أشرقت السماء بنور الصباح، ومع مرور الوقت استطاع الطفل أخيرًا أن يتسلّق السور وينظر إلى الجهة الأخرى. لم يكن مستعدًّا لما شاهده؛ فالأزهار التي تملأ المكان جعلته يقف بلا حراك. كل شيء هناك بدا نظيفًا، حيًّا… ومختلفًا تمامًا عن الجهة التي خرج منها.
لكن أجمل ما وقعت عليه عيناه كان عائلةً تجلس حول طاولة صغيرة يحتسون الشاي. صوت ضحكاتهم امتزج مع الريح وهي تداعب الأشجار، فبدت الصورة وكأنها من عالم لا يعرف القسوة.
تجمّد الطفل وهو يحدّق في الأطباق المليئة بالكعك، ذلك النوع الذي لم يره إلا في الصور. ثم اتجهت عيناه إلى تلك المرأة التي ترتدي فستانًا مرصعًا بالجواهر؛ لم يتبين ملامح وجهها، لكنها كانت تبدو جميلة للغاية. وبجانبها جلس رجل ذو هالة طاغية تجبر أيًّا كان على الخضوع. الأجواء الدافئة جعلته يتأمل المشهد بصمت، وكأن جماله سيفسد إذا فكر في الاقتراب.
ثم، فجأة… تقلّبت الصورة. المسافة بينه وبين الطاولة انكمشت، والضوء انطفأ، والسماء استحالت سواداً. تغيّرت وجوه العائلة، وارتفع حاجبا المرأة، واتجهت أنظارهم جميعاً نحوه بحدة.
"يا له من قذر… رؤيته تذكرني بالبشر!"
"لا أصدق أن هذا ابني… يا إلهي، ماذا فعلت لأستحق هذا؟"
"أيتها الخادمة! احبسيه في الملحق! لا أريد رؤيته!"
شعر الطفل بيد ضخمة تمتد نحوه وتغطي رؤيته، فصرخ:
"لا! أنا لا أشبههم! أنا لا أشبههم!"
استيقظ وهو يلهث.. ذلك الحلم مجددًا…
جلس وهو يرمش محاولًا استيعاب ما حوله. المكان مظلم، لا نافذة فيه إلا فتحة صغيرة يدخل منها خيط رفيع من الضوء. كانت الصناديق متناثرة، وبجانبها تجمع عدد من البشر الهزالى، أجسادهم ترتجف من الجوع والبرد. نظروا إليه للحظة ثم أعادوا وجوههم إلى الأرض، وكأنه غير موجود.
"أين أنا؟"
حاول أن يتذكّر؛ آخر ما يعرفه أنه كان يحاول العودة إلى قصر المرأة الغريبة.. "القطط!"
لم يكن هناك أي أثر لأي قطة، فانقبض قلبه ذعراً. انكمش الطفل على نفسه؛ لم يعرف لماذا، لكن الخوف كان يملأ صدره.
"أنت مخطوف، ألا تستطيع قراءة الوضع؟"
أخيراً أجابه أحدهم؛ كان صوت طفلة، ورغم ارتعاش نبرتها إلا أنها حاولت إظهار الشجاعة. نظر إليها، بدت في العاشرة من عمرها، نظراتها حادة وملابسها مهترئة.
"أولئك المجانين يختطفون الناس… لا نعلم إلى أين يأخذوننا."
"اختطاف…؟"
"نعم، ألا تعرف معنى الاختطاف؟"
"ل… لا! بل أعرفه."
طوت الفتاة ركبتيها إلى صدرها وصمتت، فلم يجرؤ على الحديث مرة أخرى. مضت ساعات، والسيارة الكبيرة تهتز بعنف مما يدل على سلوكهم طريقاً وعرة. غربت الشمس وساد الهدوء المكان، وفجأة، توقفت السيارة.
تطلع الجميع إلى الباب بوجل، منتظرين أن يفتحه خاطفهم ليجهز عليهم. فُتح الباب وبرزت أشجار الغابة الكثيفة، فصرخ رجل يرتدي بدلة:
"اخرجوا! هيا اخرجوا جميعًا!"
اخترق صوته الحاد سكون الغابة، ولم يتحرك أحد من مكانهم. فأخرج الرجل مسدسًا من جيبه وصرخ مجددًا:
"سأعد حتى الرقم عشرة، ومن لا يخرج سأطلق عليه النار!"
ابتعد عن الباب قليلًا ثم باعد شفتيه ليبدأ العد، فخرج المختطفون مسرعين متدافعين لتجنب الموت، بينما ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه الرجل.
لم تكن هناك أي فرصة للهرب؛ المكان كان محاصرًا برجال ملثمين يحملون الأسلحة. الطفل الذي كان مصدومًا مما يحدث، سُحب من يده بقوة من تلك الفتاة وهي تتمتم:
"تحرك أيها الصغير! هل تريد الموت؟"
تجمع الجميع في بقعة واحدة محاصرين. كان الطفلان محاطين بأشخاص طوال القامة، فلم يستطيعا رؤية ما يحدث بوضوح. اخترق السكون صوت رجل يبدو أنه قائدهم وهو يتحدث إلى أحدهم بسؤال:
"هل أنت متأكد من أن الشرطة لن تحضر إلى هنا؟"
أومأ الرجل إيجاباً، فأشار القائد بيده وقال ببرود جليدي:
"ابدأوا عملية الإبادة."
ودون أي مقدمات، تطايرت الرصاصات من كل اتجاه.
شهقت الطفلة ثم أمسكت بكتفي الطفل وهزته بقوة:
"تظاهر بأنك ميت!! إنهم يحاولون إعادة الـ..."
قطعت جملتها بطلقة أردتها أرضاً؛ سقطت واختفت جثة الطفل الصغير تحتها. كان يرتجف والعرق يتصبب من جبينه، ولم يستطع التركيز جيداً بسبب أصوات المسدسات التي تعمل بالأحجار السحرية، بالإضافة إلى صرخات الذعر المدوية. أغمض الطفل عينيه وجملة واحدة تتردد في ذهنه كتعويذة:
"تظاهر بأنك ميت.. تظاهر بأنك ميت."
كانت أجفانه تهتز، وأنفاسه تثاقلت مع كل ثانية تمر في ذلك العذاب. تساقطت الجثث واحدة تلو الأخرى دون رحمة، واستمر الرجال في إطلاق الرصاص وكأنهم يبيدون ذباباً مزعجاً، لا بشراً مثلهم.
توقف إطلاق الرصاص أخيراً. نظر القائد إلى ساعته ثم تفحص الجثث ببرود، وسأل:
"ألم تجدوا أي 'عبد' هنا؟"
"لا يا سيدي،" أجاب رجل يقف بجانبه.
تنهد القائد وأعاد خصلات شعره للخلف ثم قال:
"فتشوا الجثث، لا بد أن بعضهم يتظاهر بالموت."
"أمرك!"
تسارعت نبضات قلب الطفل بوتيرة مجنونة، فقد أيقن أن كشف أمره بات وشيكاً. أصوات اقتراب الخطوات وتقليب الجثث في الجوار زادت من روعه، ثم فجأة تحركت الجثة التي فوقه. وقبل أن يستوعب ما يحدث، رُفع من الأرض بأذرع نحيلة، وعندما فتح عينيه، رأى تلك الفتاة الميتة وهي تحمله وتركض به ،كانت تلهث بشدة.
اتجهت جميع الأنظار نحوهما، وأشار أحد الرجال إليهما وصرخ:
"سيدي! هناك طفلان! إنهما يحاولان الهرب!"
ضرب القائد الأرض بقدمه غاضباً:
"ماذا تنتظرون يا حثالة؟! الحقوا بهما!"
لم يكد الطفل يدرك كيف حصل ذلك؛ كيف تركض هذه الفتاة بحيوية رغم أنها كانت جثة هامدة قبل قليل؟ ظن أنه جُنّ أخيراً، لكن أنفاسها الساخنة التي كانت تضرب عنقه كانت واقعية لدرجة لا تقبل الشك.
نظر خلفهما، كان الرجال يطاردونهما، لكن أحداً منهم لم يستخدم سلاحه. وعندما توغلت الفتاة بين الأشجار الكثيفة، أصبحت تحركات الرجال أبطأ، بينما زادت هي من سرعتها، وكأنها دخلت ميدانها الذي تثق به.
تعالت أصوات الرجال: "إنهما سريعان للغاية! تبّاً!"
ارتسمت ابتسامة ساخرة لا تناسب الموقف على وجه الفتاة، وصرخت للطفل: "سننجو أيها الصغير!"
ارتبك، ثم شد قبضته على قميصها المهترئ كأنه يتشبث بآخر خيط للنجاة. بدأ الرجال يبتعدون بالفعل، فارتسمت ابتسامة خافتة على وجهه؛ سينجو، لن يموت اليوم.
بعد عدة دقائق، توقفت الفتاة دون أن يظهر عليها أي أثر للتعب، ثم نظرت خلفها لتتأكد من خلو المكان. اختبأت خلف صخرة وتنهدت، ثم وضعت الطفل على الأرض وقالت:
"لنجلس قليلاً، بصراحة أنا أخاف من الظلام."
لم يجبها الطفل، بل نظر إليها بعينين حذرتين؛ فلا يمكنه الثقة بالبشر بعد. نقرت الفتاة على جبينه قائلة:
"ما هذا التعبير الحذر؟ لقد أنقذتك للتو."
قبض يده وقال متسائلاً: "لماذا؟"
أجابت دون تفكير: "لأنك مخلوق سحري مثلي! هل يحتاج إنقاذك إلى تفكير مرتين؟"
تجمد الدم في عروقه؛ كيف عرفت هويته؟ وماذا قصدت بقولها إنها مثله؟ لقد كان متأكداً أنه الوحيد الذي يتخذ هيئة بشرية رغم كونه مخلوقًا سحريًا.
لاحظت الفتاة ذهوله فقالت: "لا تصدقني؟ لو كنت أملك قوة سحرية الآن لصنعت لك كرة سحرية جميلة! همم... انتظر، ربما أملك القليل."
رفعت يدها وصنعت كرة سحرية حقيقية، ورغم أنها كانت بحجم حبة اللوز واختفت بسرعة، إلا أنها كانت حقيقة لا غبار عليها. تلاشى حذر الطفل وتحول إلى حماس:
"أنتِ... أنتِ تشبهين البشر.. مثلي!"
شعر بالإنتماء الحقيقي لأول مرة منذ ولادته. ابتسمت الفتاة وقالت: "أعلم، هذا محزن."
اختفت ابتسامته وهو يراقبها وهي تنظر ليدها قائلة:
"جسد البشر مقزز،إنه مقزز للغاية"
عمّ صمت طويل، ثم نهضت الفتاة وجلبت ثمرة كانت قد سقطت من شجرة سابقاً، جلست بجانبه وقسمتها نصفين وأعطته أحدهما. لم يكن الصمت مخيفاً هذه المرة، بل كان مريحاً.
بعد دقائق، سأل الطفل مجدداً: "كيف عرفتِ أنني مخلوق سحري؟"
نظرت إليه وهي تمسح على رأسه: "أنت تسأل كثيراً، كنت سأخبرك لكن هذا سر."
شعر بخيبة أمل، لكنه واصل: "إذن سؤال آخر.. هل تعرفين طريقة للعودة إلى مملكة الوحوش؟"
ضاقت عيناها باستغراب: "طريقة للعودة؟ لا تحلم بذلك حتى، لقد أُغلقت جميع البوابات، ولا أعلم إن كانت ستفتح مجدداً."
نهضت ومدت يدها له: "نتابع السير؟"
غرق الطفل في حزنه بعد ذلك الخبر الصاعق، لكنه أمسك بيدها ونهض. كانت يده ضئيلة جداً مقارنة بيدها، فابتسمت وحملته قائلة:
"انتظر أيها الصغير، أرجلك قصيرة جداً ولن تستطيع مجاراتي."
احمر وجهه خجلاً وسأل بتلعثم: "إلى أين سنذهب؟"
نظرت أمامها وقالت بصوت مكسور: "إلى مكان بعيد، دعنا نهرب فحسب، لم أعد أطيق العيش هنا."
سارت به لوقت طويل؛ كانت قدراتها الجسدية غير عادية فلم تشعر بالتعب. تساءل الطفل بصمت إلى متى سيستمرون في السير، لكن غلبه النعاس وغط في نوم عميق بين ذراعيها.
ربتت على رأسه، وبعد مدة توقفت أمام حطام قرية مهجورة. كان المكان مخيفاً، لكن ليس بالنسبة لها. اختارت أحد البيوت للبقاء فيه، وهي تعلم أن رحلتها قد لا تدوم، وقد تفترق عن هذا الطفل بسرعة كما حدث مع من سبقوه. أمسكت يده الصغيرة بحنان، وتنهدت.
..........
hiam m