خلف باب الجحيم

خلف باب الجحيم

18 0

في قلب العاصمة المكسيكية، حيث تتشابك ناطحات السحاب كأنياب ذئب، يعلو مبنى زجاجي قاتم، يخترق الغيوم بخيلاءٍ لا يشبه إلا صاحبه.

داخل الطابق الأعلى، وبين جدران رمادية مطفأة، جلس ماتيو دي نارو خلف مكتبه المصنوع من خشب الأبنوس الداكن.

ست شاشات تحيط به كعيونٍ لا تنام. تقاريرٌ تظهر، وأرقام تتبدّل، وأسماء تُمحى وتُدرج، وعمليات تُدار تحت جنح الظلام.

ورغم انشغال العالم من حوله، كان هو ساكنًا كالصخر.

أنامله تعبث ولا وعيًا بسلسلةٍ فضية حول معصمه، فيما عيناه تتجمدان عند زاوية الشاشة، حيث ظهر مقطع الكاميرا...

الفتاة.

تلك التي اصطدمت به منذ يومين،

تلك التي لم تقل شيئًا، غير انها اسفه،

لكنّها تركت داخله شيئًا...

أثرًا لا يزول.

أغلق الشاشات كلها بضغطة واحدة.

نهض من مكانه، وخطا نحو الزجاج العريض الذي يكشف المدينة تحته، كأنّها سجينةٌ بين قدميه.

نفث زفرة طويلة، همس بعدها ببطء:

"ما هذا؟... لماذا أعود إلى تلك اللحظة؟ ما الذي فعلته بي، أيتها الغريبة؟"

هو، ماتيو، الذي عُرف في كل دوائر السوق السوداء بـ"الظلّ الذي لا يُمسّ"،

لم يعرف طيلة حياته طعماً للضعف أو الحيرة.

كثيرات مررن،

كثيرات ابتسمن، وابتعدن، واقتربن ولم يتركْن شيئًا.

إلا هذه.

كانت مختلفة.

لا لجمالها فقط، بل للـ نظرة...

نظرة تشبه نظرة طفل ضائع يبحث عن وطنٍ في زحامٍ لا يعرف الرحمة.

وقد رآها، تلك النظرة، لثوانٍ... لكنها شقّت فيه صدعًا لم يكن يعرف بوجوده

كان يريد تذوق شفتيها وان يأخذها معه ولا يريها ل احد غيره وتكون ملكهه للابد

وهو يتخيل شكلها بين يديهه وشعرهاا على كتفهه الموشوم ب الثعبان رمز عائلته

وهي تنظر له بنفس العيون ااذي نظرت بها في المطار... ولكن

يقطعهه افكاره عندما يسمع صوت الباب يفتح

التفت إلى مساعده وصديقه المقرب وافضل رجاله "رافييل " الذي كان ينتظر عند الباب.

"الصفقة انتهت؟"

"نعم. الشحنة غادرت المخزن منذ ساعة. كل شيء تم بدقّة."

أومأ ماتيو ببرود.

عاد ماتيو إلى مكتبه، جلس، وأخرج سيجارة من علبةٍ فضيّة، أشعلها ببطءٍ كأنّه يُفكّر في إحراق شيءٍ بداخله.

ومع كل سحبة دخان، كانت صور وجهها تمر أمام عينيه.

ابتسم بسخرية قاتمة:

"أنا لا أحب... لا أُحب أحدً.

لا أثق بأحد.

لكنّي أريد أن أراها مرّةً أخرى.

فقط لأتأكّد أنها كانت حقيقية... وأنّ شيئًا ما بداخلي لم يَكذب."

دقائق بعد ذلك، تحرّكت سيارته السوداء وسط شوارع مكسيكو سيتي

رجاله تجهّزوا كأنهم ذاهبون لمعركة،

وهو... لم يكن يعلم، أنّ المعركة الحقيقية بدأت بالفعل، منذ لحظة اصطدامه بتلك الفتاة

اسمها؟

لا يعرفه بعد.

لكنّه لن ينساها.

في قلب المكسيك، حيث تنفّس الخطر، لا تُعقد الصفقات في مكاتب فاخرة، بل في العتمة، في الزوايا المهجورة من المدينة... حيث لا يصل الضوء إلا متأخرًا.

كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، وأضواء المصابيح الشاحبة ترسم خطوطًا باهتة فوق الأرصفة المتّسخة. عند مدخل نادٍ ليليّ قديم، توقّفت سيارة سوداء ذات زجاجٍ داكن، نزل منها رجلان، وفتح أحدهم الباب الخلفي باحترامٍ ظاهر

خرج ماتيو دي نارو.

ببدلته السوداء، ونظرته الحادة، وسكين البرود في عينيه.

كان الليل يعرفه، كما تعرفه الأزقة المظلمة.

خُطاه على الأرض تُثير الانتباه، لكن لا أحد يجرؤ على النظر مباشرةً في عينيه.

دخل إلى النادي الليلي، حيث كانت الموسيقى تعلو كقناعٍ لإخفاء ما يُدار في الخلف.

في غرفةٍ جانبية، بعيدة عن الحلبة والأضواء، اجتمع ثلاثة رجال على طاولةٍ مستديرة.

ما إن دخل ماتيو حتى نهضوا دون تردد.

قال أحدهم بصوتٍ خافتٍ خالٍ من الاحترام المفتعل:

"السيد دي نارو... كل شيء كما أمرت. موعد التسليم تم تحديده، والمكان سيكون في ملهى كالابريا، الساعة الثانية عشرة منتصف الليل... لن يشك أحد في شيء. المكان مزدحم دائمًا."

جلس ماتيو على الكرسي الجلديّ بتثاقلٍ ملكيّ، وأشعل سيجارة ببطء، ثم قال دون أن ينظر إليهم:

"ومن الطرف الآخر؟"

رد رجل نحيل يرتدي سترة من الجلد:

"رجال كارلوس سوليداد... يبدون متوترين، لكن الصفقة تهمّهم. سيتواجد خمسة فقط، دون أسلحة ثقيلة... هذا ما وعدوا به."

ابتسم ماتيو بسخرية، وزفر دخان سيجارته كأنّه يزفر الملل ذاته، ثم قال

"الخوف يجعلهم يُقلّلون العدد... جيّد. لكن لا تثقوا بوعد. جهّزوا فرقتنا، بأسلحة مخفية... كل خطوة محسوبة. وإن شعرتم برعشة واحدة غير مبررة... انسفوا المكان بمن فيه."

ساد الصمت، قبل أن يقول أحدهم بقلق:

"وإن فشل الأمر؟"

نظر ماتيو إليه نظرةً طويلة كافية لإخراسه إلى الأبد، ثم همس ببرود:

"أنا لا أفشل. أنا أنهي."

ثم وقف، ورتّب أزرار سترته، وقال وهو يخطو نحو الباب:

"سأكون هناك. لكنني أكره الفوضى... اجعلوهم يشعرون بأنهم آمنون، حتى لحظة السقوط."

خرج كما دخل، كظلٍّ متقن لا يترك وراءه سوى صدى خطواته.

لكن ما لم يره رجاله، هو لحظة واحدة وقف فيها خارج الباب، وأغمض عينيه فجأة... لحظة خاطفة مرّ فيها وجه غلوريا في عقله.

"تلك الحمقاء... كيف استطاعت أن تسرق تركيزي؟!"

هزّ رأسه، وأعاد القناع البارد إلى ملامحه، ثم ركب سيارته واختفى في عمق الليل

كانت الليلة قد أرخَت ستارها، والدنيا ساكنة كأنّها تُخبّئ أسرارًا كثيرة بين شقوق الأرصفة.

سارت غلوريا وحدها في أحد شوارع المكسيك القديمة، خطواتها هادئة، ولكن في داخلها دوّي لا يهدأ.

الليل هنا لم يكن يشبه ليل نيويورك... لا صخب الشوارع، ولا بريق الأضواء، بل هنا... الليل له طعمٌ مختلف، كأنه يحكي القصص بصمته.

كانت ترتدي سترة خفيفة، وشعرها مربوطٌ في نصفه، ينسدلُ على ظهرها بنعومة.

عيناها تتحرّكان بين المحلات المغلقة والأزقة الضيقة، تستنشق رائحة الذكريات والحنين والغموض.

توقفت أمام مبنى قديم مزخرف بالأضواء الحمراء والزينة الساطعة. اللافتة فوق الباب تحمل اسمًا بالخط العريض:

"كالابريا"

تأملت الواجهة للحظات... كانت تعرف هذا الاسم، مرّت عليه مرارًا في خريطة المدينة، لكن لم يسبق لها أن دخلت إليه.

ضوءٌ خافت خرج من الداخل عبر زجاج الباب، وأصوات موسيقى ناعمة تتسرّب كأنها تنادي الأرواح الهائمة.

همست لنفسها، والهواء يلاعب طرف شعرها:

"ملهى ؟ يبدو مزدحمًا... وغامضًا. ولكن... لما لا؟"

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، لم تَخْلُ من التحدي، وقالت:

"ربّما أحتاج إلى ليلة واحدة... ليلة لا أفكر فيها بشي

نظرت إلى اللافتة مرةً أخرى، وتقدّمت نحو الباب دون أن تدخل، لمجرد أن ترى الجموع وهي تدخل وتخرج، وجوه مختلفة... بعضها باهت، وبعضها غريب

همست في أعماقها:

"غدًا... سأدخل هذا المكان. لا لشيء، فقط لأتذكّر أنني ما زلت أعيش."

ثم أدارت ظهرها، وسارت مبتعدة، لكن نظرتها الأخيرة نحو الملهى كانت كمن يُلقي بنفسه نحو مصير لا يعلم عنه شيئًا.

وما لم تكن تعلمه غلوريا... هو أن هذا المكان نفسه، "كالابريا"، سيكون نقطة بدايةٍ لا عودة منها.

في أقصى زوايا القصر الرخامي الفاخر، كانت الغرفة المظلمة يغمرها سكون ثقيل، لا يُكسره سوى صوت خافت لموسيقى كلاسيكية تنبعث من مكبر صوت قديم.

جلس ماتيو على حافة سريره العريض، جسده المسترخي لا يعكس ما يدور في رأسه من صخب، ويداه مستندتان على ركبتيه، بينما عيناه معلقتان في السقف... كأنما يبحث عن شيء ما هناك.

كان شعره الأسود الكثيف ينسدل على جبينه، وذقنه المشذبة بدقة تشي برجُلٍ لا يترك أمرًا للصدفة. وعلى ذراعه وشمٌ قديم، يتداخل فيه العقرب مع وردةٍ سوداء... رمز لا يفهم معناه سوى هو وحده.

همس لنفسه، دون صوت:

"لماذا أعود إلى وجهها؟ مجرد فتاة... اصطدمت بي لثوانٍ، ثم اختفت."

أغمض عينيه. لكن وجهها لم يغادر خياله.

شعرها المبعثر... عيناها الواسعتان، صوت أنفاسها وهي تعتذر على عجل، ثم تندفع كريحٍ هاربة وسط الزحام.

"لم تكن خائفة... كانت تشبه أولئك الذين يهربون من شيء... أو يركضون نحوه."

قام واقفًا، وسار نحو النافذة الكبيرة المطلة على حديقة القصر.

نظر إلى الأشجار الساكنة تحت ضوء القمر، ثم تنهد ببطء.

"سخيف..." قالها بصوتٍ مسموع. "ما الذي يجعلني أفكر بها؟"

هو ماتيو دينارو... من يتحكم في شحنات السلاح، والمخدرات، ويملك رجالًا لا يجرؤون على النظر في عينيه.

رجل لا يثق بأحد، ولا يسمح لقلبه أن ينبض إلا بالبارود.

ومع ذلك..

شيءٌ في تلك الفتاة لم يعرف اسمها حتى علِق بعقله كأنها مفتاحٌ لصندوق مغلق منذ زمن......

وشعرها الناعم الطويل "تخيل شعرها ينسدل على كتفه العاري.....

اقترب من مكتبه وسحب قداحة فضية، أشعل بها سيجارته، ثم جلس على الكرسي الجلد، وقال ببطء:

"لن أبحث عنها... لكن إن شاء القدر أن نلتقي مجددًا، فلن أدعها ترحل بهذه السهولة."

نفث الدخان في الهواء، بينما صوت الموسيقى يرتفع قليلًا... وماتيو دينارو، سيد الظلام،

يكن يعلم...

أن القدر بدأ بالفعل يرسم طريق اللقاء القادم...

دخلت غلوريا شقتها وهي لا تزال مبتسمة، وكأنها تحمل بين ضلوعها بهجة الليل كله.

كانت خطواتها خفيفة، تكاد ترقص بها الأرض، وعيناها تلمعان كأنها تتهيّأ لشيءٍ لا تعرفه بعد، لكن قلبها كان يشعر بأنه قريب... قريب جدًا.

مساء هادئ غرفة "غلوريا" مضاءة بأنوار خافتة، والنافذة مفتوحة على شارع يعجّ بضجيج الحياة.

الموسيقى تنبعث بهدوء من جهازها المحمول، بينما تجلس على حافة السرير، تحدّق في المرآة بعينين لامعتين.

تنهض فجأة من مكانها وكأن فكرة سرت في جسدها كالكهرباء، تلتقط هاتفها وتتصل بصديقتها

غلوريا بصوت دافئ فيه نغمة فرح:

إيزابيل... أما زلتِ على قيد الكسل هذا المساء؟

إيزابيل من الجهة الأخرى، بضحكة خفيفة:

حيّة، لكن بلا حياة تُذكر. أستلقي على الأريكة وأشاهد فيلماً لا يشدّني. لماذا تسألين؟

غلوريا تدور في الغرفة بحماسة:

لأنني قررت أن أكسر هذا الروتين الممل. أريد أن نخرج غدا عند منتصف الليل، أن نمرح كما لم نفعل

إيزابيل تضحك:

أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟ منذ أسبوع كنتِ تقولين إنّ العالم كئيب ولا يستحق الخروج من المنزل.

غلوريا بهمس فيه لمعة في نبرتها:

ربما كان كئيبًا... لكن الليلة مختلفة. أشعر أنني أتنفّس من جديد، وكأن شيئًا ما بداخلي يريد أن يتحرر.

أريد أن أراكِ، وأن نضحك، أن نرقص حتى تتعب أقدامنا.

إيزابيل(بشيء من الفضول:

إلى أين؟ لا تقولي إنك تفكرين في ذلك المكان الذي سمعت عنه الشائعات...

غلوريا ابتسامة واسعة:

نعم... "كالابريا". يقولون إنّه يشبه الحلم، الضوء فيه خافت، والموسيقى تسري في العروق كالسُكر.

أريد أن أضيع هناك، ولو لساعات فقط.

إيزابيل تنهيدة:

وإن تهنا فعلًا، غلوريا؟ ماذا لو لم نجد طريق العودة؟

غلوريا بنظرة عميقة إلى المرآة:

ومن قال إنني أبحث عن العودة؟ أريد أن أضيع، وأنتِ معي. تعالي، لن نكون وحدنا هناك، سيكون الليل حليفنا، والموسيقى مأوانا.

إيزابيل تضحك في النهاية:

حسنًا، سألبس فستاني ... ذاك الذي لا أرتديه إلا في الليالي التي لا تُنسى.

غلوريا تغلق الهاتف

خلعت حذاءها سريعًا، وأسقطت حقيبتها على الأريكة دون اكتراث، ثم اتجهت إلى غرفتها وهي تفتح الأزرار العليا لقميصها الخفيف.

أسندت رأسها إلى الوسادة، وابتسمت... كانت تشعر وكأن شيئًا قادمًا من بعيد... يقترب.

لكنها، كما العادة، لم تكن تعرف... أن القدر أحيانًا يختبئ تحت القماش، خلف باب نادٍ ليلي، وفي نظرة رجلٍ لم يُصدّق أن الحب موجود.

كان الليلُ يسدل أستاره الثقيلة على المدينة، بينما استسلمت غلوريا لنومٍ طويل، كأن جسدها يأبى أن يتحرك قبل أن تحين الساعة المكتوبة في قدرٍ لا تعلمه.

كانت الغرفة تغوص في سكونٍ عميق، لا يقطعه سوى تنفّسها الهادئ، وهي ممدّدة فوق سريرها، أشبه بجسدٍ وُضع بين عالمين

وفي غفلةٍ من الزمن، تسلّل الحلمُ إليها...

كان الضباب كثيفًا، والهواء راكدًا، والضوء باهتًا لا يُدرى مصدره، كأنها واقفة في منتصف مسرح مهجور، تغلفه ظلالٌ لا تنتمي للواقع.

سمعت صوتًا يناديها..

حنونًا، مرتجفًا، مألوفًا حتى في أعماق النسيان:

«غلوريا... صغيرتي...»

التفتت، وإذا بأمّها فايلوت تقف هناك، ترتدي الفستان الأبيض الذي كانت تحبه، عيناها مليئتان بشيءٍ لا يشبه الحبّ هذه المرة... بل الخوف.

ركضت غلوريا نحوها، تودّ أن تعانقها، أن تختبئ في صدرها كما كانت تفعل حين تصاب بكابوس في صغرها.

احتضنتها فايلوت بقوة، وهمست في أذنها

إياكِ والثعبان... ابتعدي عنه، مهما بدا جميلاً، مهما همس لكِ بالطمأنينة، إنه... الظلّ المتربص.»

شدّت عليها أكثر، كأنها تحاول أن تحميها

بجسدها، ثم فجأة، كأن ريحًا مجهولة اجتذبتها، انسحبت بعيدًا وهي تصرخ:

«اقترب أكثر هذه المرة... هو يراكِ يا غلوريا... الثعبان، صار أقرب مما تظنين!»

بدأت الأرض ترتج، والضباب يتكاثف، وظلالٌ تزحف فوق الجدران.

وظهر هناك، على البُعد... ثعبان ضخم، لا صوت له، لكنه موجود، يتحرّك بين الشقوق، يتبع رائحتها، يتغذى على الخوف.

صرخت غلوريا:

«ماما! لا تذهبي!»

لكن الصوت تبعثر، وانطفأ الحلم فجأة.

استفاقت بحدة، شهقة ثقيلة خرجت من صدرها، وكأنّها سقطت من قمة جبل. جلست في سريرها، قلبها يخفق كطبول حرب، وعيناها متسعتان كأنهما تتفحصان العالم من جديد.

نظرت إلى الساعة: العاشرة مساءً.

مرّرت يدها على جبينها، تتلمّس قطرات العرق التي بلّلتها، وهمست:

«نفس الحلم... نفس الثعبان... ونفس التحذير...»

ثم رفعت بصرها نحو السقف، كأنها تبحث عن إجابة بين الشقوق الصامتة، وقالت:

«لكن لماذا الليلة؟ ما الذي ينتظرني هناك؟»

سحبت الغطاء عن جسدها، ونهضت ببطء، غير مدركة أن ما رأتَه ليس مجرد حلم... بل علامة، من عالمٍ لا يُرى، يُحذّرها مما هو آتٍ.

"دعيني أعيش اليوم....

أغمضت غلوريا عينيها للحظةٍ طويلة، ثم فتحتها ببطء، تتنفس بعمقٍ كأنها تطرد كل أثرٍ للكوابيس، كل ظلٍ زحف من الحلم إلى صدرها.

جلست على حافة السرير، تسند رأسها بين كفيها، وتمسح ما تبقى من أثر الرؤيا في ذاكرتها.

قالت لنفسها بنبرة خافتة:

- «لا بأس... اليوم لن أسمح لشيءٍ أن يعكر صفوي. هذا يومي.»

نهضت، بخطواتٍ هادئة، وفي انعكاس المرآة المقابلة، ظهر وجهها الشاحب قليلًا من أثر النوم، ولكن فيه فتنة من نوع آخر... تلك الفتنة النائمة خلف ستار النعاس، بعينيها الواسعتين، وشفتَيها الممتلئتين، وخصلات شعرها المتناثرة كأغنية لم تُكتَب بعد.

رغم شحوب الصباح، إلا أن عيناها احتفظتا بذلك البريق العميق... بريق الأنثى التي تُخفي وراء هدوئها عاصفة لا تُروى.

مرّت أصابعها على عنقها بخفه

مرّت أمام المرآة الكبيرة، ثم وقفت قليلًا، تنظر إلى ذاتها.

لم تبتسم، لكنها أيضًا لم تتهرّب من نظراتها لنفسها هذه المرة.

قالت بهمسٍ داخلي:

«أنا أستحق لحظة سلام واحدة... لحظة واحدة فقط.»

ثم ذهبت لتختار ما ترتديه، وهي تُخفي قلبها المرتجف خلف ابتسامة خفيفة.

في قلب إحدى الضواحي البعيدة، حيث تذوب أضواء المدينة خلف بواباتٍ حديدية، وقف ماتيو دينارو وسط كتيبةٍ من رجاله، داخل قاعة واسعة تكسوها الظلال، لا يُسمَع فيها سوى صدى الأوامر المتتابعة، وهدير الأسلحة وهي تُعدّ وتُحمَّل.

كان واقفًا بثبات، يرتدي بذلة داكنة تُخفي جسدًا رياضيًا صلبًا، فوق كتفه سترة جلدية مرصعة بشعارٍ محفور: رأس ذئب يزمجر، رمز آل دينارو.

صمته كان مخيفًا... ونظراته أشد.

كان لا يحتاج إلى رفع صوته، فكل من حوله يعرف أن همسته تسبق العاصفة.

تقدّم منه أحد رجاله الموثقين وصديقه المقرب رافييل وقال باحترام:

«السيارات جاهزة، والسلاح مُفحَص، وكل فريق يعرف مكانه، سيدي.»

لم ينظر ماتيو إليه مباشرة، فقط قال ببرود:

«أي خلل صغير الليلة... يُكلفكم أرواحكم، قبل أن يُكلفني سمعتي.»

ثم استدار ببطء نحو طاولة خشبية عليها مخطط كامل للملهى الليلي: المخارج، الكاميرات، الزوايا الميتة.

أشار بأصبعه على نقطة قريبة من مدخل خلفي:

«هذه ستكون نقطة الالتقاء... لا نستخدم

المدخل الرئيسي إلا في حالة طارئة.»

اقترب منه رافييل ، وهمس له

«الشحنة كبيرة... هل تثق بهم؟»

ابتسم ماتيو بسخرية، ثم قال:

«أنا لا أثق بأحد. ولكنني أراقب الجميع.»

ثم تابع بنبرةٍ حاسمة:

«أي تحرّك خارج الخطة يُعَدّ خيانة. والخيانة... لا تُسامَح.»

سكت لثانية، ثم أخرج من جيبه ساعة جيب فضية، نقر عليها بإبهامه، وأعلن:

«تجتمعون مجددًا عند منتصف الليل. التحرك سيكون في تمام الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة. كل ثانية محسوبة... وكل نظرة تُرصد.»

ثم أضاف ببطء، وهو يرفع عينيه إلى السقف، كمن يشم رائحة الخطر:

«في الليل، تسير الثعابين... والضعفاء لا يُجيدون الرقص مع الثعبان.»

ساد الصمت، ولم يُسمَع سوى صوت خطواته وهو يغادر القاعة، و ورافييل و رجاله يتبعونه بنظراتٍ مشوبة بالخوف والولاء معًا.

في باحةٍ واسعة تحيطها الأسوار العالية والكاميرات، خرج ماتيو دينارو من بوابة القصر، بخطواتٍ ثابتة تُعلن عن حضورٍ لا يُشبه سواه.

الهواء الليلي كان ساكنًا، كما لو أنه يحبس أنفاسه احترامًا لمروره.

كان يرتدي قميص سوداء أنيقة يبدو ك ظلمه الليل ، ونظارات شمسية حتى في الظلام، كأنه يُخفي أكثر من مجرد عينيه... كأنه يُخفي ماضيًا كاملًا، ودماءً سالت دون أن تُرى.

في يده اليمنى، حقيبة سوداء متينة، بداخلها أحجار ألماس بحجم الأحلام، وأثمانُ موتٍ تنتظر صفقةً من نوعٍ خاص.

أمر بصوته الجهوري:

«احضِروا السيارة.»

فاندفع رجاله كالأشباح من كل الزوايا.

خمسُ عرباتٍ مدرعة، سوداء اللون، تبرق تحت ضوء المصابيح، تقف كأنها جدران متحركة تحيط بملك لا يُسمَح لظله أن يُلمَس.

فتح أحدهم باب السيارة الفارهة، دون أن ينطق بحرف.

دخل ماتيو بخطوةٍ واثقة، جلس على المقعد الجلدي الخلفي، ووضع الحقيبة بجانبه، ثم أشار بيده:

«نحو كالابريا

تحرك الموكب ببطءٍ أولًا، ثم اندفع في قلب الليل بسرعةٍ محسوبة، كل سيارة تُغطي الأخرى، وكل عينٍ تترصّد المجهول.

في كل زاوية من العربات، رجال يرتدون السواد، يحملون السلاح، وأعينهم لا ترمش، وكأن الخطر أقرب مما يُظَن.

داخل السيارة، جلس ماتيو صامتًا... يعبث بخاتمه الذهبي الذي يحمل أول حرف من اسمه، وعقله يُفكر في الخطة القادمة.

«الألماس يُباع مرة واحدة... لكن الهيبة تُشترى كل يوم.»

قالها لنفسه، بصوتٍ خافت، وابتسامةٍ جانبية

كان يعرف أن الليلة ليست عادية...

كان يشعر بشيء ما..

ولكنه، كما العادة، يُجيد الرقص على الحافة.

وصل الموكب.

توقفت العربات السوداء أمام بوابة الملهى الليلي الأوسع شهرة في مكسيكو سيتي.

ضوء النيون ارتعش للحظة كأنما خاف... وكأن الليل نفسه تنحّى جانبًا احترامًا للقادم.

فتح الحارس الباب بسرعة، وانحنى في توترٍ ظاهر، ثم ابتعد دون أن يجرؤ على النظر في عيني القادم.

هبط ماتيو دينارو و رافييل من السيارة ببطءٍ محسوب، كأنه لا يتحرك، بل يجعل الأرض تتبدّل تحت قدميه.

سكون مفاجئ.

الموسيقى في الداخل مستمرة، لكنها صارت أضعف في الوعي، كأن العقول جميعها التفتت

لرجلٍ واحدٍ فقط.

رجال الأمن على الباب الخارجي تصلبوا، ثم انسحبوا للخلف بهدوء.

الروّاد توقفوا عن الرقص، عن الشرب، عن الضحك..

الرجال رمقوه من طرف عيونهم.

النساء، كالعادة، نظرن نحوه بانبهارٍ وجشعٍ خفي وشهوه يعرفن اسمه... يعرفن سُمعته... ويُدركن جيدًا ما يعنيه قضاءُ ليلةٍ مع رجلٍ يُقال إنه يشتري المدن

لكن عينيه لم ترمق إحداهن.

لم يكن يبحث عن رغبةٍ، بل عن صفقة.

عن حربٍ خفية، لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالذكاء، وبالهيبة.

ولكل رافييل كان ينظر للنساء والكحول والرقص وكل شي وهو يبتسم

ينظر اليه ماتيو وهو يعرف ما يفكر به رافييل ويقول له: لا تفكر حتى في ذلك الان... ربما عند انتهاء الصفقه. ماتيو يغمز له بمزاح

توقف عن المزاح

ثم أشار لأحد رجاله:

«الطابق العلوي. الغرفة الخاصة. تأكّد من التفتيش ثلاث مرات.»

أومأ الرجل في صمت، ثم اندفع نحو الداخل.

تحرّك ماتيو وسط الممر، تتبعه ثلاث ظلال.

رجاله، كلٌّ منهم يرتدي بدلة سوداء، وسلاحه تحتها مُجهّز، وإن لم يظهر

عند الخصر، أو خلف الظهر...

الرصاصة جاهزة قبل أن تنطق الشفاه.

الممر ينفتح أمامه كأنّ الهواء نفسه يُفسح له

المجال.

من حوله، بعض رجال الأعمال ألقوا عليه تحية خافتة، آخرون أداروا وجوههم تجنبًا لنظرةٍ قد تُكلّفهم حياتهم.

وصل إلى بابٍ خشبيٍّ ثقيل، محفور عليه شعار الأسد الذهبي... غرفة كبار الشخصيات، لا يدخلها إلا من كُتب اسمه بالدم.

دخل، جلس على الأريكة الجلدية الداكنة، وضع الحقيبة الأنيقة أمامه، وأسند ظهره للخلف بثقةٍ صامتة.

أخرج من جيبه سيجارًا فخمًا، أشعله، نفث دخانه للأعلى، وقال لرجلٍ بجانبه دون أن ينظر له:

«الليلة لا أريد مفاجآت. اجعلهم يعرفون أن دينارو لا يُخدَع.»

لكن رافييل يتسلل لخارج الغرفه الى الطابق السفلي بعد ان وجد ان الوضع ربما تحت السيطره

دقّت عقارب الساعة ١٢ من منتصف الليل، حين توقّف التاكسي أمام مدخل الملهى الليلي الفخم، والذي يختبئ خلف بوابة سوداء ضخمة، يتخلّلها نور أزرق متقطّع.

أصوات الموسيقى كانت تهتزّ في الهواء، كأن الأرض نفسها تتنفّس إيقاعًا خفيًّا.

نزلت غلوريا مع ايزابيل من السيارة بخطوات واثقة، كأنها على خشبة مسرح لا يعرف الجمهور ما سيحدث فوقه.

ارتدت فستان اسود ينتهي قبل ركبتيها ببضع إنشات ومرسومًا على جسدها كأنه قطعة منها.

شعرها كان مسدولًا على كتفيها بحرّية، يلمع تحت الأضواء النيونية، وشفاهها المطلية بلون التوت العميق زادتها فتنةً وسط الزحام.

وكانت ترتدي ايزابيل فستان بلون جميل يميل للاخضر والازرق سويا ومكياج بنفس لون الفستان وكعب و شعرها الكيرلي ينسدل على كتفها.

حين دخلتا إلى قلب الملهى، توقّف بعض الرجال عن الرقص، ونظروا إليهم وكأنهم رأوا شبحًا جميلاً خرج من نغمةٍ قديمة ينظرون لهما بشهوه وجوع شديد.

همسات خافتة، نظرات مسروقة، وبعض النساء رمقنها بنظرات لا تخلو من الغيرة أو الفضول.

الملهى من الداخل كان عالمًا آخر:

أضواء حمراء وزرقاء ترقص على الجدران، دخان خفيف يعوم في الأجواء، والسقف العالي يختبئ خلف أقمشة مخملية داكنة.

الناس كأنهم ممثّلون في حفلةٍ سريّة، يبتسمون ويرقصون ويشربون، لكن في عيون بعضهم شيء من الظل... شيء لا يُقال.

الأضواء تتراقص على الجدران، الموسيقى تنبض في الهواء، والأنفاس تختلط بعطر الليل والأنغام.

تجلس "غلوريا" و"إيزابيل" على مقعدين مرتفعين عند حافة البار، أكواب العصير بين أيديهما، وعيناهما تجوبان المكان بتسلية واضحة.

إيزابيل وهي تميل برأسها نحو غلوريا، تهمس بنبرة مشاكسة:

رأيتِه؟ الرجل الذي ينزل من الطابق العلوي ... ذلك الذي يرتدي المعطف الأسود.

غلوريا ترتشف من كأسها، ثم تبتسم بمكر:

من عساه يكون؟ فارس الليل؟ أم مجرد ظل وسيم يتجوّل بحثًا عن فتنة جديدة؟

إيزابيل تضحك:

أظنه أكثر من ظل... انظري لطريقته في السير، وكأن الأرض لا تجرؤ أن تعترض خطاه.

غلوريا تنظر نحوه دون أن تدير رأسها مباشرة، بعين نصف مغمضة:

والعينان؟ رأيتِ عينيه؟ فيهما شيء... شيء لا يُقال، لكنه يُشعر.

إيزابيل بنبرة جديّة متصنّع:

أعتقد أنه لاحظنا، أو هكذا أتمنى.

إن لم يكن قد لاحظنا بعد، فليكن... سنمنحه سببًا ليفعل.

غلوريا:

ما الذي تخططين له الآن، يا ايزابيل

ايزابيل ترفع كأسها نحوه من بعيد بخفة، وكأنها تشرب نخب حضوره دون أن تنظر إليه مباشرة:

لا شيء صاخب... فقط لُعبة أعين، وابتسامة صامتة. دعيني أعلّمه فنون الصيد الأنثوية.

غلوريا

إنه ينظر الآن... أقسم أنه ينظر! وابتسم.

ايزابيل:

ابتسمي له... لا نريد أن نظهر كأننا صيّادتان، بل كأننا كنز من الجمال جاء هو ليكتشفه صدفة.

غلوريا:

وهل ترينه يستحق أن نُكشف لأجله؟

ايزابيل:

لا أعلم... لكن بعض الوجوه تُشبه القصائد، حتى وإن لم نفهم معناها من النظرة الأولى، لا يسعنا إلا أن نقرأها بتمعّن

ارتفعت الموسيقى شيئًا فشيئًا، حتى غمرت المكان بإيقاعٍ صاخبٍ ينبض في العروق.

أضواءٌ حمراء وزرقاء تدور حول الجدران، تختلط بظلال الناس المتحركة، وبينهم كانت غلوريا وايزابيل، يقفات عند حافة حلبة الرقص، تضحكان وترقصان سويا ويتكلمون ويشربون حتى الثماله وهي تحمل وعيناهم تلمعان تحت الأضواء.

لم تكن غلوريا ثمِلة... بعد، لكنّ شرارة الغرابة في هذا اليوم، ممزوجة بإحساس التحرّر، جعلتها أخفّ من الهواء.

شعرت وكأنّ شيئًا ما ينكسر داخله، شيئًا كان يُقيّدها لأعوام. وكأنّها أخيرًا تخلّت ولو لوهلة عن كل الأثقال، لتتنفّس الحياة كما هي، بلا أسئلة... بلا جروح.

أغمضت عينيها لحظة، ثم رفعت رأسها وابتسمت لنغمةٍ مألوفة، أغنية لاتينية قديمة كانت والدتها تغنيها وهي تنظف البيت. ضحكت غلوريا وهمست:

"حتى هنا... تلحقني أغانيكِ يا أمي؟"

ثم رفعت الكأس، وشربت ما تبقى من السائل الدافئ، ووضعت الكأس على الطاولة خلفها، قبل أن تنطلق... نحو الرقص. مع ايزابيل وهما يتمايلان سويا ويحركون شعرهم وصوت الموسيقى الصاخب يعم المكان

دخلت بين الناس، كأنها موجةٌ صغيرة تشق طريقها بين أمواجٍ صاخبة. جسدها كان يتمايل بخفة، خطواتها تندمج مع الإيقاع بانسيابية، وكأنها وُلدت من نغمةٍ ما. كتفاها يتحرّكان برشاقة، وخصرها ينحني وينتعش في كل إيقاع، حتى بدت كمشهدٍ منفصلٍ عن الفوضى، لوحةٌ من الضوء والأنوثة.

شعرها الطويل المتماوج كان ينسدل بحرية على كتفيها وظهرها، يتطاير كلما استدارت، يضيء بلمعانٍ ناعم تحت الأضواء البنفسجية.

عيناها؟ كأنهما تلمعان بغموضٍ لا يُفسَّر. كأن الألم الذي دفنته داخله لسنوات، يخرج الآن على هيئة رقصٍ وجنونٍ مؤقت... لحظة انعتاق من الماضي.

ضحكت. بعمق مع ايزابيل. ضحكة صافية لا تحمل شيئًا من الحزن، وكأنها لم تكن تلك الفتاة التي قضت ليلتها الماضية تعانق صورًا مغبرة وتبكي على وسادة باردة.

رقصت، تمايلت، استدارت حول نفسها...

كأنها طفلةٌ تجري في المدى.

كأنها امرأةٌ تُولد من جديد.

الملهى لا يزال ينبض بالموسيقى، لكن الزمن يتباطأ قليلًا حين يقترب الرجل الوسيم بخطوات ثابتة نحو الطاولة.

غلوريا تلاحظ اقترابه، ترفع حاجبًا بخفّة، بينما إيزابيل تُخفي ارتباكها خلف رشفة من كأسها.

الرجل صوت منخفض، عميق، يحمل ثقة لا ادّعاء فيها:

مساء الخير... أرجو أنني لا أقطع حديثًا مهمًّا؟

إيزابيل ترفع عينيها إليه، تبتسم بهدوء دون أن تُجيب مباشرة:

ليس بحديث، بل تأمّل... بدا وكأنك جزء منه.

الرجل ببتسم ابتسامة جانبية خفيفة:

إن كان تأمّلًا، فآمل أن تكون رؤيتي قد أضافت شيئًا جميلًا للمشهد.

غلوريا بصوت ناعم تتدخل، دون أن تنظر إليه:

على الأقل لم تُفسده... وهذه نقطة تُحسب لك.

الرجل يلتفت إليها باحترام، ثم يعود بنظره إلى إيزابيل:

في الحقيقة... كنت أمرّ قربكما، ولاحظت ابتسامة، لا أدري إن كانت موجهة نحوي... أم أنّني توهمت.

إيزابيل ترفع كأسها قليلًا، وتبتسم بلُطف:

أحيانًا، التوهّم أجمل من الحقيقة... أليس كذلك؟

الرجل يضحك بخفّة، ثم يقترب خطوة:

وأحيانًا، يُشجّعنا التوهّم على الاقتراب... كما أفعل الآن.

غلوريا تراقب بصمت، بينما عيناها مليئتان بالفضول، ونصف ابتسامة تتسلل إلى شفتيها:

وهل للاسم أن يكون وهماً أيضاً... أم أنّك ستُخبرنا به قبل أن ننسى كيف نُناديك؟

الرجل ينحني قليلًا باحترام، دون مبالغة

إسمي "رافييل".

وأظنّ أنكما... لستما بحاجة إلى مقدمات. أنتما أوضح من أن تُخفيا نفسيكما خلف أسماء.

إيزابيل تضحك بخفوت، ثم تنظر إليه بثبات:

رافييل... اسم يحمل نغمة غريبة... هل أنت من هنا؟

رافييل ينظر حوله للحظة، ثم يردّ دون أن يبعد عينيه عنها:

لست من مكانٍ بعينه... لكن الليلة، هذا المكان يشبهني. غامض، صاخب، ووحيد في قلب الزحام.

غلوريا تهمس لنفسها وهي ترتشف من كأسها:

جميل أن نسمع شيئًا من الشعر... حتى ولو من شفاه رجل لا نعرف قصته.

رافييل بنظرة مباشرة لإيزابيل:

أنا لا أبحث عن أن أُروِي قصة الليلة... بل فقط أن ابدائه

رافاييل لا يزال واقفًا أمامها، صامتًا للحظة، ثم يخطو إلى الأمام بخطوة واحدة فقط، تكفي لتقليل المسافة إلى حدود الخطر الجميل.

رافييل بصوت هادئ، لكنه عميق كنغمة خفيّة:

هل ترقصين؟

إيزابيل تتوقف للحظة، تنظر إليه بنظرة نصف مُندهشة، نصف متمرّدة:

أرقص؟ ولماذا أرقص؟ هل يبدو لي الليل راقصًا إلى هذا الحد؟

رافييل يميل قليلاً، كأن صوته يُلامس أذنها دون أن يقترب فعليًا:

بل أنتِ من تُشبهين الليل... غامضة، وساكنة من بعيد، لكن من يقترب، يسمع الموسيقى بداخلك.

نظرة سريعة تمر بينهما، ثم يُمدّ يده نحوها، راحة يده مفتوحة، لا تُجبر ولا تتوسّل، بل تنتظر

رافييل بابتسامة خفيفة:

امنحيني لحظة... لا أكثر

. نترك الكلمات جانبًا، ونرى ما تقوله الأقدام حين تختلط بالأنغام.

إيزابيل تتأمل يده للحظة، ثم ترفع نظرها إلى وجهه:

وإن سرقني الإيقاع منك... هل ستعيدني، أم تتركني أضيع في الزحام؟

رافاييل بهمس:

إن ضعتِ... سأضيع معك. هذا وعد لا يُقال، بل يُرقص.

تتردد، لكن ابتسامة صغيرة ترتسم على زاوية شفتيها، ثم تضع يدها في يده ببطء.

يُمسك بها برفق، كما يُمسك أحدهم بموسيقى خفية لا يريد أن تنكسر.

غلوريا من بعيد، تراقب المشهد بنصف ابتسامة ساخرة، ترفع كأسها وحدها وتهمس:

إيزابيل... ها أنتِ تسقطين في الحكاية.

ينسحب بها رافاييل نحو ساحة الرقص، حيث الأضواء تخفت قليلًا، والإيقاع يتباطأ. لا كلمات، فقط يد تمسك بيد، وجسد يقترب من جسد، وخطوات تُكتب بين النبضات.

إيزابيل تهمس له وهي ترقص:

لا تحاول أن تقرأني... أنا لا أُقرأ، بل أُعاش.

رافييل ببتسم بعينيه فقط

ولهذا جئت إليكِ... لأعيشك، لا لأفهمك.

قررت غلوريا ان تتركهم لوحدهم وهي تذهب للرقص لوحدها ولحظه سكينه ولكنها احبت ان صديقتها مستمتعه

ولم تكن تعلم... أن على بُعد طابقٍ واحدٍ فقط، خلف زجاجٍ مظلم وستائر ثقيلة، عينان سوداوان راقبت الحشود من أعلى، دون أن تدرك أن هي... كانت ترقص أسفل الظل مباشرة.

ولكنه لم يكن بعلم انها هي الفتاه الذي اصدمت به في المطار الذي اخذت عقله

كانت الغرفة المخصصة لكبار الزوّار داخل الملهى الليلي مظلمة بشكلٍ مقصود.

إضاءة صفراء مائلة للحمرة تنسكب من الثريا المنخفضة، تعكس ظلالًا غير منتظمة على الجدران المخملية، كأن المكان ذاته يراقب كل حركة

جلس ماتيو في المقعد الجلدي الكبير، وساقاه متباعدتان، جسده مرتخٍ... ولكن شيئًا في حضوره جعل الرجل الآخر كارلوس سوليداد.

يتصبّب عرقًا دون سببٍ واضح.

أخرج كارلوس سوليداد. حقيبة سوداء ووضعها على الطاولة أمامه.

«الشحنة كاملة. الأموال كما اتفقنا، سيد دينارو.»

لم يتكلم ماتيو.

مدّ يده ببطء، فتح الحقيبة، لم ينظر إليها فورًا، بل ظل ينظر في وجه كارلوس سوليداد..

ثم، أخيرًا، حوّل نظره إلى الداخل.

أخذ بضع رزم نقود من الحقيبة، وضع واحدة منها على الطاولة.

أخرج سيجارًا، أُشعل بلا استعجال، ثم قال بهدوء مميت:

«هل تعرف ما الذي يجعل المال حقيقياً؟»

لم يُجب كارلوس سوليداد.. ارتبك.

تابع ماتيو بصوته العميق البارد:

«ليس الورق. ليس الحبر. بل... الخوف.

المال الحقيقي

له رائحة

رائحة بنوك كبيرة.

أمن إلكتروني... تاريخ.

لكن هذه...

رفع ورقة، قرّبها من أنفه، ثم قطّب حاجبيه.

رائحتها مثل خوفك الآن.....

كارلوس سوليداد. ابتسم بارتباك:

أقسم أنها أصلية... حصلت عليها من جهة موثوقة.

موثوقة؟

ضحك ماتيو ضحكة قصيرة، لكنها جعلت أحد رجاله يشد قبضته على سلاحه.

أنا الجهة الموثوقة الوحيدة هنا يا كارلوس سوليداد...

ثم أخذ الولاعة من الطاولة، وأشعل طرف إحدى الأوراق.

احترقت ببسرعه

«أموال حقيقية لا تحترق بهذه السرعة... إلا لو كانت من ورق مزوّر.»

لم ينبس أحد بكلمة.

انتهت الورقة إلى رماد، تطاير فوق الطاولة.

ماتيو نظر إليه نظرة طويلة، قبل أن يقول:

جئت لتكذب... على رجل لا يُخدع؟

ثم مالت رأس ماتيو قليلاً، وهمس لرجاله:

«هذا الاجتماع انتهى.»

ازدحمت الرؤوس، وعلت الأصوات، وتراكمت أنفاس الغرباء في الهواء حتى شعرت غلوريا بأنّها تحتاج لبعضٍ من الصمت، شيءٍ يشبه العُزلة ولو لدقائق.

مدّت يدها إلى وجهها، شعرت بحرارة خديها، وببعض قطرات العَرق عند أعلى جبينها وقالت ل ايزاببل انها ستذهب للحمام وان تنتظرها .

اقتربت من المرأة التي تقف عند طاولة المشروبات وسألتها:

"عذرًا... أين الحمّام؟"

المرأة ابتسمت بإجهاد وأشارت إلى السلالم على الجهة المقابلة:

"في الطابق العلوي، نهاية الممر جهة اليسار."

أومأت غلوريا لها شاكرة، ثم أدارت جسدها متّجهة نحو السلالم..

كانت خطواتها متزنة، لكن داخلها... لم يكن كذلك.

صوت كعبها العالي بدأ يتردد على درجات السلم الحديدي، نقـر... نقـر... نقـر...، يعلو في المكان كإيقاعٍ منفصل، لا تُغطيه حتى الموسيقى التي تصرخ في الأسفل.

كانت تشعر بنظرات تُلاحقها من أسفل، لا تدري من يراقب من، لكنها لم تلتفت.

الدرجات المعدنية كانت تلمع تحت ضوءٍ خافت، ويداها ترتكزان برفق على السور الأسود البارد. كلما صعدت خطوة، زادت المسافة بينها وبين الضجيج، وكأنها تغادر عالمًا صاخبًا لتدخل في غموضٍ آخر... أشد هدوءًا، وأشد توترًا.

وصلت إلى أعلى السلالم، فتحت بابًا نصف مغلق، فاستقبلها ممر طويل، مغطى بسجّاد داكن، وأضواء خافتة تتدلّى من السقف.

الجو هنا مختلف... أنيق، ثقيل، يشبه المكاتب القديمة أو الصفقات السرّية.

همست لنفسها بابتسامة مشوشة:

"كأنني دخلتُ عالمًا آخر... لكن لا بأس، فقط أحتاج مرآة وبعض الهدوء."

الآن أصبحت أكثر نعومة، وكعباها يضربان الأرض بصوتٍ مكتوم، لكنّه لا يزال موجودًا، يُنبّه المكان لوجودها.

كانت ثمله للغايه من الكحول ولم تتذكر الامراه قالت لها اتجاه يسار ام اتجاه الايمن ولكنها اختارت الايمن

دفعت غلوريا البابَ الخشبيَّ ببطء، صريرٌ خافت مزّق سكون الممر، ورائحةٌ غريبة زحفت إلى

أنفها... مزيج من بارودٍ وعرقٍ ودم.

كانت الغرفة مظلمة إلا من نورٍ أصفر خافت يتدلّى من السقف، لا يكشف كل شيء، بل يكتم الأسرار أكثر مما يفضحها.

خطت خطوة واحدة فقط...

ثم تجمّدت.

رأت أول ما رأت جسدًا ممددًا على الأرض، ذراعاه مفرودتان، عيناه زائغتان، وفمه مفتوح كأن صرخته الأخيرة ما زالت عالقة في الهواء.

بقع الدم تغطي الأرضية الرخامية، وتنساب على نحوٍ بطيء كأنها تحاول الهرب من الجريمة.

أمامها وقف ثلاثة رجال، أجسادهم كالصخور، مسلّحين، صامتين... لكنهم لم يكونوا النجمة في هذه المسرحية المظلمه

كان هو...

ماتيو دينارو.

يقف في منتصف الغرفة، قميصه الأسود ممزق قليلاً من الجهة اليمنى، كأن معركة قد اندلعت منذ لحظات فقط.

يده اليمنى ترتفع، تُمسك بمسدس فضي، لا يزال الدخان يتصاعد من فوهته.

واليد الأخرى مسترخية، لكن فيها التهديد نفسه.

حين وقعت عيناه على غلوريا...

لم يتحرك.

لم يندهش.

لم يخفِ سلاحه

ولكن قلبهه بنبض بشده لانه رائهه مجددا

بل نظر إليها... نظرة ثابتة، ثقيلة، كأنها أوقفت الهواء حولها.

وعيناه...

لم تكونا مثل عيون الرجال العاديين.

بل كانتا كأعمق بئرٍ في صحراء الليل، يختبئ فيهما الغضب والعزلة والسرّ.

تلاقت عيونهما في صمتٍ قاتل.

المسدس لا يزال في يده.

وهي واقفة هناك، مذهولة، تتنفّس بصعوبة... فستانها الأسود يهتز قليلاً من خفقة قلبها.

الغرفة صارت كأنها بلا صوت.

كأن العالم انكمش ليصبح مجرد لحظة.

لحظة بها رائحة الدم.

وصوت العيون

وقدر جمع شخصين من جديد في ظروف غير مناسبه

انتهى

رائيكم

✨5الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة