الغرفه المجاوره للجحيم

الغرفه المجاوره للجحيم

16 0

وقف ماتيو أمام الطاولة دون أن يجلس، ناظرًا إليها كما لو كانت كابوسًا قديمًا عاد ليوقظه من وهم الراحة. كانت تجلس هناك بكامل هدوئها، ملامحها جامدة، وعيناها تتقدان بلهبٍ مألوف، تمدّ نحوه صورة قديمة… باهتة، ولكنها تحمل وزنًا كافيًا لهدم مدن.

تناول الصورة من الطاولة بصمت، وعيناه تقرأان الوجوه الجامدة فيها. حدّق طويلاً. وجهٌ من الماضي. وجهٌ لم ينسه قط، وإن ادّعى العكس.

قالت هي بهدوء أشبه بالسمّ:

لا تتظاهر بالدهشة، ماتيو. أنت تعرف تمامًا من في الصورة.

وأنا أعلم… أنك تعرف ما تعنيه هذه الصورة.

لم يُجِب. جلس ببطء، وكأن ثقلاً انزلق فوق صدره، ثم وضع الصورة على الطاولة بينهما بعناية كأنها مادة متفجّرة.

همس أخيرًا:

لماذا جئتِ الآن؟

كان يجب أن تبقي تحت التراب، حيث دفنتُكِ… بيديّ.

ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من أي دفء، وقالت:

وهل ظننتَ أنّ التراب يُسكتني؟

أنا لا أُدفَن، ماتيو… أنا أعود.

كل مرة.

أقوى.

وأخطر.

مال للأمام، يحدق في عينيها بنظرة من نار باردة:

ما الذي تريدينه، فاليريا؟ قوليها بوضوح.

مال؟… سُلطة؟… أم أنكِ اشتقتِ إلى الطعنات مجددًا؟

ردّت بنبرة ناعمة لكنها تحمل سكينًا خفيًا:

أريد صفقة.

صفقة من العيار الثقيل، لا يستطيع أحد سواك تنفيذها.

سأكسب منها الملايين..

وأنت… ستنقذ حياتك الخاصة من الانهيار.

قطّب حاجبيه وسأل:

حياتي؟

عن أي عبث تتحدثين؟

ابتسمت ببطء، ثم دفعت الصورة نحوه مجددًا وقالت:

هذه الصورة…

إن لم تساعدني في إتمام الصفقة، فسأرسلها إلى غلوريا.

تجمّدت ملامحه للحظة. ثم تمتم ببطء، وكأنه يحاول كبح البركان داخله:

لا تقتربي منها، يا فاليريا.

لا تذكري اسمها على لسانك المدنس.

قالت بتهكمٍ قاتل:

غلوريا؟

حبيبتك الطاهرة؟

النور الذي ادّعيت أنه أنقذك؟

أتُراك تظن أن النور يُقيم في قلبٍ مثل قلبك؟

نهض فجأة، كأنه لم يحتمل كلماتها، وحدّق فيها

بعينين مشتعلتين:

لقد خنتِني يا فاليريا.

كنتِ زوجتي… رفيقتي… وعندما غرزتِ خنجرك في ظهري، لم أتردد لحظة في دفنك.

ما أفعله الآن… مجرد إحسان غير مستحق.

ابتسمت مجددًا، وأخرجت من حقيبتها ظرفًا صغيرًا، وضعته بجانب الصورة.

قالت:

الصفقة موضّحة في الداخل.

اقرأها.

ونفّذها.

وإلا…

رفعت إصبعها وأشارت نحو الصورة، ثم همست:

الصورة ستصل إلى غلوريا…

ومعها الحكاية الكاملة.

عيناه اتسعتا قليلاً، ثم ضاقت ملامحه في انفعال مكتوم.

قال بصوتٍ أجشّ، هامس كأنه يُهدد الهواء ذاته:

أنتِ… تحفرين قبركِ مرةً أخرى.

قالت بابتسامة باردة وهي تنهض من مقعدها:

على العكس، عزيزي ماتيو… أنا فقط أحرّك الخيوط

وحين أقرر أن أقطعها… سيهوي عالمك من فوق رأسك.

استدارت تمشي بثقة. لم يوقفها. لم يتحرك.

ظلّ واقفًا هناك… يحدق في الصورة.

وفي عينيه… ارتجاف نادر

خرجت فاليريا من المبنى بخطًى رصينة، لكن كل خطوة كانت تحمل في داخلها ألف خنجر.

كعب حذائها العالي كان يقرع على الأرض كطبول حرب قادمة، وصوت ضحكتها الخافتة والمسمومة  كان كأنين شبح خرج لتوه من قبره.

فستانها كان يعانق جسدها كما يعانق السواد قلبها، وشعرها ينسدل خلفها كراية الموت.

اقتربت من سيارتها، فتَح لها السائق الباب باحترام ظاهر، لكنها لم تدخل.

استدارت بهدوء شديد…

نظرت إليه  ماتيو ذلك الرجل الذي دفنها حيّة باسم "الخيانة"، ولم يكن يدري أنه يزرع بذرة انتقامها.

كان واقفًا هناك، في الظل…

عيناه لا تغفلان، لا تترددان

كان ينظر إليها وكأنه يرى شبحًا خرج من تحت ركام ذاكرته.

لم ينطق، لكنه كان يشتعل من الداخل.

ابتسمت فاليريا…

ابتسامة باردة، مشوبة بمرارة امرأة عادت من جحيم الخيانة.

ثم انحنت قليلًا من نافذة السيارة، وهمست بصوتها الأنثوي المغلّف بالسمّ:

"موعدُنا قريب،

يا زوجي العزيز…"

ثم رفعت يدها ببطءٍ، وأرسلت قبلةً في الهواء،

قبلةً لم تكن حنونة، بل متوحشة…

قبلة امرأة تعرف أن العرش لا يُستعاد إلا بالحرب.

ركبت السيارة، وأغلِق الباب خلفها بصوتٍ حاد.

انطلقت كالرصاصة.

أما ماتيو…

فوقف في مكانه، لم يتحرك

لكن نظرته كانت تتكلم بصوت أعلى من أي تهديد:

"اللعب انتهى… بدأت الحرب."

ركب ماتيو السيارة، أغلق الباب بعنف، ثم أدار المحرك دون أن ينظر خلفه.

عيناه لا تريان الطريق، بل مشاهد من الماضي تطارد ذهنه.

صوت ضحكتها، صورتها وهي ترسل قبلة التحدّي من نافذة السيارة، كلماتها المسمومة تتردّد في رأسه كصدى داخل قبر مغلق.

كان يقود بسرعةٍ جنونية، كأنما يهرب من شيء لا يمكن الفرار منه.

يداه تضغطان على المقود بقوة، وعروقه تتوتر كأوتار قوس على وشك الانفجار.

وفجأة...

ضغط الفرامل بقوة، توقفت السيارة في منتصف الطريق،

وصمت كل شيء،

إلا قلبه... كان يصرخ بداخله.

ضرب المقود بكفه بعنف حتى اهتزّت السيارة.

ثم صرخ بكل ما فيه من قهر.

"اللعنة عليكِ، يا فاليريا!!"

ضرب المقود مرة أخرى، ثم مال برأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه.

أنفاسه مضطربة، صدره يعلو ويهبط.

همس لنفسه، كأن الكلام خرج من بين أسنانه لا من فمه:

"لماذا لا تنتهين أبدًا؟ لماذا دائمًا تعودين من رمادكِ؟..."

فتح عينيه فجأة، وفي عينيه نار لا تُطفأ.

نظر في المرآة الأمامية، ثم تمتم بخشونة:

"لو ظننتِ أنني سأسمح لكِ بأن تدمّري حياتي مجددًا… فأنتِ لا تعرفين من هو ماتيو."

أدار المقود بعنف وأقلع بالسيارة من جديد،

لكن هذه المرة... لم يكن يهرب.

كان متجهًا نحو الحرب.

كان القصر هادئًا على نحوٍ مريب، الصمت يلفّ جدرانه كما يلفّ الضباب قمم الجبال.

جلست غلوريا في الصالة، على الأريكة المقابلة للباب الرئيسي، تغمرها إضاءة خافتة تنبعث من شمعدان قديم فوق الطاولة.

الوقت تجاوز الرابعة فجرًا...

ولا يزال ماتيو لم يعد.

أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتهما ببطء، كأنها تحاول طرد النعاس الذي بدأ يزحف إلى أطراف عقلها.

أمسكت بطرف البطانية الرقيقة الملقاة على الأريكة ولفّتها حول جسدها، لكنّ البرد لم يكن

خارجيًا فقط...

كان برد الانتظار.

همست لنفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"لمَ تأخرت؟... لقد وعدتني."

نظرت إلى السقف للحظات، ثم أغمضت عينيها مجددًا، وأفكارها لا تكفّ عن الطرق على أبواب قلبها.

هل حدث له مكروه؟

أم أنه فقط... لا يريد العودة الآن؟

شعرت بوخزة صغيرة في قلبها، لم تكن ألمًا صريحًا، بل أشبه بقلق خفي يتسلل كدخان غير مرئي.

تذكّرت ضحكته، لمسته على مائدة الإفطار، نظرته إليها وهي ترقص، وكيف قال لها: "أثق بكِ."

لكن الآن...

الليل يوشك أن ينقضي، والفجر بدأ ينشر خيوطه الأولى خلف نوافذ القصر،

ولا أحد أمام الباب.

تحسّست السلسلة في عنقها، تلك التي أهداهَا إيّاها…

فابتسمت للحظة، ثم همست:

"ربما... تأخّر فقط."

استندت برأسها إلى حافة الأريكة، ثم أغمضت عينيها دون إرادة.

غلبها التعب، فاستسلمت للنوم في وضعية شبه جالسة،

وصوت أنفاسها المنتظمة خفّف قليلاً من توتر الليل.

لكن في أعماقها…

كانت تنتظر صوت المفتاح في الباب.

كانت تنتظر هو.

توقّفت السيارة السوداء الفاخرة أمام بوابة القصر الحجرية، تحت ضوء خافت مصبوب من المصابيح الجانبية.

أطفأ ماتيو المحرك ببطء، ثم مال برأسه إلى الخلف وأسند جبهته على مسند المقعد الجلدي.

كانت يده القوية تقبض على تلك الصورة القديمة...

الصورة التي ناولته إيّاها فاليريا مساء هذا اليوم،

كأنها خنجر غُرس في صدره منذ لحظة أن وقعت عيناه عليها.

دقّات قلبه ليست سريعة، لكنها مثقلة...

كأن كل نبضة تحفر داخله، وتنكأ الجرح القديم الذي لم يُشفَ قط.

أطبق جفنيه للحظة، ثم فتحهما، وألقى نظرة أخيرة على الصورة.

لم يكن محتاجًا لأن يتأملها أكثر، فقد حفرتها الذاكرة جيدًا.

فتح باب السيارة، وخرج ببطء.

ناول المفتاح لأحد رجاله، الذي انحنى قليلًا دون أن يطرح سؤالًا،

ثم توجّه ماتيو بخطى بطيئة نحو باب القصر الكبير.

كان الليل قد انسحب، ووشوشات الفجر بدأت تزحف على أطراف السماء،

لكن داخله…

ما زال ظلامًا كثيفًا.

فتح الباب ودخل.

لم يكن يتوقع أن يجد أحدًا مستيقظًا…

لكنه توقّف فجأة.

غلوريا...

كانت نائمة على الكنبة، ملتحفة بطرف بطانية صغيرة،

وجهها مائل ناحية الباب، وهدوء غريب ملأ ملامحها.

كأنها نامت في انتظار رجلٍ لم يعد.

ظل واقفًا في مكانه للحظة، لا يتحرك.

نزلت نظراته بهدوء نحو السلسلة المعلقة على عنقها،

ثم ارتفعت مجددًا إلى ملامحها التي كانت ناعسة، بريئة...

بريئة جدًا مقارنةً بما يحمله هو الآن بين يديه.

شدّ على الصورة بيده، كأنه يريد أن يعصر ما فيها من ماضٍ.

همس لنفسه دون صوت:

"لو تعلمين… كم من الأكاذيب يحيط بنا."

اقترب منها خطوة... ثم أخرى،

انحنى قليلًا نحوها..

لكنّه لم يُوقظها.

فقط جلس على الأرض أمامها، وأسند ظهره إلى حافة الأريكة،

كأنه لا يريد أن يراها تستيقظ الآن..

ولا يريد أن يبقى وحده أيضًا.

والصورة...

ما تزال بين أصابعه، منكمشة من شدة قبضته

فقط ينظر إليها…

إلى غلوريا التي تنام بسلام كأنها لم تنتظر طوال الليل…

كأن قلبها تعب من القلق فاستسلم للنعاس.

حدّق في ملامحها طويلاً…

في تلك الرموش التي انسدلت على وجنتيها،

في انفاسها المنتظمة،

وفي يديها اللتين احتضنتا نفسها كطفلة خائفة من حلم لم يكتمل.

مدّ يده ببطء، وأزاح خصلة شعرٍ هاربة عن جبينها.

لم تستيقظ.

همس لها، كأنه يبوح بأسرار الليل:

"ليتني أستطيع حمايتك منّي…"

ثم ببطء، دون أن يُزعج نومها،

مدّ ذراعيه حول جسدها،

ورفعها إلى صدره بخفةٍ وهدوءٍ يشبهان قدسية اللحظة.

كانت خفيفة بين ذراعيه،

كأنها حُلمٌ يتمنّى ألا يفيق منه.

سار بها عبر الردهة المظلمة، خطواته لا تصدر صوتًا،

وكأن القصر كله يحبس أنفاسه ليترك للمشهد خصوصيته.

فتح باب الغرفة بهدوء، ودخل.

ثم وضعها فوق السرير بلطف،

وسحب الغطاء عليها،

ثم همس:

"سامحيني… إن خذلتك، مرة أخرى."

وغادر الغرفة دون أن يلتفت.

دخل ماتيو إلى مكتبه الخاص،

وأغلق الباب خلفه بصمتٍ ثقيل، كأن الليل نفسه تَثاقل على كتفيه.

الغرفة غارقة في هدوء خانق، لا يُسمع فيها سوى أنفاسه المتقطّعة،

وموجات الألم التي لا صوت لها، لكنها تصرخ داخله.

تقدّم إلى طاولة المشروبات وسكب لنفسه كأسًا من الويسكي،

راحت قطرات السائل البنيّ تنحدر إلى الكأس بصوت خافت،

لكنّه بدا له كصرخة…

صرخة قديمة من ماضٍ لم يُدفن بعد.

جلس على الكرسي الجلديّ،

ظهره مُتّكئ للخلف،

ورأسه مائل إلى أحد الجوانب، كأن وزنه بات أثقل من قدرته على الاحتمال.

مدّ يده إلى الدرج الجانبي،

وأخرج منه صورة… صورة قديمة… باهتة…

صورة امرأة ذات ملامح هادئة وعينين تشبهان عينيه…

كانت تبتسم، لكن داخل الصورة نفسها كان الحزن حاضرًا..

ربما لأنه يعرف النهاية.

تنهّد بصوتٍ خافت، وأغمض عينيه للحظات،

ثم فتحهما وعيناه تلمعان من خليطٍ لا يُفهم… بين الندم، والقهر، والحنين.

همس:

"أمي… سامحيني… كل شيء تغيّر من بعدك."

راح يحدّق في عينيها المرسومتين على الورق،

وكأنّه يبحث فيهما عن إجابة…

عن عزاء…

عن حنانٍ دفنته الرصاصات في تلك الليلة اللعينة.

ارتشف من كأسه،

ثم نهض واقفًا فجأة كمن يهرب من مشاعره،

ومشى نحو النافذة الكبيرة المُطلة على المدينة النائمة.

قال لنفسه وهو ينظر إلى الأفق:

"هم يقولون إنني ملك العالم السفلي… لكنهم لا يعلمون أن قلبي دفن هناك، بجانب قبرك."

شدّ على الصورة بيده بقوة، كأنّه يتمنّى أن يعيد الزمن،

أو أن يُخرجها من تلك الورقة الجامدة لتحتضنه مرة أخيرة… فقط مرة.

ثم جلس من جديد،

كأن التعب قرر أن يُعلن هزيمته على جسده.

تُرى… هل يستطيع أن يُنقذ غلوريا من هذا الظلام

أم أنّه سيجرّها إليه كما جُرّ هو؟

كان ماتيو جالسًا في سكونٍ ثقيل،

تسكن ملامحه عاصفة من الصمت،

وعيناه تسبحان في كأسٍ من الويسكي،

لا يشربه، بل كأنه يتأمله كما يتأمل أحدهم خيبة عمره في قاع زجاجة.

تمدّدت أمامه صورة والدته،

ملامحها الساكنة في الإطار الخشبي لم تكن جامدة كما الصور،

بل كأنها تنبض، تراقبه، تسأله بصمتٍ عاتب.

ثم التفت فجأة…

كأن شيئًا ما استدعاه من الداخل.

وقع نظره على الجيتار العتيق المُعلّق على الجدار.

صندوقٌ خشبيٌّ مُغبر،

لكنه يحمل ذاكرةً لا يشوبها غبار.

اقترب منه بخطًى بطيئة،

ثم مدّ يده ولمسه كما يلمس جرحًا قديمًا لم يُشفَ.

أغمض عينيه…

وفي لمح البصر، اجتاحه طيفُ الماضي.

فلاش باك:

"غنّي لي، ماما… فقط أغنية واحدة."

كانت والدته تبتسم له،

تحمل الجيتار وكأنها تحمل قلبها،

وتجلس على طرف سريره كمن يجلس على حافة الحنين.

"لكن عليك أن تنام بعدها، يا صغيري."

"أعدك."

بدأت تعزف،

أوتار الجيتار تنبض كأنها تحكي قصصَ الحنين،

وصوتها…

كان كدعاءٍ يُقال قبل النوم.

ماتيو الطفل كان يُحدّق في عينيها،

يتمنى أن تتجمّد اللحظة،

أن يتوقف الزمن عند دفء ذراعيها، وعند ابتسامتها.

وبينما تمرّر أصابعها في شعره،

همست بصوتٍ يشبه نبوءة:

"ستكبر يومًا ما…

وستصبح رجلًا يُرهب الجميع،

لكن لا تسمح للظلام أن يبتلع قلبك يا ماتيو…

أبقِ في داخلك هذا الطفل، لا تقتله."

"أعدك، فقط لا ترحلين…

ابتسمت،

لكنها كانت ابتسامة من يعرف النهاية مسبقًا.

"أنا لا أرحل، يا روحي…

أنا فيك، ما دمت تتذكّرني."

فتح ماتيو عينيه…

فوجد نفسه ما يزال يُمسك بالجيتار،

لكن قلبه يهتزّ كأن شيئًا فيه قد انكسر للتو.

دمعة واحدة،

فقط دمعة واحدة،

انزلقت من عينه اليسرى بصمتٍ يشبه الانهيار…

ثم توقفت على شفتيه،

كأنها تقول ما لم يستطع قوله.

مسحها بأطراف أصابعه،

ثم تمتم بصوتٍ كُسر أكثر مما نطق:

"كنتِ على حق…

قلبي مات، لكنه اهتزّ من جديد…

أعادته فتاة… لم أظن يومًا أنها ستكون الضوء في متاهتي."

جلس على كرسيه،

وأمسك بالصورة من جديد،

ثم همس:

"هل كانت تستحق يا أمي؟

أن أدفن ماضيّ من أجلها؟

لم ينتظر إجابة،

فالسكوت الذي ملأ الغرفة كان أبلغ من أيّ ردّ.

استيقظت غلوريا ببطء،

عيناها تتأقلمان مع الظلام الناعم الذي غلّف الغرفة.

لم يكن ضوء الشمس هو من أيقظها،

بل شعور غريب، كأن قلبها استشعر وجود ماتيو قبل أن تراه.

جلست على طرف السرير،

وشعرها البنيّ المائل إلى السواد منسدل بفوضى جميلة على كتفيها،

أهدابها الطويلة ما زالت مثقلة ببقايا النوم،

وفي عينيها بريق حائر… خليط من القلق والحنين.

مدّت قدمها الصغيرة ترتدي الشبشب المنزلي الناعم،

كانت ترتدي قميص نوم قطني طويل، بلون العاج،

يتحرّك مع خطواتها في صمتٍ،

كأنها شبح ناعم يتجوّل في ممرات القصر المظلمة.

خرجت من الغرفة

لتُفاجأ بأن ضوء الممر قد أُطفئ،

والقصر بأسره غارق في صمتٍ مهيب، لا يُسمع فيه سوى صدى خطواتها الخفيفة على الأرض الرخامية.

شعرت بقشعريرةٍ خفيفة،

لكنها تابعت السير، وكأن قلبها يقودها…

يقودها نحو الباب الخشبي الثقيل الذي تعرفه جيدًا…

باب مكتب ماتيو.

وقفت أمامه لحظة،

ثم وضعت يدها على المقبض بهدوء،

ودفعته ببطءٍ،

ليُفتح الباب على مشهدٍ غارقٍ في الظلال…

ضوء خافت يتسلّل من أحد المصابيح الجانبية،

وكأس من الويسكي على الطاولة لم يُمسّ.

وهناك،

كان ماتيو يجلس خلف مكتبه،

مُنكبًّا على صورة بين يديه،

مضطرب النظرات، مائل الجسد،

كأن العالم قد انهار داخله.

وما إن وقعت عيناه عليها…

حتى تبدّل كل شيء.

وقفت غلوريا عند باب المكتب،

يكسو وجهها ظلّ من العتاب المغلّف بالقلق،

وضمت ذراعيها إلى صدرها، ثم قالت بصوتٍ منخفض… لكنه يحمل حدّة خفيفة:

أتعلم كم من الوقت انتظرتُك؟

جلستُ وحدي، أتقلب في الظنون،

لم تترك رسالة، لم تتّصل…

هل تظنني بلا قلب يا ماتيو؟"

لم يرد.

لم يتحرك حتى.

ظلّ جالسًا هناك، منحنيًا على صورةٍ قديمة بين يديه،

تظهر فيها امرأة ذات ملامح دافئة، مبتسمة، تحمل بين يديها جيتارًا عتيقًا

شيءٌ ما في ملامحه أصابها بالجمود.

ذاك الرجل القاسي، المتحكم،

ملك العتمة كما اعتاد الجميع أن يسمّيه…

كان جالسًا الآن كصبيٍّ صغير فَقَد أمّه للتو.

اقتربت منه بحذر.

همّت أن تقول شيئًا، لكنها لم تستطع.

الحروف خانتها.

فاكتفت بأن وضعت يدها بهدوء على يده،

يداه كانت باردتين، مُرتجفتين قليلًا.

رفع نظره ببطء،

وعيناه تلمعان بدمعة واحدة،

لكن دون أن تسقط.

همس، بصوتٍ خافت، وكأن كلماته تُسحب من قاع صدره:

"كنتُ طفلًا…

حين أطلقوا النار عليها، أمام عيني.

لم أستطع أن أصرخ…

فقط، ظللتُ أعزف على هذا الجيتار بعد رحيلها…

كأنني أُحييها بين الأوتار."

شدّت غلوريا أصابعه بين أصابعها بلطف، وجلست إلى جواره على الأرض،

ثم أسند رأسه على كتفها بصمت،

فلم تقل شيئًا…

فقط، تركت أنفاسها تُخبره أنها هنا،

وأنها لن ترحل.

مدّت غلوريا ذراعيها ببطء،

واحتوته في حضنٍ هادئٍ يشبه السلام بعد عاصفة.

كان جسده صلبًا، متوترًا… لكنها شعرت بارتخائه شيئًا فشيئًا،

وكأن كل جدران الدفاع داخله بدأت تتهاوى أمام لمسة واحدة منها.

همست في أذنه بنبرة خافتة…

دافئه

صادقة:

"أنا هنا، ماتيو.

مهما تعثّرت خطواتك…

لن أتخلّى عنك."

سكت لحظة…

كأن كلمتها تلك سكنت صدره كراحةٍ مؤقتة…

ثم رفع رأسه قليلًا، وبصوته الأجش، المتكسّر بشيء لا يشبهه، قال:

"أعديني، غلوريا…

أعديني، أنه مهما سمعتِ…

ومهما عرفتِ…

أن تسمعي مني أولًا…

أن تنظري في عينيّ،

قبل أن تُصدقي أي شيء."

نظرت إليه، ملامحه ممزّقة بين الذنب والخوف،

لكن عينيه كانتا صادقتين، كسجين يُمسك بقشة الأمل الأخيرة.

وضعت كفّها على خدّه، وهمست:

"أعدك، لكن…

لا تتركني أُقاتل وحدي،

ولا تصمت إن كان في صدرك طوفان."

ضمّها إلى صدره بقوّة…

كأنها الحصن الأخير في عالمٍ تتكاثر فيه الخيانات،

وفي صمته، همس داخل نفسه:

"لو تعلمين كم أحبك… وكم أخاف أن افقدك ك والدتي ."

ظلت غلوريا تنظر إليه…

تُبحر في عينيه المليئتين بالشرر،

بالحكايات التي لم تُقال…

وبشيء خام، غامض، كأن فيه رجاءً أو نهاية.

اقترب ماتيو، ببطء أولًا…

ثم بغريزةٍ مشتعلة،

وما إن التقت نظراتهما مرة أخرى، حتى انكسر الحاجز بينهما.

قبّلها.

قبلة لم تكن عادية…

بل كانت كصرخة مكبوتة…

كرجل يغرق، ولا يرى النجاة سوى بين شفتيها.

كانت قبلته مشتعلة بالرغبة…

محمّلة بالحزن والحنين،

وعنف اللحظة، وكأنّه يُفرغ فيها كل ما لا يستطيع قوله

ضمّها بقوّة…

كأنها طوق نجاته من نفسه، من ماضيه، من أشباحه.

تجاوبت معه، بارتباك لحظة،

ثم بانجرافٍ تام…

كأنها فهمت دون أن يُشرح لها،

أن تلك القبلة كانت صلاته الأخيرة في هذا الليل المظلم.

هو لم يكن يقبّلها فقط…

كان يبحث عن عزاء.

اقترب منها كمن فقد صبره منذ قرون.

عيناه غاصتا في ملامحها، كأنّه يبحث عن خلاصه في انكسار عينيها.

أمسك بها

دون أن يمنحها فرصة للدهشة،

ورفعها بقوة بين ذراعيه،

حتى جلست على حافة المكتب الخشبي،

حيث الأوراق تَناثرَت، والهواء ثَقُل بينهما.

اقترب وجهه من وجهها، ولمس أنفاسها بأنفاسه،

ثم همس بصوتٍ أجشّ، غليظ كعاطفته المكبوتة:

"كل مرة ألمسك… أشعر وكأن العالم ينهار تحت قدمي،

فأنا لا أُقبلك كما يُقبّل الرجال نساءهم…

بل كما يُقبّل العطشان آخر قطرة ماءٍ في صحرائه."

يداه كانت تتحرك على خصرها،

كأنّه يُريد أن يحفر تفاصيلها في ذاكرته الجسدية.

"أنتِ لعنتي يا غلوريا…

ولكنك أيضًا خلاصي…

لا أريدكِ…

أريد أن أتملّكك، أن أنسجك تحت جلدي،

أن يصبح اسمك الهمسة الأخيرة في صدري قبل أن أنطفئ."

همست غلوريا بصوتٍ مرتجف:

"ماتيو…"

انحنى أمامها، يدفن وجهه في عنقها،

يتنفسها،

ويحترق بها.

أما هي،

فقد استسلمت،

بصمت،

بضعف،

وبرغبة لم تعرفها سوى بين يديه.

داخل عقل غلوريا:

اقترب منّي، ونظراته تمزقني تمزيقًا…

ذلك العمق العنيف في عينيه، لا يشبه شيئًا سوى العاصفة التي لا ترحم.

كلما اقترب، شعرت أنّني أذوب…

كأنّ جلدي لم يعد لي، كأنّ قلبي يُساق إليه رُغمًا عنّي.

لماذا؟

لماذا لا أستطيع التراجع حين يلمسني؟

لماذا أشتاق إليه حتى وهو أمامي؟

وها أنا فوق المكتب، أتنفسه كما يتنفس الغريقُ الهواء بعد الغرق الطويل.

عيناه فوقي… كأنّه يرى امرأة لا يُريد أن يفقدها،

وكأنّني كل ما بقي له في هذا العالم الحارق.

هل هذا هو الحب؟

أم هو تملكٌ ناعمٌ يتسلل إلى داخلي دون إذن؟

شفته تلامس شفتيّ،

قبلة واحدة… تملأني رجفة، تسرق أنفاسي، وتكسر كل جدار بنيته حولي.

أُحبه… أُحبه حدّ الألم.

لكنه يخيفني أيضًا… يخيفني كم أنا ضعيفة أمامه.

همساته في أذني، صوته الذي يشبه النار في الشتاء

وأنا؟

هل أريد الهروب حقًا؟

أم أنّني أبحث عن قيدٍ أكثر دفئًا؟

يضمّني أكثر،

وعقلي لا يفكر بشيء،

سوى أنّني… أريد البقاء هنا.

في هذه اللحظة.

بين ذراعيه.

إلى الأبد.

همسات خافتة،

أنامل تتلمّس الوجع في أعماقهما،

أعينٌ مغلقة،

لكن أرواحًا فُتحت على بعضها كما لم تنفتح من قبل.

لم تكن لمسة جسدٍ لجسد،

بل روحٌ تهرب من انكسارها لتختبئ في عينيه،

وغضبٌ دفين يتلاشى حين تلمس شفتاه جبينها.

كل شيء حولهما توقّف…

حتى الوقت انحنى، احترمًا للحظةٍ،

تسرق فيها الحب من بين رماد الألم.

داخل عقل ماتيو:

"هي لا تعرف... لا تعلم كم أنني ممزق بين حمايتها،

وبين الظلال التي تلاحقني منذ الطفولة.

لا تعرف أنني أخفي عنها نصف جحيمي كي لا تحترق.

أنني حين ألمسها، لا ألمس جسدًا، بل أُطفئ جمرًا اشتعل في صدري.

غلوريا... وجهها فقط قادر على سحب السكين من ظهري.

أنا لا أملكها فقط…

بل أتنفّسها

ولولاها، لكان الظلام ابتلعني للأبد.

كلٌّ منهما عاد إلى مأواه الأول، إلى المكان الوحيد

الذي لا يحتاجان فيه إلى الكلمات،

لأن العيون قالت كل شيء...

واللمسة ختمت العهد.

صباحٌ خافت، شمس خجولة تتسلل من خلف الستائر الثقيلة، تُلقي خطوطاً من الضوء على السرير المبعثر، حيث ترقد غلوريا بجوار ماتيو.

نهض ماتيو ببطء من السرير، مرّر يده في شعره ثم زفر بهدوء، وكأن قلبه يشتعل بشيءٍ لا يريد أن يظهره. سحب قميصًا أسود من الخزانة، وبدأ يرتديه دون أن يتلفت.

قال بصوته العميق، دون أن ينظر إليها:

"عليّ الذهاب إلى المكتب… هناك اجتماع مهم هذا الصباح، صفقة تحتاج حضوري."

تأمّلته غلوريا، عينيها تتفحصان ملامحه التي بدا وكأنها ترتدي قناعًا من الصلابة.

"اجتماع؟ الآن؟" قالتها وهي تعتدل جالسة على السرير، يعلو صوتها بخفة فيها قلقٌ خفي.

أجاب وهو يشد أزرار قميصه بتأنٍ:

"نعم. أحيانًا، لا يمنحنا العالم السفلي رفاهية اختيار الوقت."

اقتربت منه وهي تلف جسدها بالغطاء، ووقفت أمامه. حدقت في عينيه وقالت:

"هل كل شيءٍ على ما يرام؟"

توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، قصيرة العمر، وقال:

"كل شيءٍ بخير يا غلوريا… فقط كوني هنا عندما أعود."

كانت ابتسامته تقول شيئًا… وصوته يخفي شيئًا آخر.

وكأن بين جملةٍ وأخرى، يقف ظلُّ امرأة، وخوفٌ، وقرارٌ لا يُقال.

ثم مال برأسه، وطبع قبلة سريعة على جبينها، قبل أن يبتعد بخطواتٍ ثقيلة نحو باب الغرفة.

كان الصباح قد تمدّد على أعتاب القصر، لكنه لم يجرؤ على اختراق ظلال المكتب؛ ذلك المكان الذي احتوى أسرارًا كثيرة، وصفقاتٍ لم تُكتب على الورق.

دخل ماتيو، ووقف وسط الغرفة، يداه في جيبيه، وعيناه تُمشّطان المكان وكأنه يعيد ترتيب ذاك الهدوء المشحون بالتفاصيل.

الجو ساكن… سوى صوت عقارب الساعة التي لا تتوقف عن العدّ، كأنها تُذكّره بأن شيئًا ما يقترب.

اقترب من الطاولة العريضة، وسحب أحد المقاعد الفخمة، ثم جلس ببطء، مستندًا بظهره، وأطلق زفيرًا ثقيلاً.

أشار لأحد الخدم الذين وقفوا عند الباب:

"أعدّوا الضيافة … وجهّزوا الطاولة لاستقبال الزوّار."

انحنى الخادم باحترام، وغادر فورًا، بينما أغلق ماتيو عينيه للحظة… كأنما يحاول استحضار ما يجب أن يكون عليه، لا ما يشعر به.

المكتب كان صامدًا… كأن جدرانه تحفظ كل الاعترافات التي لم تُقال.

والكرسي الذي يجلس عليه، حمل قبله مئات القرارات، والليلة… سيحمل قرارًا واحدًا فقط قد يغيّر كل شيء.

نظر إلى الباب… وقال لنفسه في صمت:

"فليبدأ اللعب من جديد."

في سكون الصباح المهيب، حيث تتسلّل أشعّة الشمس من خلف الغيوم الثقيلة التي تُظلّل سماء القصر، ارتجّت الأرض بصوت محرّكات ضخمة تقترب شيئًا فشيئًا من البوابة الحديدية العالية.

خمسُ سيّارات سوداء مصفحة تتقدّم ببطء وثقة، وكأنها مواكب ملوك الظلام، تتصدرها سيّارة ليموزين فاخرة بلون أسود لامع، تنعكس على سطحها صور التماثيل المجرّدة التي تحرس مدخل القصر.

توقّفت السيّارة الأولى، وبابها الخلفي يُفتح ببطء مُتقن، وكأن الزمن ذاته توقّف احترامًا لمن سيخرج منها.

هبطت قدماه على الأرض بخفّة نمرٍ متمرّس، ومن السيارة خرج "خوسيه دي آل كاساريس" 

الرجل الذي تُهمس باسمه الألسن في الخفاء، وتتهامس به أعين الخصوم قبل الحلفاء.

كان طويل القامة، ذو جسد ممشوق مكسوّ ببدلة سوداء داكنة مُفصّلة كأنها سُكبت على جسده سكبًا، يُخفي خلفها عضلات صلبة وحركة هادئة لا تخلو من الهيمنة.

عينيه تختبئ خلف نظّارة سوداء عاكسة، لا تسمح برؤية ما خلفها، ولكن حين خلعها ببطء وبيدٍ واحدة، كشفت عن نظرات من فولاذ، عيونٌ بلون الجمر المتوهّج، لا تُحدّق بل تخترق.

تقدّم بخطى واثقة، يحوطه رجال ضخام ببزّات قاتمة، وكأنهم ظلّه المتحرّك.

اقترب من أحد رجال ماتيو الواقفين عند البوابة، ومن غير أن يرفع صوته، قال بصوت أجشّ عميق:

"أخبر سيدك أن آل كاساريس قد وصلوا."

ثم مدّ يده ببطء يُغري بالخوف، وأشار إلى رجاله ليدخلوا خلفه.

في الطابق العلوي، خلف أحد ستائر النوافذ الثقيلة، كانت غلوريا تراقب المشهد بصمتٍ مشوب بالحذر والفضول.

حدقت في ملامحه وهيبته، في تلك الطريقة التي وقف بها، وكأنّه لا يُهدّد… بل يُعلن سيطرته.

تقلص قلبها للحظة، دون أن تدري لماذا.

من هذا الرجل؟

فتحت أبواب المكتب ببطء، تسرّب منها ضوء خافت كأن الظلال فيه تتنفس.

خوسيه آل-كاساريس خطا إلى الداخل بخطى الواثقين…

رجل طويل، بشرته تميل إلى البرونزي، شعره الأسود ممشط للخلف بإتقان، سترته الداكنة من خامة فاخرة، وحذاؤه يُصدر صدىً خافتًا فوق الرخام اللامع.

خلع نظارته الشمسية ببطء، وعيناه كشفرات سكاكين، تمسح المكان كما لو كانت تفتش عن نوايا خفية.

مكتب ماتيو كان كالعروش القديمة...

مكتب ضخم من خشب الجوز، وراءه نافذة ضخمة مغطاة بستائر ثقيلة بدماء اللون القرمزي.

خلف المكتب، وقف ماتيو بنفسه، يرتدي قميصًا أسود مفتوح الزرّين العلويين، ساعة فاخرة تلمع في معصمه، وعيناه تراقب خوسيه كما يراقب مفترس دخول نمرٍ آخر إلى منطقته.

على الطاولة، كانت هناك كؤوس بلورية، صينية من الفضة عليها شاي ، وزجاجة ويسكي قديم... نوعٌ لا يُفتح إلا في صفقات تغيّر ميزان القوة.

تقدّم خوسيه حتى وصل للطاولة، دون أن يمد يده للسلام. جلس مباشرة، وسحب أحد الكؤوس كأن المكتب ملكه، ثم قال بنبرة واثقة:

"لم يتغير شيء هنا... حتى رائحة السلطة ما زالت تختنق بالغموض."

ابتسم ماتيو ببرود، وأجاب دون أن يتحرك:

"وأنت لم تتغيّر… ما زلت تدخل وكأنك تمتلك كل شيء… بينما في الواقع، لا أحد يمتلك شيئًا هنا سوى الخطر."

ضحك خوسيه ضحكة خفيفة، ثم قال:

"أنا لا أملك شيئًا، ماتيو... بل أشتري كل شيء، حتى الصمت… وأتيت لأشتري صمتك وصفقتك."

اقترب ماتيو وجلس، ثم أمال جسده للأمام، صوته كأنّه طُحن من رصاص:

"قل ما لديك… ولكن تذكر، الدخول إلى مكتبي سهل… الخروج منه يتطلب اتفاقًا يوقّعه الدم."

جلس الاثنان في صمتٍ كثيف، كأن الهواء بينهما يعرف أسرارًا لا يُقال منها إلا القليل

خوسيه أخرج مستندًا جلديًا داكن اللون من حقيبته ووضعه أمامه على الطاولة، لم يفتحه بعد، فقط ظلّ يربّت عليه بأطراف أصابعه بثقة مقلقة.

قال بصوته العميق، والمخالب مخبأة خلف ابتسامة دبلوماسية:

"الصفقة التي أتحدث عنها انا وفاليريا، ماتيو، ليست كغيرها. نحن لا نهرّب مخدرات أو أسلحة هذه المرّة… نحن نمرّر نفوذًا.

خط عبور جديد، من قلب القارة إلى البحر، مرورًا بميناء في يد رجالنا. احتكار تام. ما نحتاجه… هو ضمانتك."

ماتيو لم يتحرك، فقط أمال رأسه قليلًا ونظر له بعينين باردتين كأنهما لا تعرفان الرحمة، ثم قال:

"لماذا الآن؟ ولماذا أنا؟"

ابتسم خوسيه ابتسامة صغيرة وهو يفتح المستند أمامه ويُظهر خرائط ومخططات وملفّات سرية مختومة:

"لأنك الوحيد الذي تجرؤ على اللعب في الأرض المحرّمة.

والكل يعلم أن ماتيو دينارو لا يخسر… إلا إذا أراد هو أن يخسر."

سحب ماتيو سيجارًا ببطء، قطعه بأسنانه، ثم قال بصوت واهن فيه تهديد مدفون:

"أنا لا أقبل أن أكون بيادق في لعبة غيري، خوسيه.

إن أردت توقيعي، سيكون الدم هو الحبر."

خوسيه لم يبدُ عليه الارتباك، بل ضحك بهدوء وهو ينهض ويملأ كأس ويسكي:

"لهذا جئت إليك… لا لتوقّع فقط، بل لأنك مثلي… لا تصنع الاتفاقات، بل تصنع الخرائط."

صوت المطر بدأ يتساقط فجأة على نوافذ المكتب، كأن السماء تحذّر أو تشهد على ما يُقال.

جلس خوسيه مجددًا، ونظر لماتيو نظرة طويلة ثم قال:

"إن وافقت، نصبح نحن ملوك البحر. وإن رفضت… فهناك آخرون، لا يملكون ضميرك، ولا قلبك، ولا… غلوريا."

تجمّدت أنفاس ماتيو لثانية. عينيه اشتعلت للحظة، لكنه كتمها تحت لهجته الباردة وقال:

"دعها خارج هذه الطاولة… أو سنحوّل الصفقة إلى جنازة.

وفجأة…

انفتح الباب بهدوءٍ لافت، ودخلت غلوريا.

كانت ترتدي فستانًا أحمرَ ينساب على جسدها كأنّه من لهب، قماشه المخمليّ يحتضن تفاصيلها بجرأة أنيقة، وظهرها مكشوفٌ حتى أسفل الكتفين، والخطوة التي خطتها بكعبها العالي على الأرضية الرخامية كانت كفيلة بإسكات كلّ الأصوات.

الرجال جميعهم توقفوا عن الكلام. أنظارهم تتابعها بلا إرادة، وكأنّها كانت اللحن الوحيد في مسرحٍ مكتظ بالصمت.

أما خوسيه

، فرفع عينيه عن ملف الصفقة، وترك كأسه على الطاولة، وابتسامة غير مكتملة ارتسمت على شفتيه… عيناه لا تفارقانها، لكن نظراته لم تكن إعجابًا فقط، بل تحليلًا… شهوة… وربما تحديًا.

غلوريا لم تنظر لأي أحد.

كلّ خطواتها كانت متوجهة نحو ماتيو.

وقفت خلفه، يدها برقة داعبت مسند كرسيه، ثم انزلقت نحو رقبته، لمسة واحدة جعلت قلبه ينتفض تحت بشرته، كأنّ النار التي ترتديها امتدت إلى جلده.

اقتربت من أذنه، وهمست بصوتٍ لا يسمعه سواهما:

"اعتذر عن هذا الاقتحام، لكنّي اشتقت… لصاحب هذه الطاولة."

أغلقت عينيها لثانية، ثم سحبت نفسها بهدوء وابتسامة ناعمة، وسارت إلى باب صغير جانبي في المكتب، حيث كانت غرفة خاصة خلفه تُستخدم للاجتماعات الخاصة أو الاستراحة.

انغلقت الباب وراءها بصمت... لكن الأثر بقي في الغرفة كالعطر.

ماتيو ظلّ ساكنًا، شفتيه تتحركان في صمتٍ بكلمة لم تُقال، بينما خوسيه أدار وجهه ببطء نحو ماتيو، وابتسم ابتسامة قصيرة كأنّها تقول:

هل أصبحت نقطة ضعفك مرئية الآن يا ماتيو؟

يتحرك ماتيو من مكانه، يزرّر أزرار سترته السوداء بعصبية، يرمق "خوسيه" بنظرة صلبة ويقول بنبرة آمرة هادئة:

"خمس دقائق فقط، خوسيه... ولا تقترب من الباب."

لم ينتظر ردًا. استدار، وفتح الباب الجانبي بخطوة واحدة، وأغلقه خلفه بقوة.

داخل الغرفة الصغيرة المتصلة بالمكتب... الضوء خافت، والهواء مشبع بعطر غلوريا، التي وقفت تتأمل صورة على الحائط، كأنها لم تشعر به.

لكنها شعرت.

يده أمسكت بمعصمها فجأة، التفتت، فوجدت عينيه تغليان بنيرانٍ لا تنطفئ.

"ألهذا الحد تستمتعين بإشعال نيراني أمام الجميع؟"

قبل أن ترد، سحبها بقوة ناعمة، سَيرها حتى الحائط، ضغطها إليه، كأنّه يسجنها داخل ذراعيه لا داخل الجدران.

"هل كنتِ تظنين أنني سأتركك تعبثين بعقلي وقوتي أمام رجالي؟ أمام خوسيه؟"

اقترب منها، حتى صارت أنفاسه تلفح رقبتها، يده تلتف حول خصرها كأنها قيود، وعيناه لا تفارق شفتيها.

"أنتِ لعنتي، غلوريا... كلما ظننتُ أنني أملكك، تسرقينني أكثر."

وضعت يدها على صدره، تشعر بقلبه كطبول الحرب. همست:

"لم أقصد أن…"

قاطعها، وهو يضغط يده على رقبتها بقوه غير مؤلمه:

"اصمتي… لا أريد تبريرات.

أريد أن تتذكّري دائمًا… أنني إن احترقت، فبنارك، وإن هويتُ، فبعينيك."

"ملككِ؟ لا… بل أنتِ مِلكي… إلى آخر نفسٍ في هذا الجحيم."

همس من جديد:

"سأعود للاجتماع بعد دقيقة… لكن أردتُ فقط أن أضع بصمتي… قبل أن يُخطئ أحدهم بالنظر إليكِ أكثر من ثانية."

أسندها إلى الحائط كأنها وطنه الأخير، كأن روحه لا تستقر إلا حين تُحتَجَز ما بين ذراعيه. عينيه لم تفارقها، تحفر في ملامحها خرائط من الولع، من الحنين، من الغيرة التي تأكل صدره بنيران صامتة.

اقترب منها، همس عند عنقها بنبرة ألهبت الهواء من حولها:

"كل من رآكِ هناك، يا غلوريا... أرادك.

وأنا؟ أردت أن أُخفيكِ عن العالم. أردتُ أن أُطفئكِ داخلي كي لا يحترق أحد بك."

ضمّها بقوة، حتى باتت بينه وبين الجدار كأنها قطعة من روحه التصقت به، وتلاشت المسافات، وتحوّلت نبضاتهما إلى موسيقى خفيّة، تُعزف من دون أوتار.

أصابعه كانت تمضي على ظهرها كأنها تكتب عليها نذرًا أبديًّا.

همست، وصوتها يرتعش ما بين الخضوع والارتباك:

"ماتيو…"

فقال، وعيناه تبرق بالجنون:

"سأسجّلكِ على هذا الحائط كما تُسجَّل الخطايا في الكتب المقدسة.

سأعترف بكِ أمام نفسي ألف مرة، ولن أندم."

شدّها إليه أكثر، وكأن اقترابه منها خلاصه الوحيد. كأن تلك اللحظة كانت صلاة، وكان جسدها قبلته.

وبين الظلال الثقيلة والصمت المشحون، لم يبقَ شيء إلا حرارتهما تتداخل في الهواء…

عناقٌ يكاد يُشعل الحائط، وقُبَلٌ تُقال بلغة لا يفهمها سوى العشّاق التائهين في الظلام.

وبينما كانت أنفاسها تتباطأ تدريجيًا، كأنها تهبط من ذروة إعصار عاطفي، كان هو لا يزال قريبًا، يُمسك برقبتها بكفٍّ واحدة، لا عنف فيه، بل امتلاك.

رفع وجهها إليه، ونظر في عينيها بعُمقٍ لم تعرف له مثيلًا، ثم قال بصوتٍ خافتٍ لكنه نافذ كحدِّ السكين:

"تذكّري هذا، يا غلوريا...

أنتِ لي.

لي وحدي.

ولا أريد لتلك العيون التي رأَتكِ اليوم أن تتكرّر رؤيتها."

مرّر أصابعه على عنقها، ثم أوقفها فوق أثر قُبلته، كأنها خاتم غير مرئي ووسمه عليها كعلامة ملكية أبدية.

تابع بصوتٍ أكثر هدوءًا، لكن نبرته كانت تحمل أمرًا لا رجاء فيه:

"لا ترتدي هذا الفستان مجددًا أمام غيري. لا أريد أن يتشارك فيك أحدٌ حتى بالنظر."

ثم مال وقبّل جبينها، كأنها كنزه المسروق، كنزه المحفوظ خلف ألف قفل.

تنفّس بعمق، أدار ظهره وفتح الباب، ليعود إلى الاجتماع كأن شيئًا لم يكن، إلا أن صدره لا يزال مشتعلاً، وعقله معلَّق هناك… عند تلك التي كادت تُفقده اتزانه أمام رجال العالم السفلي كلّه.

خرج ماتيو من الغرفة بخطى بطيئة وثابتة.

كان أول زِرَّين من قميصه مفكوكَين، وشَعرُه الأشعث يفضح ما لم يُقال.

رائحة غلوريا كانت لا تزال عالقة في جلده، وحرارة اللقاء الأخير لم تهدأ بعد في عروقه.

رفع خوسيه عينيه إليه، نظرة طويلة لا تخلو من ابتسامةٍ صغيرة خبيثة.

ثم قال بصوتٍ بارد، يحمل من التلميح أكثر مما يحتمل الجو:

"يبدو أن الفساتين الحمراء تُلهب أكثر من النار يا ماتيو...

لكنّ بعض النيران إن تُركت بلا رقابة، قد تحرق البيت كلّه."

اقترب ماتيو من الطاولة دون أن يرد، سحب كرسيه ببطء، ثم جلس

مدّ يده إلى كأس الويسكي، أخذ رشفةً بطيئة، وعيناه لا تبارحان وجه خوسيه.

"إن كنتَ جئت من أجل الصفقة، فلن تُفيدك الأحاديث الجانبية..."

قالها بنبرة ثقيلة، كأنها تحذيرٌ ناعم يكسوه الثلج ويخفي تحته الجمر.

ضحك خوسيه بهدوء، وأمال جسده قليلاً للأمام.

"أنا دائمًا آتي من أجل الصفقات، لكنّي لا أُفوّت مَشاهد نادرة...

وخاصة حين تكون من بطولة ملك العالم السفلي نفسه."

لم يتكلم ماتيو، لكنه أدار خاتمًا في إصبعه ببطء، وصمتُه كان أبلغ من أي رد.

جلس بينهما التوتر كضَيف ثالث على الطاولة، لا يُرى… لكنّه يُشعر به في كل نفسٍ يُسحب.

فُتح باب الغرفة ببطءٍ يشبه انزلاق خيط حريرٍ على جلدٍ عارٍ،

وخرجت غلوريا.

كانت أنفاسها لم تهدأ بعد، وخصلات شعرها المبعثرة على كتفيها تشي بما لم يُقال.

ثوبها الأحمر الملتف حول جسدها كان يصرخ صمتًا،

وزوايا فمها تلوّح بابتسامةٍ خجلى لم تُولد بعد.

مرّت بنظرها على ماتيو، نظرة لم تكن مجرد نظرة.

كانت وعدًا، واعترافًا، وتحديًا… في آنٍ واحد

ثم، وكأنها شعرت بثقل العيون عليها،

تحوّل بصرها للحظة قصيرة نحو خوسيه الجالس إلى الطاولة.

نظرة خاطفة، لا تُقاس بالزمن…

لكنها كانت كافية لتُشعل شيئًا غامضًا في عينيه،

كأن الشرر التقى بالبارود.

أدار وجهه عنها، لكنه لم ينسَ ملامحها.

أما هي، فقد أغلقت الباب خلفها بهدوءٍ تام،

وتركت خلفها عطرًا يتشبّث بالمكان كما تتشبّث الذكريات بالقلوب.

سكن المكتب للحظات، لا يُسمع فيه سوى أنفاس الرجال الثقيلة…

والصمت المليء بكل ما لا يُقال.

ظلّ الباب مغلقًا خلفها،

لكن أثرها لم يغادر.

جلس ماتيو في مكانه، يعيد ترتيب أزرار قميصه بإهمال،

ثم التفت إلى خوسيه بوجه خالٍ من أي شعور، كأن شيئًا لم يحدث.

أما خوسيه، فابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه،

وهمس بنبرة لا تخلو من العبث:

"ليست كل الألعاب في هذه الحياة تُلعب بالنار… بعضها يُلعب بالقلوب."

لم يردّ ماتيو.

اكتفى برفع كأسه بهدوء، ارتشف منه رشفة بطيئة،

ثم قال دون أن ينظر إليه:

"الحرب لا تبدأ حين تُسحب الأسلحة… بل حين تُكسر القواعد."

وساد صمت ثقيل…

صمتٌ يُشبه هدوء ما قبل العاصفة.

وفي مكانٍ آخر، خلف جدران القصر،

كانت غلوريا تمشي وحدها في الممرات،

كأنها تعرف أن شيئًا ما يتغير… ببطء، ولكن بثبات.

شيء لا يُرى…

لكنّه سيحطم كل ما كان.

انتهى

رائيكم

✨5الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة