جرف

جرف

15 0

بعد وقت لا يعرف الطفل مدته، استيقظ على أصوات نحيب خافتة. التفت فوجد تلك الفتاة تبكي بحرقة في نومها، وكانت تتمتم بكلمة واحدة مكررة:

"أمي... أمي."

بدا صوتها، الذي كان واثقاً قبل قليل، مهزوزاً بشكل مثير للشفقة. لم يعرف الطفل ماذا يفعل، فمد يده ومسح دمعة عن خدها؛ استيقظت الفتاة فجأة ونظرت حولها بذعر، لكن لم يكن هناك دماء أو أصوات مزعجة، كان المكان هادئاً، وأول ما رأته هو وجه الطفل الذي يرمقها بقلق.

جلست ومسحت دموعها بسرعة وكأن شيئاً لم يكن، لكن الطفل لم يرد الانخراط في هذا التظاهر، فسأل:

"لماذا كنتِ تبكين؟ ما خطب أمكِ؟"

تنهدت الفتاة واتكأت على الجدار خلفها،صمتت ولم تجبه،ولكنها رأت في ذلك فرصة للتحدث بكل ما كتمته لفترة طويلة، وقالت بنبرة خاوية:

"هل تعتقد أن العيش في الجحيم، بعد أن كنت غارقاً في النعيم، سيكون سهلاً؟"

لم يجب الطفل، فاسترسلت: "أمي كانت ألطف مخلوق على وجه الأرض."

شهقت باكية، لكنها لم تتوقف عن الحديث: "عندما كانت تراودني الكوابيس، كانت توقظني بعناق دافئ وتخبرني أنها لن تتركني أبداً، وأننا سنكون عائلة سعيدة للأبد. لم أشك يوماً في قولها.. إلى أن رأيت يديّ ملطختين بدمائها. لقد ماتت موتة شنيعة، لا أريد تذكر ذلك أبداً."

مسحت دموعها التي رفضت التوقف، وتابعت بنشيج أشد: "كان عناقها دافئاً لدرجة أنني كلما تذكرته شعرت بحزن عميق. عندما أحزن، كانت تعد لي الكعك وتأكله معي ولا تتركني حتى تراني سعيدة. وعندما يخاصمني النوم، تأخذني في حضنها وتقرأ لي القصص.. لقد كنا فقراء للغاية، ولكنها كانت..."

توقفت عن الحديث بسبب شهقة غصّت بها، ثم تابعت وهي تعانق نفسها: "كانت تشتري لي الملابس الدافئة حتى لا أمرض في الشتاء، والفساتين الفاخرة حتى لا أشعر بأنني أقل من بقية الفتيات."

توقفت الفتاة أخيراً عن البكاء، ونظرت إليه بعينين محمرتين، ثم سألت لتغير المجرى: "ماذا عنك؟ ماذا عن والدتك؟"

اتسعت عينا الطفل؛ لم يتوقع هذا السؤال. خيّم صمت طويل، حتى لاحظت الفتاة ارتجاف شفتيه وكأنه يوشك على الانهيار، فقررت التوقف عن نبش تلك الجراح العميقة.

مسحت دموعها بعنف، ثم وقفت وقالت بحماس مصطنع: "لنذهب! لنكمل رحلتنا أيها الطفل، ونذهب إلى مكان بعيد."

لم يتحرك الطفل، فمدت يدها وسحبته برفق: "إذا لم نتحرك الآن، فقد يجدوننا."

أومأ لها وتبعها بصمت. لم تحمله هذه المرة، بل سارت ببطء وهي تظن أن البشر لن يتمكنوا من اللحاق بهما بهذه السرعة. لكن ظنها خاب؛ فقد ظهر أمامها فجأة رجل عملاق، طويل لدرجة أنهما يحتاجان لرفع رأسيهما حتى تؤلمهما رقبتاهما. سرت قشعريرة في جسد الفتاة التي بدا أنها تعرف هذا الرجل جيداً، قال الرجل بهدوء مخيف:

"هل ظننتِ حقاً أنني لن أجدكِ؟"

تثاقلت أنفاسها وكادت تسقط مغشياً عليها، لكنها تذكرت الطفل، فصرخت: "اركض! اركض!"

لم تترك له فرصة، بل حملته بيديها النحيلتين وركضت بجنون. رأى الطفل ملامحها؛ كانت مذعورة لدرجة أنها تلهث من الرعب لا من التعب.

نظرت خلفها، كان الرجل واقفاً مكانه بهدوء، وكأنه متأكد أن فريسته لن تفلت. كان ركض الفتاة نذيراً بالسوء؛ فمهما بلغت سرعتها، كانت تعلم أن ذلك الرجل سيصل إليها في النهاية. اختفى الرجل عن الأنظار، لكنها لم تتوقف حتى وصلت إلى جرف سحيق لا تُرى نهايته.

توقفت وهي تلهث بشدة، ونظرت خلفها؛ لم يكن هناك، لكن وقع خطواته كان يقترب. وضعتها على الأرض، واختفى من وجهها كل أمل. وضعت كفيها على كتفيه وقالت بصوت مخنوق:

"ذلك الرجل وحش بلا قلب.. أنا خائفة للغاية من العودة إليه."

صمتت لبرهة، فأمسك الطفل بيدها قلقاً يحاول تشجيعها، لكنها قالت ببرود فاجأه: "الموت أرحم من تلك العيشة."

قطع سكون المكان صوت خطوات تدوس العشب. نظرت الفتاة للجهة التي يصدر منها الصوت، ثم نظرت إلى الطفل، وتحركت شفتها بكلمة لم يسمعها بل فهمها: "أنا آسفة."

وفي لحظة، فقد الطفل توازنه وسقط من الجرف بدفعة خفيفة من يدها. نظر للأعلى وهو يهوي، رأى الفتاة توشك على القفز خلفه، لكن يد الرجل العملاق أمسكت بها. مد الطفل يديه للأعلى يرجو النجاة، وقبل أن يفقد وعيه، رأى الرجل يحمل الفتاة بيد واحدة ويقتادها بعيداً. التقت نظراتهما للمرة الأخيرة، وشعر يقيناً أنه إذا عاش وقابلها يوماً، فلن تكون الشخص ذاته الذي حدثه اليوم.

لم تطل مدة إغمائه، فقد استيقظ قبل أن يرتطم بالأرض؛ كان يطفو في الهواء. سمع صوتاً من فوقه ففهم ما حدث.. لقد كان صقراً. بدأ الصقر يرتفع به للأعلى، وفي ثوانٍ خرج به من الجرف السحيق. حلق به فوق القرية المهجورة، وفوق موقع المجزرة، شاهداً على بقايا الكابوس الذي عاشه.

توقف الصقر مراراً بسبب العاصفة الثلجية، لكنه عاود الطيران حتى وصل إلى القصر مع شروق الشمس. لم يكن الطفل حزيناً كما المتوقع، بل كان يتأمل قول الفتاة: "هل تعتقد أن العيش في الجحيم بعد أن كنت غارقاً في النعيم سيكون سهلاً؟"

تساءل بصمت: هل كان حقاً يعيش في نعيم؟ وهل كانت الحياة قاسية هكذا لأنها خارج أسوار ذلك "النعيم"؟

في غرفة إيلارا، مرت ليلة بلا نوم. كانت تفكر في الرحلة الانتحارية التي تنتظرها بعد أسبوعين، وفي مصير الطفل المفقود. تقلبت في فراشها حتى أشرقت الشمس، والذنب ينهش قلبها. جلست تراقب الشروق، والدموع تتجمع في عينيها، حتى رأت خيال "جايك" يقترب من نافذتها.

نهضت قلقة، فتحت النافذة ووقفت في الشرفة، لتجد أن جايك لم يكن وحيداً. اتسعت عيناها وهي ترى الطفل معه؛ وضعت يدها على فمها وشهقت غير مصدقة، ثم انهمرت دموعها كالشلال. بمجرد اقترابه، سحبته لعناق قوي كاد يكسر عظامه؛ كانت تبكي بحرقة، وهو كان صامتاً، لم يدفعها ولم ينزعج، بل استسلم لدفئها.

في الخارج، كانت ساندرا واقفة أمام الباب، قلقة مما حدث بالأمس من أحزان لسيدتها،خصوصًا فقدها للطفل الذي كانت متعلقة به، وقبل أن تطرق، سمعت بكاء سيدتها فدخلت بسرعة: "سيدتي! هل أنتِ بخير؟"

لم ترَ الطفل في البداية،اقتربت من سيدتها بقلق وقالت:

"الجو بارد في الخارج"

ثم أدركت انها كانت تعانق الطفل، فشهقت ساندرا ورفعت فستانها ثم ركضت في الممرات صارخة بذهول وفرح:

"طفل السيدة! لقد عاد طفل السيدة!"

_______

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة