تذكر : لا تلهك القراءة والروايات عن الصلاة وذكر الله.
ادعموني ولو بتعليق 🤍
قراءة ممتعة 🤍
_______________________________________
مَملكة أدام -440-
إقليم غارون -إقطاعية ليديا
دَخلتْ الشَابة مَملكة أدام وأخذتْ تَتفحصُ مَعالمها ،
كَانتْ القَرية التّي وَطأَتها تضجُ بالحياةِ؛ ضِحكاتُ الأَطفال تملأُ الأَرجاء، وصَيحاتُ البَاعةِ المُتجولِين تَتَعالى بينَ أَزقةِ السُوق، فِيما يَرنُّ صَدى اصطِدامِ السُيوفِ مِن بعيدٍ كأنَّهُ مُوسيقَى حَديدية تُذكِّرُ السُكان بقوةِ مَملكتِهِم وبأسِ رِجالِها.
بدأتْ تَتَمشى وهي تنظرُ بإمعانٍ الى هَذا المكانِ الغريبِ.
نظرتْ إلى البيوتِ التّي كانتْ مصنوعةً مِن الحِجارة و الطِين ، وبُنيتْ بعضُ المنازلِ الأكثرِ فخامةٍ مِن الطوبِ، وزُيّنت أَركانُها وأرضياتُها بِالمرمر.
.
اقتربتْ من أحدِ البيوت ، عُلقتْ عَلى شُباكِها أزهارُ الزنبق ، هَمست وهي تلمسُ بُتلاتِها
" إمّا أنّنِي قد عُدتُ إلى زمنٍ قديمٍ أشبه بالجاهلية ، أو هَذا المكانُ هو مجردُ قريةٍ ريفيةٍ صغيرةٍ مِن مَملكة أدام".
قَطعَ عَليها تَفكيرها صَوتُ بعضِ الأطفالِ يَحملون سِلالاً مُتجولين ويَصيحون بِأعلى صَوتهم " كِبريت ! كِبريت !"
أقبلَ الكثيرُ مِن الناسِ يَشترون مِنهم ، كانَ الصِغار يبيعونَ بِسعادة مُبتَسِمين.
لاحظتْ بأنَّ أغلبَ سُكانَ هَذه البلدة ذوي شَعرٍ بُني وعُيون بُنية .
بَحثت بِعينيها عَن أيِّ شخصٍ ذو لونِ شعرٍ مُختلفٍ لكنها لم تَجد احداً والغريبُ في الأمر حَتى هِي كانتْ بلونِ شعر مُماثل.
وبينما كَانت تُفكرُ بمدى تَشابه سُكانَ هذهِ القريةِ الشَكلي وقعتْ عَيناها عَلى صَبي صَغيرٍ ذو شَعرٍ أسودٍ يَحملُ سلةَ كبريتٍ صغيرةٍ ويُنادي بِخفوت
" كِبريت...أنا أبيعُ الكِبريت.."
لم يقتربْ مِنه أيّ مِن سِكانِ هذه البَلدة ، كَانوا يتحاشونَ الوقوفَ بِجانبه كأنَّه داءٌ معدٍ ، أو مُجردُ لعنةٍ سَتصيبهم إذا تَحدثوا مَعها.
استغربتْ ردَ فِعلهم وارادتْ تَجاهل الأمر والمَضي قدماً لكنها اشفَقتْ عَليه قليلاً، خُصوصاً مَلامحه الحَزينةِ القاتِمةِ كأنَّه طِفلٌ بِلا مأوى، هَجرهُ العَالمُ والنّاس عَلى حَد سَواء.
فغيرتْ اتجاهَ سَيرِها نَحوه واقتربتْ مِنه ، ابتسمتْ له وقالت " مرحبا، أيها الصغير"
لَكن بِمجرد أن نَطقت بِتلكَ الكلماتِ، عَشراتُ العُيونِ انصبتْ نَحوها ، كلُّ أهلِ القريةِ توقفوا عَن أفعالهم وأخذوا يُحدقون بِها بنظراتٍ مُرعبة.
ارتبكتْ وخافتْ ' هل فعلت شيئاً خاطئاً؟' فَكرت في نفسها ، لكن مَهما نَظرت للوضع فَهي لمْ تفعلْ سِوى أن القت التِحية على هَذا الصغير.
رَفعَ الصَبي رأسَه تِجاهها ، كانَ وجهُهُ قَاتماً، شَاحبا، مُجرداً مِن الحَياة ، حَركَ شَفتيه دُونَ صَوتٍ لكن الشَابة تمكنَت مِن فِهم ما يُحاول قَوله.
' ما كان ينبغي عليك أن تفعلي هذا'
سَرتْ قَشعريرة أسفلَ عَمودِها الفَقري، استدارتْ فوراً ومشتْ بعيداً عَنه وجلةً ، بِمجرد أن ادبرتْ مُنقطعةً عَن الطِفل عادَ النّاسُ لِنشاطِهم وكأنَّ شيئاً لم يَحدثْ، هذا جَعلها تخافُ اكثر.
'لن اتكلمَ مَع أحدٍ بعدَ الآن' فكرت.
مَضت في طَريقها تنظُرُ حَولها بِحذر ، سَمِعتْ صوتَ صليلِ سيوفٍ وصَرخاتِ تشجيعٍ تنبعثُ مِن إحدی السَاحات القَريبة.
قررتْ أن تُغيرَ وِجهتها نَحوهم ، رأتْ حينئذٍ رجلٌ كبيرٌ ذو لحيةٍ بيضاءٍ يبارزُ بسيفٍ خشبي طِفل صَغير لا يَتجاوز عُمُره عشرةِ أعوام.
ضربَ الرجلُ بِسيفه سَاقَ الصَبي فسقطَ أرضاً وتمرغَ وَجهُهُ في الترابِ ، رفعَ الصبي رأسَه مِن الأرضِ بصعوبةٍ ، بَدا عَلى مَحياهُ نظراتٍ عازمةٍ ،مصممةٍ عَلى الفوز، نهضَ مستنداً عَلى سَيفِه الخَشبي قائلاً:
" تَقَدم! ما زالَ لَدي قُوة لِلقتال!"
أُعجِبتِ الشَّابةُ بِعزيمتِه وأخذتْ تراقِبُهُم ، انتشرتْ ساحاتُ التَدريبِ بكثرةٍ في هَذه القرية إذ كانَ صليلُ الصوارم واصواتُ المُحَارِبين يَتعَالَيان مِن كُلِّ صَوبٍ ومَكان كأنَّهم وُلِدوا لِيقاتلوا فقط.
هَذا جَعلها تَتساءلُ فقط، لِماذا هُم مُستميتون لِلقتال كأنَّ حَياتهم ترتبطُ بِذلك؟
كانَ غيرُ المُقاتلين يَقِفون مُراقبين ويُشجعون مَن يُريدون لَه الفوزَ أكثر.
" هيَّا يا سعيدُ ! اضربهُ بقوةٍ! اهزمه !"
بِقُربِها وقفتْ امرأةٌ تهتفُ وتشجعُ أبنها الصَغير بحماسٍ فقررت سُؤالها.
قَامت بِوخزها قائلةً "المعذرة"
التفتت إليها المرأةُ بِوجهٍ متسائلٍ ، سَألتها الشابة على وجهِ السُرعة
" لِماذا الجَميعُ يُقاتِلُ هُنا؟ هل المبارزة شيءٌ مهم؟"
ارتسمتْ ملامِحُ الحيرةِ عَلى وَجهها لكن بَعد ثوان ابتسمتْ بِفهم قائلةً:
" اوه، هل انتِ غريبةٌ عَن هُنا؟ لا عجبَ أنَّنِي لم اركِ تُشجِعين أحداً إلى الآن"
" نَعم، أنا كَذلك" اجابت الشابة بإحراج.
قالتْ بِحماس " حقاً؟ نادراً ما يزورُنَا الغُرباء! من أين أتيتي وما أسمُكِ؟"
اخفضتْ الشَابةُ رأسَها وهي تُتَمتِمُ بتفكيرٍ " اسمي ؟ اسمي..."
بعد قليلٍ نظرتْ إليها بابتسامة قائلةً " اسمي كَاثرين.."
نظرتْ إليها تِلكَ المرأةُ بحيرةٍ" كاثرين ؟ لم أسمعْ بمثلِ هذا الاسمِ مِن قبل.. ماذا يعني؟"
ابتسمت لها قائلة " معناه؟ معناه هو.."
أظلمتْ عَينيها وأخذتْ تعبثُ بِكفيها ، أجابتها بشرودٍ " النقاء و...الطهارة".
أجابتها " حقاً؟ اسمُكِ جميلٌ! حَسناً.. الجميعُ هُنا يهتمون بفنِ المُبارزةِ والسَيف وذلك لسببٍ مهمٍ جِداً "
نظرت إليها كاثرين بِفضولٍ تَحثُها عَلى أن تُكمِلَ كلَامها ، اكملتْ بِحماس
" سَيد غَارون يَقومُ بزيارةِ هذا المكان دورياً كُلّ شهرٍ وإذا أستطاع أحدٌ مِنا لفتَ أنتباهه فسَينال رعايةً مِن السيد غارون بِنفسه ! هل تُصدقينَ هذا؟ "
أومأت كاثرين برأسها بحيرة" وهل هذا شيء مهم؟ ما المُميز فِي المَوضوع؟"
ضربتْ المرأة جَبهتها بِصدمة ثُمَّ قالت:
" هذا مُهم...مهم جداً! أن تَرعاك أحدى العَشائر الأَربعةِ بِنفسها هو حظٌ عظيمٌ وفرصةٌ كُبرى لا يَنالُها الجَميع ، حينئذٍ سَتترقى وتصبحَ ذو مكانةٍ عاليةٍ فِي المجتمع!"
سَجلتْ كاثرين مُلاحظة ذِهنية بأنَّ هَذه العشائر أهمُ مِما كانتْ تَعتقد.
أشارتْ المرأةُ إلى أبنها فِي السَاحة وقالتْ متفاخرةً
" اليسَ طِفلي رائعاً؟ يُواجِهُ بالغاً لِوحدِه ! أُنظُري إلى شَجاعَته ، سَيصبِحُ مُحارباً شُجاعاً وفَارسا تَتلهفُ عَشيرة غَارون لِضَمِه اليهم !"
أوماتْ كَاثرين بِرأسها مُبتسمةً بِتكلف وسألت "هل عشيرة غارون هِي المَسؤولة عَن الأَمن فِي مملكة أدام؟"
اجابت المرأة دون ان تشيح بصرها عن الساحة
" نعم إنَّها كَذلك ، تَحتاجُ المَملكة إلى ضَمِ جُنودٍ بإستمرار فعشيرةُ غَارون هِي التّي تُغِيرُ على المَمَاليك الأُخرى فِي اوقاتِ الحُروب ومقاتِليها يَنبغي أن يَكونوا أقوياء، هَذه العشيرة هِي قوةُ المَملكة، يتوافدُ الناسُ للإنضمامِ الى جَيشها مِن كُلِّ مكانٍ حَتى مِن خارجِ مَملكةِ ادام بِسببِ تَدريبِها الصَارم وتَخرِيجها مُقاتلين صَلِبينَ كَالحديد"
صمتت المرأةُ بعد قولها هذا، فقدتْ اهتمامها بِكاثرين وعادتْ للتركيزِ على تشجيعِ ابنها مجدداً.
ارادتْ كاثرين أن تَسألها مزيداً مِن الأَسئلة ولكن فَجأة انبعثَ صوتُ صراخٍ مِن الساحة، كانَ الطفلُ الصَغير قد أنهارَ أرضاً فَهرعت المَرأة بفزعٍ مُسرعةً نَحو ابنها.
وقفتْ كاثرين تنَظرُ إليها وهِي تسندُ صَغيرها عَلى كتفها وتأخذُهُ بعيداً ، بَدا على مَحياها الحِيرة والتَردد ثُمَّ فجأة صدرَ صوتُ قرعِ جرسٍ عالٍ يصمُ الأذان.
توقفَ الجميعُ عَن أفعالهم كأنَّهم اتفقوا على ذلك ثم بدأوا يَتَحركون متجهينَ جميعاً إلى طَريق واحد وهم يَقولون بعضُهم لبعضٍ" حانَ أخيراً موعِدُ قراءةِ جريدةِ الصَّباح".
رغم أنَّ كاثرين تَمَ دفعُها مِن بينِ الحشودِ إلا أنَّها تمكنتْ مِن اللحاقِ بِهم بطريقةٍ مَا.
توقفوا عِند مَنطقةٍ تقعُ وسَطَ المدينة ، كانَ هُناك مِنبرٌ خَلفه شَجرةٌ عُلقَ عَليها جَريدة ، وقفَ رجلٌ يقرأُ الجَريدة لأهلِ البَلدة ويخطُبُ فِيهم .
اقتربتْ كاثرين مِن مَكان وُقُوفِه وبدأتْ تقرأ مَا كُتِبَ هُناك بِعينيها.
كان الرجلُ يقرأُ جملاً صَحيحةً وأُخرى خاطئة يَقُولها مِن عِنده مُتفلسِفاً وأهلُ القَريةِ يستمعونَ إليهِ بِإصغاءٍ.
حِينَ أنتهى مِن القراءةِ وضعَ الرجلُ حوضاً كبيراً عَلى الأرضِ فتوافَد النَّاسُ هُنا وهُناك يَضعونَ النُقودَ جزاءَ قراءتِهِ الجريدةَ لَهُم.
كانتْ النُقودُ التَّي يَضعونها مختلفةً عمّا تَملكه هِي فاستنتجتْ كاثرين بأنّهم رُبَّما لَهم عُملةٌ خاصة بِهم تختلفُ عَن عملةِ بِلادها.
انسَّلتْ كاثرين بعيداً عَنهم لأنها لم تكن تملكُ مالاً لتضعه وكانتْ تَخشى أن يُطالِبوها أجرَ الاستِماع، اختبأتْ خلفَ نخلةٍ وهِي تُتَمتِم :
" هل هُم أميون؟"
مَضت في طريقها فوقعَ بَصرُها على أمرأةٍ عَجوزٍ تَمشي مُستندةً عَلى عَكازها مسرعةً، لاهثةً، حِين رأتْ كاثرين أمسكتْ بِها مِن مِعصمها بقوةٍ قائلةً بِيأس:
" جريدةُ الصَّباح....هَل قرأَ الخَطيبُ جريدةَ الصَّباح؟"
أومأتْ كَاثرين بِرأسها ، أغرَقتِ الدُموعُ عَينَ العَجوز، تَعثرتْ وكادتْ تقعُ أرضاً فأمسَكتها كَاثرين بِسرعة.
قالتْ بِحزن " خِلتُ أنَّ المجيءَ مبكراً سَيساعِدُني عَلى الوصُول.."
نظرت إليها كَاثرين ثم ابتسمتْ قائلةً:
" هل تَودين مني أن اقرأها لَكِ؟"
توسّعتْ عَينا العَجوز ونظرتْ برهبةٍ وإعجابٍ إلى كاثرين قائلةً:
" هل..هل تستطيعينَ القِراءة؟"
"نَعم ، أتملكينَ جريدةً في بَيتِكِ أم يَنبغي عَلينا أن نتجِهَ نَحو المِنبر؟"
قالتْ بِلهفةٍ " أملِكُها ! فَهي تُوزعُ مَجاناً عَلى جَميعِ اهلِ القريةِ لكن لا احدَ يَعرفُ القِراءةَ هُنا سِوى السَّيدِ جُرَير "
ابتسمتْ لها وقالت " أينَ يقعُ مَنزِلُكِ؟ سأخُذُكِ هُناك ثُمَّ اقرأُها لَك ".
اسندتْ كاثرين العَجوز وقادتَها نَحو مَنزلها تحتَ إرشادها إياها لِلطريق، ثُمَّ قرأتْ لها هُناك الجَريدة .
كانتِ الجرائدُ بمثابَةِ نافذةٍ لسِكانِ هذه البلدةِ يعلمون من خِلالها مَا يحدثُ في العَالم، احتوتْ عَلى امورٍ سِياسية وعن الموضةِ الرائجةِ في العَاصمةِ لِلسيدات وعَن أشياءَ اخرى مختلفة.
حِين أنتهتْ كاثرين مِن القِراءة ، أخرجتْ العَجوزُ بعضَ المَالِ من حقيبةٍ جلديةٍ صغيرةٍ وأعطَتها إيَّاها .
رفضتْ كاثرين أخذَ النُقود في البداية ملوحةً بِيديها قائلةً أنَّها فعلتْ ذلك بنيةٍ حسنةٍ فقط.
لكن العَجوز هزّتْ رأسَها وأصرّتْ عَلى جَعلِ كاثرين تَأخُذُها، لاحظتْ كاثرين اختلافَ شكلِ العملة التّي بيدها عَن العملاتِ التّي وَضعها النَّاسُ سَابقاً فقررتْ سُؤال العَجوز.
قالت " المَعذرة ، فِي الوَاقِع انا غريبةٌ وهذه مَرتِي الاولى في المجيءِ الى هُنا فهل يُمكنك شرحُ نِظام العُملات؟"
تفاجأتْ العجوز في البداية ثُمَّ قَهقَهتْ بَعدها بتفهمٍ وشرحتْ لَها.
مِمَا فَهمتهُ كاثرين أنَّ العُملةَ هُنا تُدعى ب " لاك" ، كُلُّ 5 لاك تُساوي دولاراً واحداً تقريباً.
كانتْ الاسعارُ رخيصةً هُنا ففي لاكٍ واحدٍ تستطيعُ شراءَ طعامَ غداءِكَ لِهذا اليوم.
حين فَرِغَتِ العَجوزُ شَكرتها كاثرين:" اشكُرُكِ حَقاً ، أنا مُمتنةٌ لَكِ".
قالتِ العَجوزُ بِبهجةٍ وفرحٍ: " بَل أنا المُمتنة، اشكُرُكِ جزيلاً ، لقد أَسعدتِنِي فتلكَ هِي المرةُ الاولى التّي استمعُ فِيها الى الجريدةِ بهذا الهُدوءِ، فواللهِ لا تُغَادِرِنَّ حَتى تَبيتي عِندي هُنا الليلةَ".
ابتسمتْ كاثرين: " يسُرُنِي أَنّنِي سَاعدتُكِ ، سأَقبلُ طَلبكِ بِكُلِّ سرورٍ فأنا لا أَملكُ مكاناً أبيتُ فيه، كما قُلتُ لَكِ أَنا غَريبة"
اتسعتْ عَينا العَجوزِ ثُمَّ امسَكَتْ بيدِ كاثرين بقوةٍ وقَالت بِجدية:
" ثُمَّ لِمَ لا تَعيشِينَ مَعي؟ أبقَي مَعي واقرأي لِي الجريدةَ كُلَّ يومٍ وسأَتكَفَلُ بِطعامِكِ وشَرابِكِ ..لا ، بَل سَأدفَعُ لَكِ اجراً ايضاً ،أنتِ لا تَملكين مأوًى الآنَ وأنتِ شابةٌ جَميلة ، مَا رَأيك؟"
شَعرت كَاثرين بِالإحراجِ لكنها اومأتْ بِرأسها: " يُسعِدُنِي أن أقبلَ عَرضَكِ".
لَم يكنْ عرضاً سيئاً ابداً ، سَيتيحُ لَها هذا البحثُ عَن معلوماتٍ مِن الجريدةِ ومِن العجوزِ ، سَيتوفرُ لَها سكناً ايضاً ، كانَ عرضاً رائعاً بِالأحرى
قالتِ العَجوزُ بِابتسامةٍ: " ما اسمُكِ يا ابنتِي؟"
اجابتْ: " كاثرين.."
تَحَيّرتِ العَجوز قائلةً " رُغمَ أنكِ عَربيةٌ اسمُكِ ليسَ بِعربي "
كاثرين بِابتسامةٍ: " إنّهُ أسمٌ مِن أصلٍ يُونَانِي "
هَمهمتِ العَجوزُ بِبعضِ الكَلماتِ الغامضةِ مَع نَفسِها ثُمَّ حين لاحظتْ نظرات كَاثرين ابتسمتْ وقَالت " لا شيءَ ، كَنتُ مندهشةً قليلاً".
شَعرتْ كاثرين بِالاطمئنانِ إذ وَجدتْ مكاناً تَسكُنُ فِيه رَيثَما تبحثُ عَن دليلٍ يَقودُهُا إلى عَالمِها .
حَاولت أن تَسألَ العَجوز عن موقعِ القريةِ وتاريخ تَأسِيسِها لَكنها لَم تحصلْ على معلوماتٍ جديدةٍ، قالتْ لها فقط مِثلَ ما قَاله حُراسُ البّوابةِ، ثم سَألتها:
" لِماذا الناسُ يتحاشونَ بائعُ الكِبريتِ الصَّغيرِ ذَاك؟ "
تَرددت قليلاً ثُمَّ اكملتْ بعدمِ اقتناعٍ "هل هُو شخصٌ سيءٌ؟"
أظلمتْ عَينا العَجوز وقالتْ: "كلا، هُم ..لا يَتجنبونَهُ بسببِ شَخصِه بَل بِسبب..." صَمتَتِ العَجوز قليلاً.
أمالتْ كاثرين رأسَها بحيرةٍ: " بسببِ مَاذا؟"
قالتْ بنظرةٍ شاردةٍ وهي تحدقُ في الأُفق:
" بسببِ لونِ شَعره ، العائلةُ المَالكة لِمملكةِ رِيداس كانت معروفةً بلونِ الشَّعرِ هَذا... ، بعدَ الحربِ التي قامتْ عَليها، حرصَ الملكُ هَارفي الاول -الملكُ المؤسِس لمملكةِ أدام- على قَتلِ جميعِ أبناءِها كي لا يَتمردُوا لاحقاً ، لكن الأميرة الكُبرى مَاريان تمكّنَتْ مِن الفرارِ ، جُنَ جنونُ المَلكِ حِين عَلِمَ هذا وحرصَ عَلى قَتلِها لكن قِيل بأنَّها استخدمتْ السِحر الأسَود ، في ذلك الوقت قَتَلَ الملكُ كُلَّ ذي شعرٍ اسودٍ بتهمةِ الخيانةِ واستخدامِ السِّحرِ الاسودِ ، ورُغمَ مُرورِ أكثرَ مِن 70 سنةٍ عَلى تلِكَ المجزرة إلا أنَّ النَّاسَ ما زالوا يخشَونَ اصحابَ هَذا الشعر ولا يتعاملونَ مَعهم خوفاً مِن تُهمَةِ الخِيانة ".
كاثرين:" هل لَونُ الشَّعرِ هذا نادرٌ هُنا؟ هل هو يقتصرُ على العائلةِ المالكةِ رِيداس؟"
هزّتِ العَجوزُ رأسَها بِمرارة: " لَم يكنْ سَابقاً ، لكنهُ اصبحَ كذلكَ الآن ، بَعد تِلكَ المَجزرة ، هَاجَرَ أيُّ إنسانٍ حَملَ لونُ الشَّعرِ هَذا مِن مَملكةِ آدام ".
كاثرين بحيرة: " لِماذا؟ هل المَلكُ استمَرَ بِقتلِهم؟"
العجوز:" كَلا ، لكن الاضطِهادُ مَوجودٌ ، عَدم مَوتُهُم جسدياً لا يعني بأَنهم بخيرٍ نفسياً".
تذكرتْ كاثرين ذلكَ الطِفل ، كانتْ نظرتُهُ خاليةً مِن الحَياة تواقةً لِلموت ، كأنَّهُ يبيعُ الكِبريت كفرصةٍ اخيرةٍ يَمنحُها لِلحياةِ عسَّى أن تُداويَ جُروحَهُ ، وتُثلِجَ فُؤاده.
كاثرين:" أينَ والدا بائعُ الكِبريت الصغير ذاك؟"
لم تجبْ العَجوز لكن صَمتُها كان كافٍ لِتفهم أنَّهُم غادروا هذا العالمَ تارِكيه وَحدَهُ لِيواجِهَ قسوةَ النَّاسِ.
أبتسمتْ العَجوزُ بَعدها مخففةً الجَو الذيّ أصبحَ ثقيلا ، قالتْ:" هل تعرفِينَ كيفَ تَطبُخِين ، كَاثرين؟"
اومأتْ كَاثرين برأسها.
سُرّتِ العَجوز وبدأتْ تُثَرثِرُ: " كما تَرينَ أنا عجوزٌ متعبةٌ ، لا قوى لِي لأُحضِر كُلَّ شيءٍ بِنفسي "
قالت كاثرين: " أينَ اولادُكِ؟ أولستِ مُتزوجة؟"
العجوز بمرارة: " بَلى ، انا متزوجةٌ وأملكُ أولاداً ، لكنهم جميعاً تزوجوا وتَركوني هُنا أعيشُ لِوحدي ، يزورونَنِي كُلَّ شهرٍ ويُعطونني مَا يكفيني مِن المال ِلِلعيشِ".
كاثرين بِتعاطف: " لابُّدَ أنَّكِ تشعرينَ بالوحدةِ إِذن".
العجوز وعيناها رطبة " قَليلاً".
ابتسمتْ كاثرين وسَألتْ: " ماذا تأكُلين عادةً؟"
العجوز: " تمرٌ وحليبٌ واحياناً قليلٌ مِن اللحم".
كاثرين باستغراب " لِماذا؟ ألم تَقولِي انَّ اولادَكِ يُعطُونَكِ مَا يَكفي لِلعيش ؟"
العجوزُ والحزنُ بَادٍ عَلى مَحيَّاها :" بلى، لكني لا اقوى على الطبخِ، نَالَ الشيبُ مِني وأخذَ مِني صِحتي وقِواي ولم يتركْ لِي سِوى لِساني وجَسدي العَاجز".
كاثرين وهي تُمسِكُ بِيدها قائلةً بِمرح " لكنهُ منحَ لَكِ الحكمةَ والعِلم، اليسَ كذلك؟"
العجوز :" أيُّ علمٍ هَذا وأنا لا استطيعُ حَتى القراءةَ والكِتابة؟"
كاثرين: "القِراءةُ والكِتابة ليستا مِقياساً لِلمعرفة ، فالرسول ﷺ كانَ أُمياً لكن عِلمه ومَعرفتُهُ لا يُقارنانِ بكنوزِ الأرضِ كُلِهَا ".
خَفَفَتِ العجوز مِن تَعابيرها قليلاً وابتَسَمتْ.
اردفتْ كاثرين قائلةً:
"و... لا تَقلقِي ، سَأقومُ انا بِالطبخِ مِن الآن فَصاعِداً ، لكن هل حقاً يُمكنني البقاءُ هُنا؟"
ابتسمت العجوز حتی ظهرت تجاعيد وجنتيها وقالت:
" نَعم ، سيكونُ من الرائعِ حقاً ان تبقي مَعي".
ضَحكت كَاثرين:" بالطبع"
.
.
.
.
مرَّ اسبوعٌ منذُ مجيءِ كاثرين إلى هُنا ، عاشتْ مَع العَجوزِ وتعلمتْ مِنها الكَثير ، كانتْ تقرأُ الجرائِدَ كطقسٍ يومي لعلَّهَا تجِدُ خيطاً يقودُها إلى سَبب وجودِها هُنا رُغم أنّها كانتْ تأملُ سِراً أن يكونَ كُلُّ هَذا مجردَ حُلُم.
" ماذاااااا؟" صَرختْ كاثرين وضَربتْ جَبينها بِصدمة.
كانتْ تقرأُ مقالاً آخر عن الموضةِ الرائجةِ فِي العَاصمة.
"يضعونَ البلادونا؟ هل هُم مَجانين؟ لا ، بل هُم كذلك بِالتأكيد!"
كانتْ السَّيداتُ النبيلات يضعنَ في عُيونِهِن مَادة تُسمی
" البلادونا" ، تُساهِمُ تلك المَادة في توسيعِ بؤبؤ العينِ فيظهَرُ لِلناظِر انّ الشابةَ مسحورةً بِكلامِه وتستمعُ بإهتمام بينما رؤيتها في الواقع ضَبابية ، تلكَ مادةٌ سامة والاستمرارُ في استخدامها قد يؤدي الى العَمى الدائِم.
درستْ كاثرين في كُليةِ الصَّيدلة لذلك كانتْ تعرِفُ ذلك اكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخَر.
كانتْ كُلَّ يومٍ تزدادُ دهشةً وصدمةً من الجنونِ الذي تَقرأه.
ضربتْ الجريدةَ بقوةٍ ثُمَّ قالت وهي تنهضُ مِن مَكانِها:
" نساءُ العَاصمة يُقايضنَ الجمالَ بِالصحة ، يشترينَ الجمالَ بالحياةِ حَتى لو عَنى ذلكَ مَوتِهِن".
ابتسمتْ بِسخريةٍ وهي تتذكرُ إحدى الجُمل :" الموتُ في سبيلِ الجمالِ هو شرف؟ ايُّ شرفٍ هَذا ورُوحُكَ تغادِرُ جَسدِكَ فقط لكي تكونَ جميلاً بضعَ ساعاتٍ؟!"
قررت أن تستنشقَ بعضَ الهواءِ لتخلصَ ذِهنها مِن الهراءِ الذي قَرأتهُ لِلتو، خرجتْ وبدأتْ بالمَشي وهي تنظُرُ إلى معالمِ القَريةِ التّي اعتادتْ عَليها الآن.
غَمغمتْ بنظرةٍ فارغةٍ :" فِي النهاية ، لم اجد ايَّ معلوماتٍ مُفيدةٍ".
مضَتْ وهِي تنظُرُ إلى سَاحاتِ المُبارزة وتَستمِعُ الى اصواتِ المُشجِعين ، توقفتْ امامَ احدى سَاحات التَدريب .
تفرسّتْ الرجل الذي يُقاتِلُ بِحماسٍ هناك، وجهُهُ كانَ يبدو مألوفاً بشكلٍ غَريب.
بدأتْ تُراقِبُ قِتالَهُ وهِي منغمسةٌ بشدةٍ ثُمَّ فجأة شعرتْ بأحدٍ مَا يُمسِكُ بِذراعِها بِقوة، نظرتْ إلى الفاعل.
كانَ رجلاً ذو شَعرٍ أحمرٍ يَصِلُ إلى كَتفيهِ وعيونٍ بنيةٍ ، ملابِسُه تِوحي إلى الفَخامةِ ، يَحمِلُ سيفاً معلقاً عَلى خصره وينظرُ إليها بنظرةٍ عميقةٍ ،خلفُه وقفَ رجلانِ مغطيانِ بالدروعِ مِن رأسِيهما إلى اخمصِ القَدمين.
نفضَتْ كاثرين ذِراعه بِسرعةٍ وتراجعتْ خطوةً إلى الوراءِ ، نظرتْ إليه بِحدةٍ وقالتْ: " مَن أنتَ؟"
تقدمَ احدُ الرَجلين خَلفه وهو يقول: " كيفَ تَجرؤين ؟!!"
لكنه رفعَ يَدهُ مشيراً إليه بالتوقفِ مَكانه.
نظرتْ إليه كاثرين بتفحص ' هذا الرجل ... مِن ثيابه يبدو ثرياً ، ذو مكانةٍ عالية '
فتحَ الرجلُ فَمه " أنتِ.... إنَّها المرةُ الأولى التّي أراكِ فِيها هنُا ، مَن أنتِ؟" قال بريبة.
تَوتَرتْ كاثرين وتراجعتْ خطوةً اخُرى الى الوراءِ:" انا.. مِن أهلِ هذه البلدة".
امالَ رَأسَهُ " حقاً؟ " ، خطا إلى الأمامِ وبسطَ كَفه قائلاً " ثُمَّ أرنِي هَويتكِ".
امسكتْ كاثرين بِحقيبتها بقوةٍ وتظاهرتْ أنَّها تحاولُ إخراجَ شيءٍ ما مِنها بتوتر.
وقفَ ينتظرها بصبرٍ وهُو يُراقِبها.
ثُمَّ فجأة اندلعَ صوتُ صُراخٍ مِن ساحةِ التدريبِ فألتفتَ الرجلُ ناظراً هُناك ، كانتْ لحظةً واحدةً فقط لكنها كانتْ كافيةً لِكاثرين ، ادبرتْ وهِي تهربُ بِأقصى سُرعةٍ ، سَمِعتْ صَوته وهو يَقولُ لِلحراس: " ألحقوها!".
لكنها تَجاهَلته ومضَتْ بِأقصَى سرعةٍ.
ركضتْ بقوةٍ كأَنَّ حياتَها تعتمدُ عَلى ذلك، كانتْ تستطيعُ سماعَ صوتِ ضرباتِ قَلبها بِأذِنها.
" توقفي !!"
صَرخوا خَلفها بصوتٍ جَعل قَلبها يَنتفض.
تقطعّتْ أنفاسُها وخارتْ القوى مِن قَدميها لكنها لم تتوقفْ ، لَمحتْ زُقاقاً قريباً فَدخلت بِه سَريعاً دون ترددٍ.
وقفتْ تَحبِسُ أنفَاسَها، تسيرُ عَلى أطرافِ اصَابعها بِحذر ،
نظرتْ إلى الخَلفِ خائفةً أن يكونوا قَد رأوها تدخُلُ هُنا ، ثم بينما كانت تَمشِي شعرتْ بأنها دَهستْ عَلى شيءٍ طري عَلى حِين غرةٍ.
سَرتْ قشعريرة أسفلَ عَمودها الفقري ، كانتْ تعلمُ أنَّه مِن الأفضلِ أن لا تنظرَ أسفلها لكنها فَعلت.
حينَ سقطَ بَصرُها هُناك توسّعتْ عَيناها بشدةٍ وتراجعتْ خطوةً الى الوَراء ، ارتفعَ حمضُ مَعدتها إلى حَلقها ، استدارتْ وتقيأتْ بقوة.
ملأتْ الرائحةُ المعدنيةُ المَكان ، كانَ يرقُدُ هُناك طِفلٌ ذو شعرٍ أسودٍ خَلّا وجهُهُ مِن آثارِ الحَياة ، مُثخنٌ بِالجروح والكدماتِ كأنَّهُ تَعرضَ لِتعذيبٍ شديدٍ قَبل أن يَموت ، تلعقُ رأسَهُ هِرةٌ سَوداء صغيرةٌ .
ارداتْ ان تخرُجَ مِن هُنا فوراً لكنهَا مازالتْ تستطيعُ سماعَ اصواتِ الحُراسِ وهم يصيحونَ باحِثين عَنها.
أرتعشَ جَسدُها بِقوةٍ لكنها رُغم خَوفها أجبرتْ نَفسها على المضي قدماً، دخلت أعمق وهِي تضعُ يدهَا على أنفها وتمسحُ فَمها بِأكمامها.
مشتْ بحذر داخلَ الزُقاقِ مبتعدةً شيئاً فشيئاً ، بدأت اصواتُ الحُراسِ تَتَلاشى.
توقفتْ امامَ مَبنى قديم مَصنوعٌ مِن الحِجارة يَحمِلُ رائحةً زيتية ، أعلاهُ وُضِعتْ لافتة كُتِبَ عَليها بخطٍ مُتعرجٍ
" مَكتبة".
استغربتْ كاثرين ' هَل توجَدُ مكتباتٌ هُنا بينما النَّاسُ لا يستطيعونَ القراءةَ؟'
دخلت مِن الباب فأنقرعَ الجَرس ، انتفضَ العجوزُ الذي كانَ يَغفو عَلى طَاوِلتِه قُربَ البَاب.
أعتدلَّ في جَلستِهِ سَريعاً وقالَ بابتسامةٍ مُرحِبَاً:
" اهلا وسهلا بزبوني العزيز ، اخبرني ماذا تريد أن ت-.."
لكنهُ توقفَ فجأة عَن الكلامِ حِين رَأى كاثرين ، تفحصّهَا بعينٍ ثَاقِبة ، ثيابٌ رثة ، شَعرٌ اشعث ، وجروحٌ واوساخٌ معلقةٌ بِاليد.
سألتْ: " هل تبيعونَ الكُتُبَ هُنا؟"
لوح بِيديه بعدمِ اهتمامٍ قائلاً : " آه، نعم ادخلي واقرأي فَحسب".
امسَكَ بأحدى الكُتب مِن الطاولةِ وفتحَها بشكلٍ عَشوائي متظاهراً بِالقراءة.
سألتْ كاثرين بِإستغرابٍ: " لماذا تغير موقفك فجأة؟"
انزعَجَ واجابَها دونَ ان يرفعَ بَصره:
" الأغنياءُ عادةً يطلبونَ توجيهاً في أرجاءِ المَكتبةِ ويعطونَ عربوناً فِي النهايةِ كأجرٍ إِرشادي ،حَسبتُكِ مِنهم فِي البدايةِ فلا يزورُ المكتبةَ إلا مَن يعرِفُ القِراءة وجميعُ سُكان هذه القرية أُميينَ كما تعلمين".
قلبَ الصَفحة ثُمَّ اكمَل " حينَ رأيتُكِ متسولةً أمتنعتُ عن التملقِ الذي لا داعِ لَه".
لم تعلمْ كاثرين بماذا تُجيبه فقد كانَ مُحقاً ، كانتْ بحالةٍ مُزريةٍ ولن يكونَ من الغريبِ أن يعتقدَ بأنها مُتسولة شَعرتْ بالحرجِ وسَعلتْ قليلاً ثُمَّ سألت " كم اسعارُ الكتُبِ هُنا؟ هل هي باهظةُ الثَمن؟"
لوح بيده قائلا " اوه ، لا داعٍ لِلقلق بشأنِ السِعر ،جميعُ الكُتبِ مجانية ، هذه ملكيةٌ عامة أسَسَها الملكُ لِيقضيَ على الأُمية".
أطبقَ كتابَهُ بقوةٍ بعدها ثُمَّ نظرَ إليها قائلاً " بالطبع ،لقد فَشِلَ في هذا".
أبتلعتْ كاثرين رِيقها ، لكنه بعدها اشاحَ ببصرهِ عَنها.
أمسَكَ قلماً وورقةً وبدأَ يُدوِنُ شيئاً مَا ، نظرتْ إليه كاثرين بِفضول.
توقفَ فجأة عَن الكِتابة وسَلَّمَها الورقةَ قائلاً: " بإستثناءِ هذه الكُتُب ، يُمكِنُكِ قراءةُ كُلَّ شيءٍ هُنا".
اخذتْ الورقةَ وهي مُحتارة، تناولَ كِتاباً آخر مجدداً وتَجاهلها.
لم تُدقِقْ كثيراً في أمرِه وقرأتْ الوَرقة ، كُتِبَ عليها عناوين طُفولية غَريبة.
" الأميرُ الهَارِب"، " الفَارِسُ والحِصان" ، " فوقَ شجرةِ النَّخيل " .....الخ.
لم تكُمِلْ قرائتها فهي لم تأتِ هُنا لكي تقرأَ كُتُبَ الأطفال.
رُغمَ أنَّها شعرتْ بِالريبةِ قَرَرَتْ أن تَتَبِعَ كَلامه.
بدأتْ تَبحثُ بينَ الكُتُبِ لعلَّهَا تجدُ كتاباً مُفيداً، ثُمَّ بعدَ تَفحصها للكتابِ العَاشر صَرختْ بِإحباط " لماذا جَميعُها قِصصُ أَطفال؟"
زمّتْ شَفتيها وأخذتْ تبحثُ بِجهدٍ اكبر ، تكدّسَ العديدُ من الكُتُبِ بِجانبها .
انهتْ مِن تفحُصِ رَفٍّ كَامِلٍ خلالَ نِصفِ سَاعةٍ فَقط.
تَنهَدتْ وقامَتْ بإِعَادة الكُتب إلى الرَفِّ بِالترتيب ، ثُمَّ فجأة
سَمِعَتْ صَوتَ قَرعِ جَرسِ البَاب.
تَجمدتْ في مَكانها ، هل وجدهَا الحُراس؟
وَقفتْ خَلفَ الرَّفِ بسرعةٍ تنظرُ إلى الرَجل الذي دَخل.
كان رجلاً يرتدي عَباءةً سَوداء تُغطِيه مِن رَأسِه إلى أخمصِ القَدمين.
تبادَلَ بعضَ الكلماتِ مَع الرجلِ العَجوز.
نظرَ العجوزُ إلى مَكان وُقوفِها ، التقتْ نَظراتهم ثُمَّ اشاحَ بِبصره وتفوهَ بِشيءٍ مَا.
سَحبت رأسَها بعيداً وهي تُغطِي فَاهها.
' لقد وجدني!' صَرخت داخلياً.
لم تستطعْ كاثرين سَماعَ ما يقوله فقد كان بعيداً.
أبتسمَ الرجلُ لصَاحِبِ المَكتبة وشَكرهُ ثُمَّ استدارَ إلى الدَاخل.
' هل هو يتجهُ نَحوي ؟' فكرتْ بِفزع.
كانَ قلبُها يدقُ أسرعَ كُلما أقتربتْ خُطواتِه أكثر.
امتقَعَ لَونُها وهي تُفكِرُ بِمصيرِها.
' أنا ميتةٌ ، لا مَحالة'
نطقتْ الشَّهادة وأخذتْ تَدعو وهي تُفكِرُ بِأخطائها الماضية ، مَرَّ شريطُ حَياتها أمَامها بِسرعة.
توقفَ أخيراً أمَامها ، ومدَّ يَده.
أغمضتْ عَينيها بِشدة .
'هذه هِي النِّهاية'
______________________________________
ردد معي لمدة دقيقة:
سبحان الله وبحمده (3)
سبحان الله العظيم (3)
الحمد لله (3)
لا اله إلا الله (3)
الله اكبر (3)
رأيكم بالفصل؟🤍
.💜lilium