الأجواء الباردة في "أوركاديا" جعلت السيارات تزحف فوق الطرقات كما لو كانت تحتضر، إنارات الشارع الواهنة كانت الشّيء الوحيد الذي يقاوم العتمة الثقيلة التي غطّت المدينة في تلك الليلة، والروائح الكريهة التي اعتادت الأزقة حملها خفَّت قليلًا مع صفعات الرياح الجليدية القادمة من الجبال البعيدة.
كان المشردون أكثر من يعاني تحت هذا البرد؛ يسقطون واحدًا تلو الآخر، فلا أحد يلتفت ولا أحد يأسف، وكأن الشتاء نفسه متآمر مع السكان للتخلّص منهم. صحيحٌ أن الحرب انتهت، لكن "أوركاديا" خرجت منها بقلبٍ متحجّر.
ومع ذلك، لم يمت الجميع؛ ففي المنازل المهجورة، وفي تجاويف الغابات السوداء، وفي الأزقة الضيقة التي تشبه أفواهًا مفتوحة لابتلاع ما بقي من المشردين، ما زال البعض يقاوم، يتنفس بصعوبة وينتظر أن ينتهي الشتاء دون أن يأخذ روحه معه.
في أحد الأزقة، انكمش طفلٌ صغيرٌ على نفسه، كان يرتجف حتى بدا جسده هزيلًا كعود قش، ملابسه الممزقة لا تحميه من شيء، والحمّى قد احتلت رأسه حتى صار العالم أمامه يدور ببطء مُنهِك. لم يكن يصدق أن كل ما مرّ به، وكل ما نجا منه، سينتهي في زقاقٍ باردٍ كهذا.
المارّة يمرّون بقربه دون أدنى اهتمام؛ بعضهم يرمقه باشمئزاز، والنبلاء منهم يتذمرون من زيادة عدد المشردين بعد الحرب، دون أن يلقوا نظرة ثانية على وجهه الشاحب وجسده المريض.
"أخبار المساء! أخبار المساء!"
صوت بائع الجرائد شقّ السكون، ومعه تطايرت الصحف عبر الشارع المظلم. المعتاد أن تنتشر الأخبار عند الغروب، والازدحام كان كبيرًا اليوم، فالناس يريدون معرفة ما تبقى من العالم بعد حربهم الطويلة مع "مملكة الوحوش الشيطانية".
إحدى تلك الصحف سقطت عند قدم الطفل. حرّك رأسه بصعوبة، كانت عيناه تغبشان كل شيء، لكنه استطاع قراءة بعض السطور:
"انتهى عصر الوحوش... وبدأ عصر الأمل للبشرية."
"انتصرت مملكة إيلدارا على مملكة الوحوش الشيطانية..."
استمرّت الكلمات في الانهمار كالمطر، لكن الطفل قبض على الصحيفة بيده المرتجفة ومزّقها ببطء باستخدام آخر ما تبقى من قوته. لم ولن يُصدّق أن مملكته سقطت على يد هؤلاء البشر الحمقى؛ انتهت الحرب منذ أسبوع وهم لا يزالون يحتفلون.
بالمناسبة، لم يكن اسمها "مملكة الوحوش الشيطانية"، بل "مملكة تارغوس العظمى"؛ موطن المخلوقات السحرية، لا الوحوش. لكن البشر كانوا دائمًا يخلطون الجهل بالغرور، فيمنحون الألقاب الخاطئة لما لا يفهمونه.
كان هو الطفل السابع عشر للملك، آخر أبناء العائلة المالكة. عاش عمره منسيًّا في الملحق الخلفي للقصر، بلا اهتمام وبلا اسم تقريبًا. لم يعرف والديه، ولم يعرف مكانه من العالم إلا قبل فترة قصيرة حين سمع بالصدفة أنه ابن الملك، خبرٌ لم يجلب له سوى الشوق، فشعور الانتماء لعائلة كان أمنيته الوحيدة.
أما بالنسبة للبشر، فهم خائنون، ناكثون للعهود، ويتباهون بانتصارٍ ما كان لهم أن يقتربوا منه لولا سحر "تارغوس" القديم الذي ساعدهم يومًا في قيام ممالكهم.
قبض الطفل قبضة ضعيفة على الثلج وقال هامسًا: "تَبًّا..."
لو كان امتلك سحرًا كإخوته، لتدفأ الآن، أو لانتقم من البشر، لكنّه وُلد بلا قوة، ولذلك رُمي بعيدًا عن القصر. والغريب أنّ هذا الإنكار هو ما أنقذه؛ فحين اقتحم البشر القصر وقتلوا عائلته كلها، لم يعرفوا أنه من العائلة المالكة، وظنّوا أنه مجرد طفل بشري مخطوف، فأخذوه معهم، ثم تركوه في هذا الزقاق كما يُترك شيء بلا فائدة، يا للرحمة البشرية!
لم يكن لدى البشر أي فرصة للفوز على مملكته، تساءل وهو يسعل عن الحيلة التي استخدموها، ثم تأسف على حالته المزرية وعلى ما آلت إليه عائلته؛ وافتهم المنية قبل أن يحصل على فرصة لقضاء الوقت معهم. تراءت له مشاهد من الماضي، عن أمه اللطيفة التي تسحر الناس بابتسامة واحدة، ووالده الذي كان ملكًا يفتخر الشعب به.
حين بدأت شفاهه بالزُّرقة، بدأ يفقد الوعي، أصوات الناس المحتفلين بسقوط مملكته بدت وكأنها تسخر منه، ولكن أصواتهم ما لبثت أن تشوشت وحلّ محلها طنين مزعج في أذنيه. كان يتمنى لو عاش لفترة أطول... حتى يأتي شخص ما ويعيده إلى المنزل.
ولكنه شعر فجأة بدفء يلتف حول خصره، ثم وجد نفسه يرتفع عن الأرض مع انحسار طفيف لذلك الطنين المزعج. التفت بحدة تشبه حدة القطط البرية، ليُفاجأ بعينين عسليتين واسعتين تحدّقان به. امرأة شابة تحمل جسده الهزيل بين يديها كما لو كان خفيفًا كريشة.
"إنسان؟ ظننته قطة..."
قالت ببرود لطيف، كانت ترتدي ملابس دافئة، وتحمل على وجهها تعابير بشريٍّ ساذج.
تقلّص وجهه غضبًا لهذه الإهانة؛ لقد لمسته أولًا وهو سليل العائلة الحاكمة، ثم نعتته بالقطة! ليس متأكدًا ولكن القطة حيوان لا عقل له، وهذا يشير إلى أنها تهينه بكلامها، لكنه لم يملك قوة للمقاومة. تأسف على حاله، هذه المرة لأنه سيموت وآخر ما رأته عيناه هو بشرية وضيعة. لم ينتبه إلى أن لمستها كانت لطيفة، وكأنها تخشى أن ينكسر.
أمالت رأسها قليلًا وهي تتفحصه: "لماذا لست في المنزل أيها الصغير في هذا الجو البارد؟ أين والداك؟"
سألته وكأنها لا تعرف بأن هناك أطفالًا كثرًا يعيشون في العراء كحاله.
المنزل؟ فكر الطفل قليلًا؛ إنها تقصد منزله الذي كان ينتظر شخصًا ما ليأتي ويعيده إليه. تمنى في قرارة نفسه أن تعيده لمكانه، فقد قرر أن يموت هناك، بما أنه لن يأتي أي شخص. في منزله، لم يكن أي أحد يقترب منه دون حذر -كما تفعل هذه البشرية التي لم يشك في سذاجتها- لأنه ولد بلا أي قوة سحرية فيعاملونه كالبشر، يتقززون منه ويعتبرونه بغيضًا مثلهم، لم يكلفوا أنفسهم عناء تسميته حتى.
حدّق فيها بكرهٍ صامت، فاختلفت ملامحها للحظة حين رأت نحوله وبرد عظامه، وكأنها عزمت على شيء لم يكن بيده أي حيلة فيه.
"ستأتي معي."
وقع كلماتها على أذنيه كان صادمًا، ولكن التعب لم يترك له مجالًا للاستيعاب. على حد علمه، هي لا تعلم بعد بأنه مخلوق سحري. خلفها سيارة فارهة تنتظر، وسائقٌ ينظر إليه دون اكتراث.
فكّر الطفل: هل ستأخذه هذه المرأة معها؟ ما الذي تخطط لفعله؟ معلمته -التي كانت تشرح له الدروس مع إبقاء مسافة لا تقل عن عشرين مترًا خلف حاجز عازل للصوت- قالت بأن البشر مجانين يحبون تعذيب المخلوقات السحرية دون سبب. ولكن هذه البشرية الساذجة لا تعلم بعد بأنه مخلوق سحري. تمعن النظر في عينيها وخطرت فكرة في ذهنه؛ عيناها تبدوان مخيفتين.
تساءل الطفل في قرارة نفسه: "لماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة! لا بد أنها اكتشفت أمري، يجب أن أهرب!"
كانت خطة مع عدم توفر الإمكانات لتنفيذها، فهو لم يملك القوة لفعل ذلك.
لم تنتظر جوابًا، بل رفعته كما يُرفع كيس أرز، وأدخلته السيارة. في داخلها، كان الدفء ساحقًا لدرجة أنه ذاب بين ذراعيها بلا وعي، رغم أنه كان قبل لحظات يتخيل قتلها وقتل كل بني جنسها. المكان كان خطيرًا عليه؛ لأنه يجعله يرخي كل دفاعاته ويجعل عقله يدخل في سبات، فلم يعد يفكر في أي خطة بديلة للهرب. ترقرقت عيناه بالدموع؛ كانت معلمته محقة، البشر مخيفون، من أين أتوا بهذا السلاح؟
مررت المرأة يدها على رأسه وقالت: "أنت قذر... ألم تستحم منذ زمن؟"
همهم الطفل دون أن يشعر، لم يختبر هذا الشعور من قبل؛ أراد أن يبقى هكذا إلى الأبد ولكنه تذكر أنها تخطط لشيء شرير.
حدث نفسه: "يجب أن أهرب."
ولكنه كان يلتصق بها أكثر، لم يكن باليد حيلة، سلاحها كان أقوى من إرادته.
قال السائق متدخلًا: "جميع المشردين هكذا، سيدتي."
هزّت رأسها ثم التفتت إليه: "حسنًا... من الآن فصاعدًا، ستكون... همم... لا يمكن أن تكون قطتي لأنك إنسان، أليس كذلك؟ ولكن لا يمكنني أن أجعلك طفلي أيضًا، إلا إذا لم يكن والداك على قيد الحياة."
نظرت إليه وهي تنتظر منه أن يحدثها عن والديه، ولكن الطفل كان صامتًا، الألم المختلط بالدفء جعله في معركة مع النعاس الذي يجافيه.
لم يستطع السائق إخفاء صدمته، لم يكن يتوقع أنها ستفكر في تبني متشرد، فسعل بقوّة قبل أن يشيح بنظره إلى النافذة، وكأنه يخشى أن ينطق بكلمة تتخطّى حدوده.
أمّا المرأة فكانت تمسح على رأس الصغير برفقٍ غريب لا يشبه أجواء "أوركاديا" الباردة. ثم رفعت يدها ومسحت على الجوهرة الحمراء في خاتمها الذهبي؛ ظهرت شاشة زرقاء من العدم، ثم جاء صوت رجل مسن يتحدث. حدّثته المرأة وقالت بأنها ستعود مع طفل لطيف يشبه القطط، وأنها تريد منه أن يجهز له غرفة ينام فيها، ثم أغلقَت المكالمة وأعادت النظر إليه وهي تمسح على رأسه.
قالت بصوت دافئ متناقض مع كل ما يخاف منه: "أنا أحب الأشياء اللطيفة... ماذا عنك؟ ما الذي تحبه أنت؟"
لم تكن البشرية الساذجة تدرك أن الطفل المريض يبذل قصارى جهده لكيلا يموت بين ذراعيها. تحرك فمه دون وعي وقال بصوت ضعيف: "لا تتدخلي."
"لم أسمعك." قالت وهي تبتسم بسذاجة.
حاول الابتعاد عنها ولكنها لم تتركه؛ هل هي تحب الأشياء القذرة أم ماذا؟ توقفت السيارة بعد دقائق أمام قصر واسع تلمع نوافذه تحت ضوء القمر. ترجّلت المرأة وهي لا تزال تحمله كما يحمل المرء شيئًا ثمينًا، فتقدّم شيخ مسنّ وانحنى احترامًا.
"سيدة هاورثون... هل هذا هو الطفل؟ دعيني أحمله، سأحرص على أن يحصل على حمّامٍ جيد."
قالت وهي تضعه بين ذراعي الرجل: "أوه نعم، فلتعتنِ به. سأعود بعد قليل... لدي مقابلة مهمة."
ثم رحلت سريعًا، تاركة الطفل يستند برأسه على كتف الشيخ بينما يراقب السيارة تختفي في نهاية الطريق. في داخله، قرر بوضوح أنه سيهرب، على الأقل قبل أن يبدأوا بإجراء التجارب عليه.
hiam m