الهرب

الهرب

21 0

في غرفتها، استيقظ الطفل مفزوعًا، التفت حوله وراى الشمس تتسلل عبر زجاج النافذة،لم يتذكر مالسحر الذي استخدمته لجعله ينام،ولكنه يشبه ذاك الذي استخدمته في السيارة الفارهة.

رودي كانت تغط في نوم عميق والغرفة كانت فارغة،قطع السكون صوت طرق على الباب، جفل الطفل ثم نهض مسرعًا واختبئ تحت الوسادة،دخلت الخادمة ولم تجده،فنادت عليه ليخرج ويستحم ،قالت ان السيدة تنتظره لتناول الإفطار،لم يجبها،فغادرت وهي تتنهد.

حمل الطفل رودينا بعد أن خرج من مخبأه،قال بهمس:

"هل تريدين ان نهرب اليوم؟ او ربما غدًا.... لا لا، يجب أن نهرب بسرعة قبل أن تفعل تلك المرأة شيئا خطيرًا، كمعانقتي مثلًا"

سرت قشعريرة في جسده،نزل بصعوبة من السرير الذي كان ضعف طوله، ثم حمل القطة للمتشبثة بالسريروهو يقول:"لا تكوني كسولة يا رودي! صدقيني،تلك المرأة تزداد خطورة يوما بعد يوم، كما أنها قوية للغاية وقد تسحقنا في اي لحظة"

"اها...كنت هنا إذن يا سيدي"

التفت بسرعة فسبقت هربه يد الخادمة التي امتدت إليه وحملته برفق:

"سيكون الحمام سريعًا،عن مطيعا،من فضلك"

ثم أخذت منه رودينا ووضعتها على السرير،كان يبكي بصوت مرتفع وهو يرفسها، أخذته للحمام وهي تكاد تبكي،ثم بدأت في خلع ملابسه، وهذا ما زاد من صراخه وبكاءه الحاد، بدآت الخادمة في البكاء كذلك،ولكنها لم تتوقف عن تنظيفه،وعندما انتهت المعركة أخيرًا البسته على عجل وأخذته لغرفة الطعام، لم تسلم من الخدوش في طريقها كذلك،أنه طفل عنيد،مثل السيدة إيلارا تماما.

استقبلته إيلارا بعناق حار وقبلة سمتها قبلة الصباح،ثم أجلسته في مقعده وهمت بإطعامه،ولكنه لم يفتح فمه وكان يجلس عاقدًا ذراعيه بغضب.

قالت:

"ما بك يا صغيري؟ هل حدث شيء سيئ؟"

"نعم! نعم لقد حدث شيء سيء! توقفي عن إهانتي!"

اتكأت وهي تنظر إليه مستمتعة،حتى وجهه الغاضب يبدو لطيفا،قالت:

"إهانتك؟لم أفهم قصدك"

"بلى تفهمين! ولكنك تتظاهرين بأنك حمقاء!"

ابتسمت ولم تقل شيئًا،كانت تفكر في أنه لطيف للغاية،استرسل:

"أنتِ تعلمين منذ البداية أنني ابن الملك ولكنك تتظاهرين بالجهل من أجل إهانتي! أنتم البشر اوغاد،كلكم أوغاد بغيضون! عندما أعود لتارغوس سأخبر ابي وسيقتلكم! وسيقتلكم جميعًا!"

عمت لحظة صمت في القاعة، وضع يده على فمه وهو مصدوم من أنه كشف نفسه بهذه السهولة،لقد كان غاضبًا من الإهانة التي حصلت عندما حممته الخادمة ورأت جسده العاري بأمر منها، وسئم من الضغط النفسي الذي تمارسه عليه.

نظر حوله وقد بدأ وجهه يصفر،كان الخدم ينظرون إليه صامتين،ربما رأى في أعينهم الذعر الذي كان يراه في عيني معلمته وحراس منزله،تثاقلت أنفاسه،ولكن ضحكة قوية قطعت شروده،كانت تلك إيلارا،التي انهارت ضاحكة،احمر وجهها من شدة الضحك،ضربت الطاولة بقبضتها وهي تضغط بيدها الإخرى على بطنها،تصنم في مكانه وهو يتساءل عن السبب الذي يجعلها تضحك هكذا.

امتعض وجهه،كانت تضحك بلا توقف،وكانها سمعت أطرف نكتة في العالم.

قالت وهي تحدث ساندرا التي كانت واقفة خلفها:

"هل سمعتيه؟ لا بد أنك سمعتيه،هئ هئ انتظري لا يمكنني التنفس"

أحضرت ساندرا الماء فشربته إيلارا بسرعة ثم قالت وهي تشير لخادمة:

"اذهبي واشتري من السوق زي تنكري لملك الوحوش،لم أكن أعلم أن طفلي متيّم بهم،اوه ولا تنسي زي الفارس، خذي المال من كبير الخدم"

وقف الطفل على كرسيه وقال:

"مالمضحك في الأمر؟ إنه ليس مضحكا البتّة! لماذا كنتِ تضحكين؟!"

نظرت إليه ثم حملته وعانقته بقوة:

"ربما لأنك بدوت لطيفا.؟في الواقع لا أعلم لماذا ضحكت، ولكن ذلك كان مضحكا"

دفعها دون فائدة:

"توقفي عن السخرية مني"

ابتسمت:

"ولكنني لا أسخر منك يا صغيري، على العكس، أنا أدعم شغفك، سأشتري لك كل شي متعلق بالوحوش، ما رأيك؟همم....كانت هناك مسرحية مشهورة في العاصمة تتحدث عنهم، سأحضر المسؤولين عنها إليك"

كان يرتجف،لا يفهم مالذي تهذي به هذه المجنونة.

انزلق من يدها ثم دخل تحت الطاولة وزحف إلى نهايتها،وعندما خرج وحاول الخدم امساكه اوقفتهم إيلارا ،فخرج الطفل راكضًا في الممرات،ذهب إلى غرفة القطط وهو يلهث،ثم فتح الباب على مصراعيه وقال:

"اسرعو!"

نظرت القطط إليه ثم اتجهو نحوه ،وكأنهم يخبرونه بأنهم سيذهبون معه ولو إلى آخر العالم.

ركض الطفل وكان الخدم يفسحون الطريق له مصدومين من جيش القطط الذي يركض خلفه،ولكن أحدا لم يمنعه،فقد أمرتهم السيدة بتركه يفعل ما يشاء.

لم تمر دقيقتان حتى اصطدم بشخص فسقط أرضًا.

جلس الرجل أمامه وقال:

"أهذا الطفل الذي أحضرته السيدة؟"

أجابه رجل آخر:

"هو هو. لكن كن حذرًا يا مور..."

نظرا إلى جيش القطط الذي توقف عندما سقط الطفل وكأنهم ينتظرون قائدهم ليسيرو خلفه،كتم مور ضحكته.

نظر للطفل وقال:

"ما الذي تفعله هنا يا صغيري؟"

امتلأت عيناه بالدموع.

اقترب منه مور، طويل الشعر، يرتدي نظارات دائرية على عينه اليمنى، يبدو لطيفًا بشكل مريب.

"هل أنت بخير؟ لماذا تبكي؟و...ماذا عن القطط..هل أخرجتهم من الغرفة."

صوته لطيف، لكن الطفل لم يطمئن.

نهض فجأة وصرخ:

"توقّفوا أيها البشر اللعينون!"

تجمّد الرجلان.

هل خرجت تلك الشتيمة من فم هذا الكائن الصغير الذي لا يكاد يتجاوز ركبهم؟

وقبل أن يفكرا في الرد، ركض باكيًا وهو يصرخ:

"لن أسمح لكم بتعذيبي!"

وقف الرجل الآخر ذو الشعر الأشقر الباهت وهو يحاول كتم ضحكة انفجرت في صدره:

"لطيف... هل يمكنني ان اذهب لركله؟"

"بالطبع لا! ستقتلك السيدة" صاح مور

"ما خطبه؟ لماذا يعتقد أننا نعذبه؟"

قال:

"ربما يقصد السيدة،إنها تفتقر للحس،لا بد أنها آذته عن غير قصد"

---

ركض الطفل حتى وصل إلى الباب الرئيسي، كان قصيرًا للغاية لدرجة أن نسختين منه لن تكفيا ليصل الى مقبض الباب ولكنه لم يستسلم، التفت ونظر إلى الأرجاء ثم وجد ما يبحث عنه.

بعد دقائق استطاع الطفل أخيرا ان يضع الكرسي أمام الباب ثم بدأ يتسلقه بأصابعه الصغيرة، لأنه كان محبوسًا لوحده في الملحق فقد اعتاد على ان يعتمد على نفسه ويجد الحلول لكل مشاكله.

قال وهو يحدث القطط:

"لا بأس، لا تقلقو،سأنقذكم"

وأخيرًا، فُتح الباب فنزل الطفل من الكرسي بصعوبة ثم ركض مبتعدًا دون لحظة تفكير، كانت القطط تركض خلفه،صفعت وجهه الرياح الباردة والشمس الدافئة.

قبل أن يختفي الطفل تمامًا في الأفق، مرت ساندرا من الطابق الأول وهي تنادي عليه:

"صغيري، اين انت؟"

لم تحصل على اي اجابة، ولكنها ستجده دون ريب، تصنمت مكانها عندما رأت الباب مفتوحًا وأمامه كرسي، ركضت مسرعة لترى ما يحدث ولصدمتها، كان الطفل الصغير يركض مبتعدًا بأقدامه الهزيلة،وخلفه جيش من القطط.

شهقت:

"يا مصيبتي! سيدتي! لقد خرج الطفل بهذا الجو وملابسه خفيفة!"

رفعت فستانها وركضت نحو غرفة الطعام.

......

"ماذا؟ هرب الطفل؟ إلى أين سيذهب بهذا الجو؟! هل ارتدى حذاءه حتى؟! ساندرا! يجب أن نعيده!"

وقفت ايلارا وهي مذعورة،فقالت ساندرا:

"سيدتي، لا اريد ان اخيب آمالك ولكن....ربما هو...يريد العودة لوالديه"

قبضت ايلارا يديها وهي تكبت دموعها،قالت:

"لا....ولكنه لا يملك والدين"

"لم يقل الطفل هذا، إذا كان متشردًا حقًا...فسيفضل البقاء في قصر على العيش في الشارع"

طأطأت ايلارا رأسها،فنظرت إليها ساندرا بقلق،كانت تخشى ان تحزن،ولكن هذه حقيقة العالم، لا شيء يدوم.

بعد ثوان رفعت رأسها وقالت:

"حسنا، سأتأكد على الاقل من ان يعود إلى والديه سالمًا"

صاحت ساندرا متأثرة:

"سيدتي..! "

"سأذهب بسرعة مع زاك وجايك"

وفي ذهنها قفزت ذكرى ،هذا الصباح، تحدث بينجامين ومور عن حالات اختفاء النبلاء وعامة الناس، لا يوجد بين الضحايا أشياء مشتركة سوى آخر مكان شوهدو فيه،في الأزقة المظلمة لأوركاديا،وبسبب ذلك انتشر الرعب بين المدنيين.

خرجت مسرعة من القصر، كانت سياراتها الفارهة مصطفة أمام المدخل، وعلى أحد الأعمدة وقف الصقر ينتظرها كما لو أنه كان يعرف أنها ستناديه. وما إن رآها حتى فتح جناحيه واقترب منها، فرفعت ذراعها ليستقر عليها بثقة.

"جايك أين هو زاك؟"

قاطعها صوت زئير حاد،التفتت ثم ابتسمت:

"عزيزي زاك! هيا لنذهب معًا ونبحث عنه! كما أنكما لم تعتذرا بشكل لائق عما حدث"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة