الوجبة الأولى

الوجبة الأولى

24 0

في غرفة النوم، جلست إيلارا على الأرض ووضعت قطعة كعك صغيرة أمام السرير:

"أحضرت لك كعكة، أنت تحب الكعك، أليس كذلك؟"

لا إجابة، فاسترسلت: "هيا... اخرج. لقد مرت ثلاث ساعات."

لكنه لم يتحرك، تمسّك الطفل بالصمت بكل قوته. كيف تجرؤ هذه البشرية على إذلاله بحيواناتها المفترسة؟ لقد كانت تخطط لذلك منذ البداية، فما كان منه إلا أن يزيد قهراً على قهره.

شهق وبكى، لم يبكِ في الملحق قط، لكنها جعلته يبكي بسهولة، كأنها تستخدم سحراً خاصاً يغير قواعد الجميع.

"ألن تخرج؟ حسنًا... سآكل الكعك."

ثم سمع صوتها وهي تمضع الكعك وتصدر أصواتاً راضية عن طعمه؛ فكر في أنها طفولية للغاية. بمجرد أن أغلقت الباب بشكل جزئي، خرج الطفل من تحت السرير بخفة متجهاً نحو الباب، لم يفكر في أي خطة، كان يرتعش كلما تذكر الموقف، وبمجرد أن فتح الباب وهمّ بالركض، أحاطت يد دافئة بخصره ورفعته عن الأرض. التفت وهو ينظر إليها بحدة، فابتسمت وقالت:

"أمسكتك أيها المشاغب! أخبرني، هل أنت غاضب؟"

لم يأتها أي جواب، لكنها لم تكن تنتظر جواباً؛ حملته بذراع واحدة ثم قرصت خده:

"لطيف، لطيف للغاية! هل تريد أن تأكل؟ أنت جائع أليس كذلك؟"

التفتت وتحدثت إلى الخادمة التي كانت تكنس: "جوانا، أخبري الطاهي بتحضير صحن إضافي، مع الكثير من الحلوى."

"أمرك سيدتي."

---

بعد دقائق، كان الطعام قد أُعدّ. أبت تلك المرأة التي اتضح له لاحقاً أنها تدعى إيلارا أن تجلسه على كرسي منفصل؛ وضعته فوق فخذها، ثم دخل الخدم وبدأوا في وضع الصحون على الطاولة. دفعها الطفل بذراعيه الصغيرتين ونجح في الإفلات منها، وكان على وشك الخروج من الغرفة لولا أن إحدى الخادمات رفعته وأعادته إليها. رمقها بحدة فابتسمت، ثم أشارت للخادمة بأن تضعه في المقعد المجاور.

جلس وهو ينظر حوله، كان الهرب مستحيلاً في الوقت الحالي بسبب تكدس الخدم عند الباب، فقرر التظاهر بالطاعة، بينما كانت إيلارا متكئة على مرفقها مبتسمة؛ هذا الطفل ألطف من كل حيواناتها. لم يخطر على بالها أن تتساءل عن السبب الذي جعله يركض نحو الباب، ربما كان يريد اللعب؟ في المرة القادمة ستتأكد من الركض خلفه، إنها بارعة في لعبة المطاردة.

نظر الطفل إلى الطعام في صحنه، و ألقى بنظرة سريعة عليها؛ كانت لا تزال تبتسم، وعندما التقت نظراتهما أخذت بصحنه وملعقته، ثم رفعت لقمة صغيرة وقالت:

"قل آاه."

كانت هذه إهانة أخرى، وقد كان مضطراً لتقبلها. نظر إلى وجهها الساذج ثم فتح فمه وابتلع اللقمة بطاعة، وهذا ما شجعها على إطعامه المزيد.

_____

بعد تناول الطعام، حملته إيلارا ثم خرجت من الغرفة، سألته وهما يسيران:

"هل كان الطعام لذيذاً؟"

لم يكن يريد الاعتراف بذلك، ولكنه كان لذيذاً حقاً. قالت المرأة عندما رأت صمته:

"لا بد أنك لا تزال غاضباً بسبب زاك وجايك، لا تحزن يا صغيري، سأعوضك برؤية شيء ألطف."

قبل أن تُتاح له الفرصة ليفكر في نواياها، فتحت الباب الذي كان على يسارها، فتفاجأ بذلك المنظر؛ الكثير والكثير من القطط تقفز في أرجاء الغرفة، وكادت إحداها تهرب لولا أنها دخلت وأغلقت الباب بسرعة، قالت بابتسامة:

"هل ترى ذلك؟ أليسوا لطفاء؟!"

ثم تقدمت بضع خطوات حتى وصلت إلى قطة بيضاء مستلقية على وسادة حمراء فاخرة وهي تتمدد بكسل، جلست إيلارا وقالت:

"هذه رودينا، أحب مناداتها بـ (رودي)، إنها ألطف قطة أمتلكها."

وضعته أمام القطة، وأمسكت بيده الصغيرة بأصبعين ثم وضعتها على فراء "رودي" الكثيف. اتسعت عينا الطفل وسرت رعشة في أنحاء جسده؛ توغلت يده دون وعي منه في فراء القطة، كان شعوراً جيداً وغير مألوف.

ضحكت إيلارا وهي ترى تغير تعابيره الحذرة ثم قرصت خده:

"ولكنك ألطف منها بكثيـ..."

فتح الباب على حين غرة، وقطع مواء القطط صوتُ رجلٍ يصرخ:

"سيدتي! ما الذي فعلتهِ؟!"

كان رجلاً بشعر بني طويل وعينين أرهقهما العمل. التفتت إليه إيلارا ثم ابتلعت ريقها وتظاهرت بأن كل شيء على ما يرام، قالت:

"ما بك تصرخ هكذا؟"

"أتسألين؟! لماذا توجد هذه الورقة فوق مكتبكِ؟"

ورفع الورقة التي تحتوي على العقد الذي أبرمته مع كراون.

نهضت، وقالت للطفل وهي تتجه نحو الباب:

"سيجري الكبار حديثاً صغيراً، انتظر هنا."

ثم خرجت وأغلقت الباب. التفت الطفل ونظر إلى "رودينا"؛ إنها قطة مسكينة، لا بد أنه قد تم حبسها مثله، وقد فقدت الأمل لدرجة أنها لا تنهض من وسادتها. حملها برفق بين ذراعيه، كانت ثقيلة ولكنه استطاع حملها، ثم بدأ يربت على ظهرها وهو يفكر في الهرب معها.. نظر حوله، ربما مع كل القطط أيضاً.

في الخارج، كان مساعد إيلارا غاضباً بحق، فقد قامت هذه الحمقاء بصفقة مربحة للطرف الآخر بشكل صارخ دون أن يكون المقابل كبيراً. أشار للورقة وهو يقول بغضب:

"40% من أرباح المنجم! هذا جنون! سيفقد ولي العهد صوابه عندما يسمع بهذا! آه، لا أصدق أنني سأتعرض للتوبيخ بسبب تافه كهذا!"

قالها وهو يجر شعره، فقالت إيلارا وهي تهدئه:

"لا تقلق، لن يغضب أخي، لقد أخبرني أنه يمكنني فعل ما أشاء طالما أنني لا أعصي أوامره."

"هذا شيء مختلف تماماً! المناجم هي أكثر شيء يخاف ولي العهد عليه، سيقتلكِ.. لا، سيقتلنا! يجب أن تذهبي الآن وتقنعي كراون بإلغاء الصفقة."

"لا يمكن."

"هاه؟"

"لا يمكن، لقد وصل المرتزقة الذين يتبعونه إلى القافلة الشرقية بالفعل."

سقطت الورقة من يده: "لماذا.. لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا قمتِ بالصفقة في المقام الأول دون استشارتي؟"

لعبت بأصابعها بتوتر ثم قالت:

"أنت تفعل الكثير من أجلي، لذلك فكرت في رد الدين لك؛ لأنني رأيت ما آلت إليه حالك بعد أن سمعت بأن القافلة قد لا تكون بخير، قررت عقد تلك الصفقة. أليس ذلك جيداً؟ ستكون القافلة بأمان الآن."

لم يقل شيئاً، لقد طفح كيله منها بالفعل؛ إنها حمقاء بشكل مثير للشفقة. كان يشفق عليها ولكنه أصبح يتمنى قتلها الآن. تنهد تنهيدة ثقيلة ثم حمل الورقة والتفت مغادراً. تساءلت في نفسها عن السبب الذي جعله غاضباً هكذا.. ألم تحل مشكلته بالفعل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة