عقاب

عقاب

16 0

أمام بوابة القصر، وقفت إيلارا وبجانبها زاك. ربتت عليه ثم قبلت رأسه وقالت:

"عد إلى مكانك، لقد سعدتُ برؤيتك اليوم."

ثم استقامت واقتربت من الباب، رفعت يدها المرتجفة وبدأت تطرقه. فُتح الباب لتطل "ساندرا" بملامح يكسوها الحزن، قالت بصوت خفيض: "سيدتي..."

دخلت إيلارا بهدوء، وسلمتها معطفها الممتلئ بالقطط وهي تقول: "لا حاجة للحديث الآن يا ساندرا.. هل لا يزال في غرفة الضيوف؟"

أومأت ساندرا بقلة حيلة، فتقدمت إيلارا بخطى حذرة. كان الخدم هادئين للغاية، هدوءاً مريباً ذكرها بحضوره الطاغي الذي يجعل الأنفاس تتجمد في الصدور. وعندما وصلت إلى غرفة الضيوف، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الباب بتوتر وهي ترسم ابتسامة تنافي ذعرها تماماً:

"أخي!! أنت هنا حقاً!"

ركضت نحوه وعانقته؛ كان يحتسي الشاي، فوضعه بهدوء وبادلها العناق، ثم أجلسها بجواره وقال مبتسماً: "هل اشتقتِ إليّ إلى هذه الدرجة؟"

أومأت بحماس زائف: "بالتأكيد! كنت أفكر فيك كل يوم، وأنتظرك بفارغ الصبر."

تلاشت ابتسامته الدافئة المصطنعة، وحلت محلها ابتسامة هادئة لكنها تحمل مسحة من الجنون. وضع خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم قال بصوت بارد جعل القشعريرة تسري في أجساد الخدم:

"هممم.. لا بد أنكِ كنتِ تفكرين فيّ طوال الوقت، لدرجة أنكِ لم تجدي وقتاً كافياً لإرسال رسالة واحدة إليّ."

صمتت إيلارا كمن كُشفت كذبتها، ولم تتجرأ على رفع عينيها إليه، فقالت وهي تتصنع رباطة الجأش: "لقد.. كنت غاضبة لأنك لم ترد على رسالتي الأخيرة."

ضحك سيريان، وكان من المفترض أن تكسر ضحكته حدة التوتر، لكنها تعلم يقيناً أنه لا يضحك إلا عندما يبلغ غضبه ذروته. قال: "أنتِ حقاً أميرة مدللة، كان يجب أن تتعلمي كيف تكونين مطيعة من أجل والدكِ وزوجكِ في المستقبل."

ثم غير الموضوع وهو يتناول قطعة من الكعك ببرود: "لن أطيل الحديث يا إيلا.. أتيتُ اليوم من أجل تلك الصفقة اللعينة التي أتممتِها مع المدعو 'كراون'."

تجمد الدم في عروقها؛ يبدو أن نبوءة بنجامين ستتحقق وسيقضي عليها. استرسل سيريان: "أربعون بالمئة من أرباح منجمي؟ تعلمين جيداً أنني لم أسجل كل تلك المناجم باسمكِ لتستغليها بهذا الشكل، أليس كذلك؟"

انكمشت إيلارا على نفسها، فتابع: "أمرتُكِ بفعل ما تشائين طالما أنكِ لن تعترضي طريقي، ولكنكِ تماديتِ.. ربما لأنني كنت لطيفاً أكثر من اللازم، أليس كذلك أيها الكلب؟"

سأل فارسه الذي أومأ دون أن ينبس ببنت شفة. استرسل ولي العهد: "فكرتُ في طريقة لمعاقبة أختي المتمردة.. قطع اللسان؟ بتر اليد؟ أم الموت حرقاً؟"

نظر إليها بطرف عينه، ولم تعطه ردة الفعل التي ينشدها، فقال ببرود أشد: "لا يوجد ألم أسوأ من حزن أم على طفلها.. هل تعتقدين أن تمزيق أطراف طفلكِ سيكون عقاباً أنسب؟"

انتفضت إيلارا ونهضت من مكانها لتجثو عند قدميه، وضعت يديها على ركبتيه وهي تتوسل بذلّ: "أخي.. أرجوك سامحني! سأكون.. سأكون صامتة كفأر ميت! لن أبرم أي صفقات مجدداً! أنا.."

"إذن.. كان لديكِ طفل حقاً؟"

تصنمت في مكانها؛ هل يعتقد حقاً أنه طفلها؟ قالت وهي تتلعثم: "انتظر، هذا سوء فهم.. إنه طفل وجدته في الشارع فقررت تبنيه."

نظر إليها بحدة جمدت الدماء في عروقها، وقال: "يا لكِ من نبيلة تافهة."

تنهد واضعاً يده على وجهه، ثم دفعها عنه كأنها حطام لا قيمة له. كان على وشك المغادرة، لكنه التفت للمرة الأخيرة وقال:

"لقد قررتُ عقابكِ.. ستذهبين مع قافلة الفرسان المبتدئين إلى الغابة الشمالية، أريد رؤوس ثلاثة وحوش من المستوى الرفيع على الأقل."

سار خطوتين ثم توقف، دون أن يمنحها فرصة لاستيعاب هول الأمر، وابتسم قائلاً: "خذي طفلكِ اللعين معكِ.. أريد أن أرى كيف ستنجوان هناك."

عند مغادرته، خيم صمت ثقيل على المكان. الغابة الشمالية مقبرة حقيقية، فالوحش الواحد هناك يتطلب فريقاً من ثلاثة محترفين أو عشرة مبتدئين؛ لقد كان يلقي بها إلى التهلكة بكل بساطة. تساءلت في قرارة نفسها، هل قرر التخلص منها أخيراً؟

"سيريان هاورثون"، ولي عهد هذه المملكة، لم ينل لقبه من فراغ، بل لأنه كان كتلة من الجنون المحض. تقطيع أوصال الخدم لمجرد الملل، أو ارتشاف الشاي على وقع صرخات رجل يتعذب، كانت طقوساً اعتيادية بالنسبة له، بل ومتعة مطلقة. فصيله السياسي يتكون من رجال يهابونه حد الموت، دعموه خوفاً من اللحظة التي سيعتلي فيها العرش؛ حينها سيدوس على كل معارضيه، ويتخذ من أجسادهم درجات لسلم قصره.

تخلص من ثلاثة من إخوته بأساليب ملتوية لمجرد شعوره بأنهم يشكلون تهديداً، وكان يبتسم في جنائزهم دون أن يكلف نفسه عناء إخفاء مشاعره. أما الإمبراطور، فهو طريح فراشه منذ سنين بمرض مجهول، مما جعل الطريق أمام سيريان سالكاً ليعيث في الأرض فساداً وكأنه الإمبراطور الفعلي.

دخلت ساندرا الغرفة وهي في حالة من الهلع، حاوطت إيلارا وساعدتها على النهوض؛ كانت إيلارا لا تزال مرتجفة، فحتى تمثيلها القوي انهار أمام سطوته. قالت ساندرا بنبرة باكية:

"سيدتي! تماسكِ أرجوكِ! سآخذكِ إلى غرفتكِ الآن!"

...............

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوركاديا تنام مع الجثث

المؤلف hiam m
2026/05/08 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة