زيارة غير متوقعة

زيارة غير متوقعة

19 0

كانت إيلارا لا تزال تبحث عن طفلها والقلق يكاد ينهش قلبها. سألت أكثر من شخص، وتعرضت للتجاهل مراراً، فقد كان الناس يهربون من طريقها دون أن تدرك أن "زاك" كان السبب في ذعرهم. وبعد وقت طويل من البحث المضني، جلست إيلارا على مقعد وهي محبطة للغاية؛ كان "جايك" يمسح الأرض بعينيه من السماء، ولم تكن متأكدة من قدرته على الرؤية في هذا الليل الدامس، أما "زاك" فلم يهدأ، بل أخذ يدور في المكان وهي تراقبه بصمت وجل.

تساءلت في نفسها: هل يعقل أنه عاد بالفعل إلى والديه؟ ربما كان يراها مجرد امرأة مجنونة اختطفته ثم بدأت تعامله بلطف مريب.. فكرت أنه إذا كان قد عاد لحضن عائلته، فلا حق لها في الركض خلفه، وعليها أن تتركه يعيش حياته.

قطعت حبل أفكارها رؤية الأسد وهو يعود نحوها، وبين أنيابه قطة ترتجف من البرد. نهضت إيلارا بفزع وأمسكت بالقطة:

"يا إلهي! إنها إحدى قططي! زاك! أين وجدتها؟ خذني إلى هناك حالاً!"

ركضت مسرعة خلف زاك، بينما خبأت القطة المسكينة داخل وشاحها لتمنحها الدفء، وكان خاتمها الأحمر يهتز ويتوهج بومضات متقطعة، لكنها لم تدرك ذلك من فرط انفعالها.

عندما وصلت إلى الوجهة، تسمرت في مكانها مصدومة؛ كانت القطط كلها ملقاة على الأرض ترتجف من صقيع الجو. اعتصر قلب إيلارا وخُيّل إليها أسوأ سيناريو لمصير الطفل المفقود. ركضت تجمع القطط في مكان واحد، ثم خلعت معطفها ودثرتها به جميعاً، وهي تتنهد بقلق؛ فوجود القطط وحيدة دونه ضاعف من مخاوفها.

ربتت على ظهر زاك وهي تتلفت حولها، ثم توقفت يدها بغتة حين رأت بقعة دماء صغيرة فوق الثلج.. لكن تلك البقعة ما لبثت أن اختفت تحت الثلوج المتساقطة بغزارة. كان ذلك نذيراً لشيء شنيع، وشعرت لثانية أنها قد تكون السبب في موت طفل بريء.

قررت الاتصال بمساعدها ليحضر المساعدة، فلن تستطيع إنقاذ هذا العدد من القطط وحدها بينما تواصل البحث. رفعت يدها، وقبل أن تلمس خاتمها رأته يتوهج بشدة؛ مسحت عليه فظهرت شاشة زرقاء شفافة تراءى فيها وجه "بينجامين". بادرت بالحديث:

"بينجامين! كنت سأتصل بك! يجب أن..."

قاطعها بنبرة حادة غاضبة:

"هل خرجتِ وحدكِ دون حرس؟! ربما نسيتِ ذلك يا سيدتي، لكنكِ نبيلة وهذا يجعلكِ عرضة للخطر! كما أن الشوارع ليست آمنة!"

"اهدأ أولاً، يمكنك توبيخي لاحقاً، لكن الطفل..."

"لا وقت لدي لهذا الهراء، لم أتصل لأسمع حديثكِ عن قططكِ أو طفلكِ الأحمق.. ولي العهد هنا، إنه ينتظركِ في غرفة الضيوف."

انقلبت ملامحها في ثانية؛ اتسعت حدقتاها وسرت رعشة باردة في جسدها:

"أ... أخي؟ لماذا؟"

هز كتفيه بلا مبالاة: "لا أعلم، ربما يريد التحدث بشأن الصفقة."

تلاشت الشاشة الزرقاء، وسقطت يد إيلارا بجانبها. وقفت ساكنة لعدة دقائق وكأن الزمن توقف بها، قبل أن تتحرك أخيراً وهي تحمل جيش القطط المختبئة داخل كنزتها. كان صوتها بارداً ومهزوماً وهي تقول:

"لنعد... للمنزل يا زاك."

ثم خطت فوق الثلج بخطوات وئيدة وثقيلة، وكأنها تُساق إلى أرض المذبحة وقد فقدت كل رغبة في النجاة.

في وقت سابق

سارت السيارة تشقّ طرقات "أوركاديا" بسرعة، والأضواء الباهتة تعكس على زجاجها لمعاناً بارداً. كلما اقتربت من سوق المدينة، ازداد الهواء ثقلاً؛ فهذا المكان هو قلب الفوضى الذي تنتشر فيه حالات الاختفاء، وقد فرغت الشوارع بسبب الرعب الذي اجتاح المدنيين.

أغلق الرجل ذو الشعر البني ستارة النافذة، ثم نظر للسائق ببرود قائلاً:

"أسرع أيها الوغد، يجب أن أرى أختي سريعاً."

كان السائق عبارة عن كتلة من الجليد، لم يهتز لسباب سيده، بل قال بنبرة عملية: "أمرك سيدي."

تنهد الرجل واتكأ على المقعد؛ لا يعلم لماذا هو مضطر للعيش في عالم مليء بالحمقى. وبعد وقت ليس بطويل، توقفت السيارة أمام قصر كبير. نزل الرجل وعدل قبعته ثم اقترب من البوابة وطرق الباب؛ كان حراسه وخدمه قد وصلوا في سيارة أخرى خلفه مباشرة، يقفون كالتماثيل، وجوه بلا تعابير وقامات مستقيمة، كما يجب أن يكون الخادم تماماً.

لم يُفتح الباب إلا بعد عشر دقائق، وكانت تلك "ساندرا" التي شهقت ثم جثت على الأرض وهي تعتذر برعب:

"سموك!! نحن... نحن لم نكن نعلم بقدومك!"

لم تتغير تعابيره الباردة قيد أنملة؛ خطا للأمام وداس على يدها بحذائه الذي يساوي راتب سنة كاملة بالنسبة لخادم عادي مثلها، وقال ببرود وهو يتجاوزها:

"لا يهم، أنا من أتيت دون موعد."

بمجرد أن تجاوزها، رفعت يدها المحمرة وهي تحاول كتم صرخة ألمها. دخل خدمه خلفه، بينما التفت هو ونظر إليها وسأل:

"أين إيلا؟"

كان صوته خالياً من أي دفء، بارداً وحاداً كالنصل. لم تجرؤ ساندرا على النهوض بعد، فقالت بتلعثم: "إنها.. إنها.."

انعقد لسانها؛ لم تكن متأكدة مما سيفعله إذا أخبرته بأنها خرجت للبحث عن طفل مشرد وانها تفكر في تبنيه. ما شجعها على الحديث كان صوته الذي بدأ ينذر بالغضب:

"هل يعقل أنها صماء أيها الكلب؟ اقطع لسانها، ربما ستستطيع النطق بعدها."

كان يشير لفارسه بذلك اللقب المهين. تقدم الفارس دون أن يرفع رأسه وأمسك بمقبض سيفه، فصاحت ساندرا بذعر:

"سيدتي قد غادرت قبل وقت طويل!"

تنهد الرجل ثم قال:

"اتركها"

ثم سار بضع خطوات للأمام وتبع خلفه خدمه بنفس التعابير الجامدة. وبعد دقائق، وصل إلى مكتب إيلارا وفتح الباب بقوة. انتفض "بنجامين" بمجرد أن رأى سيده، ثم انحنى فوراً بتلعثم:

"سمو ولي العهد! لم... أكن أعلم أنك قادم! أعذرني على هذا الاستقبال المزري."

لوح بيده ببرود ثم وقف أمام مكتب إيلارا المهجور؛ كان وجودها هنا مجرد إجراء شكلي، فإيلارا لا تعمل حقاً وتمضي يومها في اللعب.

"إذن...."

اخترق ولي العهد الصمت، ثم نظر إلى بنجامين ببرود وسأل:

"إلى أين ذهبت أختي الحبيبة في هذه الليلة الباردة؟"

ارتجفت يد بنجامين بشكل واضح، واصفر وجهه وقبض على قبضة يده وهو يحدث نفسه: "متى خرجت تلك المرأة؟! لماذا لم يخبرني أحد؟"

عندما رأى ولي العهد هذا الصمت، اقترب من بنجامين بنظرة كفيلة بقتله وقال:

"ألم أكلفك بمراقبة تحركاتها؟"

هز بنجامين رأسه وهو مذعور: "لقد خرجت دون أن تبلغني!"

زادت برودة صوته مما جعل بنجامين يشعر باقتراب نهايته: "أتعني أنها هي المخطئة؟ هل تلقي باللوم على ابنة الملك؟"

"ل... لا... أنا أقصد..."

لم يستطع تكوين جملة صحيحة بسبب الضغط الرهيب. قاطعه ولي العهد وهو يضحك ويربت على كتفه:

"ما بال تعابير وجهك هذه؟ أنا أمازحك!"

لم يستطع بنجامين سوى رسم ابتسامة مرتعبة، مطلقاً ضحكة أقرب إلى التنهيدة. لم يكن ولي العهد ينوي قتله بعد، لأنه ينتمي لأسرة نبيلة ووالده يدعم فصيله السياسي. تمسك بتلك الفكرة على أمل ألا تقطع عنقه تلك اليد التي تربت على كتفه.

قال ولي العهد: "أعلم أن لها طبعاً مندفعاً وعنيداً، لا بأس بذلك.. سأنتظرها في غرفة الضيوف، اتصل بها يا صديقي 'بين'، أخبرها بأن أختها العزيز ينتظرها"

ثم سار بخطوات بطيئة نحو الخارج. بمجرد مغادرته، سقط بنجامين على الأرض وهو يضع يده على عنقه، ثم رفع يده المرتجفة ومسح على خاتمه.

خارج المكتب، كان الجو مشحوناً؛ الخدم يركضون بلا توقف في الممرات، وولي العهد يسير نحو غرفة الضيوف وعيناه تتفحصان كل تفصيل في قصر أخته. لم يعجبه أي خادم هنا، فكلهم بعيدون عن الصورة المثالية للخادم، لكنها تقول بسذاجة إنها تحبهم.

توقفت قدماه عند غرفة بابها شبه مفتوح؛ اعتاد كونها فارغة، لكنه لمح من الشق الصغير سريراً، ففتح الباب ورأى غرفة أطفال. بدت غرفة فتى نظراً لخلوها من مبالغات الدمى التي تميز غرف الفتيات.

كانت هناك خادمة تتجول عيناها في أرجاء الغرفة وفي يدها مزهرية، محتارة في أفضل مكان لوضعها دون أن تُكسر، وأخيراً اهتدت لوضعها فوق الطاولة التي تتوسط الغرفة. التفتت لتغادر، لكنها صُدمت برؤية ولي العهد يقف أمامها عاقداً ذراعيه.

انحنت بسرعة وهي ترتجف، فتحدث هو أولاً:

"لمن هذه الغرفة؟"

تلعثمت الخادمة وهي تقول: "إنها... إنها لطفل السيدة."

اتسعت عيناه بشكل طفيف، ثم أطلق ضحكة ساخرة:

"طفلها؟"

لم تستوعب الخادمة ما قالته إلا عندما رأت ظهره وهو يغادر، فوضعت يدها على فمها برعب: "لم أقصد.... طفلها بالمعنى الحرفي.."

لكنها لم تجرؤ على قول ذلك بصوت مسموع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة