحيرة.
اكمل كلماته بتوسل
" أنا... سأختفي من امام ناظريكَ، سأعيش معها وحيدًا في اقطاعيتي الصغيرة التي وهبها لي والدي، لن اطمع لأيِّ سُلطة، سَأتخلى عن منصبي كدوق حتى... فقط، ارجوك.. لا تمس شمس بسوء".
شهقت انظار شمس الميتة نحو أليستر، لمع ضوء خافت من الحياة فيهما، املٌ واهٍ عابث بأنَّه رُبما... رُبَّما يمتلكُ خطةً ما تصلحُ الوضع.
حبس الجميع انفاسهم عند سماعهم هذا.
اذن، اهذا يعني أنَّ المحظية قد خانت ولي العهد مع المستشار؟!
فكر الجميع بهذا ونظروا بترقب لما سيؤول اليه الامر تاليًا، فحياتهم رتيبة، واحداث مثيرة كهذه تكون نادرة.
ضيق ولي العهد نظراته على اليستر متشككًا في نواياه، لكن بقع الدموع التي لطخت الارضية، وانثناء ظهره نحو الأرض بإفراط اكدت انه كان صادقًا ولا يدبر خطة ما.
ابتسامة خبيثة شقت ثغره، رفع رأسه عاليًا وقال مطيلًا كلماته ومتظاهرًا بالجهل
" عمَ تتحدث ايُّها المستشار؟ هل تقول الآن أنك تعترف بإكنانك نوعًا من المشاعر تجاه محظيتي؟"
ضمَّ اليستر شفتيه دون ان ينبس ببنت شفة.
مد ولي العهد كفه وامسك بشعر أليستر، تغلغلت اصابعه بين خصلات شعره ثم شده بقوة رافعا رأس أليستر عاليًا نحوه.
نظر اليه اليستر بلا حول ولا قوة.
لمعت عينا ولي العهد بجنون والابتسامة تتسع، عض شفتيه باستمتاع خالص وسأل بمرح بتعابير مخيفة
"اجبني الآن ايها المستشار، هل تعترف بذلك؟"
حدق اليستر فيه وقال بفراغ
"سموك، لقد اخبرتك، أنا استسلم، لن اقاوم أكثر، لقد خسرت في هذا الحرب النفسية وسأخضع لك، لذلك اعد لي زوجتي، من فضلك".
ضحكة ساخرة انزلقت من ثغره
" يبدو انك لستَ في عقلك الصحيح ايها المستشار، ولانني أُدرك مدى ولائك للمملكة ساتغاضى عن الهراء الذي سمعته للتو".
سحب يده بعيدا واشار إلى الحراس فجَرُوه خارج قاعة المأدبة.
التفت رؤوس الجميع يتبعون بانظارهم الحرس وهم يجروه جاثيًا.
كان موقفًا مخزيًا بحق وذليلًا لرجل حمل اقوى سلطة في المملكة بعد الملك.
التفت بعدها نحو الجميع وقال متظاهرًا بالرقي
"حسنًا.. نظرا للضجة التي حدث للتو، سأوجل امر محظيتي لبعض الوقت، جميعكم، يمكنكم الذهاب".
ارتفعت الأصوات باثارة بسبب هذا الحدث الصاخب لكنهم استجابوا لقوله، واخذوا يتحادثون بينهم بحماس بينما تتجه اقدامهم خارج قاعة المأدبة.
غادر ولي العهد ايضا والجميع، بما فيهم الحرس.
فرغت القاعة من الناس تماما، ولم يتبق فيها سوى رجل واحد، ينظر من أعلى الدربازين بأعين تلمع بالاهتمام.
نزل الدرج بهدوء ووقف في وسط قاعة المأدبة، تحديدًا في المكان الذي كان يجثو فيه أليستر سابقًا، ارتسمت ابتسامة ساخرة تزين شفتيه.
تحركت قدماه وتبعت المسار الذي اخرج الحرس منه أليستر وفكرة واحدة تخز رأسه.
'هذا الرجل.. قد يكون مفيدًا'
لقد رفض الملك المتغطرس طلبه قبل قليل ولم يوافق على منحه مجرد طفل تافه غير شرعي، لذلك لا أسف عما سيحدث له الآن.
لم يطلب الكثير، بل بصدق فقد تنازل حتى رضي بوضيع مجهول الاصل الملكي، فقط لو كان بشعر اسود ويحمل دماء ملكية فسيكون راضيًا.
حسنا، لا يهم، لقد رفض لذلك فليواجه عواقب رفضه امبراطورًا وهو مجرد ملك.
من بين الاشجار الكثيفة في حدائق القصر الملكي، رأى رجلا شاحبًا جاثيًا يغطي فاهه بكفه ويحدق بنظرات فارغة في الافق.
ابتسامة خبيثة شقت ثغره.
'لقد وجدته'.
اقترب منه بخطى وئيدة حتى استقر امامه، وخز كتفه وناداه، لكنه لم يلتفت.
قطب حاجبيه متسائلا 'أفقد وعيه جالسًا ام ماذا؟'
مد كفه امام وجهه مباشرة ولوح بها، لكنه لم ينظر إليها حتى.
ضحك بخفة ثم ركع بجانبه،
وهمس في اذنه باستفزاز
"زوجتك سُلِبت منك، وكرامتك مُحِيت، وأُمُكَ قُتِلت، وأهانك مَلكك امام الجميع، أيُّ بؤسٍ آخر قد يلحق بك؟"
واخيرا، استعادت عيناه بعض تركيزه وحول رأسه ناحيته، لمعت عيناه بحذر وسأل
"من انت؟"
ضحك بخفة "انا؟ انا مجرد رجل اشفق على حالك، هل اساعدك؟"
طفقت مقلتا أليستر تتفحصانه بارتياب قبل ان يصفع كفه وينهض قائلا "لا حاجة".
استدار لكن قبل ان يغادر جمدت تلك الكلمات خطاه.
" هل مازلت تتشبث بكبريائكَ التافه؟ بعد ان أُذلِلتَ بالفعل؟ ألا تنوي الانتقام ممن اوصلك الى تلك المرحلة؟"
مشى مقتربا منه "هل تنوي خذلان زوجتك حتى النهاية؟ اين غيرتك على شرفك وعرضك وأنتَ تتركها تبيتُ في بيتِ رجل آخر يشتهيها ويروم لقتلها؟"
توقفت خطاه بقرب اذنه، همس "ألا تريدُ قتله؟"
التفت اليستر نحوه وضغط على فكه بغضب، قال من بين اسنانه "سألتُك، ماذا تريد؟ "
ابتسم الرجل وقال بمرح "ماذا أُريد؟ أُريد ان اساعدك، حسنا، ما رأيُك بهذا؟ سنقوم معًا بغزو القصر الملكي واستعادة زوجتك غدًا دون تأجيل".
نظر اليستر إليه دون ان ينبس ببنت شفة، لكن الحيرة ارتسمت في عينيه.
فتح الرجل فاهه قائلا
" لم اعرفك بنفسي بعد، انا امبراطور امبراطورية سايلس العظمى"
صمت لوهلة ثم قال" اوتعتقد بانني لا اعلم بامر جيشك السري وتكتيكاتك للثورة؟ حسنًا، لن انكر اعجابي بها، لكنك امتلكت شيئا وفقدت آخر، انا امتلك وقتا لا تملكه.
في الواقع بامكاني غزو المملكة اذا اردت لكن لِمَ سأكلفُ نفسي عناء فعل هذا؟ انتَ لستَ ساذجًا لتعتقد بأنني سأساعدك مجانًا، ليس كذلك؟"
ترددت شفتا اليستر، رفع رأسه ثم همس بنبرة أكثر أدبا ويأسا
"ماذا.. تبتغي مني؟"
"همم، سؤال جيد، اود ان تهبني افراد العائلة المالكة واحدا تلو الاخر سرا بعد ان تأسرهم، اجعل الناس يعتقدون أنك اعدمتهم، وحين ينسون الأمر سلمني إيَّاهُم جميعًا احياء، هذا أولى شروطي، هل انت موافق؟".
اومأ اليستر برأسه متأملا وقال " اكمل".
ثم طفق يشرح له شروطه ببطء، وفي النهاية مد ذراعه نحو اليستر وبسط كفه.
ترددت نظرات اليستر بين كفه ووجهه، لكن ما هي للحظات حتى مد كفه ايضا بعزم وصافحه.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
.
.
حلَّ صباحُ اليوم التالي، والهدوء يعم ارجاء القصر الملكي.
جلسَ الملك ناظرًا بانزعاج الى ذلك الرجل الذي يحتسي شايه بكل استرخاء مقابلًا له، اجبر شفتيه على رسم ابتسامة ارستقراطية وسأله قائلا
"اذن، جلالة الامبراطور، ما جاء بك ها هنا؟ اعتقدتُ بأنكَ عُدت إلى إمبراطوريتك فانتابني الأسف الشديد لأنني لم أُودعك كما ينبغي، كما اسلفت، لن اسلم حفيدي إليكم، وإن حمل دمًا وضيعًا فإنَّه حمل دمائي ايضًا".
اسقط الإمبراطور فنجانه على الطاولة مصدرًا صوت قعقة خافتة، وقال مبتسمًا " لا تقلق، لم آتك بشأن هذا، فأمرُكَ قد حسمته بالفعل، وما سيحدث تاليًا هو مسؤولية رفضك المتهور لطلبي".
الجم الملك شفتيه وحدق فيه بقلق، ما ينوي عليه هذا الثعلب بصدق؟
جف ريقه فرفع فنجانه وتجرعه كله مرة واحدة ثم وضعه على الطاولة، فتح فاهه لكنه قبل ان يتحدث، دوى صوت وقع ثقيل.
التفت الرأسان ناحية البوابة التي فتح بابها فجأة دون إذن، فوجدوا الحارس يقف هناك بتعابير مفزوعة شاحبة كالورق.
صرخ قائلًا:
"جلالتك! تعرض مقر الفرسان لحريق هائل! لقد تعرضنا للغزو!"
حدق الملك فيه وحين استوعب الامر، عقد حاجبيه بغضب.
"ماذا؟! من يجرؤ؟!"
حينئذٍ، دخلت اقدام متعددة القصر ملطخة اياه باللون القرمزي.
زينت ابتسامة عميقة شفتي الامبراطور، تجرع ما تبقى من كأسه ونظر إلى الحارس بطرف عينه منتظرًا اسمًا يطرب اذنيه.
صرخ الحارس قائلا
"إنه.... أليستر مونتغوميري!!"
***
.
.
.
.
.
جلست الاميرة ماريان تمشط شطرها امام طاولة الزينة، همهمت بخفة واعادت التاج الى رأسها ثم اخذت عقد لؤلؤ وارتدته، استقامت دون تردد وخرجت من غرفتها.
مرت عبر الممرات وخرجت إلى الحدائق، اشارت بطرف عينيها الى امرأة في منتصف العمر ترتدي البياض من رأسها حتى اخمص قدميها، فحنت المرأة رأسها وتبعتها مع الحفاظ على مسافة بعيدة بينهما.
ذهبت الى ملحق بعيد عن القصر الرئيسي وولجت فيه بفم صامت، عندما اختفى الناس من حولها، اقتربت المرأة منها بجرأة ومشت بجوارها.
سألت ماريان دون ان تنظر إليها
"كيف حاله؟"
"إنه كما عهدته، ينام باكرًا، ويستيقظ باكيًا شوقا إليكِ، وباستثناء أنَّه قد نما بضعة سانتيمترات، فلا شيء قد تغير."
دخلت ماريان الى اقرب غرفة في الدور الاول، دنت من لوحة معلقة على الحائط رسم عليها صورتها تقف بجوار رجل ما، اشارت للمرأة فاقتربت وازالتها من مكانها.
برز زر احمر صغير على الجدار خلفها فضغطت عليه دون تردد.
صدر صوت جداري عميق وتبعه فتح باب من جانب الغرفة،
همست ماريان
"ابقي هنا ريثما اعود".
اومأت المرأة برأسها بينما ولجت ماريان الغرفة، وجدت طفلًا صغيرا يقف في منتصف الغرفة ينظر بكآبة، عندما سمع صوت كعبها التفت رأسه ناحيتها بسرعة، اشرقت تعابير وجهه وارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيه، هرول إليها راكضًا وعانقها من خصرها قائلًا
"امي!"
حدقت فيه ماريان بعينان يكتسيهما الحنان ومررت أصابعها بخصلات شعره السوداء بلطف، همست
"نعم، إسحاق."
رفعته فلف ذراعيه حول رقبتها متشبثًا بها، ذهبت به إلى السرير ثم جلست ووضعت رأسه في حجرها اذ كان يبدو مستمتعًا كلما فعلت ذلك، قالت بمرح
"اذن، هل أنت مستعد لسماع أسطورة العائلة المالكة الآن؟"
ابتسم بطفولية وصرخ قائلًا
"نعم!"
كانت تحدثه دائما عن روائع اسلافهم، ولم تحكِ له من قبل اي اساطير غير موثوقة، لكن القصص نفدت منها بالفعل وكان ابنها قد بلغ به الحماس مبلغًا عظيمًا حين سمع بوجود أسطورة تاريخية للعائلة المالكة وطالبها فورًا بان تحيكها لها فوافقت مؤجلةً الامر إلى الزيارة القادمة، وها قد حان الوقت لذلك.
فتحت شفتيها وقالت بينما تمسد شعره
"حسنًا، كما تعلم، منذ أول مؤسس بيننا فإن معظم ملوكنا وورثتنا حملوا شعرا أسودا، وعاشوا اعمارا لا تقل عن 70 عاما.
هل تعلم لماذا هذا؟"
سأل بفضول طفولي
"لماذا؟"
قهقهت لحماسه وقبلت جبينه بلطف قبل ان تكمل
"حسنا، هناك اسطورة تقول أن افراد العائلة المالكة يمتلكون مقدرة على سلب اعمار الناس الآخرين اذا ما تم عقد اتفاق متبادل بينهم، يشيخ الآخرون بينما ملوك ريداس يحيون، يعيشون، ينمون سنين طويلة بفخر واعتزاز."
"أمي، ما هو معنى الاتفاق؟"
"الاتفاق هو امر يتم عقده بين اثنين بالتراض و....و.. "
اخذها الحديث طويلًا وانغمست فيه تمامًا، ودون ان تدرك مرور الوقت، دقت عقارب الساعة معلنة حلول العاشرة صباحًا، فرمقتها بأسف واستقامت.
حدق اسحاق فيها بحزن وتشبث بأمه متوسلا ان لا تتركه الآن، انكسر قلبها وترقرقت عينيها بالدموع لكن قبل ان تجيبه فتح الباب المغلق فجأة.
دخلت المرأة ذات اللباس الابيض بخطى سريعة وقالت بعجلة
"سموكِ! لقد تم احتلال القصر الملكي وأُسر جلالته! عليكِ بالهروب الآن قبل ان يقبضون عليكِ!"
شحب وجه ماريان تمامًا بينما امال اسحاق رأسه بفضول ووخز ذراع والدته قائلًا
"أمي؟ ما هو الاحتلال؟"
لكنها ما لبثت للحظات حتى استفاقت من ذهولها، وحافظت على قناع وجهها باردًا خاليًا من التعابير بينما عقلها يدور بسرعة، امسكت بكف ابنها واتجهت إلى ممر في الغرفة يؤدي إلى مخرج سري يقود بهم الى الخارج، كانت قد انشأته لحالات الطوارئ خشية اكتشاف امر ابنها ولم تتخيل من قبل قط أنها قد تستخدمه للهرب.
نظرت الى المرأة وقالت بهدوء "أنت تفهمين ما عليك فعله، اليس كذلك ايتها المربية؟"
أومات المربية براسها، ركعت ماريان الى مستوى ناظري ابنها وقالت
"إسحاق، عليكَ الآن ان تتبع المريبة الى الخارج، سأعود قريبًا، حسنًا؟"
تناوبت أنظار اسحاق بينهما باستغراب لكنه أومأ برأسه، واخذ بيد مربيته.
راقبتهما ماريان حتى خرجا وقامت بعدها بخلع عقد اللؤلؤ وتاجها وبقية مجوهراتها ووضعتهم في صندوق صغير وجدته في الغرفة، ثم مزقت الزخارف والمجوهرات التي تزين فستانها وازالت منه كل ما قد يعيق تحركتها وامسكت بخنجر صغير وربطته على فخذها قبل ان تقفل الباب من الداخل وتتبعهم بدورها.
.
.
.
.
.
.
.
***
.
.
.
.
حرك اليستر سيفه دون تمييز، لطخت الدماء درعه ووجهه وغسلت شعره، لكن ذراعه لم تتوقف، بل استمرت، تمزق الجميع وكأن غضبه المكبوت بات محسوسًا.
لم يدرك انتهاء الامر حتى امتدت كف قوية وامسكت ذراعه بقوة
"أليستر! توقف، لقد انتهى الامر الآن! لقد فزنا!"
وقف يلهث مستشقًا ببأس، من بين ضبابية رؤيته الحمراء، رأى شعرًا أحمرًا في مجال رؤيته، رمش محاولًا ان يمعن النظر قبل ان يسكب ماءً باردًا من العدم على عينيه، أغمضهما بشدة ثم رمش مرارًا قبل ان تتضح رؤيته وتصفو.
وقف سامر امامه ناظرا إليه بقلق يحمل بيده قارورة ماء، ومن حولهم انتشرت الجثث تغطي كل حيز يقفون فيه.
وحينئذ، خطر وجه في ذهنه، وجه من قاتل لأجله حتى هذه اللحظة، غمغم من بين انفاسه
"شمس.."
"شمس..اين شمس؟! "
صمت لوهلة ثم سأل قبل ان يتلقى جواب سؤاله السابق
"هل هناك حمام قريب من هنا؟ وملابس جديدة؟ نحن في القصر الملكي بعد كل شيء."
فثيابه غارقة في الدماء وهو يخشى أن يخيفها اذا ما رأته هكذا.
"نعم، يوجد."
لكن من اجابه لم يكن سامر، أدار رأسه فوجد دوريان يقف خلفه مبتسما ينفض التراب الذي التصق بشعره المبتل.
نبس بمرح "اتبعني، ايها الملك الجديد".
قاده إلى حمام الملك واحضر له ثوبا ابيضا فخما مطرزا باللون الذهبي، وانتظره حتى انتهى ثم أرشده إلى المكان الذي تقبع فيه شمس، همس له بالتوفيق واعطاه باقة الخزامي التي طلبها ثم غادر تاركًا ايَّاه يقف متوترًا امام غرفة صغيرة في قصر ولي العهد.
ابتلع ريقه بشدة، مرر عينيه على ثيابه واصلح هندامه مرارًا، رفع قبضته المرتجفة وقربها ببطء وطرق طرقتين على الباب.
لم يسمع صوتًا... ولا اذنًا بالدخول.
اشتد توتره وبلغ به مبلغًا لم يعد يطيق فيه صبرًا،
زفر بقوة مهدئًا انفاسه وفتح الباب دون انتظار اكثر وولج الغرفة.
حبس انفاسه، واحمرت اذنيه.
دخل في مجال بصره غرفة مألوفة زارها مرارًا.
وفي منتصفها، وقفت امرأة ترتدي البياض، تضع كفيها الصغيرين ذات القفازات الدانتيل فوق بعضهما، ونظراتها موجهة الى النافذة.
ارتفعت تفاحة آدم ثم هبطت، دنا منها بخطى وئيدة وخبأ يديه التان تحتضنان باقة زهور الخزامي خلف ظهره.
لم تلحظ وجوده هذه المرة أيضا..
زوايا شفتيها منخفصة، وعيناها لا تحملان نورًا.
استقر امامها مباشرة، لكنها لم تلفت.
انتظر طويلا على تلك الحال، فتح فاهه ورفع يده لكنها قاطعته قائلة
"كنت اعلم بحضورك، أليستر."
التفت رأسها ناحيته، بوجه خال من التعابير.
لا انفعال، لا فرحة، ولا سعادة برؤيته.
لا ابتسامة تزين شفتيها... ولا خجل يصبغ خديها.
لا انثناء عينيها الهلاليتين، ولا صوت مرح.
فقط... سكون.
وكأنها كانت ضحية هذه الحرب ايضا، وقُتِلت فيها.
اطرقت ناظريها الى الزهور المقدمة لها، فمدت كفيها واخذتها منه، ثم عادت ببصرها نحوه وقالت
"شكرا."
هذا فقط.. وعمَّ الصمت.
تبعثرت الكلمات في حلق أليستر، أراد ان يحتضنها، أراد ان يعتذر لها على تأخره، ويقول لها أنه أسف لأنه تركها تعاني هنا وحيدة.
لم تبتعد عنه، لكنها لم تقترب.
ولم تطرده، لكنها لم ترحب به.
ويبدو بأن جروحها قد خدشت بشدة وقد تلازمها طويلا، وعليه ان يصبر حتى تستعيد ابتسامتها.
كافح لرسم ابتسامة جميلة على شفتيه ولكن كل ما ظهر هو بسمة مختنقة تكبت دموعا، انفرجت شفتاه، ومن بين كل مشاعره غير المنطوقة نبس
"اشتقت إليكِ."
تذبذت نظراتها للحظات قبل ان تستعيد اتزانها، فتحت شفتيها واغلقتهم بتردد ثم همست بخفوت
"وانا... وانا أيضا."
اتسعت عينا أليستر، فهو لم يتخيل بعد كل هذا ان تعبر عن شوقها له، انثنت عيناه بابتسامة صادقة بينما لمعت مقلتيه ببعض الدموع.
شعر بريح الخزامي يداعب انفه رغم انها من كانت تحمله الآن.
مد يده الى جيبه وسحب علبة صغيرة، فتحها ووجهها ناحيتها قائلا
"هل تقبلين الزواج بي مجددا، شمس؟"
تدفقت أشعة الشمس إلى المكان وسقطت على وجهها المذهول، ظن اليستر انه لمح طيف ابتسامة خافتة لكنه لم يكن متأكدا.
شعر بيدها تمسك بيده الممدودة.
و...
"اجل."
.💜lilium