تذكر: لا تلهك القراءة والروايات عن الصلاة وذكر الله.
ملاحظة : تم تعديل أعمار كل من آسر وقمراء.
في سنة 433 : آسر ~14 ، قمراء ~11
في سنة 440 : آسر ~21 ، قمراء~18
ادعموني ولو بتعليق 🤍
قراءة ممتعة..🌷
_______________________________________
شَعرتْ بتبَاطُئ الزَّمن.
حَلَّ صمتٌ ثقيلٌ كأنّ الصوتَ هَجرَ المَكان.
تِك...تَاك...
صَدى دقاتُ عقارِبِ السَّاعةِ يتردَدُ بهدوءٍ في الحانةِ تزامناً مَع نبضاتِ قَلبِها.
اهتَزَّتْ عَينيها قليلاً ..ثُمَّ تراجعتْ خطوةً الى الوَراءِ تنظُرُ اليهِ بحذرٍ.
قبضتْ علی ثوبها بِقوة ، تبعثرتْ الحُروفُ في حَلقها وعجزتْ الكَلماتُ عَن الانطلاقِ ، ارتعشتْ شَفتيها قليلاً ... تُحاوِل البَقاءَ ثابتةً، عَلا بَصرُها نَحوَهُ رُويداً.
بعدَ لحظاتٍ طويلةٍ اشبَهَ بِالدهر ، نطقتْ بتلعثمٍ مهتزةً مِن كَلمَاتِه:
"م.. مَاذا قُلتَ لِلتو...؟ ك..كَيفَ عَلمتَ بِهذا ؟ وماذا تقصدُ بفتاةِ الزَّمن...؟"
اتسعتْ الابتِسامةُ المرسُومَةُ عَلى ثَغرِه ، كأنَّهُ يَنتظرها ان تقولَ هَذا، رفعَ عَشرَ اصابعٍ ونبسَ بأعينٍ يشوبهما الجُنون:
" عَشر سَنواتٍ..."
دنا مِنها ببطءٍ مُستأنِفاً كَلامَهُ بابتهاجٍ:
"عشرَ سنواتٍ فقط وسَأُخبِرُكِ كُلَّ شيءٍ".
شدتْ قَبضتها بعدَ سَماعِها كَلامه ، جَالَ بُؤبؤهَا المُهتز يَتفرسُ وَجهَهُ بِحذرٍ ... كانتْ متحيرةً وخائِفةً قليلاً ،تصبَبَ العرقُ البارِدُ مِن جَبهتها هاوياً عَلى الارض.
قَطرة...قَطرتان...ثلاث...
تِك ..تَاك..
استمرَ الوقتُ يَمضِي ببطءٍ متجاهلاً تَوتُرها.
معَ كُلِّ رنةٍ يزدادُ احكَامها امساكُ ثِيابها .
لم تُزحْ مُقلتيها عَنه مُطلقاً.
دقاتُ قَلبها تضرِبُ بقوةٍ في اذنِها كأنَّها طبولُ حربٍ.
ثَبتَتْ بَصرهَا نَحوَهُ مُتفحِصةً كُلَّ انشٍ بِوجهه تُحاوِلُ مَعرفةَ مَا يُخالِجُ ذِهنه مُتوترةً.
حَتى لمحت تِلك الخُصلة البارزة من شَعره ، اطلتْ مِن القَلنسوة خَارِجاً.
ارتختْ يَداها فَجأة كأنَّها فقدتْ قُوتها وسَقطتْ مِن ثَوبِها.
خرجتْ انفَاسَها المَكتومة اخيراً من صَدرها.
'آه ، فهمت الآن' قالت في نفسها.
تنفستْ الصَعداء ثم ابتسمتْ بسخرية قائلةً في نَفسها
' هَذا مَا هو الأمرُ إذن ... لستَ سِوى واحدٍ مِنهُم'
كان لونُ تِلك الخُصلة سَوداء..
تذكرتْ كَاثرين كَلامَ المَرأة العَجوز عن ذَوي الشَّعرِ الاسوَد ، قالتْ بأنَّهم سَحرةٌ ومشعوذون.. لا بُّدَ انَّه أحدُهم إذن.
هذا يُفسِرُ كيفَ عَرفَ خَبرها ، إنَّهُ يتعامَلُ مَع الجِنِ والشَّياطِين لا مَحالة.
ابتلعتْ رِيقهَا الجاف بِصعوبة ثُمَّ رفعتْ رأسَها بِثقةٍ زَائِفةٍ ،رُغم ارتجافِ جَسدِها قَالت:
" لا ، شُكراً... تَكفيني هَذه المَعلومات، لن اسأَلَكَ عن كَيفية مَعرفتك سِري ولكن خُذ سِعر مَا اعطيتْ لي وليَمضِ كُلٌّ مِنا في طَريقِه".
دققت في تعابيره بنفسٍ مُرتجف ، بَدأَ عَقلُها يعملُ اسرعَ مِن ايِّ وقتٍ مَضى.
اصبحَ مِن الوَاضِحِ الآن لِمَ يرتدي هَذه العَباءَةَ الطَويلة مُخفِياً ذاته ولِمَ يتصرفُ بِهذه الطريقةِ المُريبة.
ليسَ الامرُ أنَّها لم تَكن تُريد ان تعلمَ الحَقيقة ، لكن التَعامُلَ مَع المُشعوذين خطيرٌ جِداً ، غيرَ أنَّهُ حرامٌ دينياً
فهذا قَد يُسبِبُ لَها مشاكلاً اعظم خُصوصاً اذا اكتشَفَ المَلِكُ الحَساس تِجاهَهم تَورُطَها مَعه .
كما انَّ السَحرةَ لا يُفلحِوا ابداً ولا ينبغي مَنحهم مثقالَ ذرةٍ من الثِقة ، هم مُجردُ خونةٍ ومُحتالين...خدمُ الشَّيطان.
كانتْ تَخشى أيضاً ان يَضُرها هذا السَاحِرُ بِسحره فعزمتْ ان تَقطعَ عَلاقتها بِه هُنا والآن .
" مَاذا...؟" نبسَ بنبرةٍ فَارغة وكأنَّ احتمالَ رَفضِها لم يَطرأ عل بَاله إِطلاقا.
اومأتْ بِرأسها بحزمٍ مُصطنعٍ: " نعم... ارجوكَ خُذ سِعر الهَويةِ فقط واترُكنِي وشَأنِي فلا حَاجةَ لِي بِكَ بعدَ الآن".
نظرَ اليها بِخيبةٍ املٍ ، تنهدَ قليلاً ثُمَّ اقتربَ مِنها ، امسكَ بخصلةٍ مِن شَعرها البُني قائلاً بِتبسمٍ :
" كما تَشائِين ، لكن اعلمِي أنَّكِ سَتحتاجين اليَّ قَريباً... اعدُكِ بِهذا".
سرتْ قشعريرة اسفلَ عَمودِها الفِقري .
" لن يحدُثَ هَذا " نفضتْ يَدَهُ بعيداً مُتراجِعةً الى الوَراء قائلةً هَذا رداً عَليه وعَلى نَفسِها التّي بَدأتْ تُفكِر بغيرِ هَذا .
بقيتْ يَدُهُ مُعلقةً في الهَواءِ ، شقتْ ابتسامةٌ اعمقُ شَفتيه،
أخذَّ نفساً عميقاً ثُمَّ شرعَ بِتردِيدِ تلكَ الطَلاسِمُ مُجدداً مُختَتِمَاً كَلامَهُ بصوتٍ هَادئ هَذه المَرة " أيَّا عُمرَها...اخرجْ اليَّ".
" هل انتهيتَ الآن؟" قالتْ بنفاذِ صبرٍ مدحرجةً عَينيها تجاهَ البَابِ.
اومأَ بِرأسِه ثُمَّ قالَ لَها بابتسامةٍ ماكرةٍ مضيقاً عَينيه كالأفعَى:
" حسناً ، حَتى لقاءٍ آخَرَ إذن.."
ادبرتْ ثم نظرتْ اليهِ بحدةٍ قائلةً : " لا يوجَدُ لقاءٌ آخر ، وداعاً".
اندفعتْ بعدَها خَارجا بسرعةٍ كأنَّها تَهرُب ، انقرعَ جرسُ البابِ مشيراً الى انتهاءِ هذهِ اللحظةِ العَصِيبةِ.
بقيتْ حَدقتَاهُ معلقةً عِند البابِ لِبرهةٍ بوجهٍ فارغٍ ثُّمَ رفعَ رأسَه مغطياً وجهَه بِكفِه ، اهتزتْ كتفاهُ قليلاً ثُّمَ انطلقتْ مِن شفتيهِ ضحكةٌ عاليةٌ مملوءةٌ بالنشوةِ والابتهاجِ.
تذبذبَ صَدى ضِحكَتِه في الحَانةِ وحيداً وهزَّ اركَانَها.
ازالَ يَده مَاسِحاً مآقَهُ بِمفاصِله قائلاً : " اتطلعُ الى مَا هو قادِمٌ حقاً...يا فتاةَ الزَّمن".
.
.
.
.
**********
العاصمةُ سَديم - مَقرُ جيشِ المَملكة.
تعالتْ هُتافاتُ التَدريب ، وضجتِ الساحةُ بأصواتِ المُحارِبين مُستِلِينَ سُيوفَهُم يُقاتِلون بَعضَهُم بعضاً بِضراوةٍ.
صليلُ السُّيوفِ وصرخاتُ الانتصارِ تَتعالى مِن كُلِّ صوبٍ ومَكان.
بعيداً عَنهم ، جَلسَ شابٌ اسمرُ البشرةِ، ذو شعرٍ بني وعيونٍ عَسلية عَلى عُشبِ حديقةِ السَّلام يُنظِفُ صَريمَهُ مِن دماءِ الدببةِ بِخرقةِ قماشٍ.
بِجانبه ، استقرَ رجلٌ ذو ندبةٍ على عَينه يُمسِكِ بيمينِهِ تفاحةً حَمراء وبيسَارِه مقبضَ سَيفِه الرَّمَادي المثبتِ عمودياً على الارضِ.
قالَ الرَّجُل ذو الندبةِ ينظُرُ الى السماءِ بمللٍ:
" ألن تتدربَ ، آسِر؟"
تنهدَ آسر يهزُ رأسَه قائلاً : " لا ، ألم تسمعْ بِالخَبر؟"
قضمَ مِن تُفاحَتِه وهو يَقُولُ بِضجرٍ " بَلى ، كيفَ يُمكن لِهذا الرئيسِ أن يفعلَ هَذا؟"
ابتسمَ آسِر مُجيباً عليهِ.: " ليسَ باليدِ حيلةٌ ، فعلتُها وانا أدري بِعقوبتي... إنقاذُ حياةِ شخصٍ يَستحِقُ هَذا العَناء ، ألا توافقني الرأيَّ ، يُوسف؟"
" حسناً..." اجابَ بِغموضٍ مُحوِلاً بَصرَهُ نحوَ السَّاحةِ يراقِبُ المُقاتِلين.
التفتَ آسِر الى يوسف قائلاً بِجدية :
" كلُّ مَن في العَالمِ يملِكونَ شخصاً يهتمُ بأمرِهم ويُحبهم... يَنتَظِرُهم بترقبٍ وشوقٍ راجينَ أن يعودَ إليهم سليماً ".
رمقَهُ يُوسف بِطرفِ عَينه قائلاً " وما تقولُ عمن لا يَملِكُ هذا الشَّخص؟"
ابتسمَ آسِر معيداً بَصرَهُ نحو سَيفه يَستأنِفُ تَنظِيفه
" في النهايةِ... سَيجِدُ مِثلهُ بِالتأكيد".
ازاحَ يُوسُف بَصرهُ نحو السَاحةِ مجدداً ، قضمَ التُفاحة بِقوةٍ
ثُّمَ تذمَر قائلاً " أنتَ مُتفائِلٌ جداً ....أنَّى لِثغركَ أن يَبقى مبتسماً طيلةَ الوَقت، آسِر؟ ما الذي يَدعو لِلفرح؟"
صمت آسر بتبسم آخر مركزاً على تَلميعِ مَا بيده.
التفتَ يوسف نَحوه قائِلاً بِتأفأف :
" ها انتَ ذا مُجدداً ، تشُقُ الأبتسامةُ وجنَتيكَ بينما لم تُجب سُؤالي".
أستقامَ آسِر حَامِلاً سَيفه ، القى خِرقَةَ القَماشِ بعيداً ، استَنشَقَ بعمقٍ النسيم العليل مُغمِضَاً عَينيهِ لبرهةٍ مِن الزمن ثُّمَ استدارَ نَحو يُوسُف ماداً ذِراعه إليه ورفعَ زوايا شَفتيه قائلاً :
"تزعُمُ أنَّنِي لستُ عَبوسًا؟ هَوّن عليكَ يا صَديقي، وابتسِم... فإنَّها صَدقة."
صافحَ يُوسف يَده مُمسِكاً ايَّاها وقبض على سَيفه بِجانبه ثُّمَ نَهض ، القى لُبَ التُفاحَةِ جانِباً في سلةِ المُهملات.
نظرَ يِوسف الى آسِر ونبس : " بالمناسبة ، ماذا سَتفعل بِشأنها ؟"
" مَن تَعني؟" قالَ آسِر بِحيرة.
اشارَ يوسُف بِعينيه نَحو امراةٍ ذاتِ شعرٍ احمرٍ تقِفُ بعيداً خلفَ الجِدار تُراقِبهُم بعيونٍ مُتلألئة.
" السيدة نَاري غَارون باتَتْ تُراقِبُكَ مُذ انقذتَها مِن عصابةِ اللُصوص ذلِكَ اليَوم ... إنَّها بالفعل تعتبِرُكَ بَطلها ،رُبَّما".
هزَّ آسِر رأسَه نَافِياً بِارتباكٍ " بَطلُها؟ هَذا هُراء ، لقد ادَّيتُ مَهمَتِي فقط كَفارسِ مرافقةٍ لا أكثر".
هز كَتفيه " لا اظُنُ انَّها تعتقِدُ ذلِكَ ايضاً... ولكي أكونَ صريحاً مَعك فأنا تُراوِدُنِي الشُكوك بِكونِها معجبةً بِك ، لا انصحُكَ بِالتورُطِ معها ، انتَ تعلمُ جيداً بأنَّها الحفيدةُ الاولى للسيدِ غَارون ، لو آذيتَها بأيِّ طريقةً فقد يَضربون عُنقك بِبساطةٍ ثُّمَ.."
اشارَ بِخنصره مُمرراً ايَّاهُ عَلى عُنقِه : " ستموت".
اخفضَ آسِر رأسَه " اعلمُ هَذا... لا داعٍ لإخباري".
قال يُوسُف نَاصِحاً وهو يُمرر ذِراعه عَبرَ كَتِفَي آسِر:
" سَايرها فَحسب لكن بِرسمية ..".
" الفارس آسر !"
قَاطعهم صَوتٌ صَدر على حِين غَرة مِن خَلفهم فالتفتوا نَحوه ، اقبلَ إليهم جُنديٌّ شَابٌ راكضاً ، تباطئتْ خُطواته رويداً حَتى استقرَ امامَ آسِر.
ضم الجندي أصابِعه واضعاً كَفه افقياً بِجانِبِ حَاجبه الايمن يُدني يَده الاخرى قُربَ جسده سَريعاً مُؤديا التَحية العَسكرية.
اومأ آسر برأسه ردا عليه.
قالَ الجندي :
" ايها الفارس، قائد الفرقة مُنير يَستدعيكَ الى مَكتبِه فَوراً ".
تبادلَ آسِر ويُوسف النَظرات بِريبة ، ثُّمَ أشاحَ آسِر بصرَه مُركزاً تِجاهَ الجُندي يُومأُ بِرأسِه " سَآتي حَالاً ".
" حسناً" استدارَ الجندي بَعدها مُغادراً.
" ما الذي قد يريده منك القائد؟" قال يوسف بمفاجأة.
قال آسِر وهو يُثبِتُ سَيفَهُ عَلى خصره بِعجلةٍ
" سَنعلمُ هَذا قَريباً ".
" إذن.. الى اللقاءِ" قالَ ثُّمَ ادبرَ بَعدها مهرولاً خَلف الجندي.
وردَ المَبنى الخَاص بالجيش ، كان مكتظاً بأناسٍ مُختلفين ، جنودٌ قَاموا بالتسجيلِ لِتوِهِم ، وجنودٌ مُبتدئون ، وعَوائلُ يطلبونَ الأذن لرؤيةِ أبناءِهم.
قلَ ضَجيجُ الناسِ كُلما اقتربَ مِن المَركزِ حَتى تَوقفَ اخيراً امامَ بابٍ خشبي يَحمِلُ رمزَ المَملكة.
رفعَ مِقبضه الحَديدي وطرقَهُ ثلاثَ مراتٍ .
بعدَ لحظاتٍ سَمِعَ صَوتاً مِن الداخلِ يقول
" أدخل" .
ففُتِحَ البابُ وَوَلجَ الى المَكتبِ.
استقرَ رجلٌ في عقدهِ الاربعين على كرسِي جِلدي قَاتم امامه مَكتبٌ اسوَدٍ مليءٌ بالاوراقِ والوثائِق ، وفي حَافته وضعت مَحابِرُ اقلامٍ مختلفةُ الحُجوم.
خَلفه ، عُلقتْ خريطةٌ ضخمةٌ تشمِلُ مناطَق مملكةِ أدام كُلِّها واسماءُ بعضِ المَماليكِ المُجاورة.
ادى آسِر التحيةَ العَسكرية بخفةٍ قائلاً : " سَمعت أنَّكَ استَدعَيتَنِي ، حضرةَ القَائد".
" نَعم ، لقد فعلت " اجابَ بنبرةٍ غيرِ مُباليةً.
عَقد اصَابِعهُ مُستنِداً عَلى مَكتبٍ واضعاً فَكه عَليهم ، ضَيقَ عَينيه قَليلاً ناظراً الى آسِر ثُّمَ قالَ
" تَم العفو عَنك ... تهانينا ، سَتُلغى عُقوبَتك"
" ماذا؟" قالَ آسِر بِمفاجأةٍ.
أكدَّ الخَبر بعدمِ اكتراثٌ " كَما سَمعت".
سَأل آسِر باستغراب" لِماذا؟"
اجَابه بِوجهِه الخَالِي مِن التَعابير : " عَليكَ شُكر الآنِسة غَارون عَلى هَذا ".
احنَى آسِر رأسَه بِصمتٍ.
فَهِمَ انَّها مَن أمرتْ قَائدَ الفِرقة بالغاءِ العُقوبة ، فانصاعَ لَها فكيفَ يُمكنه مُعارضة أمرِ حَفيدة وزيرِ الدِفاعِ المُفضلة؟
اعتدلَ مُنير قليلاً في جَلسته ، وضعَ مِرفقه عَلى مُسندِ الذِراعَين قائلاً " لكن هُناك مَهمةٌ عَليك تَأديتَها الآن".
رفعَ احدى المُستندات بِسبابَتِهِ والوسطى وهو يُأرجِحُ كرسِيَه يميناً ويساراً.
ثبتَ كَعبَ حِذائِه عَلى الارضِ مُخفِفِاً الاهتِزاز ثُّمَ اومأَ بِرأسِه لآسِر كي يَقتَرِب.
تقدَّمَ آسِر نَحوه ، سَلَّمَ الوَرقة إليه فَأخذها بِهدوء.
قالَ مُثبِتَاً نَظره نحو آسِر الّذي يُطالِعُ مَا بِيده:
" عليكَ ان تَقتَحِمَ المَنزِل المذكُور في الورقَةِ ادنَاه، وَصلنَا بلاغٌ بأنَّهم يُخبِأون الأسلحَة".
امالَ آسِر رأسَه بِحيرةٍ " اليسَتْ السُيوف مُتاحةً لِلجميع ؟ وكمَا انّ هَذا النوع مِن المَهام مِن اختصاصِ وزارةِ الدَاخِلية، اليسَ كَذلك؟"
نَفى الأمرَ قائلاً : " ليسَ الامرُ كَذلك ، ألم تَسمعْ بالسلاحِ الجَديد؟"
هزَّ آسِر رأسَه " كَلا".
وضحَ الامر ببلادة قائلا
" إنَّهُ سلاحٌ جديدٌ صُنع باستخدامِ الكِيميائين ، يُسمى بالقنابل.. يمكنها الانفجار وتدمير حي صغير بأكمله ".
استفسر آسر " وهَل تشكونَ بِوجودها في هَذا المَوقع؟"
" نعم ، نَخشى ان يَكونَ صَاحب هَذا المَكانِ مُجردُ جاسوسٍ او مُخبِرٍ لمملكةِ صِيردا".
" ماذا عَن اجازةِ التَفتيش؟"
صمت لِبرهة ثُّمَ اجاب " اذهب بِدونها" .
" ثُّمَ.. هل اقبِضُ عَلى صَاحِب المَنزل اذا كانتْ هُناك بِالفعل ؟"
" أجل ، اقبِض على سَاكِنيهِ جميعاً ثُّمَ اصطَحِبهُم مَعكَ وزُجهم فِي السِجن الحَادي والعِشرين ، سَينتظرونَ هُناك ريثَما تُصدِرُ المَحكمة قَرارها ".
قال آسِر بِاستفهام مُتشككاً مِمَا سَمِعه لِلتو
"جميعاً؟ حَتى عَائلته؟ أليسوا بريئين والامرُ بِرمته يقعُ على عاتِقِ صَاحِبِ الدار؟"
نبس عابثاً بالمستنداتِ امامَهُ غيرَ مُهتمٍ :
" جميعهم شُركاء طَالما لم يقوموا بِالابلاغ ، نحنُ نتعامَلُ مع متفجراتٍ خطيرةٍ هُنا".
قالَ آسِر يكظُم غَيظه مبتسماً بِتكلف :
" ثُّمَ ماذا لو لم اجد المَواد المتفجرة؟ انتَ لم تمنحني اجازةَ تفتيشٍ حَتى ، تريدُ مِني ان اقتحمَ المكان هَكذا لأنَّه ايسرُ لكَ وابسط.. كيفَ تودُ مِني اتخاذَ اجراءٍ قانوني بينما لا املِكُ اجازةً ؟ هل سَتتحملُ المسؤوليةَ وانتَ تتصرفُ دون تصريحٍ رَسمي أو أمر من جهة عُليا؟"
توقفتْ يَداهُ ثُّمَ رفعَ بصرَهُ ناظراً الى آسِر بحدةٍ .
خَيَّم بردٌ ثقيلٌ عَلى المكتب، كأنَّ المَكانَ تجمّدَ بَعد كَلماته.
قالَ لَهُ بنبرةٍ صَارمةٍ تَهديديةٍ :
"لا بُّد انَّكَ نسيتَ مَكانَك.. آسِر، هذا ليسَ شيئاً عليكَ الأهتمامَ بِه ، يبدو بأنَّكَ اغفلتَ مَع مَن تَتَحدث".
اخفضَ آسِر رأسَه مُبتَسِماً بِتصنعٍ ، نبسَ بنبرةٍ خاليةٍ من الاعتذار:
" انا اسِف ، حضرةَ القَائد".
خَفَفَ مِن تعبيرِهِ حينَ رأى خُضوعَه الذي شَفا غُروره ثُّمَ قال بنبرةٍ آمِرة:
" سَأرسِلُ مَعكَ بعضَ الجُنود لِكي يُساعِدونك اذا لاحظوا تَمرُداً".
" حَاضر" اجابَ آسِر بخنوعٍ.
نَهضَ مِن مَقعدِهِ واقتربَ مِن آسِر ، وضعَ كَفهُ عَلى كَتفه ، ادنى رَأسَه مِن اذنه وهَمس :
" اذا نَجحتْ هَذه المهمة سَيتم تَرقِيتي وانا بالتأكيدِ لن أُنكِرَ مُساعَدتك حينئذٍ ، فهمت؟".
" لماذا اخترتَنِي انا بِالذات؟" قالَ دونَ أن يلتفِتَ بِرأسِه نَحوه.
" لأنَّني اعلمُ قُدراتِكَ جيداً ، انا قائِدُ الفِرقة وأرى فِيك امكانياتٍ تُؤهِلُكَ ان تَجلِسَ على مَقعدِي هُنا والآن"
"ماذا لو كُنتَ مُخطِئاً؟ ماذا لو كانتْ معلوماتك غيرِ صحيحةٍ وظَلمتَ أناسٍ انتَ لَم تَرهُم مِن قبل ؟ ماذا سَتفعل لو حَاولوا الإبلاغَ عَنك؟"
اظلمتْ عَيناه " ثُّمَ سَنتخلَصُ مِنهم فَقط".
صمتَ آسِر ، كان يَعلم أنَّ الاعتراضَ على كَلامِه الآن قد يَجعَلُ رَقبتهُ تطيرُ في غيرِ مَحلها.
لن يترددَ منيرُ في التخلصِ من كلِّ مَا يعيقُ طَريقه.
لكنَّهُ عزمَ ان يُبلغ عَنه بِنفسِه لِلقواتِ العُليا إن كَانوا بِريئين ، حَتى لو كَلفَهُ ذلِكَ رأسَه.
طبطب على كتفه بِراحةِ يدهِ قائلاً " انصرف الآن".
ادى آسِر التحية العسكرية ثُّمَ فتحَ البابَ يمضي خارجاً غارقاً في تَفكيرِه.
دون ان يُدرِكَ ذلك، قادتهُ قدماهُ الى حديقةِ السَّلامِ بسرعةٍ، جَلسَ يُوسف هُناك يَنتظره ..
حينَ لَمحَهُ عائداً استقامَ ثُّمَ سَأله بِترقبٍ :
" اذن؟ ماذا كَان يُريد؟"
تنهد آسِر قائلاً " لقد الغى عُقوبتي".
قالَ يوسف بنبرةٍ يشوبها الابتهاج والتعجب " حقاً؟ هذا خبرٌ رائعٌ لكن..."
توقف قليلاً ينظرُ لمحيا آسِر ثم سأل باستغرابٍ
" ما خطبُ هَذا التعبير؟"
رفعَ آسِر الورقةَ إليه بِقلةَ حيلةٍ.
سَأل يوسف محولاْ نظرهُ نحوَها" ما هذه الورقة ؟"
اجابَ مُدحرجاً عَينيه جانباً "أُوكِلَ لِي بِمهمة ".
سَأل يوسف بحيرةٍ يُقلِبُ الورقةَ متفحِصاً إيَّاها " أيُّ نوعٍ ِمن المَهام؟"
نظرَ آسِر الى الافقِ بشرودٍ قائلاً:
" كشفُ الأسلِحَة".
****
عادتْ كاثرين ادرَاجَها الى منزلِ الجدةِ العَجوزِ بارهاقٍ.
ولحسنِ حَظِها لم تُصادف ذلكَ الرَّجُل الَّذي يبحثُ عَنها سَابقاً.
استقرتْ امامَ البابِ تنظرُ اليهِ باضطرابٍ وترددٍ ، تَرفعُ كَفها تَارةً ثُّمَ تُعيدُهُ ادراجُه تَارةً اخرى.
كانتْ تشعُرُ بالحرجِ قليلاً ، ماذا سَتقولُ للجدةِ ؟
اغمضتْ عَينيها تَستنشِقُ بهدوءٍ تَرفعُ قَبضَتها لِتقرعَ الباب..
بالضبط عَندما اقدمت عَلى طرقِهِ اخيراً ، فُتِحَ البابُ على حينِ غرةٍ وظهرتِ العجوزُ امَامها، تفاجأتْ كُلٌّ مِنهما بالاخرى.
" كاثرين..؟" قالتْ العجوزُ بدهشةٍ.
لوحتْ كاثرين بِكفها المُعلقِ في الهَواء بخجلٍ " مرحباً ، جَدتي".
امسكتْ العجوزُ كَتفيها بِلهفةٍ، تجولتْ مُقلتيها متفحصةً أيَّاها مِن رأسِها الى اخمصِ القَدمين تَطمئِنُ عَليها .
بعدَ ان تَأكدت من عَدمِ اصابَتِها بأيِّ أذى تنهدتْ بارتياحٍ ثُّمَ ثَبتَتْ بَصرها على وَجهها وقالتْ بنبرةٍ قَلقة:
"اين كُنتي ، كَاثرين؟"
ابتسمتْ كاثرين قائلةً.: " انا اسِفة حقاً... حصلتْ لِي بعضُ الامورِ فلم استَطِع العَودة".
افسحتْ لَها العجوزُ الطَريق تَدعوها لِلولوجِ الى الداخلِ مُرحبةً بِها .
تمكنتْ كَاثرين مِن النَجاة من وابِلِ الاسئلةِ عن طريقِ تَذرُعِها بالتعبِ.
مشتْ باضطرابٍ نَحو فِراشِها ثُّمَ ارتمتْ عَليه تُغطِي رأسَها.
سحبتْ الغِطاء بانَامِلها مخرجةً عَينيها فقط مِنه ثُّمَ قالت لِلعجوز بابتسامةٍ
" تُصبحين على خيرٍ ، جَدتي".
تجعدتْ حافاتُ عَيني الجدة تَرُدُ لَها الابتسامةَ بحنانٍ وتومِأُ بِرأسِها.
لفتْ اللحاف حَولَ رأسِها تَشُدُه بِيديها وتُديرُ جَسدها على جانِبِها الأيمن.
لم تنم كاثرين ، ذِهنُها كانَ مشغولاً بالفعل بِكثيرٍ من الأشياءِ .
وأنَّى للنومِ ان يُقبِلَ عَليها الليلةَ بعد كُلِّ ما مرتْ بِه؟
طفقتْ تَحِيكُ بِبالها خُطةً لِمقابلةِ صَاحِبُ تِلكَ المَقولة.
اخذتْ تَستذكِرُ كُلَّ مَا تعرِفُهُ عن مملكةِ أدام واهلِها تَجمعُ الخيوطَ مَع بَعضِها وترسِمُ بِها حيلاً مُحكمة.
اصَابَها النُعاس من فرطِ التفكيرِ فقررت تأجيلَ باقي الامرِ الى اليومِ التَّالِي.
.
.
.
انشقَ الليلُ وانفلقَ الصُبح ، تسللتْ اشعَةُ الشَّمسِ من النافذةِ تُضيءُ المَنزل وتَملأُهُ دِفئاً وسَكينةً.
سَقطت خُيوطَها على عَيني كَاثرين ، عَبستْ قليلاً تُغطى عَينيها بِراحةِ يدها.
رمشتْ ببطء تعتادُ نورَ الصَّباحِ ثُّمَ اعتدلتْ رُويداً.
فركتْ مِحجَرَ أعيُنَها بِقبضتها ... تثاءبتْ مُغطيةً فَاهها بِكفها ثَّمُ طَفقتْ تَحُكُ شَعرها الفَوضَوي باصَابِعها.
نهضتْ مِن مكانِها متململةً ثُّمَ اتجهتْ الى الحَمام ، غسلتْ وَجهَها ولَملمتْ خُصلاتِ شَعرها تَمشُطُها.
بعد ان انتهتْ من جميعِ امورِها دنتْ مِن كرسِي وحيدٍ يميلُ برأسِه مستنداً عَلى طاولةٍ صَغيرةٍ في زاويةِ المنزلِ.
اخرجتْ بَعضَ قُصاصاتِ الجَرائِدِ التَّي كانتْ تَجمَعُها طيلةَ مُكوثِها هُنا واخذتْ بَعضَ الورقِ الفارغِ ثُّمَ همَّتْ بالجلوسِ عَلى الكُرسِي.
تَناوبتْ نَظراتُها بينَ القُصاصاتِ وبينَ الورق تتأملُ مَا فيها وتُدوِنُ شيئاً جديداً على الورقِ كُلَّ حينٍ.
بعدَ مرورِ نصفِ ساعةٍ ، توقف صوت خربشة الاقلام وضعتْ كاثرين المَحبرة جانباً واخذتْ تُطالِعُ ما جَمعتهُ مِن معلوماتٍ الى الآن.
[ إنَّ اهلَ العَاصمةِ يَهتمونَ بالجمالِ حقاً ويبدو بأنَّهم لا يستخدمونَ ايَّ من مستحضراتِ التجميلِ او العنايةِ الحَديثة.]
.
.
[عُرِفَتْ الاميرةُ اليزابيث بأنَّها المرأةُ الاجملُ في مَملكة أدام ، اشتُهِرتْ بِحُبِّها للاناقةِ والرُّقِي وهَوسها بِجمالِها على وجهِ الخُصوص.]
كانتْ هذهِ نقاطُ قوةٍ مهمةٍ تستفيدُ مِنها كاثرين ، ابتسمتْ بِفرح.
تخرجتْ كاثرِين مِن كليةِ الصَّيدلة وقَبلَ ان تَأتي هُنا ، قامتْ بفتحِ صَيدليةٍ تُقدِّمُ مِن خَلالها استشارات عِلاجية تَخُصُ البَشرة وطُرق عِلاجها وصُنع ادويةٍ مفيدةٍ لَها ... كان عَملُها ناجحاً.
لذلك قررتْ ان تقومَ بالسفرِ الى العاصمةِ سَديم وتصنعُ مستحضراتِ التجميلِ وتحاوِلُ مِن خِلالها جذبُ انتباهِ الاميرةِ لِيتسنى لَها دُخولُ القَصرِ المَلكي والبحثُ عن ذلكَ الشَّخص.
امسكتْ القلم ثُّمَ احاطتْ كَلمَتي ' سَديم ' و ' القَصر المَلكي' بدوائِرَ مُتعددةٍ إذ كانتْ هَدفها الآن ، ثُّمَ رسمتْ سَهما منطلقاً مِن العَاصمة الى كَلمة القَصرِ المَلكي.
" ما الذي تفعلينه ، كاثرين؟"
انتفضتْ كَاثرين مُلتفتةً نَحو الصوت ، كانتْ العجوزُ تَقِفُ هُناك تَنظُر اليها بِحيرةٍ ، ابتسمتْ كاثرين بحرجٍ قائلةً :
" لا شيءَ ،جَدتي.. كُنتُ فقط اقومُ بِالخربشةِ قليلاً لأُصفِي ذِهني".
كانتْ كاثرين في غايةِ السَّعادةِ الآن ،لِدرجة ان لو قالَ احدٌ مَا لَها ' كم انتِ مُزعجة، كَاثرين' سَتقولُ لَه بابتهاج ' نَعم~'.
نهضتْ كاثرين مِن مَكانها واقتربتْ مِن العجوز ، امسكتْ بِكفيها وقالتْ بنبرةٍ دَافئة:
" يُؤسفني حَقاً مَا سَأقُولُه لكِ جَدتي، اردتُ حقاً تأجيلُ الامرِ اكثَر ولكن...يبدو بانَّهُ عليَّ المغادرة مِن هُنا ".
تفاجأتْ العَجوزُ ثُّمَ اخفضتْ رأسَها بحزنٍ بعدَ استيعَابها كَلامها.
" هكذا إذن..." .
رفعَتْ بَصرهَا نحوها والدموعُ تكادُ تُغرِقُ عَينيها.
" كُنتُ اعلم ان هذا اليوم آتٍ لا محالة لكنني تمنيتُ ان يَستمر الأمرُ لفترةٍ اطول... لقد آنستِ وَحَدتي وخَففتِي عليّ عَيشي فأنَّى لِي ان اعودَ لِوحدةِ وسكونِ مَنزلي بعدَ ان ذُقتُ لَذةَ الرِّفقة؟"
" انا اسِفة " ادنتْ كاثرين راسَها بخجلٍ.
لقد اعتنتْ الجدة بِها جيداً ، لكن لا مفرَّ من مجيءِ وقتُ المُغادرة.
مسحتْ الجدةُ دُموعها باطرافِ اصابعها قائلةً
" لا..لا بأس ، يَا لجَهلي .. لا ينبغي عليَّ ان أُصَعِبَ عَليكِ امرَ الرَّحِيل ، المُهمُ ان تَبقي سالمةً دائماً ، حسناً؟"
شعرتْ كاثرين بِدغدغةٍ في قَلبِها ، متى كانتْ اخِرُ مرةٍ اهتمَ فيها احدٌ مَا؟... لا تَتَذكر.
رُسِمَ على شَفيتها طيفُ ابتسامةٍ وقالت " نَعم..سَأفعل ، وانتِ ايضاً يا جدتي ، اعتنِ بِنفسكِ جيداً ".
اومأتْ الجدة بِرأسِها " انتِ مُرحبٌ بِكِ دائماً هُنا ، متى ما اردتِ العودة يُمكنكِ ذَلك، ابنتي".
قالتْ لها بِتبسمٍ " حسناً ، اشكركِ يا جَدتي".
اتجهتْ الجدةُ بَعدها نحو خزانةٍ تقعُ في الزَّاوية ، فَتحتها وهي تَبحثُ بينَ الثيابِ حَتى اخرجتْ حقيبةً جلديةً صغيرةً .
دنتْ مجدداً مِن كاثرين واخرجتْ من حقيبتها بعضَ النُقود ثُّمَ وضَعها بيدِ كاثرين تُطبِقُ كَفها على اصابِع كاثرين.
قالتْ بحزمٍ " خُذي مَعكِ هذ المال ، سَتحتاجينه".
هزَّتْ كاثرين رأسَها بارتباكٍ " لا ، لا يُمكنني قَبولُ هذا جدتي، لقد أستمديتُ مِنكِ الكثيرَ بالفعل ".
الحَتْ الجدةُ قائلةً بصرامةٍ " بلى ، تَناولي مَا بيدي الآن.. أترفضينَ أمري الآن؟"
انتهى بِها المطافُ ممسكةً بِهِ بٱحراج ، شَكرتها ثانيةً ثُّمَ التقطتْ حقيبتها وهي تُودِعُها مغادرةً.
مضتْ خَارِجاً وهي تُفكِرُ بمقدارِ النقود التّي تَملِكُها الآن ،راحتْ تَعدُها رويداً وهي تَتَقصی المِقدار المَطلوب للتوجهِ نحو العاصمة.
كانت تملِكُ حوالي 300 لاك الآن.
غاصت عيناها بتفكرٍ حتى وصلتْ الى الحُدود.
تلبثتْ قَدماها فَجأة ، التفتَتْ تُمرِرُ عَينيها عَلى هذهِ القرية للمرةِ الاخيرة ، المُقاتِلين والمُشجِعين والبَاعة المِتجولين ، ضحكاتُ الاطفالِ وحَيويتِهِم ، رجالٌ يجلسونَ رِفقةَ بَعضهم يحتسونَ الشاي ويَتحدثونَ بِمرح.
لن تعودَ هُنا اطلاقاً.. سَتفتقِدُ تلكَ الرائحة المَليئة بِالأمان بعض الشيء.
تنهدتْ ثُّمَ هَمَّت لِتكملَ المَسير ، لكن قبلَ ان تستمرَ اصطدمَ كَتفها بشخصٍ مَا .
هوت حَقيبتها ارضاً.
فركتْ ذِراعها قائلةً " اعتذر".
ثُّمَ انحنتْ تتناولُ حَقيبتَها مِن الارض.
" انتِ...." قالَ الرَّجُل.
بعدَ ان نَفَضتْ مِنها الأترِبة ، رفعتْ بَصرَها نحو الرجل الصامِت بِجمودٍ أمَامها، ثُّمَ توسَعتْ عَيناها بِدهشة.
شَعرٌ احمر ، جَسدٌ مُغطى بِالدروع..
كانَ الرجلُ الّذي حقَقَ مَعها عَن هَويتها سَابِقاً.
استقامتْ سريعاً بتوترٍ .
نظرَ اليها بهدوءٍ يُضيقُ عينيهِ مُدقِقاً النظرَ في وَجهها.
رفعتْ كَفها ثُّمَ لوحتْ له بابتسامةٍ مُتشنجة
"اه.. مرحباً؟"
كأنَّهُ أدركَ هَويتها لِلتو ، احتدتْ نَظراته ثُّمَ امسكَ بِذراعها خشيةَ ان تهربَ قائلاً
" من انتِ ؟ ولِمَ هربتِ تلكَ المَرة ؟"
قالتْ وهي تُحاوِلُ ازالةَ اصابِعه عَن كَتفها :
" انتَ تُؤلِمُني ، كما اخبرتُكَ من قبل انا مجردُ امراةٌ تعيشُ هُنا".
خفَفَ قَبضتهُ ثُّمَ سَأل بتعبيرٍ مُتصلبٍ " ارِنِي هَويتكِ فوراً".
" حسناً" اومأتْ برأسِها واخرجتْ الهوية من الحقيبةِ بِطاعة.
ثبتَ عينيهِ عَليها باحثاً عن ادنى اشارةٍ لكونِها مُزيفة.
تناوبتْ نظراتِها بينهُ وبينَ الهويةِ بتوترٍ خوفاً من كونِها تعرضتْ لِلخداع.
اومأَ برأسِه ثُّمَ اعادها إليها ، ضيقَ حدقتاهُ قليلاً بشكٍ قائلاً :
" اذا كُنتِ كذلكَ فعلاً ، فلِمَ هربتِي مِني تلكَ المرة؟"
ازالتْ كفهُ كامِلاً عن ذِراعها ثُّمَ قالتْ بِتهكمٍ " لقد ارتعتُ من مظهركَ ، بدوتَ كرجلِ عصاباتٍ".
انطلقتْ ضحكةٌ جوفاء من فَاهه ، قالَ بعدمِ تصديقٍ :
" أنا رجلُ عِصابات؟ انتِ.. ألا تعلمين مَن أنا؟ حَتى سَاكنِي الريف ومُتسولي الأَزقة يُمكنهم مَعرفةُ من انا بِمجردِ النظرِ لِشعري".
اخذتْ تقبضُ وتبسطُ كفيها مِراراً بتوتر ، هل هُنا تُحدد المَكانةُ الاجتماعيةُ لِلناسِ بلونِ الشَّعرِ ام ماذا؟
تارةً شعرٌ اسود وتارةٌ أُخری احمر... هل هُو لونٌ مشؤومٌ آخر ؟
لكن تَفاخُره بِهِ يَدلُ عَلى غيرِ ذَلك.
ابتسمتْ بِتكلف قائلةً " بِالطبع... انتَ تَمتَلِكُ لونَ شعرٍ مميزٍ ، ذلكَ اللونُ الذي يُشيرُ لِلسلطة، اليسَ كذلك؟ هاهاها".
تصلبَ تعبيرهُ ، قالَ بصوتٍ خفيضٍ :
" بالطبعِ هو كذلك ، أحقاً لم تَتعرفِي عليّ؟"
قالتْ بنبرةٍ يشوبُها الخَوف
" هل ينبغي ان افعل...؟"
هزَّ رأسَه بِعدمِ تصديقٍ ، رفع يَده وحركَ اصابِعه الى خلفه اشارةً ان تمضِي قُدماً كأنَّه يَطرُدُ ذُبابة.
ما خَطبه؟ قالتْ في نفسها بِحيرة.
تنهدتْ ثُّمَ سَارتْ في طَريقها مُتجاهلةً إيّاه .
'مجردُ متغطرسٍ تَافه ، لن ادعَ شخصاً مِثله يُعكِرُ مِزاجي ، لن اهتمَ بِأمره الآن فهُناك ما هو أهم' .
مشت حَتى وصلت إلی شارعٍ تَمضِي العرباتُ مِنه ذهاباً واياباً.
'هل جَميعُهم عرباتُ أُجرة؟'
تلبثتْ في مَكانها ثُّمَ رفعتْ ذراعها عَالياً تنظُرُ الى العَرباتِ المَارة.
بعد فترةٍ قصيرةٍ ، لمحتْ عربةً بدأتْ تتباطئ رويداً حتى استقرتْ امَامها.
تنفستْ الصَعداء ، يبدو انَّهم ايضاً يرفعونَ يدهم للاشارةِ الى احتياجِهم لعربةِ الاجرة.
كانتْ عربةً صَغيرةً يَجُرُها حِصانٌ بني تقودُه امرأةٌ ذاتُ شعرٍ كَستنائي قَصير.
ابتسمتْ قائلةً لكاثرين " اينَ تُريدين ان اوصلكِ ، ايتها الانسة ؟"
اجابت باسترخاء " الى العَاصمةِ سَديم".
اومأتْ برأسِها ثُّمَ اشارتْ لكاثرين ان تَركب.
قالتْ كاثرين وهي تَفتحُ البابَ لِلجلوس" كم السِعر؟ وما المدةُ التي تستغرقُها الرِحلة؟"
اجابتها "10 لاك ، تَستغرقُ الرِحلة مِن هُنا حتى العاصمة يومين كاملين".
هزت راسَها ايجاباً ثم ولجتْ داخلَ العَربة ، ضربت المرأةُ بعدها بِحذائها جانِبَ الحِصان فانطلقَ مُسرعاً بصهيلٍ عالٍ.
طفقتْ تتحدثُ مع كاثرين من مقعد السَائق قائلةً
" ما اسمُكِ؟ تبدين غريبةً عَن هُنا"
قالت كاثرين بِحيرة " اسمي كاثرين لكن... كيفَ عرفتي انَّني غريبة؟ هل هذا وَاضِح؟"
قهقهت بمرحٍ قائلةً " اسمُكِ غريبٌ، جميلٌ ، منذ رفعتِ يَدكِ عالياً علمتُ انكِ لستِ من اهلِ هذه البلدة ، فالناسُ هنا عادةً يصفِقونَ مرةً دلالةً علی احتياجِهم للمساعدة ويصفِقونَ مرتين اشارة الى احتياجِهم للرِحلات".
حكت كاثرين خَدها بِسبابتها خَجلاً " حسنا... ثُّمَ كيفَ عرفتِ مَقصدي إذن؟"
" فقط توقعتُ انكِ غريبةٌ عَن هنا ".
سَعلت كاثرين قليلاً ثم قالت بِابتسامة" اهاهاها ... هكذا إذن ، ما اسمكِ انتِ؟"
سعدت الفتاةُ بسؤال كاثرين ، اجابتها بِحماسٍ
" اسمي لينا ، لقد مر وقتٌ طويلٌ منذ تحدثت مع فتاة تبدو بمثلِ عمري، بلغتُ 22 عاماً هذه السنة ..بالمناسبة ، ما الذي يعنيهِ اسمكِ؟ كم عمركِ انتِ؟ من اينَ اتيتي؟ "
شعرتْ كاثرين بالدوار مِن فائضِ اسئلتها ، ندمتْ انَّها استرسلتْ في الحديثِ مَعها.
تنهدت ثم ابتسمت بتكلفٍ قائلةً
" عُمري 23 عاما " .
لم تعرِف كاثرين اسمَاءَ مناطِق مملكةِ ادام ولم تُرد التَورط بشيءٍ هي في غنى عنه لذلك تجاهلتْ سُؤالها الاخير.
" حقا؟ يبدو أنَّنا نمتلكُ أعماراً متقاربة.. اهاهاها"
' أعتقدُ أنَّها سَتكونُ رحلةً شَاقة' فكرت بإرهاق.
نظرتْ من نافذةِ العربةِ بشرود تتظاهر بالأستماع ثُّمَ قررت اخذَ الامرِ بايجابية ، لرُبَّما يُمكنها من خلالِ هذه الفتاة مَعرِفة المزيدِ عن العَاصِمة وعن المَناطق التي يُتاجِر فيها الناس بالموادِ الكِيميائية.
أخذت تتكلمُ مَعها وتسأل ،لم تبخل لِينا باعطائِها المعلومات ، بل كانتْ تتحدثُ باسهابٍ واحيانا بتفاصيلٍ غيرِ ضروريةٍ.
بعد مرور سِت ساعاتٍ على هذا الحال، شعرتْ كاثرين برغبة القفزِ من العربةِ حَالاً.
رأسُها كان يَرنُ من شدةِ صُداعها والفتاةُ تأبَى ان تَصمُت.
شدت قبضتَها بغضبٍ ' لا إله إلا الله ، كيفَ أطفئها الان؟ ألا تمتلِكُ زرَ إعادةِ التشغيل؟'
في النهاية ، لم تستطع تحمل الامر لفترةٍ اطول.
اجبرتْ شَفتيها على رسمِ ابتسامة ، قالت " المعذرة ، ألا يمكننا التوقُفُ قليلا للاستراحة؟ اشعرُ بِالاعياء".
التفتت لينا نَحوها وقالتْ بِحيوية :
" اوه..هل تعبتِي بِالفعل؟ يبدو بأنكِ ضعيفة... عادةً يُمكنني تحمُلُ رحلاتٍ تصِلُ ل14 ساعةٍ دون اخذِ قسطٍ مِن الراحة او النوم -"
قاطعتها كاثرين قبل ان تدخُلَ بدوامةِ الحديثِ ثانيةً
" هل سَنتوقفُ إذن؟"
" نعم ، حَسناً".
بدأتِ العربةُ بالتباطُئ حتى استقرتْ اخيراً مَكانها.
خرجتْ كاثرين مِن العَربة كأنَّها تَهرُب.
' اخيراً...إنَّها الحُرية' فكرت.
شعرتْ ارجُلها بالخَدر ، اسندت كَفها على العَربة تُدور قَدميها في مكانِهم بهدوءٍ حَتى عادا لِطبيعتهما.
رفعتْ رأسَها مستنشقةً الهواءَ بِعمق.
نزلتْ لينا من العربة واقتربتْ منها تبدأ حديثاً اخر بحماسٍ
" هل تعلمينَ أينَ نقِفُ نحنُ الان ، كاثرين؟ إننا في مدينةِ الزَاجل ، تقعُ في وسط اقليمِ غارون وهي زاهرةٌ وزاخرةٌ بالسكان-".
برزَ عَصبٌ في حافة صدغها غضباً ، قاطعتها مجدداً بنبرةٍ عالية " هل تُوجدُ مساجِد هُنا؟"
عادةً كانت تُرحِبُ بالمعلوماتِ المجانية ولكنها كانت تُعاني من إرهاقٍ نفسي وتَعب.
" اوه..كلا ، لا توجدُ المَساجد الا نادراً فكما تَعلمين ، المسلمين ليسوا بِكثر.."
" حسناً ، حسناً.. ، ثُّمَ هل يُوجدُ مكانٌ استطيعُ ان اصلي فيه؟"
اومأتْ برأسِها، ارشدتهَا بعدها الى منطقةٍ تقع على بعدِ شارعٍ من نقطة وقُوفهما.
ذهبتْ كاثرين على عَجل مبتعدةً عَنها..
تبعتها لينا قائلةً انها سَتنتنظرها قربَ الزقاقِ خلفَ الشارع تشاهِدُ السِّيرك.
ولجت كاثرين المكان ، اتجهت بعدها نحو صنبورِ ماءٍ قريبٍ فتوضأتْ ثم اخرجت حجاباً من حقيبتها وصلت.
بعد مضي دقائق ، انتهتْ وطفقتْ تَدعو ان تستمرَ لحظاتُ الهدوءِ والسَّلامِ هذه.
نَهضتْ تُمسِكُ حَقيبتها بارتياحٍ ، رفعت قَدمها إلی الأمام لتمشي..
لكن قبلَ ان تفعل شعرتْ بيدٍ تمسك حقيبتها بقوةٍ محاولةً أخذها مِنها .
" مهلا ! حقيبتي !"
قبضتْ على حافةِ الحقيبة وبدأتْ تَشُدُها من عندِ اللصِ الذي ظَهرَ فَجأة.
كان يرتدي غطاءَ رأسٍ طويلٍ يغطيهِ بالكامل حتى عَينيه .
اخذ كُلٌّ منهما يشدُ الحقيبةَ من جانِبه ، كافحت كاثرين تسحَبُ حقيبتَها بعنفٍ مِنه ثُّمَ مدتْ يدها الفَارغة ، أمسكتْ القلنسوة الخَاصة باللص ورمتهَا بعيداً عن وَجهه.
انكشفَ بَعدها شعرٌ وردي قَصير.
اتسعتْ عيني كاثرين ، ارتختْ يَداها وتوقفتْ عن الشَد كما فعلتْ يَدا السَّارِق.
" جوري....؟"
قالت بذهولٍ ثُّمَ كأنَّها تؤكِدُ افكارها سألتْ بصوتٍ اعلى
" الستِ جُوري؟!"
حدقتْ المراةُ الماثلة امامها بذهولٍ وصدمةٍ مُماثلة
" ماذا؟... انتِ...؟"
" كاثرين ، ماذا حَدث؟!"
قبل ان تُكمِل كَلامها ، ولجتْ لينا المَكان مهرولةً نحوَ كَاثرين.
دنتْ منها ثُّمَ قالت بِقلق
" هل حدث شيءٌ ما؟ سمعتُ صوتَ صراخٍ فظننتُ ان شيئاً ما قد حَدث!".
ابتسمتْ كاثرين، رمَقتْ جوري بِحافةِ عَينيها قائلةً
" لا شيء ، قابلتُ فقط صديقةً قديمةً هنا".
" حقاً؟ هل سَتعرفينني عليها إذن، كاثرين؟" قالت لينا بِبهجة.
نظرتْ جوري بين كاثرين ولينا بالتناوب محتارةً
" كاثرين...؟ مهلاً ، اليسَ اسمُكِ-"
لكن قبل ان تكمل جُملتها غطتْ كاثرين فَاهها بيدها تضحكُ بِتصنع ، ارتجفتْ زوايا شَفتيها تنبسُ :
" اجل..ها..هاهاها ، انا كاثرين ، اشتقتُ لكِ كثيراً جوري ، لا اصدقُ بانكِ نسيتني".
رمقتها كاثرين بنظرة تشير إلی كونِها سَتقتلها اذا تفوهتْ بحرفٍ واحد.
سايرت جوري الوَضع بارتباك قائلة بوجه فارغ وشفتين مرتعشتين بابتسامة متكلفة :
" آه؟ اه نعم صَحيح ، مرَّ وقتٌ طويلٌ مذ رأيتُكِ ، كـاثـريــن"
قالت اسمها بطريقةٍ مُريبة تُطيلُ بحروفِه كأنَّها تنطِقهُ للمرةِ الأولى في حَياتها.
" اذن، لينا.. هل يمكنكِ ان تمنحيني بعضَ الوقتِ الخاصِ معَ صَديقتي ؟ من فَضلكِ؟" قالتْ كاثرين بنبرةٍ اشبهَ بالتوسلِ منها الى الطلب.
كانت تُريد منها أن تغادر فوراً دون أن تبدأ الكلامِ بلا نهاية.
اوماتْ لينا برأسها بعيونٍ مُشرقة
" بالطبع ، لكن لا تنسي ان تعرفيني عَليها لاحقا!".
غادرتْ تمشي بِخفة تاركةً كاثرين وجوري وحدهما.
فور ان تلاشَى وقعُ اقدامها حولتْ كاثرين نظرها نحو جوري ، رمشتْ رويداً تتفرسُ وجهها وتتأمَلهُ ثم قالت مصدومةً
" انتِ جوري حقاً..؟"
ابتلتْ عيني جوري تُومأ بِرأسها بتأثر.
رفرفتْ رُموشها مجدداً ثُّمَ سقطَ بَصرها على شعرِ جُوري ، اشارتْ كاثرين بيدها اليه ، قالتْ بِسخرية
" لكن ما خطبُ لون شعركِ السخيفِ هذا ؟"
كأنها تنتظر هذا السؤال شهقتْ جوري بِحزن ثُّم قالتْ بنبرةٍ درامية:
" انتِ لا تعلمين كم عانيتُ هُنا ! لقد تم اتهامي بِالشعوذة فقط بسببِ لونِ شَعري الاسود ، ايُّ جهلٍ هَذا؟"
قالت كاثرين بضحكةٍ مكتومةٍ تُغطي فَمها
" لو كنتُ مكانكِ فسأحبذُ ان اتهم بالشعوذة على أن اصبحَ اشبهَ باعلانِ عصيرِ الفَراولة".
غَضبتْ جوري بِشدة ، ضربتْ قدمَها الارض بِاحباط
" انتِ ! كيفَ يمكنكِ ان تسخري من لونِ شَعري؟! انت لا تعلمينَ كم عانيتُ بِسببه!"
مسحت دموعها باناملها تُكمل بِماساوية
"كاد ان يتمَ قَتلي ! ، هل ذنبي حقاً ان شعري اسود؟ من حسنِ الحَظِ انني كنتُ احملُ معي صبغةَ شعرٍ وردية اقتنيتها منذ زمن ونسيتُها في حقيبتي!"
اخذت نفسا ثم استأنفت باستياء قائلة:
" تخيلي فقط انهم طلبوا مني ان اقوم بحلقِ شعرِ رأسِي كاملاً فقط لأثبتَ لهم انني لستُ بساحرة! سَأكون صلعاء حينئذٍ ! برأيكِ ، ماذا سيقولُ عني أخي المزعج حينَ يراني عندما اعود؟"
ضحكتْ كاثرين بشدة ، حمحمت قليلا تضع يَدها قربَ فاهها وهي تُحاول جعل صوتها اكثر خشونة ، قالت بِسخرية
"ربما يقول ' اوه ، ها قد عدتِ اخيراً يا رأسَ البَطاطس' ".
ثُّمَ بدأتْ تضحكُ بقوةٍ اكبر تُمسِكُ بطنها.
امسكتها جوري مِن ياقتها وبدأتْ تَهزها بقوةٍ، صرخت بنبرةٍ يشوبُها البُكاء
" اتضحكينَ على احزاني؟!!"
لكن كاثرين لم تكترِث ، اختنقتْ فأختلطَ ضَحكها معَ السُعال ثُّمَ قالتْ ووجُهها احمر
" او رُبَّما يقولُ يا رأسَ الكِيوي ،فالكيوي اكثرُ شبهاً بالصلعة !"
انزلقت دمعةٌ من عينيها ، شدّتْ جوري قَبضتها على ياقةِ كاثرين ببأسٍ اكبر وهي تقول بِخيانة" انتِ حَقيرة، يا غ__"
توقفتْ كاثرين عن الضَحكِ فجأة ثُّم قبلَ أن تكملَ جوري كلامها وضعتْ كاثرين كفها على فَمها تُسكِتُها.
نظرتْ يميناً وشمالاً تتأكدُ من عدمِ وجودِ احدٍ ما ثُّم
نظرتْ اليها وقالت بنبرةٍ باردةٍ تَهديدية:
" اسمي كاثرين، لا تجرؤي حَتى على مُناداتي بغيرِ هذا هنا ".
اومأتْ جوري برأسها بفزع ، بعد ان تأكدت من صَمتها ازالت كاثرين يَدها رويداً ثم تنهدت.
نظرت إليها جوري بأستغراب ثم سألت بصوت خافت
" لكن لماذا؟"
دحرجت كاثرين عينيها جانبا قائلة باحراج :
" فقط ...لاتفعلي".
قالت وهي تسعل تغير مجرى الحديث : " اعتقدُ ان هُناكَ الكثيرُ الذي ينبغي علينا التحدثُ عَنه ".
ابتسمت جوري بحرجٍ " اجل ، بالمناسبة منذ متى وانتِ في هذا العالم؟"
اجابت " قبل نصفِ شهر ، ماذا عنكِ؟"
قالت بابتسامةٍ بَاهتة " قبلَ عَامين"
كأنَّها تذكرت للتو سَألت كاثرين " اوه ..صحيح، لِمَ كنتِ تحاولينَ سَرقتِي قبلَ قليل؟"
غرقتْ حَدقتاها ، قالت " العيشُ ليسَ سهلاً ، عليكَ ان تسرِقَ لتعيل ذاتك... لقد اتخذتُ النشلَ كطريقٌ لي فقط لأنجو...".
رفعت بصرها نَحو كاثرين " هذا العالمُ اقسَى مما يمكنكِ تَصورُه، كاثرين...لدرجةِ انَّه ليسَ من الغريبِ ان ينقلبَ الصديقُ عدواً فجأة .. هنا لا يمكنكَ الوثوقُ بأحدٍ سِوى نَفسك".
ذابتْ نظرتُها بعيداً وهي تستحضر في ذهنها احدى عملياتِ النشلِ التي نَفذتها.
كانتْ لطفلٍ صغيرٍ لم يتجاوز عُمره عشر اعوامٍ ، بقي يعملُ شهوراً طويلةً تارةً كخادمٍ وتارةً كمتسولٍ ، عَمِلَ في مختلفِ المجالات فقط لِكي يقومَ بدفعِ ثمنِ علاجِ وَالدتِه.
كانتْ تراهُ يقضي يَومَه باكمله وهو يعملُ بجهدٍ وتَعب ، رأت دُموعَه التّي كانَت تَنزل عِندما يُمسي وحيداً فيمسَحُها بخشونةٍ بِساعده متظاهراً بالقوة بينما هو مجردُ طفلٍ صَغير.
رأتْ عرقَهُ المُتصبب وثيابَهُ المُتسخة وهو يحاولُ تمثيل الثبات رُغم انكسارِه.
رأتْ حينَ قَام السَّيد الذي يخدمه بجلدهِ بالسوطِ نتيجةَ خطأ بسيطٍ جداً ارتكبَهُ، وابتسامةُ السيد ونشوتُه وهو يسمعُ صريخَ خادمِه المِسكِين الذي يتحملُ كلَّ شيءٍ فقط لأجلِ مَن يُحب.
رأتْ عَينيه التي يَكتنِفُها الفراغ والثُقل كأنَّه يضعُ العالمَ بأسرِه عَلى اكتافِه الضَئيلة.
لكنها في النهاية قَامتْ بسرقةِ مَالهِ كُله، ما زالتْ تتذكرُ تلكَ الدُموع اليَائسة والصَرخاتُ المَكبوتة المليئةُ بالعجزِ والحزنِ والهَم ، دُعاءُه عَليها وهي تَمضي هاربةً مِنه بعد سَلبه تعبهِ وجهدِه حيثُ جعلتْ بِفعلتها هذهِ تَحمُله ووجعهُ هباءاً منثوراً أصابَ صميمَ قَلبها كسهمٍ انطلقَ من رامٍ فَتاكٍ ، لم يغبْ عن ذهنِها ابداً .. رُغم ذلكَ كله فهي لم تُعد شيئاً مما سَرقت متذرعةً بِكونها "مُحاولة نجاة" .
قالت بنبرةٍ مَريرة:
" احياناً نضطرُ للدوسِ على ارواحِ غيرنا للعيشِ ، نتسلقُ فوقَ ظُهورهم الجَريحةِ المنهكِة جاعلينهُم يَهوونَ الى الأسفلِ بركلاتِ اقدامنا التي تَحطُ على وَجوههم اثناءَ صُعودنا لِلنجاة ، لن انكرَ هذا...ربَّما انا استحقُ الجحيمَ بالفعلِ على صَنيعي".
نظرت اليها كاثرين متعجبة من كلامها الناضج فجأة ثم نبست:
" لقد تغيرتِ كثيراً ، جوري".
ابتسمتْ جوري بعدها مخففةً الجو الثقيل ، قالت
" لكن! من الرائعِ وجودكِ معي الآن كاثرين ! "
امسكتْ بكفي كاثرين تَشدُهما إليها بِقوة.
اخفضتْ رأسَها واكملتْ بنبرةٍ حَزينة:
" الآن... على الاقل لن اضطرَ أن اكافح وَحدي ، سنكونُ معاً دائماً! ، سنخرجُ من هنا سَويا من هذا العالمِ الرهيب !، لن تتركينِي وَحدي ،اليسَ كذلك؟"
ابتسمتْ كاثرين وشدتْ قبضتيها على كَفيها ايضاً
" بلى".
نظرت اليها وسَألت تخفي مشاعرها المتبقية وراء ابتسامتها:
" كيفَ انتقلتِ الى هنا كاثرين؟"
قالت كاثرين بشرودٍ تعودُ بذهنها الى ذلكَ اليوم
" لقد انطلقتُ مع فاطمة في رحلةِ تخييمٍ مدرسيةٍ ، فجأة ضاعَ هاتفي هُناك...فسِرتُ ابحثُ عنه ، وحينَ وجدتُه اخيراً ومضَ ضوءٌ ساطعٌ واختفى بعدها كلَّ شيء."
قالت بحيرة " رحلة تخييم؟"
اومأت كاثرين " اجل ، حينئذ انفصلت عن المجموعة وبقيت اجول لوحدي ليلا لأجد هاتفي ".
قالت جوري بمفاجأة " حقاً؟ مهلاً لحظة! "
قفزتْ قائلةً "لقد تذكرت ! انا ايضا كنتُ في رحلة التخييمِ المدرسية تلك ! دعتني ابنةُ عمي للذهابِ معها هناك وحينئذٍ رأيتكِ تقفين بمفردك..أردت ان آتي إليكِ فوراً ثم لمحتُ شخصاً يقومُ بتسليطِ جهازٍ غريبٍ نحوكِ فاتجهتُ إليكِ راكضةً كي احذركِ مِنه لكن ومضَ ضوءٌ ساطِعٌ فجاة ففقدتُ الوعي ثم استيقظتُ وانا في هذا المَكان".
" جهازٌ غَريب...؟ انتِ تَعنين..؟"
اومأتْ جوري برأسِها بقوةٍ قائلةً بنبرةٍ خَطيرة:
" نعم ، اعتقد بأنَّ هُناك شخصٌ ما قام بِجلبنا الى هُنا".
______________________________________
ردد معي لمدة دقيقة:
سبحان الله وبحمده (3)
سبحان الله العظيم (3)
الحمد لله (3)
لا اله الا الله (3)
الله اكبر (3)
لا حول ولا قوة الا بالله (3)
رأيكم بالفصل؟
.💜lilium