أفئدة قاحلة

أفئدة قاحلة

12 0

تفاعلوا ولو باعجاب لأستمر بنشر المزيد.

قراءة ممتعة.

.

.

.

.

.

.

___________________________________________

منذ ذلك اليومِ، باتَ صديقاً لسامرَ وتعلَّمَ عنه أشياءَ عديدةً؛ عَلِمَ أنه كان مهووساً بالسيوفِ، فما فقده حتى وجده يعبثُ بصريمه ويمسحه بخرقةٍ بعد أن خاضَ مبارزةً جادةً دمرَ فيها معنوياتِ فرسانِ العائلةِ.

صُدِمَ حين عَلِمَ أولَ مرةٍ أنه فارسٌ، وانتابه الذهولُ أكثرَ حين عَلِمَ أنه برتبةِ قائدِ فرقةٍ، تأثر به بشدةٍ حتى التحقَ هو أيضاً بالفرسانِ.

ومرَّت السنونَ حتى اختفى ذاك الصبيُّ البريءُ، وحلَّ محله رجلٌ بالغٌ يشبه والدهُ، غيرَ أنه كان قليلَ التبسمِ مع غيرِ المقربين منهُ، حازماً ويضعُ حدوداً مع الجميعِ... حتى والدهُ.

.

.

.

.

.

.

.

.

"مرحباً، أيها الخادمُ، هل يمكنكَ توصيلَ تلك الوثائقِ للدوقِ الشابِّ نيابةً عني؟"

أوقفَ مساعدُ أليستر خادماً ليعطيه بعضَ الأوراقِ، إذ كان عليه أن يتأهبَ جيداً ليقدمَ تقريراً مفصلاً عن أمرِ حادثةٍ معينةٍ وقعت منذ أشهرٍ، ولا وقتَ لديه لتوصيلها بنفسه.

أخفضَ الخادمُ رأسه وقال بحذرٍ: "أعتذرُ سيدي المساعدُ، لا يمكنني فعلُ ذلك..".

نظر المساعدُ إليه دون أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ، ثم قال بعدها بهدوءٍ: "فهمتُ..".

استدارَ مغادراً.

لم يكن غريباً أن يرفضَ الخادمُ طلبهُ، فلا أحدَ هنا يودُّ الاقترابَ من سيدهِ هذه الأيامِ؛ ففي الفترةِ الأخيرةِ باتَ يبعثُ هالةً مشؤومةً تجعلكَ تنفرُ منها غريزياً، أمسى عصبياً ويترصدُ الأخطاءَ ويطردُ من لا يروقُ له ببرودٍ، شهد كلَّ ذلك بينما هو بجانبهِ عاجزٌ عن فعلِ شيءٍ غيرِ المراقبةِ.

ربما بدأ كلُّ شيءٍ حين أصابهُ الأرقُ؛ إذ قلاهُ النومُ منذ ستةِ أشهرٍ مضتْ، فلم يلبثْ ساعةً أو ساعتين في فراشهِ قبل أن ينهضَ مجدداً.. أو لربما بدأ قبل ذلك بكثيرٍ، منذ حادثِ العربةِ ذاك الذي أودى بحياةِ والدتهِ...

حين وصلتْ أفكارهُ حتى تلك النقطةِ، هزَّ رأسهُ كأنه ينفضها وطرقَ البابَ.

سمع صوتاً باهتاً يأذنُ له بالدخولِ، صوتٌ لم يتخيل يوماً أن يخرجَ من فاهِ ذلك الرجلِ المشرقِ.

فتحَ البابَ فاستُقبِلَ ببصرِ رجلٍ شاحبٍ ذي شعرٍ أشقرَ باهتٍ ينظرُ إليه بعينينِ خضراوين ضبابيتينِ، امتدَّ السوادُ تحت مقلتيهِ حتى التقى بوجنتيهِ، كان سيدهُ والدوقَ الصغيرَ لهذا المنزلِ، أليستر.

رفعَ أليستر حدقتيهِ نحوهُ، ارتأى في مقلتي مساعدهِ أثراً للشفقةِ فانعقدَ حاجباها، عبسَ قائلاً:

"ما الأمرُ؟"

دنا المساعدُ ووضعَ الوثائقَ بهدوءٍ فوق مكتبهِ.

"مجردُ وثائقَ تتعلقُ ببناءِ الجسرِ".

صمتَ لبرهةٍ، ثم دسَّ كفَّهُ في سترتهِ وأخرجَ ورقتينِ وسلّمهما إياه قائلاً:

"أرسلَ قائدُ مرتزقةِ هارز نتيجةَ التحقيقِ الفرديِّ، كما هو متوقعٌ، لم يكن مجردَ حادثٍ عرضيٍّ في النهايةِ".

ثم شرعَ يقدمُ تقريرهُ بالتفصيلِ.

التقطَ أليستر الأوراقَ وقرأها بحدةٍ، صكَّ أسنانهُ وبرزت عروقُ جبينهِ.

نهضَ من مقعدهِ فوراً مقاطعاً مساعدهُ الذي يتحدثُ بجديةٍ، وخرجَ بخطواتٍ واسعةٍ.

مشى بخطىً سريعةٍ بقبضتينِ مشدودتينِ وتعابيرَ مظلمةٍ تعتلي وجههُ، كلما مرَّ من خادمٍ أخفضَ الخادمُ رأسهُ ذعراً حتى ابتعدَ أليستر عنه.

توقفتْ قدماهُ أمامَ بابٍ لم يزرهُ منذ شهرينِ، ثم -رامياً آدابهُ في سلةِ القمامةِ- فتحَ البابَ ببأسٍ دون أن يطرقهُ.

دخلَ بسرعةٍ ووقفَ أمامَ رجلٍ يحملُ ذاتَ وجههِ...

كان والدهُ...

رفعَ والدهُ رأسهُ عند سماعهِ صوتَ البابِ ونظرَ إلى أليستر، ومضتْ دهشةٌ طفيفةٌ للحظةٍ في عينيهِ.

وضعَ أليستر الوثائقَ أمامَ والدهِ وقال بحدةٍ: "لم يكن حادثَ عربةٍ! ذلك الرجلُ... ذلك الوغدُ هو من قتلها!"

لم يتغيرْ تعبيرُ وجهِ مونتفيل حتى بعد سماعِ تلك الكلماتِ.

أضافَ أليستر بصوتٍ يخرجُ من بين أسنانهِ أشبهَ بالصراخِ:

"ذلك الرجلُ الذي أمرتني أن أنحنيَ له..

الرجلُ الذي تودُّ مني أن أمنحهُ ولائي...

ذلك الرجلُ قتلَ أمي!"

حلَّ صمتٌ ثقيلٌ لبضعِ ثوانٍ.

كسرَ الصمتَ تنهدٌ خافتٌ انزلقَ من شفتي والدهِ، فارتعشت أوصالهُ.

قال مونتفيل بصوتٍ ثابتٍ كأنه يهدئُ طفلاً صغيراً، كأنه لا يفهمُ سببَ غضبهِ:

"أليستر..

سواءٌ كان الأمرُ مجردَ حادثِ عربةٍ،

أو محاولةَ قتلٍ مدبرةٍ،

مارلين ماتتْ بالفعلِ،

تقبَّلْ ذلك".

اتسعت عينا أليستر عند سماعهِ تلك الكلماتِ، أطرقَ رأسهُ وشدَّ قبضتيهِ بقوةٍ حتى ابيضتْ مفاصلهُ.

باتَ وجههُ محمراً، بتعابيرَ بائسةٍ كأنَّ الكلماتِ تعجزُ عن الخروجِ من حنجرتهِ، قال متلعثماً: "أنا..... أنا..."

أجابهُ مونتفيل بهدوءٍ يحثهُ على إكمالِ كلامهِ دون أن يرمشَ حتى: "نعم".

حين صمتَ أليستر مجدداً، انفرجتْ شفتا مونتفيل ببطءٍ وبتعبيرٍ غامضٍ استهلَّ حديثهُ قائلاً:

"أليستر، إعلم جيداً أنَّ مآربكَ تهشمها سطوةُ القوةِ، وأنَّ الانحناءَ أمامَ العاصفةِ صامتاً ليس بإذلالٍ، بل هو سبيلكَ الوحيدُ للبقاءِ تحتَ ظلِّ ملكٍ يمحو وجودكَ لو أبديتَ بوادرَ التمردِ".

حين لم يجبهُ مجدداً، أضافَ مبرراً وقد خفَّ صوتهُ فاقداً قوتهُ المعتادةَ:

"أليستر، لستُ أكرهكَ، لكنني أريدكَ أن تعيشَ طويلاً...".

لكنَّ أليستر لم يتأثرْ قلبهُ بتلك الكلماتِ، بل لم يرفعْ رأسهُ المنخفضَ حتى، لم يفهمْ حقاً ما كان يريدُ والدهُ قولهُ، هل يطلبُ منه أن يهبَ نفسهَ حقاً لقاتلِ أمهِ؟

سألَ بصوتٍ خافتٍ كالبعوضةِ:

"أبي، هل... هل أحببتَ أمي يوماً؟"

نظرَ مونتفيل إلى ابنهِ بعينينِ باهتتينِ انطفأ ضوءهما، أمالَ رأسهُ قائلاً:

"هل يهمكَ الجوابُ؟"

ضمَّ أليستر شفتيهِ واستدارَ مغادراً بهدوءٍ، نظرَ مونتفيل إلى ظهرِ ابنهِ حتى اختفى بعد إغلاقِ البابِ، ثم أطرقَ مقلتيهِ بهدوءٍ على صورةِ مارلين الموجودةِ في زاويةِ الورقةِ.

حدقَ بها ببرودٍ، ثم قبضَ على تلك الأوراقِ بكفهِ مُجَعِّداً إياها بلا رحمةٍ، ثم رماها في المدفأةِ لتحترقَ دون ترددٍ.

***

تسللتْ أشعةُ الشمسِ الخافتةُ على سهلٍ واسعٍ مملوءٍ بالزهورِ.

زهورٌ متباينةٌ تجعلُ المكانَ يفيضُ سكينةً ودعةً..

غيرَ أنَّ كلَّ ذلكَ الدفءِ يتلاشى أمامَ شاهدِ قبرٍ رماديٍّ مغطىً بأزهارِ الزنبقِ البيضاءِ، يحملُ اسمَ امرأةٍ رحلتْ عن العالمِ تاركةً وراءها رجلاً محطماً.

مارلين مونتغوميري

وقفَ أليستر ساكناً يحدقُ بصمتٍ، تجردتْ عيناهُ من أيِّ شيءٍ غيرِ الفراغِ.

دنا ببطءٍ ومسحَ بأناملهِ ذلك الاسمَ بخفوتٍ.

لقد افتقدها...

أزالَ رويداً أزهارَ الزنبقِ الذابلةَ التي وضعها الناسُ أيامَ الجنازةِ وألقى بها بعيداً، لم يزرْ قبرها منذ وفاتها إذ لم يشعرْ أنَّ ما حدثَ واقعيٌّ.

انتابهُ هاجسٌ أنه إذا أتى هنا قد ينهارُ، فتواجدُ نعشٍ يُحفَرُ عليه اسمُ أمهِ كان أمراً مرعباً بشكلٍ لا يصدقٍ..

ألقى برأسهِ على تلك الصخرةِ..

شعرَ ببرودتها تلامسُ جبينهُ فأغمضَ عينيهِ.

رويداً رويداً ابتلتْ تلك الصخرةُ حتى انزلقَ الماءُ على جوانبها وبلَّل اسمَ مارلين.

حلَّ السكونُ في المكانِ، لكنهُ لم يكن صمتاً ثقيلاً، بل كان هدوءاً مريحاً.. هدوءاً اشتاقَ أليستر إليهِ، النسائمُ العليلةُ تداعبُ خصلاتِ شعرهِ الصفراءِ، وترابُ أمهِ المبللُ يدفئُ ركبتيهِ.

بقيَ أليستر مستقراً في وضعهِ لدقائقَ طويلةٍ حتى سمعَ خطىً خفيفةً تأتي من خلفهِ.

ثم شعرَ بنقرٍ حذرٍ على كتفهِ، رفعَ وجههُ المبللَ بالدموعِ ببطءٍ والتفتَ خلفهُ.

فتحَ عينيهِ على مصراعيهما حابساً أنفاسهُ.

شعرَ بأنَّ الزمنَ قد توقفَ..

الريحُ سكنتْ...

ضوءُ الشمسِ باتَ خافتاً وفقدَ كلُّ شيءٍ آخرَ لونَهُ...

استقبلَ بصرهُ امرأةً كأنَّ وجهها التقطَ نورَ العالمِ بأسرهِ، بشعرٍ كستنائيٍّ يصلُ إلى كتفيها، وعينانِ كهرمانيتانِ لامعتانِ، تضمُّ إلى صدرها باقةً ضخمةً من الزنبقِ الأبيضِ.

كانت تحدقُ فيه بعينينِ يشوبهما القلقُ، انفرجتْ شفتاها وقالت بصوتٍ رخيمٍ: "هل أنتَ بخير..؟"

استفاقَ أليستر من ذهولهِ ثم تذكرَ دموعهُ متأخراً فمسحها سريعاً بساعدهِ بخشونةٍ، صمتَ قليلاً ثم حوَّلَ أنظارهُ إلى زهورِ الزنبقِ البيضاءِ التي تحملها.

حين لاحظتْ نظراتهُ، قالت موضحةً: "أنا أقومُ بتوزيعِ الزنابقِ على تلك القبورِ المهجورةِ، آتي إلى هنا كلَّ أسبوعٍ وأضعها على كلِّ قبرٍ، القبرُ الذي كنتَ تستندُ على شاهدهِ قبل قليلٍ... كنتُ أعتقدُ ألا أحدَ يهتمُّ بصاحبهِ فأردتُ إهداءهُ بعضَ الزهورِ عسى أن تخففَ من وحدتهِ".

ثم تلك الزهورُ التي أزالها قبل قليلٍ...؟

توسعت عيناهُ وفغر فاههُ بمفاجأةٍ عند هذا الإدراكِ، غمغمَ محولاً أنظارهُ إلى ذلك الزنبقِ الذابلِ الذي أبعدهُ قبل قليل

"إذن تلك الزهورُ....؟"

أومأتْ برأسها وهي تحكُّ خدها بسبابتها بخجلٍ.

'فهمتُ، أساساً من الغريبِ أن يزورَ أحدهم قبرَ أمي ويضعَ الزهورَ بينما والدي بحدِّ ذاتهِ لم يفعلْ، ولو كانت من الجنازةِ لذبلتْ تماماً'

لكنَّ الزنابقَ التي أزالها باستثناءِ ذبولِ أطرافها كانت مقبولةً نسبياً.

انفرجتْ شفتاهُ وقالَ ببطءٍ: "لماذا تفعلينَ هذا؟ أنتِ لا تعرفينهم..".

عند كلماته صمتتْ، أطرقتْ ناظريها أرضاً وتلاشت تعابيرها المشرقةُ، قالت بنبرةٍ فيها من الشجنِ ما يفطرُ القلبَ:

"أنا أيضاً لا أحدَ يعرفني.."

ضمتْ شفتيها لبرهةٍ، مرَّت مقلتاها بهدوءٍ على شواهدِ القبورِ واحداً تلو الآخرِ حتى استقرتا على الحجرِ الذي يجلسُ عنده أليستر.

همستْ بفراغٍ:

"في الواقعِ على عكسهمْ، أنا لا أملكُ اسماً حتى".

رفعتْ رأسها وحدقتْ في السماءِ الخاليةِ من الغيومِ بعينينِ مبتلتينِ.

"عندما أموتُ، أتمنى حقاً أن يتذكرني شخصٌ ما، ويضعَ الزهورَ على قبري كما أفعلُ أنا الآن، حتى لو كنتُ مجردَ فتاةٍ بلا اسمٍ.. أريدُ أن أتركَ أثراً للآخرينَ.. حتى لو كان مجردَ ذكرى عابرةٍ".

عادت مقلتاها نحوهُ ثم رفعتْ زوايا شفتيها مبتسمةً بإشراقٍ كأنَّ شيئاً لم يكنْ.

حدقَ أليستر فيها دون أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ.

تصبغتْ خداها باللونِ الأحمرِ إحراجاً منهُ، قالت بخفوتٍ وهي تهذبُ خصلةً تائهةً واضعةً إياها خلفَ أذنها:

"أعتذرُ، يبدو بأنني تحدثتُ كثيراً.. لستُ بهذه الثرثرةِ عادةً، ولكن يبدو أنَّ مقابلةَ شخصٍ ما بعد وقتٍ طويلٍ جعلني أرتكبُ فظاظةً دون قصدٍ..".

هزَّ أليستر رأسَهُ ببطءٍ نافياً دون أن يزيحَ بصرهُ.

لسببٍ ما، خفَّ ذلك الثقلُ الجاثم على صدرهِ قليلاً.

في الواقعِ، العالمُ مليءٌ بالأشخاصِ الوحيدينَ أمثالهُ، ولو نظرَ للأمورِ من زاويةٍ أخرى، فهو خسرَ والدتهُ، لكنهُ امتلكَ كلَّ شيءٍ دونها.

المالُ، السلطةُ، القوةُ، العائلةُ، النفوذُ، وكذلك الأصدقاءُ، والخدمُ.

أما تلك الفتاةُ الماثلةُ أمامهُ، فلا تملكُ شيئاً يذكرُ، هي لا تملكُ من يتذكرها أصلاً، لا اسمَ، لا هويةَ، لا روحَ، حتى تلك الابتسامةُ التي تزينُ شفتيها، رأى من ورائها فراغاً عميقاً.

أثارَ هذا التناقضُ فيه شعوراً غريباً.. كأنهما يقفانِ على نقيضي العالمِ.

هو محاطٌ بالناسِ، بينما هي محاطةٌ بالقبورِ، أجسادٌ بلا أرواحٍ.

كأنها تنتظرُ لحظةَ موتها لتكونَ مثلهمْ.

رفعَ يدهُ وأشارَ إلى جانبهِ ففهمتْ وجلستْ هناكَ.

أخذا يحدقانِ في الأفقِ بصمتٍ، انسابتْ خيوطُ الشمسِ البرتقاليةُ واستقرتْ على وجهيهما.

فتحَ أليستر فاههُ بعد وقتٍ طويلٍ:

"أنا... فقدتُ والدتي".

التفتتْ ناظرةً إليهِ، أخفضَ بصرهُ مستأنفاً كلامهُ:

"انتابني الحزنُ الشديدُ لذلك، لكنَّ شعورَ الغضبِ استقرَّ في قلبي مكانهُ فلم أجدْ مكاناً أفرغهُ فيهِ، تهربتُ من زيارةِ قبرها، فقادني جسدي هنا رغماً عني".

صمتَ قليلاً ثم رفعَ رأسَهُ وابتسمَ بخفةٍ:

"لا بد أنهُ القدرُ، أليسَ كذلك؟"

نظرتْ إليهِ دون أن تجيبَ.

تلاشت الابتسامةُ رويداً وعادَ وجههُ إلى الهدوءِ، غمغمَ موضحاً:

"أعني، لقائي بكِ هنا".

ثم حين بدأ الإحراج يتسلل إلى قلبه بدوره..

في تلك اللحظةِ، وصلتْ صوت قهقهةٌ لطيفةٌ إلى أذنيهِ:

"أجل، لا بد أنه كذلك" همستْ.

رفعَ رأسَهُ بذهولٍ وحدقَ في وجهها المبتسمِ، انثنتْ زوايا عينيها كهلالينِ مضيئينِ.

ثم دفعتْ بإحدى زهورِ الزنبقِ إليه وقالتْ:

"والدتُكِ رحلتْ..

لكنك ما زلتَ تستطيعُ أن تمنحها الزهورَ في كلِّ حينٍ،

وتمنحها عزاءً بوجودكَ جانبها مخففاً وحدتها، أليس كذلك؟"

أطرقَ نظرهُ نحو الزنبقةِ في يدها، تمايلتْ بتلاتها البيضاءُ مع الريحِ كأنها ستهوي في أيِّ لحظةٍ فمدَّ كفهُ وأمسكها سريعاً.

اتسعت ابتسامتها حين أخذها، داعب بإبهامهِ بتلاتها دون أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ.

وبعد وقتٍ طويلٍ، رفعَ رأسَهُ ناظراً إليها مجدداً.

رفعَ زوايا شفتيهِ مقلداً ابتسامتها بصعوبةٍ، شعرَ بثقلٍ يضغطُ على وجنتيهِ.

قالَ بصوتٍ مختنقٍ:

"أجل".

تحدثا بعدها حديثاً طويلاً حتى غربتْ الشمسُ تماماً وأظلمَ الليلُ.

ثم قبلَ أن تذهبَ سألها أليستر: "ما اسمكِ؟"

التفتتْ إليهِ مبتسمةً بإحراجٍ، حينئذٍ تذكرَ أنها قالتْ أنها لا تملكُ اسماً.

فتحَ شفتيهِ ببطءٍ...

هل يحقُ له ذلك..؟

ترددَ طويلاً قبل أن يهمسَ بخفوتٍ: "ثم...هل يمكنني أن أطلقَ عليكِ اسماً؟"

توسعت عيناها بمفاجأةٍ، تلألأت مقلتاها بضوءٍ آسرٍ عند سماعِ كلماته، رفعتْ رأسها بترقبٍ وأومأتْ بقوةٍ.

ارتسمتْ ابتسامةٌ صادقةٌ على شفتيهِ، ابتسامةٌ ناعمةٌ قد فارقت ثغرهُ منذ وفاةِ والدتهِ.

قالَ: "شمسٌ".

ومنذ ذلك اليومِ باتت شمسَهُ.

***

باتَ أليستر يزورُ قبرَ أمهِ كلَّ يومٍ ليلتقيَ بها، شعرَ أمامها أنَّ كلَّ شيءٍ قد يكونُ بخيرٍ حقاً..

عَلِمَ لاحقاً أنها كانت ابنةً غيرَ شرعيةٍ لبارونٍ فلاحيٍّ يعيشُ في إقطاعيةٍ صغيرةٍ.

هجرها والدها عند ولادتها ولم ينظرْ إليها حتى.

لأنها فتاةٌ...

تمنى البارونُ لو أنها كانت صبياً ليورثها إقطاعيته؛ إذ مرَّ على زواجهِ خمسُ سنواتٍ دون أن يُرزقَ بطفلٍ من زوجتهِ، لكنها غيرُ ذاتِ فائدةٍ له فطردها وأمها من المنزلِ ببرودٍ.

كما كرهتها أمها بشدةٍ ولامتها على خلقها كفتاةٍ..

أيقنتْ في قرارةِ نفسها أنه ليس خطأَ ابنتها، لكن ما أهميةُ هذا؟

هي تحتاجُ إلى شيءٍ تلومهُ..

شيءٍ تفرغُ فيه غيظها وكربها..

شيءٍ يخبرها أنَّ البارونَ لم يستغلها فقط ليلةً واحدةً بل كان يحبها حقاً لكنهُ مقتها بسبب ابنتها.

فصبَّت جامَ غضبها على ابنتها دون أن تمنحها اسماً حتى.

عانت الفتاةُ الصغيرةُ من سوءِ المعاملةِ دون أن تعرفَ معنى الدفءِ حقاً، اعتقدتْ أنَّ ما يحدثُ معها أمرٌ طبيعيٌّ.

هي تستحقُّ ذلكَ، أمها تبغضها لأنها وُلدتْ، ما كان ينبغي أن أُولدَ.

مقتُ الذاتِ.. احتقارُ الذاتِ، كلُّ تلك المشاعرِ تنامتْ حتى التهمتها بالكاملِ فأصبحتْ ترى أنها لا تستحقُّ العيشَ.

لحودُ الأمواتِ مكانها وترابُ الأرضِ موطنها، أهلها هم أرواحٌ علتْ نحو السماءِ وأجسادهم هي مجردُ ذكرى لهم تركوها هنا، هذا ما آمنتْ بهِ.

فانتظرتْ أيضاً ذلك اليومَ الذي تطفو فيه روحها نحوهمْ.

لعلها تجدُ من يتقبلها..

رغم أنها بحدِّ ذاتها لم تكن تتقبلُ ذاتها.

حين ردَّ أليستر عليها، هي -من ترى نفسها كائناً دنيئاً- تشققَ قلبها فرحاً وأغصانُ الأملِ أخذتْ تنبتُ بداخلهِ.

لِمَ دقاتُ قلبها صاخبةٌ هكذا؟

يكادُ صوتُ النبضِ هذا يصمُّ أذنيها.

تساءلتْ عن ماهيةِ ذلك الشعورِ، ثم أدركتْ لاحقاً ما كانَ.

إنه الفرحُ... الراحةُ...

هي..تستحقُّ العيشَ.

لم يكرهها..

لم يحتقرها..

قال لها أحبُّكِ!

فأنى لها أن ترفضهُ بعد كلِّ هذا؟

كانت مفطورةَ القلبِ حقاً تتوقُ للناسِ، لذلك وقعتْ في حبهِ بسرعةٍ.

وبعدَ ثلاثةِ أشهرٍ، وقعَ أليستر في حبها تماماً، ولعلمه أنه قد يلاقي معارضاتٍ شديدةً من الوزراءِ إذا ما تزوجها كونه المستشارَ القادمَ للملكِ، اقترحَ عليها الزواجَ سراً فوافقتْ بسعادةٍ.

تزوجا سراً دون إعلام أحد، وتولى الكاهن دور وليها لغياب والدها، ثم سافرا بعدها إلى إقطاعيةٍ صغيرةٍ في جنوبِ المملكةِ تطلُّ على الماءِ، ذاتِ أجواءَ سياحيةٍ جميلةٍ وهبها إياه والدهُ كهديةٍ حين بلوغهِ سنَّ الرشدِ.

عاشَ هناك معها يقضي يومهُ بالتنقلِ بين القصرِ الملكيِّ وإقطاعيتهِ هاجراً القصرَ الدوقيَّ بالكاملِ، تعرفَ أيضاً هناك على رجلٍ جنوبيٍّ بسيطٍ يمتلكُ من الموهبةِ في الزراعةِ والإدارةِ الاقتصاديةِ ما يبثُّ العجبَ في النفوسِ، فلم يضيعْ الفرصةَ وعيَّنهُ مساعداً له ووكَّلهُ كافةَ أمورِ الإقطاعيةِ بسبب انشغالهِ الشديدِ بمهامهِ كمستشارٍ قادمٍ.

***

أليستر هذه الأيامَ غريبٌ...

يفقدُ ذاتهُ في أفكارهِ كثيرَ من الأوقاتِ..

وأحياناً يقفُ وحدهُ مبتسماً بنعومةٍ.

نظرَ وليُّ العهدِ بشرودٍ إلى أليستر الذي كان يتحدثُ مع أحدِ الموظفينَ بتعابيرَ مبتهجةٍ.

سرتْ قشعريرةٌ أسفلَ عمودهِ الفقريِّ.

آخرُ ما يتذكرهُ هو مظهرهُ الشاحبُ وعيناهُ الخاليتانِ من الحياةِ.

قبلَ وقتٍ ليس ببعيدٍ -تحديداً قبلَ بضعةِ أشهرٍ فقط- انطفأ أليستر تماماً بسببِ موتِ والدتهِ.

كان مشهدُ خضوعه مرضياً بحقٍّ.

حين يأمره، يمتثلُ فوراً..

وحين يقفُ أمامهُ يركعُ دون ترددٍ..

أكثرُ ما أعجبهُ حينئذٍ هو غيابُ ذلك الجدالِ العقيمِ بينهما إذ كان يقحمُ نفسهَ كثيراً في شؤونِ الدولةِ تحتَ ذريعةِ المصلحةِ العامةِ.

ضيَّق عينيهِ مراقباً إياه بارتيابٍ.

'لا بد أنَّ هناك شيئاً يحدثُ'

أوقفَ خادماً ماراً بيدهِ ثم همسَ دون أن يلتفتَ إليهِ:

"استدعِ المساعدَ إلى المكتبِ".

رمقَ أليستر بنظرةٍ أخيرةٍ ثم استدارَ ومضى إلى مكتبهِ، فتحَ البابَ فاستقبلهُ مكتبٌ يحتوي على جانبيهِ على أرففٍ مكتظةٍ بالكتبِ والسجلاتِ.

تقدمَ بخطىً واسعةٍ واعتلى كرسيهُ الجلديَّ، دون أن يمنحَ الوثائقَ المتراكمةَ أمامهُ نظرةً واحدةً.

استدارَ به نحو النافذةِ ونظرَ إلى الحدائقِ التي تطلُّ من الشباكِ بنظرةٍ غارقةٍ.

بعدَ بضعِ دقائقَ، سمعَ طرقاً على البابِ فأذنَ بالدخولِ.

وَلَجَ المساعدُ بحذرٍ ثم ركعَ بهدوءٍ قائلاً: "هل استدعيتني، سموكَ؟"

أومأ وليُّ العهدِ برأسهِ مشيراً إليه أن يستقيمَ.

فتحَ فاههُ قائلاً: "أودُّ منك أن تعيِّنَ جاسوساً موثوقاً، قل له أن يراقبَ أليستر مونتغوميري ويتقصى أخبارهُ بدقةٍ".

نظرَ المساعدُ بحيرةٍ إلى هذا الطلبِ المفاجئِ لكنهُ أومأ برأسهِ سريعاً دون سؤالٍ.

"مفهومٌ".

قالَ بغطرسةٍ: "حسناً، لا تتأخرْ كثيراً، يمكنكَ المغادرةُ الآنَ".

استدارَ وخرجَ من المكتبِ.

وبعد اسبوع عاد بالنتيجة.

***

رفرفتْ رموشُ شمسٍ قبل أن ترفعَ جفنيها ببطءٍ، فتحتْ جفونها وأغلقتهمْ مراراً لاستعادةِ تركيزها.

حوَّلتْ نظرها جانباً فرأتْ رجلاً ذا شعرٍ أشقرَ ووجهٍ ملائكيٍّ يسدلُ جفنيهِ نائماً بسلامٍ.

شقتْ ابتسامةٌ لطيفةٌ ثغرها دون أن تدركَ ذلكَ.

رفعتْ سبابتها ووخزتْ ذراعهُ قائلةً بصوتٍ ناعمٍ: "ألي، ألي، استيقظْ الآنَ".

كانت الساعةُ السابعةَ صباحاً، سيكون في مشكلةٍ حقاً لو تأخرَ عن عملهِ.

"هممم.."

انعقدَ حاجباه باستياءٍ واستدار إلى جانبه الآخرِ.

ضحكتْ بخفةٍ إزاءَ هذا التصرفِ اللطيفِ.

أعادتْ وخزهُ ولكن بذلتْ قوةً أكبرَ هذه المرةَ، حينئذٍ رفرفتْ رموشهُ وظهرتْ عينانِ تشبهانِ الغابةَ الخضراءَ إذا ما سقطَ عليها ضوءُ الشمسِ.

حدقَ بدون تركيزٍ في عيني شمسَ المنحنيتينِ كالهلالِ.

نظرَ إليها بذهولٍ للحظاتٍ ثم ببطءٍ انتشرتْ ابتسامةٌ واسعةٌ على وجههِ مزينةً إياه.

فتحتْ ثغرها وقالتْ: "سوف تتأخرُ.."

حينئذٍ حوَّلَ نظرهُ نحو الساعةِ ونهضَ ببطءٍ.

اغتسلَ وارتدى ثيابهُ الرسميةَ ثم جلسا معاً على طاولةِ الإفطارِ.

بمجردِ جلوسهما، بدأ الخدمُ بجلبِ طبقٍ تلو الآخرِ.

أسندَ أليستر ذقنهُ على يدهِ بمللٍ.

بعدها، أحضرَ الخدمُ التحليةَ كآخرِ طبقٍ قبل أن يتراجعوا بعيداً واقفينَ بهدوءٍ.

ترددتْ نظراتُ أليستر بين طبقِ التحليةِ وشمسٍ بنظرةٍ ذاتِ مغزىً، انحنت عيناه بتسلية ثم رفعَ زوايا شفتيهِ بمكرٍ قائلاً:

"يبدو بأنَّ الخدمَ نسوا أنَّ التحليةَ موجودةٌ بالفعلِ".

نظرتْ شمسٌ إليهِ بحيرةٍ ثم حين استوعبتْ مقصدهُ احترقتْ وجنتاها بخجلٍ شديدٍ.

نظرتْ بإحراجٍ شديدٍ إلى الخدمِ الذين يكبتونَ ابتساماتهمْ.

ضحكَ أليستر بقوةٍ ثم قرصَ خدها المحمرَّ بخفةٍ.

'لطيفةٌ'.

هل تعلمُ كم كانت تبدو محبوبةً حين تحمرُّ وجنتاها بسرعةٍ هكذا؟

ملأتْ المائدةَ أجواءٌ وديةٌ وأحاديثُ خفيفةٌ جعلتْ البسمةَ ترتسمُ لا إرادياً على شفاهِ الخدمِ الذين يقفون خلفهمْ.

ثم قبلَ مغادرتهِ عانقَ شمسَ بخفةٍ قائلاً بقلقٍ:

"عزيزتي، سأتأخرُ قليلاً اليومَ، لذلك لا تجوِّعي نفسكِ وتنتظريني على العشاء".

ابتسمتْ قائلةً: "اعتنِ بنفسكِ".

التفتَ بعدها ثم مضى نحو عربتهِ.

راقبتْ شمسٌ أليستر وهو يركبُ العربةَ قبل أن تتحركَ وتختفي من أمامها.

بقيتْ واقفةً حتى تلاشى مظهرها تماماً.

استدارتْ بعدها ودخلتْ بهدوءٍ وابتسامةٍ ناعمةٍ تزينُ شفتيها.

غيَّرتْ ثيابها إلى ملابسَ أكثرَ راحةً وارتدتْ فوق رأسها قبعةً قشيةً، وحملتْ بين يديها سلةً صغيرةً.

قالت للخدمِ: "سأخرجُ قليلاً، لا داعيَ لأن تتبعوني".

ولأنهم اعتادوا هذا الأمرَ أومأوا بصمتٍ.

في الواقعِ، لم تكن شمسٌ مرتاحةً في التعاملِ مع الخدمِ.

رغم علمها أنهم لن يؤذونها أو ما شابهَ، فما زالَ من الغريبِ بالنسبة لها أن يقومَ أحدٌ ما بخدمتها أو يرافقها في كلِّ حينٍ.

تجنبتْ النظرَ إليهم بمهارةٍ ثم غادرتْ القصرَ لوحدها.

***

في هذه الأثناءِ، في قلعةٍ صغيرةٍ، في إحدى الإقطاعياتِ.

جلسَ البارونُ مالديري على الأريكةِ يأكلُ بعضَ الكعكِ ويحتسي الشايَ.

تراكمتْ الوثائقُ هناك وهناك مبعثرةً على سطحِ مكتبهِ بينما جلسَ رجلٌ آخر وسطها يحاولُ حلَّ الأمورِ المهمةِ واضعاً بجانبهِ كوباً كبيراً من القهوةِ، امتدتْ هالاتٌ سوداءُ حتى وجنتيهِ.

رفعَ المساعدُ كفهُ وفركَ عينه بقوةٍ ثم أعادَ نظرهُ بتركيزٍ إلى الوثائقِ.

وخزَ البارونُ طرفَ الكعكةِ بشوكتهِ ثم أسدلَ جفونهُ منغمساً بلذتها.

ثم رفعَ فنجانهُ بأناقةٍ واحتسى الشايَ الأخضرَ الممزوجَ بالنعناعِ.

بمجردِ أن لامستْ تلك الرائحةُ العطريةُ لسانهُ، استرخى حاجباه وانفرجتْ أساريره ببطءٍ.

قاطعَ المساعدُ لحظتهُ الهادئةَ قائلاً:

"سيادتكِ، ماذا أفعلُ مع وثائـ_"

"اهتمَّ بها بنفسكِ".

أجابَ دون أن يطرفَ عينهُ حتى، إذ لا يودُّ أن يزعجهُ أحدٌ الآنَ.

لكن وكأنَّ الأمرَ تمَّ عمداً..

طرقٌ، طرقٌ.

سمعَ صوتَ طرقٍ خافتٍ على البابِ.

لم يسمعْ البارونُ صوتهُ إذ كان غارقاً في عالمٍ مختلفٍ.

تناوبتْ نظراتُ المساعدِ بين البارونِ والبابِ بفراغٍ، ابتسمَ بعدها بإحراجٍ وأذنَ للطارقِ بالدخولِ.

وَلَجَ رئيسُ الخدمِ لكنهُ لم يغلقِ البابَ.

تبعهُ خادمٌ يرتدي ثياباً فخمةً.

اقتربَ الخادمُ من البارونِ بوجهٍ خالٍ من التعابيرِ ثم ركعَ ببطءٍ أمامهُ رافعاً بكفيهِ صينيةً تنتصفها رسالةٌ سوداءُ تحملُ ختمَ نارٍ مظلمةٍ مشتعلةٍ.

انتبهَ البارونُ لوجودهِ أخيراً، عندما لاحظَ زيهُ الفاخرَ اعتدلَ في جلستهِ، لكنهُ بعدها انتفضَ واقفاً بمجردِ رؤيتهِ ختمَ صاحبِ الرسالةِ.

تنقلتْ مقلتاه بين وجهِ الخادمِ والرسالةِ، كأنه يسألهُ إن كان من المسموحِ فتحها.

أومأ الخادمُ برأسهِ فمدَّ كفهُ المرتعشةَ ولامسها بحذرٍ.

ثم قبضَ عليها برفقٍ ورفعها.

ابتلعَ ريقهُ بصعوبةٍ عند ملمسها الفاخرِ ثم حركَ بصرهُ نحو رئيسِ الخدمِ وهمسَ:

"سكينٌ..".

هرعَ رئيسُ الخدمِ بسرعةٍ خارجاً وبعد دقيقةٍ عادَ بسكينٍ.

قامَ بنزعِ الختمِ ببطءٍ وأخرجَ الرسالةَ، فتحها وأمسكها بكلتا يديهِ.

تراقصتْ مقلتاه على كلماتها سطراً سطراً.

تحركتْ تفاحةُ آدمَ صعوداً ونزولاً..

أزاحَ بصرهُ عنها ونظرَ إلى الخادمِ الملكيِّ بحذرٍ

ثم تمتمَ: "أنى لي معرفةُ مكانها...؟"

أجابهُ الخادمُ بهدوءٍ: "لا تقلقْ، أمرني سموهُ أن أبلغكم بمكانها، ولكن قبل ذلك..."

نظرَ بعينيهِ نحو رئيسِ الخدمِ والمساعدِ.

فهمَ البارونُ إشارتهُ فطردهما من المكتبِ.

بعد سماعِ صوتِ إغلاقِ البابِ، لم يبقَ سوى كليهما هناك، اقتربَ الخادمُ من البارونِ وهمسَ في أذنهِ.

تغيرتْ تعابيرُ وجههِ مع كلِّ كلمةٍ ينطقها، تراجعَ الخادمُ أخيراً ونظرَ إلى البارونِ.

أومأ برأسهِ بتعابيرَ متوترةٍ وهو يفركُ راحةَ كفيهِ معاً: "أخبرْ سموهُ أن لا يقلقَ، سأحضرها مهما حدثَ".

أومأ الخادمُ برأسهِ وحيَّاهُ بأدبٍ ثم غادرَ.

بمجردِ خروجهِ، زفرَ أنفاسهُ المكتومةَ في صدرهِ.

مسحَ بأصابعهِ العرقَ الباردَ الذي تكونَ على جبينهِ ثم اقتربَ من النافذةِ.

تتبعَ بعينيهِ عربةَ الخادمِ الملكيِّ وهي تغادرُ حوزتهُ، ثم سحبَ الجرسَ بقوةٍ.

بعدَ لحظاتٍ، دخلَ رئيسُ الخدمِ فأمره قائلاً: "جهِّز العربةَ فوراً".

***

غارقةً في أفكارها، لم تدركْ شمسٌ وصولها وجهتها إلا عندما استقبلَ نظرها اللونُ البنفسجيُّ على مدِّ البصرِ.

توقفتْ أقدامها في مرجِ زهورِ اللافندرَ البنفسجيةِ، تتمايلُ بتلاتها بلطفٍ مع الريحِ، وأشعةُ الشمسِ الباهتةُ تسقطُ عليها فتزدادُ توهجاً.

دون أن تدركَ ذلك ارتسمتْ ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتيها.

بما أنَّ أليستر قال أنه سيتأخرُ اليومَ قليلاً، فأرتأتْ أن تمضيَ وقتها هنا وتصنعَ تيجانَ الزهورِ.

لان تعبيرها حين فكرتْ بوجهِ أليستر السعيدِ وهي تقدمها لهُ.

خطتْ بخفةٍ وجلستْ تحتَ شجرةِ الصنوبرِ تستظلُّ بورقها، وتستندُ على جذعها.

مدَّت يديها وأخذتْ تقطفُ الأزهارَ بهدوءٍ بحركاتٍ ماهرةٍ.

كم مضى وهي على تلك الحالِ...؟

تصببَ العرقُ من جبينها فأخرجتْ منديلاً ومسحتهُ بخفةٍ.

بدأتْ تربطُ السيقانَ الخضراءَ معاً وترفعُ اللافندرَ للأعلى.

مرَّ الوقتُ سريعاً حتى أنهتهُ بالفعلِ.

ثم بينما كانت على وشكِ ربطِ حافتيها معاً لتكملَ صنعَ التاجِ تماماً، سمعتْ صوتاً..

توقفتْ حركاتُ يدها ورفعتْ رأسها، انثنتْ حاجباها معاً بضيقٍ.

ظنتْ أنها الوحيدةُ هنا، فهل يعقلُ وجودُ شخصٍ آخرَ؟

لكنَّ أليستر أكدَ مراراً أنه مكانٌ لا يطأهُ الناسُ إطلاقاً.

أصغتْ سمعاً فميَّزتْ كلماتٍ غامضةً قيلتْ بصوتٍ مشبعٍ بالشجنِ.

كان صوتُ رجلٍ بالغٍ يتحدثُ برثاءٍ، تمتزجُ دموعه المكتومةُ مع كلماته.

أنصتتْ أكثرَ، لكنها لم تفهمْ ما يقولهُ.

تركتْ التاجَ غيرَ المكتملِ في السلةِ بهدوءٍ ونهضتْ، نفضتْ تنورتها من الأوساخِ ودنتْ من مصدرهِ بحذرٍ مقتربةً صعوداً.

كلما تقلصتْ المسافةُ بينهما علا صوتهُ أكثرَ فأكثرَ حتى لمحتْ في الأفقِ رجلاً ذا شعرٍ أسودَ يولي ظهرهُ ناحيتها.

استمرتْ بالمشيِ حتى توقفتْ قدماها على بعدِ بضعِ خطواتٍ منهُ.

حين أحسَّ الرجلُ بوجودها التفتَ خلفهُ سريعاً.

تصلبتْ في مكانها عند رؤيةِ ذلك الوجهِ، ارتجفتْ كتفاها قليلاً وتراجعتْ دون وعيٍ خطوةً إلى الوراءِ.

اتسعت عيناهُ أيضاً حالَ رؤيتها.

شهقةٌ مكتومةٌ انطلقتْ من ثغرهِ.

انزلقتْ دموعه وانسابتْ على خديهِ مبللةً إياهما.

فتحَ شفتيهِ وهمسَ بصوتٍ وصلَ لأذنيها بوضوحٍ:

"ابنتي....؟"

كان والدها.

غرقَ قلبها بقوةٍ حين سمعتْ تلك الكلمةَ.

ابنتي...

كلمةٌ لم يجرؤ لسانها على نطقها قطُّ.

بل لم يكن مسموحاً لها أن تقولها ولو خطأً.

اقتربَ بخطىً واسعةٍ ووضعَ كفيهِ على كتفيها المرتجفتينِ وهزها بقوةٍ.

قالَ بصوتٍ عاجلٍ: "هل أنتِ... هل أنتِ ابنتي حقاً؟!"

شعرتْ بالدوارِ، ما الذي... ما الذي يحدثُ هنا؟

ضمها الرجلُ الذي يُدعى والدها ببأسٍ نحوهُ. تجمدتْ في مكانها حابسةً أنفاسها.

لم تجرؤ على مناداته بأبي فضمتْ شفتيها ببأسٍ.

دون أن تدركَ، أخذَ قلبها ينبضُ بقوةٍ.

ثم انتابتها فكرةٌ فجأةً

'تلك هي المرةُ الأولى التي يحتضنني فيها...'

ظنتْ أنها تخلتْ عن الأمرِ، لكن هل ما زالَ هناك توقٌ دفينٌ يكمنُ فيها؟

توقٌ لمن تخلى عنهُ؟

دون أن يمنحها فرصةً للتفكيرِ أكثرَ، أخذَ يعتذرُ مراراً وتكراراً على هجرها واصفاً ذاتهُ بالسذاجةِ والغباءِ.

طلبَ السماحَ منها حتى بحَّ صوتهُ.

طوال كلامهِ، لم تنبسْ ببنتِ شفةٍ.

شعرتْ وكأنَّ أشواكاً غيرَ مرئيةٍ تخنقُ حلقها وتمنعها من الكلامِ.

اختتمَ كلماته بصوتٍ مليءٍ بالدموعِ:

"هل تسمحينَ لي بأن أكونَ والدكِ مرةً أخرى؟"

شعرتْ بأنها في حلمٍ.

والدها..؟ يعتذرُ لها؟

هل كانت تملكُ والداً؟

لم تكن تملكُ رفاهيةَ الرغبةِ بوجودهِ أم لا، ما يقولهُ هو القانونُ.

منذ زيارتها مع والدتها لهُ عندما كانت في العاشرةِ، لم ترهُ مجدداً.

هو من قالَ لها أن لا تناديهِ بذلكَ، فكيف تجرؤ..؟

هل قررَ أن يمنحها أذناً الآنَ؟

ثم انتقلتْ يداهُ وقبضتْ على كفيها ببأسٍ، قالَ بعجلةٍ:

"هيا بنا نعودُ إلى المنزلِ".

المنزل...؟

عند سماعها تلك الكلماتِ، استعادت وعيها.

آه، صحيحٌ، هي متزوجةٌ الآنَ من أليستر.

لم تعدْ تلك الفتاةَ القبيحةَ التي اعتادَ والدها مناداتها بهِ.

هزَّت شمسٌ رأسها ببطءٍ.

تمكنتْ من كسرِ الأشواكِ التي تخنقُ حلقها قليلاً.

نعم، هي ليست وحيدةً.

طيفُ ابتسامةٍ خافتةٍ زيَّن شفتيها.

فتحتْ فاهها ونطقتْ بصوتٍ أجشَّ:

"أنا لستُ بلا منزلٍ، أيها البارونُ، أنا أملكُ عائلةً الآنَ".

ارتجفتْ شفتيها للحظةٍ قبل أن تهمسَ مؤكدةً: "لستُ متسولةً".

رغمَ أنه يناديها الآنَ بابنتي ويبدو أنه قررَ أن يمنحها أذناً بمناداتهِ بوالدها، إلا أنها ما زالت لا تطيقُ نطقَ تلك الكلمةِ المحظورةِ فنادتهُ برسميةٍ.

تغيرتْ نظرةُ البارونِ لبرهةٍ دون أن تلحظَ لكنهُ محاها سريعاً ورفعَ زوايا شفتيهِ قسراً.

"أوليس الدوقُ الشابُّ في القصرِ الملكيِّ الآنَ؟ تعالي معي إلى المنزلِ حتى يعودَ زوجكِ فقط".

اضطربتْ عيناها بحيرةٍ.

الطريقُ بالعربةِ حتى منزلِ البارونِ يبعدُ ساعتينِ.

قد يقلقُ أليستر حقاً لو تأخرتْ.

نظرَ البارونُ بهدوءٍ إلى ابنتهِ المترددةِ.

ثم وضعَ كفهُ على ظهرها وهمسَ بنبرةٍ لطيفةٍ:

"لقد اشتقتُ حقاً إلى ابنتي الوحيدةِ، ألا يمكنني الجلوسُ معها واحتساءُ الشايِ معاً في منزلنا بعد هذا الوقتِ الطويلِ؟".

فرغَ ذهنها تماماً عند تلك الكلماتِ، رفعتْ رأسها وفغر فاهها بذهولٍ.

وجهُ والدها المبتسمُ..

عيناهُ المنحنيتانِ برقةٍ..

ظنتْ أنها تعابيرُ لن تعتلي وجههُ مطلقاً حتى لو كان حلماً.

وكان محكوماً عليها منذ تلك اللحظةِ أن تتبعهُ.

***

طوالَ الطريقِ تحدثَ البارونُ معها بنبرةٍ ودودةٍ لم تتخيلْ في حياتها سماعها منهُ قطُّ.

كلما ناداها يا ابنتي أو ابتسمَ بوجهها كانت وجنتاها تتوردانِ لا إرادياً.

كان أحياناً يحوّل نظرهُ بين الشباكِ وبينها بنظرةٍ قلقةٍ، ويحثُّ السائقَ على الإسراعِ، لكنها ظنتْ أنه يتوقُ للجلوسِ معاً واستغلالِ الوقتِ بدلَ إضاعتهِ في الطريقِ.

قرصتْ خديها وساقيها مراراً عسى أن تستيقظَ من هذا المنامِ الجميلِ، فلا تريدُ أن تتضخمَ آمالها حتى تبلغَ عنانَ السماءِ ثم يكونَ حلماً فيهوي قلبها أرضاً.

لكنهُ لم يكن حلماً..

وصلوا أخيراً إلى منزلِ البارونِ، خرجَ البارونُ أولاً وساعدها في النزولِ.

تقدَّمها البارونُ بضعَ خطواتٍ بعد أن حثَّها على الدخولِ بسرعةٍ فتبعتهُ بخطىً خجولةٍ.

'ابنتي'

لا بد أنهُ أيضاً كان يتوقُ لسماعِ تلك الكلمةِ منها..

فعيناهُ المحمرتانِ إزاء البكاءِ وابتسامتهُ لها يستحيلُ أن تكونا كذباً.

في تلك اللحظةِ، قررتْ شمسٌ أن تجمعَ شجاعتها وتنطقَ بتلك الكلمةِ.

نبضَ قلبها بقوةٍ عند تخيلِ الابتسامةِ اللطيفةِ التي سيوجهها إليها بعد سماعهِ تلك الكلماتِ.

أغمضتْ عينيها وشدَّت قبضتيها ببأسٍ، انفرجتْ شفتاها ببطءٍ وقالتْ بصوتٍ خافتٍ كالهمسِ:

"أبي... ".

توقفتْ خطى البارونِ.

ومعها بلغَ توترها عنانَ السماءِ.

التفتَ ببطءٍ ونظرَ إليها.

رفعتْ جفونها رويداً ونظرتْ إلى وجههِ بترقبٍ.

جلجل-

سقطَ قلبها بقوةٍ.

حدقتْ مقلتانِ باردتانِ خاليتانِ من الدفءِ في وجهها.

انفرجتْ شفاههُ وقالَ بصوتٍ باردٍ يتخللُ فيه الاشمئزازُ العميقُ، نزلَ كالصاعقةِ عليها:

"ألم أقلْ لكِ أن لا تجرئي على نطقِ هذه الكلمةِ أمامي؟"

لماذا.....؟

في تلك اللحظةِ، تداخلَ وجهُ والدها في طفولتها معه الآنَ.

بردَ قلبها، وتصلبَ جسدها تماماً كأنه غمرَ بالجليدِ.

آه، كيف نسيتْ ذلك...؟

والدها لم يكن يوماً ممن يعاملون الناسَ بلطفٍ دون سببٍ، ولا حتى زوجتهُ.

أُعميتْ بصيرتها بسبب ذلك الدفءِ الطفيفِ الذي تاقتْ إليهِ فأغفلتْ طبيعتهُ الحقيقيةَ.

شحبَ وجهُ شمسٍ تماماً.

تلاشتْ القوةُ من جسدها فانهارتْ أرضاً .

لم يوجِّهْ نظرةً إليها حتى، أوقفَ أحدَ الخدمِ المارينَ وأمره بصوتٍ هادئٍ مملٍّ، صوتٍ اعتادتهُ تماماً:

"احبسوها في القبوِ".

تقدمَ خادمانِ نحوها دون ترددٍ. أخذها الخادمانِ، لا، بل جرَّاها ممسكينَ بكلتا ذراعيها إلى تلك الغرفةِ القديمةِ.

لم تتمكنْ من المشيِ حتى، كانت أطرافُ أقدامها تخزها بسببِ الاصطدامِ المتكررِ بالأثاثِ.

لكنها لم تكن تشعرُ بالألمِ..

بل، كان عقلها غائباً فلا تنتابها أيُّ أحاسيسَ.

ذكرياتٌ رهيبةٌ كانت تحاولُ نسيانها طفتْ إلى السطحِ.

فتحوا باباً مألوفاً وألقوها هناكَ، سقطتْ على ركبتيها فلامستهما أرضٌ خشبيةٌ باردةٌ، جُرحتا بسببِ صدمةِ السقوطِ، لكن لا أحدَ أعارَ اهتماماً لذلكَ.

خرجَ الخادمانِ مُهطعينِ من المكانِ كأنهُ داءٌ ينبغي تجنبهُ، سمعتْ صوتَ القفلِ تلاهُ خطواتٌ متلاشيةٌ تبتعدُ باستعجالٍ.

نظرتْ بذهولٍ غيرَ مصدقةٍ لما حدثَ للتوِّ.

غمرَ القماشُ تحت ركبتيها باللونِ الأحمرِ وبلَّل الأرضيةَ تحتها.

باتَ تنفسها أكثرَ خشونةً عند رؤيتها لرأسِ الثورِ المعلقِ على البابِ من الداخلِ فأزاحتْ بصرها سريعاً عنه ونظرتْ نحو اليمينِ.

رأتْ حينئذٍ حزاماً جلدياً بنيَّ اللونِ، معلقاً بمسمارٍ على الحائطِ.

حبستْ أنفاسها في صدرها وارتعشتْ أوصالها خوفاً..

التفتتْ يساراً بسرعةٍ بعيداً عنهُ تحاولُ صرفهُ عن ناظرها، فلمحتْ مقصاً وُضعَ على طاولةِ زينةٍ.

حاولَ عقلها بيأسٍ أن يكبحَ جماحَ تلك الذكرياتِ.

لكنَّ تلك الذكرى طفتْ في ذهنها رغما عنها..

عندما تمردتْ لأولِ مرةٍ على والدها وتسللتْ سراً لسرقةِ الطعامِ.

حينئذٍ أجلسها على ذلك الكرسيِّ الخشبيِّ هناكَ.

مررَ المقصَّ على وجهها مبتسماً بخبثٍ ثم رفعَ شعرها الذي تعتزُّ بهِ عالياً.

في تلك الغرفةِ الصامتةِ، رنَّ في أذنها صوتُ المقصِّ بصخبٍ، وحفيفُ ذلك الشعرِ اللامعِ وهو يهوي أرضاً.

كان شعرها يصلُ إلى خصرها حينئذٍ وكانت تتفاخرُ فيهِ دائماً بسعادةٍ.

أمرها منذ تلك اللحظةِ أن لا تجعلَ طولهُ يتجاوزُ كتفيها.

ورغمَ تحررها من ذلك الكابوسِ، لم تستطعْ أن تحملَ نفسها على مخالفةِ ذلك الأمرِ.

غطتْ أذنيها بيديها، كأنها تحاولُ إيقافَ صوتٍ غيرِ موجودٍ..

لكنها لم تنجحْ، فالغرفةُ صامتةٌ، لكنَّ جدرانَ الغرفةِ تتحدثُ إليها وتهمسُ شاهدةً على ذكرياتها. حفيفُ الشعرِ المتساقطِ وصخبُ المقصِّ يصرخانِ في أذنيها الآنَ.

هل كان غروراً منها أن تظنَّ أنها تمكنتْ من تجاوزِ الأمرِ..؟

انزلقتْ الدموعُ الساخنةُ رويداً رويداً وهي تبللُ وجهها تماماً.

في تلك اللحظةِ، مرَّ وجهٌ مشرقٌ قبل أن تفقدَ صوابها.

"لِمَ تقصّينَ ذلك الشعرَ الجميلَ؟ إنه لهدرٌ حقاً. حسناً، أنتِ مذهلةٌ في كلِّ الأحوالِ".

هدأتْ عاصفةُ المشاعرِ قليلاً. في كثيرٍ من الأحيانِ، كان أليستر ينظرُ إليها بغرابةٍ حين تقصُّ شعرها بمجردِ أن يتجاوزَ كتفيها بقليلٍ.

ويقولُ لها تلك الكلماتِ المليئةَ بالدفءِ.

آه، صحيحٌ...

أليستر...

أليستر، ما زالَ لم يتخلَّ عني..أليس كذلك؟

***

مرَّ يومانِ.

لا زالتْ محبوسةً هناك، دون أن تذقْ عيناها المحمرتانِ طعمَ الراحةِ إذ خشيتِ الكوابيسَ، الوجلَ من قيودِ الماضي التي قد تنطلقُ من تلك الجدرانِ الصامتةِ.

لم يزرها والدها أيضاً..

كان الخدمُ يضعون الوجباتِ بين الحينِ والآخرِ بهدوءٍ شديدٍ ثم يغادرون دون أن ينبسوا ببنتِ شفةٍ، لكنها لم تأكلْ شيئاً يذكرُ.

في الواقعِ، من الترفِ تسميتهُ وجبةَ طعامٍ، فما يقدمونهُ عبارةٌ عن خبزٍ بنيٍّ قاسٍ وماءٍ.

خبزٌ لم تعتقدْ أنَّ لسانها سيعاودُ تذوقهُ يوماً بعد أن ولَّتْ أيامُ الشقاءِ رفقةَ أليستر.

لا بد أنَّ أليستر قلقٌ..

كلما فكرتْ فيهِ تسللتْ الشجاعةُ تبثُّ فيها روحاً للهروبِ من هذا المكانِ، لكنها بمجردِ وقوفها على قدميها تتلاشى كأنها لم تكنْ.

فإمساكُ مقبضِ البابِ يستهلكُ منها جهداً، وإغماضُ عينيها لحجبِ رأسِ ذلك الثورِ غذّا حواسها حتى باتت تتخيله أكبرَ حجماً، وأرعبَ مظهراً.

الحزامُ الجلديُّ المعلقُ على الحائطِ يجعلُ جسدها ينتفضُ لا إرادياً إذ تتذكرُ جيداً عقوبةَ المتمردينَ.

وبينما عزمتْ أمرها مجدداً، ونهضتْ بصعوبةٍ مستندةً على ركبتيها بضعفٍ، سمعتْ فجأةً صوتَ قفلِ البابِ وهو يُفتحُ.

عاودتْ الجلوسَ سريعاً كأنها لم تستقمْ قبل لحظةٍ قطُّ.

فتحَ البابُ، ولأولِ مرةٍ، ظهرَ والدها.

نظرَ ببرودٍ إلى المكانِ كلهُ متفحصاً إياه بمقلتيهِ قبل أن تستقرَّ أنظارهُ أخيراً على ابنتهِ التي تنظرُ إليه بوجهٍ مرعوبٍ.

غابَ مظهرُ الترفِ الذي رآها فيهِ أولَ مرةٍ، وما بقيَ منها سوى تلك الطفلةِ الخائفةِ التي اعتادَ على ترويضها.

رفعَ شفتيهِ بسخريةٍ

'جيدٌ'.

تقدَّم ببطءٍ ناحيتها حتى استقرَّ أمامها، لم ترفعْ بصرها عن ساقيهِ.

انحنى قليلاً مواجهاً وجهها.

شدَّت قبضتيها المهتزتينِ وأطرقتْ مقلتيها أرضاً بخوفٍ.

أمسكَ ذقنها بخشونةٍ ورفعهُ عالياً.

ثم أمالَ رأسها يميناً وشمالاً متفحصاً سلامةَ وجهها كأنه يقيِّمُ بضاعةً ما.

تحملتْ بصمتٍ حتى استقامَ ساحباً يدهُ بعيداً عنها، ثم مسحها بعنايةٍ بمنديله كأنه لامسَ شيئاً قذراً.

لم تتأذَّ من تلك اللفتةِ، فخلالَ ليلتينِ فقط، تهشمتْ آمالها تجاههُ كأنها لم تكنْ.

قالَ بصوتٍ خالٍ من الدفءِ: "سيزورنا وليُّ العهدِ هذا اليومَ، لا تفكري بفعلِ شيءٍ أحمقَ وإلا.."

نظرَ إلى الحزامِ الجلديِّ بمقلتيهِ ثم عادَ بهما إليها، ففهمتْ مقصدهُ.

أومأتْ بضعفٍ فاستدارَ وخرجَ دون ترددٍ مقفلاً البابَ مجدداً.

خارت قواها فاستلقتْ على الأرضِ الباردةِ وأسدلتْ جفنيها، دون حراكٍ، كأنَّ روحها فارقتْ جسدها، لم تعدْ تملكُ طاقةً للبقاءِ مستيقظةً، لا روحَ لتطيقَ صبراً فلا تنامُ، ولا شدةَ لديها لردعِ الكوابيسِ، فاختارتْ الفرارَ... بتفكيرها بمن تحبُّ حتى تغفوَ.

وبعدَ بضعِ ساعاتٍ، فُتح البابُ مجدداً ودخلَ الخدمُ.

لكنهم على غيرِ العادةِ، أحضروا معهم هذه المرةَ فستاناً خلاباً وأدواتِ زينةٍ وقلائدَ.

أيقظوها بخشونةٍ ثم أمسكوها وذهبوا بها إلى الحمامِ، أجلسوها بعدها على ذلك الكرسيِّ وطفقوا يزيّنون وجهها الشاحبَ.

انتابها غثيانٌ شديدٌ، لكنها ضمَّت شفتيها وبالكاد كبحتْهُ.

شُدَّ شعرها بقوةٍ، وتأذى خصرها من المشدِّ، وتعرضتْ للصفعِ أثناءَ الاستحمامِ، لكنها لم تأنَّ حتى.

وأخيراً وقفتْ أمامَ المرآةِ امرأةٌ آسرةٌ ذاتُ شعرٍ لامعٍ، وأديمٍ كاللؤلؤِ، لا تختلفُ بشيءٍ عن آنساتِ المجتمعِ الراقي، غيرَ أنها كانت تنظرُ بوجهٍ فارغٍ كالدميةِ.

عيناها المتلألئتانِ فقدتا تركيزهما، ووعيها كان بعيداً.

الآن بعد أن تفكرَ في الأمرِ، كيف عرفَ والدها أنها متزوجةٌ من الدوقِ الشابِّ...؟

انفرجتْ شفتاها قليلاً.

هل كلُّ ذلك كان جزءاً من الخطةِ أيضاً؟

انزلقتْ منهما ضحكةٌ فارغةٌ، رفعتْ زوايا شفتيها راسمةً ابتسامةً ساخرةً.

هزَّت رأسها بضعفٍ.

'لا يهمُّ'.

لم يعدْ يهمُّ حقاً.

لقد وطئتْ بأقدامها هذا الفخَّ.. بغباءٍ شديدٍ.

جرَّها الخدمُ حتى وصلتْ أمامَ غرفةِ الاستقبالِ.

طرقوا البابَ ثم تراجعوا بسرعةٍ كأنهم يفرون.

أمسكتْ شمسٌ البابَ وأخذتْ نفساً عميقاً، شدَّت قبضتها عليهِ بقوةٍ ثم فتحتهُ.

استقبلَ بصرها رجلٌ ذا شعرٍ أسودَ لامعٍ، يرتدي ثياباً حمراءَ فخمةً وباذخةً، مزيناً من رأسهِ حتى أخمصِ القدمينِ.

يجلسُ بأناقةٍ على الأريكةِ واضعاً ساقاً فوقَ الأخرى، ويحتسي الشايَ بغطرسةٍ بينما البارونُ يبتسمُ ويتملقهُ فاركاً كفيهِ معاً بتوترٍ.

حين سمعَ صوتَ البابِ، التفتَ وليُّ العهدِ ونظرَ إلى شمسٍ.

تنقلتْ نظراتهُ ببطءٍ من رأسها حتى وصلتْ أطرافَ أقدامها بتمعنٍ، فانتابها حرجٌ شديدٌ.

ثم بعدَ لحظاتٍ، أومأ برأسهِ مغمغماً من بين أنفاسهِ:

"كما توقعتُ، لم يكن عديمَ الذوقِ في النهايةِ".

ركعتْ شمسٌ على ركبتيها كما علّمها والدها وحيَّت وليَّ العهدِ بصوتٍ مرتجفٍ.

أومأ وليُّ العهدِ برأسهِ ثم أشارَ إليها أن تجلسَ بجانبهِ.

نهضتْ بصعوبةٍ، وجلستْ هناكَ.

قرَّب وليُّ العهدِ وجههُ منها ودرسَ وجهها بنظراتٍ مقززةٍ، شعرتْ بأنفاسهِ تلامسُ وجهها فأغمضتْ عينيها بشدةٍ.

لفَّ خصلةً من شعرها بسبابتهِ وقالَ:

"حسناً يا....؟ أوه، صحيحٌ، ما اسمكِ؟ أيها البارونُ، ما اسمُ ابنتكِ؟" التفتَ نحو البارونِ.

شحبَ البارونُ عند ذلكَ إذ لم يمنحها اسماً عند ولادتها قطُّ، ارتجفتْ شفتاهُ بشكلٍ طفيفٍ قبل أن يقولَ بابتسامةٍ قسريةٍ:

"اسمها ميلفين".

حوَّل وليُّ العهدِ مقلتيهِ نحو شمسٍ وأعلنَ قائلاً:

"حسناً يا ميلفين، من اليومِ فصاعداً أنتِ محظيتي".

شدَّ خصلةَ شعرها الملفوفةَ حولَ إصبعهِ فتأوَّهتْ قليلاً بألمٍ.

"أيها البارونُ، دعني ومحظيتي لوحدنا قليلاً".

انتقلتْ نظراتُ البارونِ بين ابنتهِ ووليِّ العهدِ، ثم ابتسمَ بخفةٍ:

"لكن سموكَ، أليسَ من الأفضلِ تركُ الأمورِ حتى تعلنَ رسمياً ذلكَ؟"

تحولتْ مقلتا وليِّ العهدِ من شمسٍ إليهِ.

نظرَ إليهِ باشمئزازٍ ثم أمرَ ببرودٍ:

"أيها البارونُ، اخرجْ".

"حاضرٌ" ارتجفَ قليلاً لكنهُ نهضَ بسرعةٍ وخرجَ.

عند سماعهِ صوتَ إغلاقِ البابِ، عادَ بنظرهِ إلى شمسٍ.

سحبَ شعرها نحوهُ وقالَ بسخريةٍ:

"هل تعلمينَ يا ميلفين؟ رغم أنكِ تحاولينَ جعلَ وجهكِ محايداً، إلا أنني يمكنني رؤيةُ المقتِ يفيضُ في عينيكِ".

لم تجبْ، فقط أغمضتْ عينيها بقوةٍ، كأنها تحاولُ تجاهلَ صوتهِ، عسى أن تمضيَ هذه اللحظةُ بسرعةٍ.

أكملَ قائلاً: "أنا أعرفُ جيداً أنكِ متزوجةٌ من أليستر، أليسَ كذلكِ؟

لكن، إلى متى ستبقونَ الأمرَ سراً؟"

لم تتفاعلْ حتى، حين رأى ردةَ فعلها شعرَ بالمللِ.

ما هذا؟ ألن تقاومي قليلاً؟

ثم قالَ كأنه تذكرَ شيئاً:

"آه، صحيحٌ"

ابتسمَ بخبثٍ وقرَّب وجههُ من أذنها هامساً:

"يبدو أنكِ تجهلينَ ذلكَ، لكن لو عارضَ أليستر قراري وحاولَ أخذكِ مني يا محظيتي...".

أطالَ كلماته عمداً، ولأولِ مرةٍ التفتتْ شمسٌ ناحيتهُ.

نظرَ إلى تلك العينينِ الكهرمانيتينِ الصافيتينِ وقد امتلأتا قلقاً.

آه، شعرَ بقلبهِ ينقبضُ مَرَحاً.

طالَ الصمتُ، لم يملكْ وليُّ العهدِ أيَّ نيةٍ لاستئنافِ كلماته قبل أن تسألَ بنفسها.

ترددتْ للحظةٍ ثم فتحتْ شفتيها:

"ماذا سيحصلُ؟"

شقتْ الابتسامةُ ثغرهُ.

قرَّب وجههُ عمداً ونظرَ إليها.

ثم مرَّر بصرهُ على رقبتها.

"حسناً...من يعلمُ؟ ربما، سأقتلهُ".

شحبَ وجهها تماماً.

اتسعت عيناها وضمَّت شفتيها تحبسُ صرخةً مكبوتةً.

أكملَ باستمتاعٍ:

"بموجبِ القانونِ، لا يحقُّ للشعبِ الاعتراضُ على محظياتِ الملكِ، سيكونُ من الممتعِ مشاهدةُ وجههِ يتشوهُ بالألمِ حين يراكِ بجانبي".

نفثَ أنفاسهُ على رقبتها قائلاً:

"هل أرضيتِ فضولكِ، سيدتي؟"

دفعتهُ بعيداً ونهضتْ مترنحةً.

رغمَ تصرفها الوقحِ إلا أنَّ وليَّ العهدِ قررَ التغاضي عن الأمرِ.

التفتتْ بسرعةٍ بأنفاسٍ متقطعةٍ وخرجتْ من الغرفةِ.

ضحك ولي العهد بقوة حتى هزت أركان الغرفة، ضحك طويلا حتى تلاشت ضحكته شيئا فشيئا وما بقي سوى الصمت والفراغ.

حدق بهدوء في الباب ثم غمغم من بين أسنانه "دعنا نختبر ولائك جيدا، أيها الوغد.. ".

ركضتْ شمس سريعاً وهربتْ بعيداً.

لا، بل حاولتْ الهربَ قبل أن تمتدَّ قدمٌ وتعترضَ طريقها.

تعثرتْ بفستانها وسقطتْ أرضاً بقوةٍ.

رفعتْ رأسها، فرأتْ من بين شعرها الأشعثِ وجهَ البارونِ يبتسمُ بسخريةٍ.

أوقفَ أحدَ الخدمِ وأشارَ بعينيهِ إليها ففهموا وأمسكوا بذراعيها من الجانبينِ ثم حملوها مجدداً إلى القبوِ.

دفعوها داخلها فسقطت أرضا ثم اقفلوا الباب وغادروا.

في تلك اللحظةِ، غشي على دماغها، يأسها كان أعمقَ من أن يخيفها رأسُ ثورٍ فقط.

فاندفعت نحو الباب المغلق وضربته بقوةٍ،

صرختْ،

توسلتْ،

لكنَّ أحداً لم يفتحهُ مجدداً.

طلبتْ رؤيةَ وليِّ العهدِ مراراً، لكنَّ الخدمَ تظاهروا بعدمِ سماعها.

حاولتْ نفيَ تلك الفكرةِ من ذهنها، لكن في تلك الغرفةِ الوحيدةِ، حيث ضجيجُ عقلها يملأ المكانَ، ما كان لها إلا أن تفكرَ فيها، وتتأملها، ثم تعودَ لتفكرَ فيها مجدداً مستغرقةً فيها.

هل... هل سيموتُ أليستر...؟

بسببها...؟

سيُقتل؟

غرقتْ في مستنقعٍ لا نهايةَ لهُ، وللمفارقةِ أنها في تلك اللحظةِ تمنتْ أن يتخلى عنها.

نعم، لا بد أن يتخلى عنها، لينجوَ.

لا ينبغي له الاعتراضُ على أمرٍ ملكيٍّ.

من هي حتى؟ إنها مجردُ فتاةٍ بلا اسمٍ دخلتْ حياتهُ فجأةً لذلك لا ينبغي أن يضيعَ حياتهُ الثمينةَ فيها.

خوفها عليهِ جعلها ترغبُ بأشياءَ لا يعقلها قلبها.

وكلما استغرقتْ في الأمرِ أكثرَ، تهشمتْ روحها وخفتتْ رغبتها في الحياةِ.

***

كم من الوقتِ مضى....؟

أغلقَ الخدمُ النافذةَ الوحيدةَ التي تطلُّ إلى الخارجِ.

لا ضوءَ شمسٍ يصلها، ولا ساعةٌ تجعلها تعرفُ ليلها من نهارها.

ما يوقظُ وعيها المتململَ هو صوتُ البابِ حين يُفتحُ، فيضعُ الخدمُ الطعامَ ويخرجون بسرعةٍ متحاشينَ إياها.

جلستْ واضعةً رأسها فوقَ ركبتيها بضعفٍ.

كيفَ وصلَ الأمرُ إلى هذا...؟

أحاطتْ رأسها بذراعيها كأنها تودُّ الهروبَ من كلِّ شيءٍ.

كلُّ ذلكَ بسببها..

لو أنها فقط استسلمتْ، ولم تنقدْ لتلك الكلماتِ...

لأنها كانت أنانيةً..

لأنها أرادتِ العيشَ..

نعم، لم يكن ليحصلَ كلُّ ذلكَ لو قالتْ لهُ في تلك اللحظةِ لن أتبعكَ.

ثم لتصحيحِ ذلكَ...

عليها أن تهجرهُ قبل أن تدمرهَ.

ما يكنُّهُ فؤادها يقتلهُ، وما يريده قلبها مستحيلٌ.

رفعتْ رأسها ببطءٍ شديدٍ ونظرتْ إلى الأفقِ المظلمِ.

لو انتهتْ حياتها هنا، فسينالُ الخلاصَ.

رفعتْ كفيها المرتعشينِ رويداً ومسحتْ رقبتها ودلكتها برفقٍ.

ثم اشتدتْ قبضتها الواهنةُ، حبستْ أنفاسها في صدرها، كلما اشتدتْ مشاعرها ضغطتْ بقوةٍ أكبرَ.

لكن فجأة، فقدت قوتها..

ارتختْ كفاها ببطءٍ وأنزلتها أرضاً.

"الحياة قد تكون تعيسة، لكن من الرائع ان نعيشها كلها تماما دون ندم ، ألا توافقينني يا شمس؟"

لا، لا ينبغي أن أموتَ هكذا.

هذا.. ليس حلا.

إنه هرب..

تقطعتْ أنفاسها واحمرتْ عيناها بألمٍ، وانزلقتْ قطراتٌ صافيةٌ من عينيها مبللةً الأرضَ.

لا يمكنها أن تموتَ.

ثم فجأةً-

قبضةٌ قويةٌ سحبتْ ذراعها بعنفٍ وأدارتْ جسدها بأكملهِ جانباً..

اتسعت عيناها بدهشةٍ.

وهناك كان وجهُ من تاقتْ إليهِ.

___________________________________________

كثرة التفاعل تدل على مدى اهتمامكم بالفصل ورغبتكم في الفصل القادم.

لذا، فضلا، تفاعلوا ولو بنجمة فقط إن كنتم مهتمين لأنشر المزيد💜

رأيكم بشمس؟

تلاعب والدها بها؟

ولي العهد؟

منطق مونتفيل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منافقون

المؤلف .💜lilium
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة