عالم جديد

عالم جديد

22 0

لكن قبل أن يفكر كيف، أحاطه الرجل المسن بذراعين واهنتين دافئتين، ربّت الشيخ على ظهره بلطف مفاجئ وهو يدخل المنزل قائلاً:

"ساندرا! لدينا ضيف!"

بعد ثوانٍ، ظهرت خادمة بدينة، وجهها مليء بالتجاعيد لكنها تبتسم بودّ، وما إن رأت الطفل بين ذراعي كبير الخدم حتى رفعت حاجبيها:

"هل هذا حفيدك؟ ظننت أحفادك صاروا في الجامعة!"

عدّل ألفريد نظارته وقال بهدوء:

"ليس حفيدي… إنه طفل السيدة."

توقّف الزمن لثانية، ثم سقطت ساندرا جالسة من الصدمة. وفي لحظة عمّ فيها الصمت، تدفق الخدم من كل مكان؛ أولئك الذين كانوا يكنسون توقفوا، والذي كان يصلح الثريا في منتصف الجدار قفز من مكانه، واجتمعوا ملتفين حول ألفريد بأسئلة لا تنتهي:

"طفل… السيدة؟! هل تمزح؟!"

"كم عمره؟ منذ متى وهي تملك طفلًا؟!"

"لا تقلها!! هل استغل سذاجتها وغدٌ ما؟!"

"ألا يبدو في الخامسة؟ هل لديها طفل في الخامسة؟!"

"لا تخبرني.. هل هو مخطوف؟!"

كانت ساندرا هي من سألت السؤال الأخير.

"صمتًا!"

بمجرد أن قالها، خيّم الهدوء، وأصبحت أعينهم كلها مسمّرة على الطفل الغريب. ربّت ألفريد على رأسه وقال:

"أنتم تخيفونه بصراخكم، عودوا لأعمالكم، سنتحدث لاحقًا."

تراجعوا على مضض، وعيونهم لا تزال مثبتة على الطفل الذي كان غاضبًا من الاتهام الذي وُجّه إليه؛ لم يكن خائفًا أبدًا. عضّ على أسنانه وهمس:

"أنا لست خائفًا."

كيف يجرؤ بشرٌ على اتهامه بالخوف من كائنات حقيرة مثلهم؟

"نعم، نعم.. أنت لست كذلك."

ابتسم ألفريد بابتسامته اللطيفة ومسح على ظهر الطفل. لم يجب الصغير بدوره، بينما اقتربت ساندرا منه بقلق وقالت بصوت منخفض:

"ألفريد… هل تم اختطاف هذا الطفل؟"

رفع حاجبيه مستنكرًا: "السيدة ليست من هذا النوع.... ربما."

لكن ساندرا أعادت النظر إلى وجهه الصغير، تتأمل خدوده المنتفخة:

"انظر إليه! لطيف جدًا… أعرف السيدة جيدًا، تفعل أي شيء لجمع الحيوانات الجميلة… ربما ظنّت أنه قطة!"

قال ألفريد: "يكفي حديثًا، حمّميه."

ناولها الطفل الذي كان يحاول التماسك، محمرّ الوجه ومنكمشًا على نفسه. صرخت ساندرا:

"يا إلهي! إنه ساخن جدًا!"

تحسّست جبينه، فشهقت: "إنه يحترق! يجب أن أحمّمه فوراً— اعذرني!"

وقبل أن يكمل التفكير، شعر بقوته تتلاشى، وقعت عيناه نصف المغلقتين على الأرض وهو يهتز من الحمى. وسط ركض ساندرا السريع، حاول ألا يفقد وعيه… لأنه يعرف أنه إن غاب، فقد لا يستيقظ ثانية، لكن الظلام ابتلعه تمامًا.

....

"هل هو بخير؟"

كان صوت المرأة الغريبة أول ما اخترق ظلامه. فتح عينيه قليلًا وسمع رجلًا يجيب:

"هو بخير… فقط يحتاج إلى الراحة."

اختفى الصوت شيئًا فشيئًا، واستسلم الطفل من جديد لنوم ثقيل.

....

لا يعرف كم نام، لكنه استيقظ وهو لا يشعر بأي ألم. فتح عينيه ليرى سقفًا غريبًا… ليس سقف الملحق، ولا سماء الشوارع التي اعتادها. على يمينه، كان هناك شخص غريب، التفت ببطء فوجد المرأة التي التقطته من الشارع نائمة قربه، وبمجرد أن تحرك، فتحت عينيها.

"استيقظت أخيرًا؟"

جلست وفركت عينيها، ثم لمست رأسه برفق: "كنت مريضًا ليومين، هل تشعر بتحسن؟"

أومأ دون وعي، وألقى بالملامة على "السلاح" الذي تستخدمه لإخضاعه، قرر أن يحاول التصرف بلطف ليتسنى له الهرب.

قالت وهي تجلس مستقيمة: "بالمناسبة… ما اسمك؟ لا يمكنني الاستمرار في مناداة (الطفل)."

"أنا… لا أملك واحدًا."

اتسعت عيناها قليلًا، لكنها تذكّرت أنها لا تعرف عن حياة المشردين إلا القليل، فقررت ألا تتفاجأ.

"إذن… لنفكر في واحد معًا."

"…معًا؟"

أمسكت بيده الصغيرة، وبالكاد كانت يده تقبض على يدها. ابتسمت وقالت:

"نعم. والآن انهض، سأعرّفك على أبنائي الآخرين."

سألها بصوت منخفض: "هل… لديكِ الكثير من الأطفال؟"

"ليسوا أطفالًا بالمعنى الحرفي. ولكن… ستعرف."

حملته قبل أن يعترض، فتذكر كيف حملته دون أن تسأل عن رأيه في الزقاق؛ ربما هي تحمل طبعًا مندفعًا. فتحت الباب ونادت:

"زاك! أين أنت؟ تعال وانظر إلى طفلي الجميل!"

صرّ على أسنانه، كيف تناديه بهذا اللقب وكأنها تملك كل الأحقية؟ ومن أجل إتمام خطته، صمت وقرر تحمل هذه الإهانة أيضًا.

سارت معه في الممر الطويل، تلتفت يمينًا ويسارًا: "أين ذلك الشقي؟"

قبل أن تُكمل، دوّى زئير خلفهما، ارتجف الطفل فورًا. هو يعرف هذا الصوت، سمعه من قبل من مخلوق متحوّل كان يفترس الحيوانات. تشبث بملابسها، فالتفتت هي نحو الصوت وابتسمت كأنها تسمع مواء قطة وليس زئير وحش:

"زاك… صباح الخير!"

مصدوماً، فتح الطفل عينيه فرأى أسدًا مهيبًا يقف أمامهما؛ لقد قررت أخيرًا أن تظهر وجهها الحقيقي، ولكنه لم يتوقع البتة أنها ستجعله طعامًا لأسد مخيف. قرر أنه في المرة القادمة، إذا نجا، سيتوقع الأسوأ من البشر.

اقترب الأسد بخطوات بطيئة ونظرات حادّة، قبل أن ينقلب فجأة على ظهره كقطٍّ مدلل. جلست المرأة الغريبة ضاحكة وهي تشير إلى بطنه:

"إنه يريد أن تُدغدغه."

سقط فكّ الطفل من شدة الصدمة؛ هذا هو الأسد الحقيقي الذي قرأ عنه! ملك الغابة، المفترس الذي يهابه الجميع! كيف يتحول أمامهم إلى شيء يشبه القطط؟ لا بد أن هذه المرأة تستخدم ذلك السلاح على الأسود أيضًا. انكمش على نفسه، لكنها حملته ووضعته فوق بطن الأسد قائلة:

"أرأيت؟ هكذا."

ترطّبت عيناه بالدموع، وقبل أن تسقط، انقلب الأسد فجأة. مدّت إيلارا يدها لتلتقط الطفل— لكنه اختفى! شهقت ، قلبت الأسد مرتين، لم يكن هناك. لم يخطر ببالها سوى اسم واحد: "جايك".

رفعت رأسها، وكما توقعت تمامًا، كان الصقر الضخم يحوم فوقهما ممسكًا بالطفل من ملابسه. كان الطفل متجمّدًا من الذعر، وقدماه تتأرجحان في الهواء. قفزت إيلارا وسحبته من مخالب الصقر:

"يا لك من مشاغب! لا تقل لي أنك غاضب لأنك لم تذهب للصيد بالأمس!"

رفرف الصقر بسرعة وغادر عبر النافذة. تنهدت إيلارا وربتت على رأس الطفل المرتجف:

"آسفة… هل فُجعت؟ هو يحب إزعاج ضيوفي كما يفعل زاك، لا أعلم ماذا يجدان في ذلك من متعة."

لم يستطع حتى الرد، لم يعش في حياته كلها رعبًا كهذا؛ جلس على بطن أسد، ثم كاد الأسد أن يهرس جسده الصغير، وبعدها اختطفه صقر بمخالب حادة كالسكاكين.. انهار تمامًا. انفجر بالبكاء، صوته دوّى في القصر كله حتى فرّ الأسد هاربًا.

إيلارا—التي لم تُجِد مواساة أحد في حياتها—وقفت متجمدة. حاول الطفل الإفلات من ذراعيها فجلست على ركبتيها وتركته يهرب وهو يركض باكيًا. همست وهي تمسح وجهها بيدها:

"تباً… ليس الوقت المناسب لهذا. لكنه لطيف… لطيف جدًا."

صفعت خدها بخفة: "يا إلهي، هل يلزم أن ألحق به؟ لكنه يبدو وكأنه يكرهني الآن… تباً لهذين الأحمقين."

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة