عادت إيلارا إلى الغرفة وتنهدت، وما أخرجها من أفكارها إلا رؤيتها للطفل وهو يجلس والقطط مجتمعة حوله. لم تفهم كيف أصبحوا مطيعين هكذا ،جالسين بهدوء حوله، ثم أدركت أنه يحمل في يده شريحة من اللحم؛ لقد سرقها من الطاولة وخبأها في جيبه. ضحكت ثم اقتربت منه وسألته بلطف:
"هل تستمتع باللعب مع القطط يا صغيري؟"
نظر إليها بحدة، ثم سحب قطة كانت قريبة منها وعانقها بقوة. ضحكت إيلارا مجدداً:
"هل تريد أن تلعب لعبة الفارس الشهم والقطة المسكينة؟ حسناً، سأكون أنا الشريرة."
رفعت قطة من القطط وهي تمازحه، فنهض الطفل فوراً وحاول أخذ القطة منها؛ لقد قرر حمايتهم من البشر، وهي أولهم. وعندما لم ينجح في الإمساك بالقطة، ترقرقت الدموع في عينيه. توقفت إيلارا عن الضحك فوراً وسلمته القطة، راقبته وهو يأخذها منها ويعانقها وكأنها كنز ثمين.
"لا تلمسيهم!"
قالها وهو ينظر إليها بحدة، غير مدرك لوجود آثار الدموع على خديه. صفقَت إيلارا مبتسمة:
"أنت تجيد دور الفارس الشهم يا صغيري.. همم.. ربما عليّ شراء زي فارس صغير، نعم نعم، سيكون ذلك لطيفاً."
امتعض وجهه؛ إنه يتحدث بجدية ويتصرف معها بصرامة، ولكنها تظن أنه يلعب ويمزح معها. تجاهلها واتجه إلى الوسادة الحمراء التي تجلس "رودي" عليها. نهضت إيلارا وقالت:
"سأذهب للسوق الآن، اعتْنِ بهم جيداً. إذا نفدت شرائح اللحم فاطلب من الطباخ المزيد.. أوه، وهناك في الخزانة الكبيرة توجد الكثير من الصناديق التي تحوي طعاماً للقطط."
غادرت وهي تلوح له، بينما كانت تتمنى قضاء المزيد من الوقت معه.
في غرفة الخدم، كانت ساندرا تكنس بهدوء بينما يأكل البقية. دخلت إيلارا وألقت نظرة حولها، وعندما التقت عيناها بعيني ساندرا ابتسمت وذهبت إليها، قالت:
"صباح الخير ساندرا، هل يمكنني أن أطلب منكِ طلباً؟"
"صباح الخير.. لا تترددي أبداً سيدتي."
لقد كانت ساندرا هي أكثر شخص تثق به إيلارا.
"هل تذكرين ذلك الطفل اللطيف الذي أحضرته؟" تنهدت وقد اعتلى الحزن محياها: "إنه يكرهني كثيراً."
وضعت ساندرا يدها على صدرها: "يا إلهي سيدتي! كيف يمكنه أن يكره شخصاً لطيفاً مثلكِ؟"
ضحكت إيلارا بخجل ثم قالت:
"أنتِ تجاملينني.. على أية حال، أريد أن أعرف المزيد عن المشردين، ربما يمكنني التقرب منه."
صمتت ساندرا وهي تفكر؛ كانت سيدتها أميرة مدللة تعيش في القصر منذ نعومة أظافرها، لذلك لم تستغرب جهلها بشيء كهذا، فقالت:
"حسناً، لا تبقي واقفة هكذا سيدتي! تفضلي بالجلوس."
قالتها وهي تركض نحو كرسي قريب وتمسحه بفستانها للتأكد من أن سيدتها ستجلس على مكان يليق بها. جلست إيلارا مقابلة لساندرا، فتابعت الأخيرة:
"المشردون هم الأشخاص الذين لا يملكون منزلاً، ولا مالاً، ولا طعاماً يسد جوعهم.. لا يملكون حتى ما يدثرون به أنفسهم في الشتاء."
اندفعت إيلارا تسأل: "وهل يملكون عائلة؟"
"بعضهم نعم، والكثير منهم لا. قد يكونون يتامى أو عبيداً هاربين.. نعم، العبيد الهاربون يصبحون مشردين غالباً. إذا لم تكوني تعلمين يا سيدتي، فبيع العبيد غير قانوني.. على أية حال، هذا لا يمنع وجود عوائل بينهم."
"إذن.. هل تعتقدين أن الطفل يملك عائلة؟" سألت بصوت منخفض، وكأنها لا تريد سماع شيء يحزنها.
هزت ساندرا كتفيها: "لا أعلم، هل رأيته يذكرهم؟ أو هل رأيته مع شخص ما قبل أن تأخذيه؟"
فكرت إيلارا؛ لم يكن معه أحد بالتأكيد. استرسلت ساندرا:
"إذا كنتِ تريدين التقرب منه فحاولي إعطاءه كل ما فقده، مثل الملابس الجديدة والسرير المريح.. همم.. عامليه بلطف شديد وعانقيه كثيراً، فبعض المشردين يكونون حادي الطباع لأنهم فاقدون للحنان."
ارتسمت ابتسامة على وجه إيلارا، ثم نهضت وعانقت ساندرا بقوة حتى كادت تسقط عن الكرسي. قالت ساندرا وهي تبادلها العناق:
"احذري سيدتي، كدتِ تقعين!"
"شكراً لكِ ساندرا! لا أعرف ما كنت سأفعل بدونكِ. ولكن هل تذهبين للسوق معي؟ لقد قررت أن أجهز له غرفة كبيرة! ستكون مفاجأة رائعة، ما رأيكِ؟"
"بالطبع سيدتي، سيحبكِ بلا شك."
في الجهة الأخرى، كان الطفل يفكر في كيفية الهرب بهذا العدد الكبير من القطط؛ لماذا كان عليها حبس هذا العدد الكبير منهم؟
---
في المساء، فتح الطفل باب الغرفة ونظر من الشق الصغير؛ الممر كان خاوياً، ولا أثر لتلك الساذجة. قرر رسم طريق الخروج أولاً، ثم مسح على رأس قطة أخذها معه، خرج وأغلق الباب.
بعد مدة من السير توقف عندما سمع ضجيجاً يأتي من جهة معينة، فاختبأ خلف الجدار وهو يفكر أي طريق يسلك، ولكن فجأة شعر بشعور مألوف؛ يد دافئة ترفعه عن الأرض. امتعض وجهه قبل أن يراها حتى، قالت:
"لماذا تختبئ هنا يا صغيري؟ لا يجب عليك الاقتراب من هذا المكان."
عانق القطة بقوة أكبر ثم نظر إليها بحدة، ولكنها محت كل تلك الملامح بـ "قبلة" على خده. تصنم الطفل في مكانه وسقطت القطة من يده دون أن يشعر. ضحكت إيلارا عندما رأت تجمده، وعانقته بقوة:
"أنت لطيف للغاية! هل يمكنني أن ألتهم خديك؟"
كان لا يزال تحت تأثير الصدمة؛ لقد قبلته تلك البشرية لتوها، وعانقته دون خوف. كيف تجرأت على لمس آخر سليل من العائلة الحاكمة بلا مبالاة؟ كان يشعر بالغضب، أو ربما كان غضبه مجرد ذريعة يخفي خلفها شعور "الأمان" الذي انتابه نحو بشرية. أدرك الطفل أنه يجب أن يهرب سريعاً، قبل أن تغسل دماغه بالكامل.
كان منغمساً في أفكاره لدرجة أنه لم يدرك أنها أخذته معها إلى غرفة الطعام، وهناك تم إطعامه مجدداً دون أن يملك حق الرفض.
-------
hiam m