ازدادت الرياح حدّة، تضرب الأشجار مثل سوطٍ بارد.
ورغم أن الجو لم يكن سيئًا كما قبل اسبوع، إلا أن الطفل الحافي ذو الملابس الخفيفة ،والذي خرج من قصر يملئه الدفء لم يستطع احتمال برودته.
استمر يمشي دقائق إضافية قبل أن يفقد توازنه ويسقط في كومة من الثلج،اجتمعت القطط حوله،نظر إلى القطة التي اسماها كيتي والتي كانت تلعق وجهه، ثم نهض وعانقها بقوة.
عندها،سمع صوت محرك سيارة يقترب، فقفز من مكانه وجمع القطط واختبئ خلف احد البنايات،وكما توقع،كانت تلك سيارة المرأة المجنونة،التي تجاوزته دون أن تنتبه لوجوده،تنفس بارتياح،ثم تقدم خطوة للأمام وتوقف حينها وقد أدركته فكرة مؤلمة،إلى أين سيذهب الآن؟
في الأيام السابقة لم يكن يفكر سوى في الهرب، لدرجة انه لم يفكر إلى أين سيذهب،هل يعود لذلك الزقاق الذي كاد يموت فيه؟
قاطع تفكيره صوت القطط وهي تنظر إليه بقلق، نظر إليهم ثم قرر أن يكون حازمًا،تنهد وقال:
"لنذهب"
ثم سار للامام،لم يكن متأكدًا مما إذا كان سيصل للمدينة،ولكنه سيحاول،لأنه يريد أن يعيش لفترة أطول قليلًا.
مرت نصف ساعة، وصل الطفل اخيرا لبوابة المدينة، التي كتب عليها بخط كبير"اوركاديا".
كان يتعثر وهو يسير،بينما يعناق كيتي النحيلة التي بدأ البرد ينخر عظامها، كانت القطط الأخرى تموء بضعف،وكأن تلك الرحلة أنهكتهم جميعًا،سقط الطفل فوق الثلج،فخرجت كيتي من بين ذراعيه وعادت تلعق وجهه مجددًا.
الناس مرّوا بقربه لكن لم يلتفت أحد، ملابسه هذه المرة لم تكن ملابس متشرّد، ومع ذلك، لم يهتم أحد، فقد يكون لصًا يتظاهر بأنه مثير للشفقة ليسرق منهم ويهرب.
*والآن... كيف سأعود إلى الزقاق؟*
نهض وهو يرتجف، واستأنف السير، كان عليه أن يصل إلى الزقاق، الزقاق الذي عاش فيه أسبوعًا كاملًا يصارع المرض والبرد.
مضت ساعة كاملة من المشي المضني، وهو مقتنع أنه قريب... لكنه لم يجده.
استدار مرارًا، لا أثر للمكان، ولا رائحة الكعك التي كانت تنتشر دائمًا من المخبز الشهير.
عاتق الطفل كيتي وخبأها تحت ملابسه وهمس:
"لا بأس يا صغيرتي، سنعود للزقاق،ثم سيأتي شخص ما ويعيدني للمنزل، أنا أعيش هناك وحيدًا،سأكون سعيدًا إن اتيتم جميعا معي"
وفجأة-
"ابتعد أيها الطفل!"
صرخة رجل من خلفه جعلته يبتعد غريزيًّا، لكن الأوان كان قد فات، اندفع الرجل بقوة واصطدم به فوقع الطفل داخل أحد الأزقة المظلمة.
"عُد إلى هنا أيها اللص!"
كان الرجل الذي دفعه لصًا، ركض دون أن يلتفت حتى حين صرخ عليه رجل الأمن، وبمجرد اختفائهما عاد الهدوء للمكان.
نهض الطفل، نفض الثلج الممزوج بالتراب، ثم التفت، الزقاق المظلم أعاد إليه كل الذكريات.
والرائحة-رائحة الكعك الساخن-تدفقت من نهايته.
لم يتردد.
سار ببطء داخل الظلام، وكأن الرائحة تمسك بيده وتجرّه.
وعندما وصل الى وجهته، اصبحت رائحة الكعك أقوى وعادت ذكريات المكان، الإضاءة المعطلة التي كانت أمام الزقاق والرجل الذي يجلس على الكرسي تحتها وهو يقرأ الجريدة، كل شيء كما كان، لم يتغير اي شيء سواه هو.
لقد وجد المكان أخيرًا... لكنه لا يزال محتارًا، جلس على الأرض ثم استوعب انه يشعر بالجوع، لم يتناول إفطاره اليوم.
مر الوقت، سقطت إحدى القطط في مكانها ،لم يعلم الطفل إن كانت حية أم ميتة،ولم يملك بيده أي شيء لفعله،ربما كان إخراج القطط قرارًا غير صائب ،كان من الأفضل لو أمّن مكانًا لهم ثم عاد لخطفهم، بدأ يقين الطفل يتزعزع.
هل سيهتم أهل بلده بإعادته؟
إن كانوا يهتمون... لماذا تركوه أسبوعًا كاملًا يتجمد ويمرض وحده؟
هل ينتظرهم؟
أم يشق طريقه وحده؟
ثم خطر بباله شيء آخر، سؤال بدأ شاذًا بالنسبة له.
ماذا لو عاد إلى قصر المرأة الغريبة؟
هو دافئ... أكثر دفئًا من الملحق... وأكثر دفئًا من هذا الزقاق الأسود.
البشر غدّارون ومخادعون،وهم أول عدو للمخلوقات السحرية.
لكنهم لا يعرفون أنه ليس بشريًا.
لا أحد يعرف أنه من المخلوقات السحرية، وهيئته البشرية تخدع الجميع دائمًا.
*إن ظنّوني بشريًا... لن يكرهوني ويتنمرو علي. أليس كذلك؟*
هز رأسه بقوة وهو يطرد هذه الأفكار المشئومة:
*لا، البشر هم العدو، لن ارتاح لهم*
ولكن بالتفكير في الأمر،
لقد اعتذرت المرأة منه وحاولت مراضاته عندما اخافته حيوانتها، هي..لم تكن تحاول خداعه، كانت تعتذر بصدق حقًا، حتى أنها احضرت له الكعك الذي لم يذقه في حياته وكان يشاهده من بعيد فقط،عانقته رغم قذارته،وسمحت له بالنوم في غرفة دافئة، هي لم تقصد التنمر عليه، لو عاش بينهم كبشر... ربما لن يفقد أي شيء.
ربت على ظهر كيتي التي بدأت تشعر يالدفء قليلًا،ثم قال:
"هل أعود؟"
استمر في الحديث مع نفسه:
"ولكن....انا خائف للغاية، اخاف من أن أحبهم، أبي كان يكرههم، ويكرهني لأنني اشبههم، هل تعتقدين بأنه سيقتلني إن علم بأنني أعيش سعيدًا معهم؟"
"ابي....أليس ميتًا؟ ولكن هذا لا يبرر فعلي! لن أعود إلى هناك مطلقًا! أنا آخر سليل للعائلة ويجب أن أعيد مجدنا!"
ثم عمت لحظة صمت،خبا الطفل اقدامه المحمرة في ملابسه،ثم وضع جبينه على ركبتيه وأذناه تلتقطان كل الأصوات التي حوله، رغم أنه لم يركز مع أي منها،كان تفكيره منصبًا على تلك المجنونة، ولماذا كانت بهذا اللطف مع طفل لا تعرفه.
إنها حمقاء للغاية،فكر الطفل ثم أغمض عينيه،ربما لو عاد إلى هناك سيستغلها، رفع رأسه وكأنه حصل على جواب اسئلته،نعم ،يجب أن يعود!
سيستغل سذاجتها ويعيش هناك حتى يحصل على القوة لإعادة مملكته! لن يضطر للموت في هذا الزقاق!
"والآن...كيف سأعود؟"
لكن الحياة لا تسير كما نريد.
خرج رجل من خلف الطفل، مغطى بالسواد من رأسه إلى قدميه.
رفع يده، وبضربة واحدة ارتطم شيءٌ قاسٍ برأسه.
انفجرت رؤيته إلى نورٍ أبيض ثم أسود.
سقط أرضًا دون صوت.
اجتمعت القطط حول الرجل وهم يحاولون عضه،ولكنه ركلهم جميعا.
"لقد بالغتَ قليلًا."
ردّ الآخر بصوت خشن:
"حقًا؟ لا أعتقد أنه سيموت من هذه الضربة. كف عن الكلام وساعدني على حمله إلى السيارة."
كان هذا آخر ما سمعه قبل أن يبتلع الظلام كل شيء.
hiam m