مملكة ادام-العاصمة سديم
حطت اقدامهن اخيرا في وجهتهن المزعومة، كانت العاصمة مكانا نابضا بالحياة والضحكات الجميلة.
عجت بالناس وخصوصا السيدات النبيلات مع فرسان مرافقتهن، يميشين بابتسامة عريضة كأنهن في قمة السعادة.
بعضهن يرتدين فساتين مزخرفة ومملوءة بالمجوهرات، ذات تنورة عريضة وواسعة مع معطف فروي يغطي اكتافهن.
وأخريات اكتفين بقميص حريري فوقه ثوب واسع فضفاض محاط خصره بزنار ذهبي، وفوقه توشحن بعباءة مبطنة بالفراء، غنية بالمجوهرات والذهب تدل على ثرائهن، يغطين شعرهن بقلنسوتها.
اما النبلاء الرجال فقد قلوا هنا بسبب انشغلاهم باعمالهم.
ودعت لينا كلا من كاثرين وجوري وغادرت، فسرن يتطلعن حولهن بنظرات منبهرة بهذه الاجواء الغنية .
مروا باكشاك الطعام ومتاجر الملابس المتنوعة، ملأت الاحاديث الجانبية والضحات الخافتة هدوء المكان جاعلة اياه ذو نبضات حيوية راقية تليق بارستقراطية والجيه.
"ما رأيكِ بهذا الفستان الأنيق، آنستي؟ إنه فاخر ويليق بوجه صبيح كوجهك".
غطت النبيلة فاهها بمروحتها تقهقه "هاهاها، كم أنتَ لطيف".
حولت كاثرين رأسها من مكان لآخر تدرس اجواء العاصمة بحدقات منبهرة، لفت أنتباهها فستان بنفسجي ذو زخارف عتيقة براقة بارز من نافذة احدى المتاجر، أسرت بتفاصيله الجميلة فتطلعت إليه طويلا، ايقظها من شرودها ذاك وخز جوري لها بمرفقها قائلة لها بصوت هامس " مهلا، انظري هنا".
استفاقت كاثرين من ذهولها ونظرت إلى جوري بنظرات متساءلة ثم رويدا حولت مقلتيها حيث ثبتت الأخيرة عيناها، أبصرت حينئذ رجلا نبيلا ذو عباءة طويلة تصل حتى كعب قدميه، يقف باستقامة مبتسما بغطرسة، كان ليبدو ذو مظهر مهيب لولا ما انتعلت قدماه.
مالت كاثرين برأسها إلى جوري وهمست " ما به؟ "
دنت جوري من اذنها واجابت بضحكة مكتومة " هل تعلمين بأن ارتداء الكعب العالي هنا يعد موضة للرجال والنساء على حد سواء ؟ "
تنبهت بعدها الى حذائه، كان ينتعل حذاء احمر يبرز أديم قدمه، احتوى اسفله على كعب طويل رفيع كالقلم .
انبثقت ضحكة خفيفة من ثغرها.
همست جوري تمد ذراعها الى الامام وتبسط كفها بسخرية متعمدة:
"كم انتِ راقية، سيدتي النبيلة".
" بفت-"
ضحكتا معا مما جعل الاصوات الصاخبة حولهم تسكن فجأة ، التفت مقل الناس تحدق فيهما بنظرات خالطها الازدراء والسخرية لعلو صوتهما -رغم أنه لم يكن كذلك حقا- إذ كان تصرفا "غير لائق" بسيدة نبيلة من وجهة نظرهم، صمتتا بحرج حين لاحظتا تلك المشاعر الكامنة وراء أبصارهم.
تطلعوا بعدها الى متاجر الحلويات والمعجنات المزدحمة بالناس ثم مروا بمتاجر احتوت على سيوف وسكاكين، توقفت قدما كاثرين فجأة.
لاحظت جوري ذلك فسألتها باستغراب " ما الخطب؟ "
مضت قدما كأنها ممسوسة دون ان تجيبها، قادتها قدماها نحو احد المحلات التي تبيع سكاكين، علقت الكثير منها بمختلف الحجوم والحدة ذو مقابض متفاوتة النقوش منها ما هو فاخر التصميم او بسيط.
قبضت كاثرين على واحدة صغيرة بطول راحة يدها معلقة عند قارعة المتجر ، قلبتها يمينا وشمالا تتفحصها رويدا، ثم مررت بنانها على حافتها فرسم خط قرمزي على سطحه تاركا اثر دماء خافت صاحبه وخز شديد .
رفعت بصرها نحو صاحب المتجر وسألت بوجه خال من التعابير
"كم سعرها؟ "
نظر اليها وهو يشحذ احدى السكاكين بصخرة ضخمة مستقرة ارضا واجاب باقتضاب "10 لاك".
سلمته النقود ثم انصرفت بصمت، قالت جوري باستغراب
" لم اشتريتي سكينا؟ "
وضعتها في الحقيبة واجابت مثبتة بصرها على الطريق امامها مرتدية تعبيرا مهيبا:
"دفاعا عن النفس، لا ندري اي نفس قذرة قد تهاجمنا في أي وقت".
نظرت إليها جوري بأعين مملوءة بالحيرة.
لم تكن تعلم ما يدور في ذهنها حقا لكن تعابير كاثرين الجادة منعتها من التعبير عن استغرابها.
صمتت قليلا ثم قالت بمرح مغيرة الموضوع" هل ستبدأين بصنع المكونات إذن؟ "
اجابت "اجل".
سألت جوري بفضول " لكن أنى لك الحصول عليها؟ "
ابتسمت كاثرين بهدوء "راقبي فقط ما سأفعله".
اتجهن بعدها الى عطار يقع في الزاوية، قالت كاثرين بهدوء
"مرحبا"
رفع صاحب المتجر رأسه ورد التحية عليها ببطء.
قالت له "هناك بعض الاشياء التي احتاجها اعطني ما سأمليه عليك الآن"
نظر اليها ثم اومأ برأسه ببساطة.
شرعت بعدها تخبره بكثير من المكونات منها عرق السوس، وجل الالوفيرا، وكركم ، وقليل من الشاي الاخضر، عشبة الإشواجاندا، سيقان شجرة الاكاسيا ، اوراق المورينجا...
عرف البائع شيئا يسيرا مما ذكرت لكنه ارشدها الى متاجر أخرى تبيع اعشابا بشكل اوسع ، تنقلت بين العديد منهم حتى حازت على نصيب مقبول من كل ما أرادت.
تصبغت الغيوم بالاحمرار والقت الشمس بضوئها القرمزي الخافت على شوارع المدينة كأنها تتلفظ انفاسها الأخيرة قبل ان تغيب عن الأفق تماما وتسمح للقمر ان يكتسح سماءها.
بعد انقضاء ساعات من التجوال هنا وهناك، خارت القوى من قدمي كاثرين وجوري وكادتا تخوناهما في منتصف الطريق.
لحسن الحظ، انتشرت الفنادق بشكل كبير هنا فلم يواجهن عناءا كبيرا بايجاد غرفة.
خطتا بارهاق نحو الغرفة تجران باقدامهما كأنهما تقطعان اميالا في كل خطوة، تخبطت يدي كاثرين تدخل المفتاح في الباب وتديره بفتور ، ثم بعد ان فتح بصوت نقرة انزلقت اصابعها من المفتاح كأنها تسقط ، قبضت على مقبض الباب الفضي ثم دفعته نحو الاسفل ودخلت هي وجوري الغرفة.
جلست كاثرين على السرير ، ثم اخرجت النقود من حقيبها وأخذت تمرر اصابعها عليها تعدها بينما استلقت جوري بارهاق تسدل اجفانها بهدوء كأنها ميتة، رفرفت رموشها ببطء كاشفة جزءا يسيرا من عينيها البنيين ناظرة إلى كاثرين التي تعد بتركيز ، زمت شفتيها وقالت بتذمر
"هل كان عليك شراء كل هذا حقا؟ "
عقدت كاثرين حاجبيها واستمرت بسحب اوراق النقود تجاهها دون ان تجيبها، بعد دقيقة اعادتهم الى نقطة البداية وضربت حافتهم بخفة براحة يدها لتسوية اطرافهم، قالت محولة نظرها الى جوري التي اغلقت عينيها ثانية
"لم اشتر إلا ما هو ضروري، كف عن التذمر".
حزمت النقود ووضعتهم في حقيبتها ثم استلقت على السرير تمد ذراعيها إلى الجانبين، وتنظر إلى السقف بشرود ، تنهدت جوري قائلة
" هناك الكثير من العمل بانتظارك، اليس كذلك؟".
ابتسمت كاثرين تطمأنها" لا تقلقي، سينجح الامر".
حمحمت جوري بخجل قائلة "ماذا؟ لم أكن قلقة حتى".
ضحكتا معا بهدوء ثم غلبهما النعاس فنامتا، استيقظتا بعدها صباحا وافطرتا معا.
جلست كاثرين في الزاوية تعمل بجد بينما جوري تارة تراقبها وتارة تقرأ كتابا اشترته اثناء تجوالهم وهي تقلب صفحاته بملل.
استمر الامر كذلك لايام، منذ استيقاظها حتى منامها تعمل جالسة امام طاولة تقع في الزاوية واحيانا تخرج لشراء بعض الأمور الضرورية وتعود بسرعة مكملة ما بدأته.
ثم بعد اسبوعين من وصولهما العاصمة، حزمت كاثرين اغراضها بهدوء ، نظرت الى جوري بابتسامة قائلة
"هل انت جاهزة للانطلاق الآن؟ "
اجابت جوري وهي تدعك عينيها وتزم شفتيها
"اين ؟ الى اين سنذهب منذ الصباح؟ "
تنهدت كاثرين ناظرة اليها وهي تتململ شبه نائمة، سحبت قارورة ماء من الطاولة وفتحتها، امالت رأس القارورة وبللت اطراف اصابعها ثم نفضتها بوجه جوري قائلة بحزم
"استيقظي! "
تساقط الرذاذ على عينيها ففزعت جوري وفتحت عينيها على مصراعيها بذهول، قالت كاثرين باستياء "اليوم هو أخيرا يوم الانطلاق، اليوم الذي ثقبتي اذني وانت تسألين عنه ..ها قد حل! ".
اخذت جوري لحظات لأستيعاب كلماتها ثم نهضت بسرعة وتجهزت ايضا، همتا بعدها تخرجان الى سواحل المدينة.
سألت جوري " اذن ما الذي ستفعلينه الآن؟ "
اجابت كاثرين بتعابير جادة "كما رأيت، لقد قمت بصناعة العديد من منتجات التجميل، علينا الآن أن نلفت انتباه احدى الشابات النبيلات إليهم، وسيكون من الرائع لو كانت تلك الشابة على صلة بالاميرة الثالثة".
لجمت لسانها لثوان ثم قالت
" انتظريني هنا قليلا ".
خطت كاثرين الى الامام داخلة احدى المتاجر التي تبيع فساتين راقية خاصة بالعوائل النبيلة، وبعد دقائق خرجت منه مرتدية ثوبا بنفسجيا مستقيما ذو زنار ذهبي محاط بزخارف ناعمة، توشحت فوقه عباءة مبطنة بالفراء ذات لون بنفسجي يتدرج لونه بطبقات ناعمة بين الغامق والفاتح من الاعلى الى الاسفل.
سالت جوري باستغراب بعد أن خرجت كاثرين من هناك "وهل حددتي من هي تلك " الشابة النبيلة " ام لا؟ "
ابتسمت كاثرين قائلة "بالطبع".
اتجهن بعدها إلى متجر حلويات يقع في ضواحي المدينة،
أثناء الطريق شرعت كاثرين بشرح الخطة كاملة حتى وصلوا إلى المتجر، جلست الشابات النبيلات بينهن طاولات دائرية هناك يحتسين الشاي باناقة ويتحدثن بمرح، ابتلعت كاثرين ريقها وشدت قبضتها بحزم، تبادلات هي وجوري النظرات
"علينا ان نفعل هذا"
اومأت بجدية "نعم"
ثبتت كاثرين بصرها على امراة ذات فستان عاج فاخر تجلس بمفردها عند الزاوية تقرأ كتابا موضوعا بشكل افقي على الطاولة بتعابير جادة، وتمسك بخنصرها كوب شاي اخضر صغير، تلك المرأة هي الابنة الوحيدة للكونت فارما، الآنسة ليلى فارما.
عُرِفت ليلى بكونها صديقة الأميرة الثالثة المقربة، اذ كانت تصاحبها في كل الحفلات، وكما يليق بصديقة الاميرة المهووسة بالجمال امتلكت وجهًا حسنًا، بشعرها الأصفر الطويل وعينيها الزمردية كانت تمثل تجسيدًا حقيقيًا للمرأة النبيلة ذات الملامح الفاتنة، وهي هدف كاثرين لهذا اليوم.
ولجت كاثرين المكان بهدوء ثم دنت منها بحذر، رسمت على شفتيها ابتسامة رسمية قائلة بصوت ناعم مقاطعة قراءتها
"هل تنتظرين احد ما؟ "
رفعت ليلى رأسها تجاه الصوت ، تفحصت كاثرين من رأسها إلى أخمص قدميها بعينيها كأنها تقيس إن كانت كاثرين تستحق الإجابة، أعلت كوب الشاي ممسكة مقبضه بخنصرها وارتشفت قليلا بصمت ثم اومأت برأسها بلا مبالاة.
أشرق وجه كاثرين، سألت بلهفة تنتهز هذه الفرصة
"ثم... هل تمانعين لو اصبحت جليستك حتى وصول من تنتظريه؟ "
اطبقت شفتيها ، جالت مقلتيها تدرس وجه كاثرين محاولة قياس نواياها بشك.
كونها صديقة الاميرة الثالثة يعني ان كثيرا من الناس يحاولون كسب ودها بهدف التقرب من الاميرة.
قالت باقتضاب "تفصلي"
اطبقت الكتاب وقبضت عليه ثم رفعته فاقتربت خادمة تقف على بعد بضعة امتار خلفها وتسلمته .
استقرت كاثرين على المقعد أمامها، اخذت تخاطبها بود قبل ان تصل لمرادها
"الطقس جميل اليوم، اليس كذلك؟ "
لم تجبها بل نزعت فقط قفازاتها الدانتيل البيضاء ثم سلمتهم للخادمة واخذت تقطع احدى الكعكات الصغيرة امامها بسكين ناعمة، ارتجفت زوايا شفتي كاثرين من هذا التجاهل الصارخ.
انتبهت النبيلة منذ البداية ان هذه المحادثة مليئة بالمصلحة الشخصية، كما لاحظت جيدًا ان شدقي كاثرين مثقلان بكلام غير معلن.
قمعت كاثرين كبرياءها المجروح الذي كان يتصاعد وقالت بابتسامة قسرية " رغم ان فصل الشتاء قد حان إلا ان الشمس لم تهجر المدينة بعد ومازالت تزورها وتملئها دفئًا حتى في أكثر الايام برودة ". ارتجف صوتها في نهايته.
نظرت ليلى نحوها، عينيها الزمرديتين كانتا باردتين جدًا، قبضت على كوب الشاي بقوة تحبس تنهدًا كاد يخرج منها دون قصد، شعرت بنفاذ صبر تجاه كاثرين، لم يعجبها عدم وصولها لما تود قوله بسرعة.
وضعت كوب الشاي فوق صحنه بأناقة مصدرة صوت قعقعة خافتة، ضمت اصابعها معا واسنتدت كوعيها على الطاولة واضعة راسها على اصابعها المتشابكة.
قالت بصراحة تميل رأسها بسخرية" تكاد ابتسامتكِ الزائفة تغيب قبل ان تتفوهين بما تودين قوله، اخبريني ماذا تريدين مني بالضبط؟ انا أعلم جيدا انكِ لم تقتربي مني بنوايا حسنة".
تجمدت تعابير وجه كاثرين، تلاشت ابتسامتها القسرية ببطء تاركة ورائها برودة خافتة:
"هل هذا واضح؟"
التقت مقلتيهما كل تدرس الاخرى بتركيز، عيونهما تحدثت بينما شفاههما مطبقة بصمت كأن كلمة واحدة قد تكلفهن الكثير.
ارجعت كاثرين جسدها الى الخلف تسنده بثقة ، عادت الابتسامة تزين شفتيها ، قالت : "بما أن كلانا يعلم أنني املك شيء أود قوله فمن الافضل ان أصل للنقطة بسرعة إذن، اليس كذلك؟"
ابتسمت ليلى بسخرية، كان الأمر كما خمنت إذن، لقد أقتربت منها بهدف استغلالها معتقدة بأنها هدف سهل، ما الذي كانت تتوقعه منها؟
لاحظت كاثرين أن تعابير وجه ليلى أخذت تزداد سوءا فاكملت بسرعة "آنسة فارما، لدي عرض لكِ"
علا حاجبها باستغراب، امالت رأسها نحو اليمين قائلة باستفهام ممتزج بفضول طفيف "عرض؟ "
اومات كاثرين برأسها، مررت كفها على وجهها قائلة
"ايتها الآنسة فارما، اعتذر لو بدا سؤالي وقحا ولكن... ما رأيكِ بي؟ ألا تعتقدين بأنني جميلة؟ "
ضاقت عينا ليلى بشك مما قد تقصده ، لكنها حولت نظرها لا اراديًا حيث وضعت كاثرين كفها.
سألت بحيرة حقيقية "ما الذي ترمين إليه بالضبط؟ "
شرعت كاثرين بالتمهيد لهدفها منتقية كلماتها بحذر :
"آنسة فارما، ولادتكِ كامرأة نبيلة يعني علمكِ جيدًا بأن كونكَ بهيًا يعني أن تنال الحسد والاحترام في الآن ذاته، كل من في العالم يريد ان يظهر نفسه للناس بصورة حسنة وأن يتميز بذاته عن الآخرين، إنني اعرض عليكِ ما لا يمكن شراءه ولو ازهقتِ نفسكِ في سبيله، شيء يتوق الجميع لتملكه لكنه قد حدد سلفًا منذ ولادتهم ".
وضعت ليلى كفيها على الطاولة تنصت باهتمام مثبتة مقلتيها على وجه كاثرين، منذ البداية جذبتها ملامح كاثرين الفريدة وجمالها الاستثنائي ،كان هذا أحد الاسباب التي جعلتها تسمح لها بالجلوس أمامها رغم أنها عادة تطرد كل من يقترب منها.
لاحظت كاثرين نظراتها المتلألئة التي تطالبها بالاستمرار فاستنتجت ان مقدمتها قد راقت لها.
'بالطبع، فمن لا يحب الجمال؟ '
أستأنفات كلامها " لكن ماذا لو قلت لك ان هذا غير صحيح؟ ماذا لو قلت لك انني اعرف طريقة تجعلك بيضاء الوجه، ناعمة البشرة، ذات شعر حريري لامع؟ "
توسعت عينيها بمفاجاة فغر فاهها بذهول كأنها ادركت مقصدها قائلة باستفهام بنبرة متيقنة "انت تعنين....؟ "
اكدت كاثرين ذلك " اجل، ،آنستي ، إنني اعرض عليكِ التميز ،أعرض عليكِ...الجمال".
ارتعشت شفتيها قليلا ، كافحت للحفاظ على تعابير محايدة والابقاء على وجهها خال من الانفعال، قالت بنبرة مهتزة من فرط حماستها:
"اكملي"
توسعت ابتسامة كاثرين، قالت وهي تقلب كفها على خدها بتفاخر :"لابد انكِ لاحظتِ مدى صفاء وجهي، يمكنكِ اعتباره كنموذج واتخاذه كمصداقية لكلامي، انا اقوم بصنع منتجات تجميل وعناية للبشرة بنفسي، هل انتِ مهتمة؟ "
اومأت ليلى برأسها "هل تقصدين ما يحاول الكيميائين صنعه منذ سنين؟ اشرحي أكثر، انا منصتة".
"انا أسفة لا يمكنني أن اخبرك عن طريقة تصنيعها المباشرة الآن فهذا سر المهنة، ساقولها لكِ بصراحة، اود اقامة عقد معكِ، ساقوم ببيع المنتجات الجديدة لكِ بشكل حصري، واضع لكِ نسبة يسيرة من الأرباح أيضا ."
قالت بنبرة متشككة "وكيف يمكنني الوثوق في كلامكِ؟ ماذا لو كنتِ مخادعة؟ "
دست كاثرين كفها في حقيبتها واخرجت علبة بيضاء صغيرة جدا ووضعتها على الطاولة امامها بصوت طرق خافت، شرحت لها:
"هذا المنتج يقوم بإزالة الحبوب من الوجه واعطاءه اشراقة وحيوية، يمكنك ملاحظة الفرق بعد الاستخدام الثاني له، يوضع ثلاث مرات في الاسبوع، ساعطيكِ هذه العينة ويمكنكِ استخدامها الآن، لاوضح فقط انني استخدم مواد قانونية تماما في منتجاتي وبمجرد موافقتكِ على العقد سابوح لكِ بكل شيء،ما رأيكِ؟ "
صمتت ليلى قليلا ، حملت العلبة بيمينها وأخذت تقلبها باصابعها متفحصةً إياها ثم سألت " همم ، لكن ماذا لو أدى هذا المنتج إلى إفساد وجهي؟ كيف ستدفعين ثمن هذا؟"
توسعت ابتسامة كاثرين كأن ليلی لم تخالف توقعاتها بهذا السؤال، قالت "أنا أضمن لكِ أن لا يحدث ما تخشينه، أنا اضع حياتي ثمنًا لهذا ، وحتى لو كان منتجا فاسدًا كما تقولين فهو لن يدمر بشرتكِ أنتِ يا آنسة فارما، ففي النهاية أنتِ ستجربيه على وجه أحد العاملين لديكِ اولًا لضمان فاعليته، هل أنا محقة؟ "
رفعت ليلى بصرها بهدوء نحو كاثرين، علت زوايا شفتيها رويدًا وأمالت رأسها باهتمام، قالت بإطراء "كيف عرفتِ هذا؟ أنتِ ذكية حقا، لقد رقتِ لي".
وضعت كاثرين يدها على صدرها " إنه لشرفٌ لي أن تمتدحني الآنسة فارما بنفسها".
تبادلتا النظرات بعزم ، لاحظت كاثرين ان حدقتي ليلى أكثر دفئا قليلا الآن مقارنة بوقت جلسوها هنا في البداية فأخذت ذلك كعلامة إيجابية علی نجاح الأمر.
بعد أن انتهت كاثرين من كل ما تود قوله، قررت أن تمنحها وقتا للتفكير دون أن تضغط عليها، دفعت كرسيها الى الخلف ثم نهضت بهدوء من مكانها وقالت:
"فكري جيدا، سأعود هنا مجددًا بعد اسبوع ويمكنكِ حينئذ ابداء رفضكِ او موافقتكِ على عرضي".
نبست ليلى بمرح "يبدو بانكِ واثقة جدا بشأن موافقتي".
ارتفعت زوايا شفتي كاثرين قالت مجيبة إياها "بالطبع، اعلمي جيدا ان عرضي لكِ خاص جدا ولا يمكن تفويته، وانا اخترتكِ انتِ اولا لأنني اعلم جيدا بأنكِ ذكية كفاية كي لا تضيعي هذه الفرصة الرائعة."
أكملت مودعةً إياها:
"اذن، حتى نلتقي مجدداً".
قالت ليلى بهدوء "نعم".
بقيت حدقاتها على ظل كاثرين حتى اختفت من امام ناظريها.
*****
العاصمة سديم- المقر الرئيسي للجيش
ترددت صوت طرقات الاقدام لرجلين يسيران بجانب بعضهما في الممرات، تسرب الهواء من النوافذ إليهم جاعلا المكان كالزمهرير يثير قشعريرة ينتصب منها شعر الجلود، لكنهما كأن هذا البرد لا يعنيهما شيئا استمرا يمضيان في طريقهما.
خلت الممرات من البشر دونهما فكانت انفاسهما البيضاء التي ينفثانها هي الشيء الوحيد النابض بالحياة والتي تنفي كون المكان مهجورا.
تحدث احدهما والذي كان قائد الوحدة الاولى للجيش -منير- مرتديا تعابيرا مهيبة قائلا لآسر:
"لم اتوقع ان الأمر قد تسرب"
وافقه آسر بذات تعبيره ،قال "اجل، كان امرا مفاجئا ولكن لحسن حظنا أنني تمكنت من العثور على هويته سالمة في جيبه".
رمقه منير بطرف عينه ثم سأل مؤكدا " كان من ممكلة صيردا، اليس كذلك؟ "
اجابه آسر بوجه صارم "نعم"
غمغم منير بصوت خافت "كما توقعنا".
توقفت خطاه فجأة ثم التفت الى آسر، نظر إليه آسر مستغربا من توقفه المفاجئ، ثم على حين غرة حط كفيه على كتفي آسر مما جعل الأخير ينظر اليه بتعجب ممتزج بالحيرة، خفف منير تعابيره فاصبح وجهه القاسي اكثر ليونة قليلا من السابق.
رسم ابتسامة خافتة على شفتيه قائلا " لقد تأخرت على قولي هذا ولكن لقد احسنت صنعا آسر، لم يخب ظني فيك قط".
حين لاحظ الصدق وراء كلماته، رفع آسر زوايا شفتيه بخفة ردا عليه ،اكمل منير بمقلتين حالمتين لم يعهدهما آسر وصوت يخالطه بهجة خفية:
"الآن سنقابل أخيرا سلطان الجيش شخصيا، لم أقابله بنفسي من قبل قط ، هذه المرة الاولى التي يستدعي فيها احدا منذ وقت طويل وانا متأكد ان الامر لن ينتهي بترقية بسيطة".
امتلأ وجهه بتعابير متحمسة بشكل واضح، كانت المرة الأولى التي يراه فيها آسر يعبر عن مشاعره بصراحة هكذا، ضغط بكفيه بقوة على كتفي آسر ثم رفعهما رويدا.
التفت الى الامام مجددا ثم استنشق بعمق الهواء البارد حتى تغلغل في صدره ، حبسه للحظات ثم اطلقه بقوة كأنه ينفث مشاعره معه، رمق آسر وقال بصوت أكثر اتزانا وهدوءا من قبل "هيا بنا".
اكملوا المسير مجددا في طريقهم ، هبت ريح قوية ماحية صوت طرقات أحذيتم الذي يسري بخفوت.
بعد دقائق، استقروا امام باب ضخم ازرق اللون ذو مقبض ذهبي توسطه شعار عشيرة غارون ، رفع منير مقبضه ثم طرقه بقوة ثلاث مرات متتالية، لم يلبثوا للحظات حتى سمعوا صوتا من الداخل يأذن لهم بالدخول.
سحب منير المقبض الثقيل نحوه بقوة فانفتح الباب بصوت صرير ، ولج هو وآسر المكان ثم أغلقوا الباب بهدوء.
استقبلهم غرفة مهيبة ، ذو مكتب مطلي بالذهب الخالص، وارضية بيضاء ناصعة نظيفة تماما كأنها تتحدى المجرمين ان يدخلوها ويلوثوا نقائها، على الجدارين الأيمن والأيسر علقت صور سلاطنة الجيش السابقين، رؤساء حكموا عشيرة تقع في اعلى السلم الهرمي لطبقات المجتمع.
توسط الغرفة رجل أحمر الشعر أبيض اللحية ذو ثوب رمادي محاط خصره بحزام ذهبي متوشحا فوقه عباءة زرقاء ، يمسك بيمينه عصى واقفا باستقامة.
ادى كل من آسر ومنير التحية باحترام قائلين
"يحيا سلطان الجيش ورئيس عشيرة غارون، السيد إياس غارون".
حطت عيناه الكهرمانيتين عليهما يدرس كل منهما بصمت، بالتحديد آسر كان يشعر ان عيناه تخترقانه بشدة، ابتلعلا ريقهما تحت هذا الضغط غير المعلن وتصلبت اكتافهما لا إراديا توترا.
فتح فاهه ونبس بكلمة واحدة فقط بصوت جهوري" تقرير".
تقدم منير خطوة الى الإمام بقبضتين مشدودتين ، فتح فاهه بهدوء وشرع يشرح له عن سبب تصرفه واتخاذه اجراء فوري دون ان يحيز على إذن رسمي.
انصت له إياس بصمت، اختتم كلماته بعدها:
"تصرف ذلك الرجل كان امرا مثيرا للريبة ولو قدمت بلاغا لوزارة الداخلية لاستغرق الامر اسبوعا على الاقل لاصدار موافقة كما انني لاحظت انه يتأهب للسفر والمغادرة ولا يمكنني السماح بهذا".
اومأ إياس برأسه ببساطة، اكمل منير
" لذلك قررت ارسال فارس اثق به بشدة وإيكاله تلك المهمة وفعل كما امرته".
تقدم آسر خطوة الى الامام واستأذن للحديث فسمح له إياس ان يتكلم.
طيلة كلامه استمر إياس بالنظر إلى وجه آسر بتعابير غريبة.
بعد دقائق طويلة، انتهى آسر أخيرا من شرح كل ما مر به خلال مهمته الأخيرة من قبضه على ذلك الرجل الى حقيقة كونه جاسوس قائلا "هذا كل شيء".
تراجع خطوة الى الوراء عائدا مكانه مجددا.
فتح شفتيه المطبقتان باحكام محولا بصره نحو منير وقال " لقد أبليتم بلاء حسنا ، أما أنت يا منير فسيتم ترقيتك قريبا الى رتبة أمير ألف بدل أمير مئة تقديرا لجهودك الكبيرة ومسؤوليتك العالية في الحفاظ على أمن وسلامة ممكلة أدام".
اشرق وجه منير بشكل واضح فرحا، كان امراء الالف هم اشخاص قلة يختارهم السلطان ليقودوا جيشا مكونا من ألف فارس، يتسم هؤلاء الامراء بالحكمة وسرعة البديهة واتخاد اجراءات صحيحة عند الضرورة كما فعل منير للتو، امتلأ سجل منير بالانجازات خلال كل تلك السنوات لكنها جميعا لم تكن تصل لهذه الرتبة العالية حتى حالفه الحظ اخيرا لفرصة القبض على دليل مباشر يشير إلى خيانة مملكة صيردا وهو شيء كان الملك يتوق شوقا للحصول عليه.
قسمت رتب الجيش بشكل صارم متعمدين فيها على امور كثيرة
منها الخبرة والمهارة وسرعة البديهة ، يخضع المنضمين الجدد لاختبار قاس ومجتازيه يتم تعيينهم برتبة "جندي".
يلي "الجندي" رتبة "الفارس" الذي يقود عشر جنود يعملون تحن امرته، يليه "فارس العشرة" وهو فارس يقود عشرة من الفرسان تحت امرته.
ثم أمير المئة وهو شخص يتزعم عشرة من "فرسان العشرة" ويلقب أيضا ب" قائد الوحدة" إذ يقود جيشا مكونا من مئة فارس.
ثم أمير الألف وهو شخص يقود عشرة من امراء المئة مكونا كتيبة كاملة مؤلفة من الف فارس، وهو لقب يصعب جدا ان يحيز عليه احد ما لأهميته إذ كان عليهم ان يظهروا مهارة عالية وقدرة وذكاء واسعين، يعرف ايضا بلقب "قائد الكتيبة".
وفي اعلى الترتيب يقع القائد الأعلى وسلطان الجيش، وهو رئيس عشيرة غارون، وهذا هو المنصب الوحيد المتوارث بين ابناء العشيرة ، اذ يتنافس ابناءها فيما بينهم لحيازة هذا اللقب والمنصب العالي.
"و... انت" التفت إياس ناظرا الى آسر بغموض.
اومأ آسر برأسه يشير إليه كي يستمر.
أعاد اياس بصره نحو منير وقال " منير، انت غادر واترك هذا الفارس هنا، انت قلت انك تثق به بشدة، اليس كذلك؟ اريد التحدث معه في امر ما".
رغم ان منير خالجه تساؤل عن فحوى الحديث إلا انه قمع فضوله واخفض رأسه بطاعة قائلا " حاضر" ثم غادر بسرعة بخطى خفيفة مبتهجة دون ان ينظر لآسر حتى إذ نال ما يريده الآن.
سكن المكان مجددا، نظر إياس الى آسر بهدوء، بعد ثوان فتح شفتيه المطبقتين باحكام ، أمال رأسه وسأل
"أنت، ما اسمك ؟"
اجابه بهدوء " انا آسر، سيدي".
اتجه نحو مكتبه وجلس على كرسيه الجلدي، انحنى قليلا إلی الأمام ثم رفع سبابته واشار بها الى آسر ليقترب قائلا " تعال هنا".
دنا آسر ووقف حيث أمره، أخفض صوته ونبس
"سمعت ثناء كبير عنك قبل قليل وأود ان اتأكد من صحته، أنت تعلم جيدا ان الحصول على رتبة " أمير مئة" ليس بهين ويحتاج اختبارا يقام بعناية، لذلك سأعطيك فرصة لتثبت جدارتك".
اومأ آسر برأسه يستمع بصمت، اعتدل إياس قليلا يمسد لحيه، أكمل بتعابير جادة
" سأكلفك بمهمة، واجب عليك الحفاظ على السرية التامة فيها، ان نجحت فيها وحافظت على سريتها فقد افكر بترقيك ووضع اسمك في قائمة المؤهلين المحتملين لحيازة لقب "امير المئة" لكن في المقابل إن وصل لمسامعي أنك اخبرت عنها لأي شخص حتى لو كان قريبا منك..." صمت لثوان ثم نبس بتحذير
"صدقني لن تود أن تعلم ما سيحدث لك حينئذ وأنا لم اخلف عهدا لي قط، هل أنت موافق على هذا ام انك لا تود ان تغامر في الامر؟ "
كان آسر يعي المسؤولية الكامنة وراء كلماته، ترقيته الى منصب عال كهذا يعني مخاطر أكثر وتكليفه باشياء اكثر خصوصية ، لكن مع المسؤولية تتولد السلطة، تلك التي يفتقدها هو ومن معه.
لم يغب عن ذهنه أبدا كيف ان تلك النبيلة استغلت سلطتها لإهانة اخته الصغرى، شد قبضتيه بإحكام.
إن كان هذا يعني بأنه قادر على ان يقف بوجه أولئك الطغاة والدفاع عن نفسه امام من هم أعلى منه رتبة فلن يتردد في فعل كل ما يمليه عليه هذا السلطان .. حتى لو آمره أن يسير بقدميه نحو الجحيم.
انتظر إياس قرار آسر بهدوء مثبتا مقلتيه على وجهه كأنه يدرسه ببطء مراقبا تغير معالم وجهه كل حين.
ثم بعد ما بدا وكأنه دهر اومأ آسر برأسه مرتديا تعبيرا مهيبا، وضع يده على صدره، اخفض بصره بهدوء ثم نبس بكل كلمة بقوة:
"أنا أدرك تماما ثقل هذه المسؤولية العظيمة التي تحملني إياها سيدي، ما دمت تتوقع مني الكثير فأنا أعدك أنني لن أخيب ظنك أبدا، وأعلم أن هذه المهمة الموكلة لي لن يصل خبرها حتى لأقرب اقربائي ولا لأعز اصدقائي، سيحتفظ بها قلبي وبعد إتمامها سأمحوها من ذهني أيضا فلا يعود ذكراها لي حتى تأمرني بغير ذلك".
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي إياس، رفع زوايا شفتيه ببطء وتمتم بخفوت "جيد".
رفع رأسه باهتمام ثم قال له " سيزورك احد اتباعي لاحقا ليزودك بكافة التفاصيل".
هب نسيم عليل في المكتب حيث علقت المدافئ في زواياه كلها تطرد برد التشاء القارس.
اومأ آسر برأسه بخفة، أعاد يده قرب جسده وقال " إذن..استميحك عذرا الآن "
أدى التحية العسكرية بهدوء ثم غادر المكتب.
علقت مقلتي إياس على الباب دون ان يزيغ بصره ، بقي على حاله هذه دقائق طويلة كأن الزمن قد توقف بالنسبة له وعاد به إلى نقطة لم يرد أن يبلغها ذهنه قط.
غمغم بهدوء "سنرى إذن، ما إن كنت تشبه ذلك الرجل حقا".
_______________________________________
رأيكم بالفصل؟؟💜
.💜lilium