توقفت سيارة أمام أحد المطاعم الفاخرة. نزل منها رجل غنيّ، متخم بالغرور، يرتدي ملابس لامعة ومنمقة.
أغلق حارسه الشخصي الباب خلفه ثم رافقه داخل المبنى بخطوات سريعة ومترددة.
رن الجرس اللحظيّ حين فتحا الباب، فتقدّم نادل بانحناءة:
"مساء الخير، سيدي. طاولتك مُعدّة في مكانك المعتاد."
لكن الرجل تجاهله كليًا وكأن كلمات النادل هواءٌ عديم القيمة.
تقدّم نحو طاولته المخبّأة خلف ستار أحمر سميك. توقف فجأة...إحساس مزعج زحف عبر ظهره. أشار لحارسه كي يفتح الستارة.
مدّ الحارس يده ببطء، ثم سحب الستارة بقوة واحدة، وكان خلفها الفراغ، لا شيء سوى ورقة مطوية أعلى الطاولة.
تناولها الحارس وقرّر ألا يقرأها، فسلّمها لسيده، وما إن رأى كراون الكلمات حتى تغيّر لون وجهه:
"أهلًا يا صديقي العزيز.
أعددت لك هدية لطيفة ،اتمنى ان تعجبك! ."
كان هناك توقيع على شكل ذئب في نهاية الرسالة.
تجعدت الورقة تحت قبضته، ثم رماها وداسها بضراوة:
"هذا المعتوه... لن يتوقف؟"
تمتم.
حينها اخترق أذنيه صوت لطيف كنسمة دافئة:
"سيد كراون؟ هل كل شيء بخير؟"
التفت، فرأى امرأة جميلة بشعر أسود طويل وملامح هادئة بريئة تناسب امرأة ساذجة.
ابتسم ببلاهة مسيئة لشخصه أكثر مما يظن.
"سيدة هاورثون... بالطبع، كل شيء بخير."
نظر إلى الورقة الممزقة وقال بعصبية مكبوتة:
"باستثناء ذلك المزعج... الذئب الأسود، يلاحقني في كل مكان."
ابتسمت ثم قالت بكلمات مطمئنة وهي تجلس:
"لا داعي للقلق سيد كراون،لأنني جئت لأقدم القليل من المساعدة"
جلس، ثم عدّل كراون من وضعية جلوسه، وأخذ نفساً عميقاً ليخفي اضطرابه من رسالة الذئب. نظر إلى إيلارا التي كانت تعبث بطرف كمّ فستانها بملل طفولي.
في المجتمع النبيل، هي ليست سوى واجهة جميلة لثروة هائلة يديرها ذلك المساعد العبقري الذي يقف خلف نجاحاتها. لولا ذلك الرجل، لكانت إيلارا الآن مجرد ذكرى في سجلات النبلاء المفلسين.
لم يكن متوترا على الإطلاق، كانت هي من طلبت اللقاء،واقناعها بصفقة مربحة له سيكون أسهل من اقناع مساعدها ذو الطبع الحاد والحذر.
تنحنح كراون وقال بصوت حاول جعله وقوراً: "سيدة هاورثون، تعلمين أنني أقدر تعاوننا دائماً.. ولكن، ما الذي يمكن لامرأة مثلكِ أن تقدمه بخصوص 'الذئب'؟ هل سيخاف من جيش الخدم لديكِ مثلاً؟" ضحك بسخرية خفيفة لم تحرك ساكناً في وجهها.
رفعت إيلارا عينيها العسليتين ببطء، وقالت بصوت هادئ يشوبه التردد: "في الحقيقة.. مساعدي يقول دائماً إن 'المعلومات هي السيف الذي يقطع رأس الذئب'.. أو شيء من هذا القبيل، لا أتذكر الجملة تماماً، هو يحب الكلام المعقد."
مال كراون بجسده للأمام، لمعت عيناه؛ فنقابة المعلومات التي تملكها هي الأقوى، وإذا كان مساعدها قد أعطاها شيئاً، فهو صيد ثمين، لم يكن متأكدا من قدرته على استخراج معلومات مفيدة كثيرة من هذه الحمقاء.
أكملت إيلارا بابتسامة باهتة: "لقد أخبرني أن لديه تقريراً عن تحركات الذئب القادمة.. وأنه يخطط لضرب شحنتك الكبرى الأسبوع المقبل. أنا خائفة جداً يا سيد كراون، لا أريد أن تتدمر تجارتك بسببه، مساعدي يقول إن هذا سيؤثر على.. همم.. 'التوازن الاقتصادي'؟ نعم، أظن هذه هي الكلمة."
حبس كراون أنفاسه. الذئب الأسود يخطط لضربه؟ هذا يفسر الرسالة! سأل بلهفة: "وما هو الثمن؟"
فركت إيلارا كفيها ببعضهما وقالت ببراءة: "أوه، لا شيء يذكر.. أريد منك فقط أن توقع هذا العقد الصغير. مساعدي يقول إنني أحتاج لسيولة مالية فورية لشراء.. فساتين؟ لا، ليس فساتين، قال لترميم القصر. سأعطيك أحجار 'نور الغسق' بخصم 40%، وهو خصم كبير أليس كذلك؟ مقابل أن تحمي قافلتي المتجهة للحدود الشرقية، لأن حراسي مشغولون بحماية مناجمي الأخرى."
كاد كراون أن يقفز من مكانه. خصم 40% على أحجار 'نور الغسق'؟! هذا العرض وحده سيجعله أغنى رجل في أوركاديا خلال شهرين! أما حماية القافلة؟ فلديه جيش من المرتزقة يمكنهم سحق أي قطاع طرق، والشرق منطقة هادئة بعيدة عن نفوذ الذئب.
نظر إليها كراون بامتنان مزيف، وهو يشعر بالشفقة على غبائها: "يا لكِ من طيبة يا سيدة هاورثون.. تخافين على تجارتي لدرجة أنكِ تبيعين لي أحجاركِ بهذا السعر الزهيد؟ حسناً، لأنني رجل نبيل، سأقبل بحماية قافلتكِ، وسأوقع العقد فوراً."
قالت إيلارا وهي تصفق بيدها بخفة: "أنت رائع حقاً! مساعدي كان يقول إنك رجل جبان، لكنني أخبرته أن السيد كراون رجل شجاع ويحب المساعدة.. خذ هذه هي معلومات تحركات الذئب، لقد كتبها لي في ورقة لكي لا أنساها."
مدت له ورقة صغيرة، تناولها كراون بسرعة البرق، بينما كانت إيلارا تراقب يده المرتجفة بتعابير ساذجة.
تمتم كراون وهو يقرأ: "غبيّة.. ستجعلني أملك السوق بالكامل مقابل حماية بضعة عربات."
ثم رفع رأسه وقال بابتسامة عريضة: "اتفقنا، سيدة هاورثون. لنوقع العقد."
hiam m