عيد لم يكتمل

عيد لم يكتمل

24 0

٢٠٢٥

الليل في تيخوانا لا يُشبه ليل المدن الأخرى... هنا، لا تُطفأ الأنوار، بل تُطعن. ولا تسكن الأرواح، بل تتربّص خلف الزوايا كذئاب تنتظر رائحة الدم.

كانت غلوريا تركض. لا لأنها تعرف أين المفرّ، بل لأنها لم تعُد تحتمل أن تقف. ظلالٌ سوداء تعبر الجدران، أقدامها تنزلق فوق الأسفلت الرطب، والهواء خلفها يركض أيضًا... كأنه خائف معها، أو منها.

قلبها يضرب صدرها كطبول حربٍ داخلية، وكل خطوة تقرّبها من اللاشيء... من الفراغ. كانت تركض، لا نحو الأمان، بل هربًا من اللحظة، من اسمه، من صوتها وهي تناديه في الظل.

"لماذا أعود؟ لماذا لا أنسى؟ لماذا لم أقتله حين أتيحت لي الفرصة؟"

كانت تلك الأسئلة تعصف برأسها، كأمواج تتكسر فوق صخور ذنبٍ لا اسم له.

أطلقت السماء صوت رصاصة... أو ربما كان قلبها. لا فرق. كل شيء بات يتشابه حين يصبح الخوف لغتك الأم.

"غلوريا."

جاء صوته من الخلف... كأن الليل نفسه لفظه. لم تكن مضطرة للالتفات، تعرفه من النبرة... النعومة التي تُخفي قسوة، والهدوء الذي يسبق الأعاصير.

توقّفت. ليس لأن قدميها استجابتا، بل لأن النجاة

لم تعُد تشبهها.

"هربتِ مني مرّة أخرى."

قالها وهو يقترب، كأن كل خطوة منه تغلق بابًا للهروب. رمقها بعينين لم تفهمهما يومًا... عينان تشبهان الكفن، جميلتان، لكنك لا تخرج منهما حيًّا.

"مَن قال إنني أهرب منك؟"

قالتها وهي تُخفي الارتجاف تحت ضلوعها. لكنها كانت تعرف أنها تكذب، أنها تهرب منذ اللحظة الأولى... ومنذ اللقاء الأول.

اقترب أكثر، لم يتبقَ شيء بينهما سوى نفسها وهي تحاول أن تبقى واقفة، تحاول أن لا تسقط مجددًا... لا بين ذراعيه، بل داخله.

ثم قال، بصوتٍ لم تسمعه من قبل، بصوت رجلٍ لا يخجل من ضعفه:

"أتعرفين مَن أنتِ بالنسبة لي؟... أنتِ خطيئتي الحلوة..."

وفي عقلها صرخة مكتومة: "لا تقولها... لا تُغرقني أكثر

الرجوع للزمن  ست عشر عاما... 2009

تسلّلت أشعة الشمس الأولى عبر ستائر الغرفة البيضاء، لتداعب جفني الطفلة غلوريا راميريث، ذات الخمس سنوات.

فتحت عينيها ببطء، كمن يعود من عالم الأحلام على مهل. كان اليوم عيد ميلادها، وكانت تعلم، بقلبها الصغير، أن شيئًا جميلاً ينتظرها.

تقلّبت في فراشها الهادئ، وقد لُفَّ بجانبها دبٌ قطنيّ بالٍ أطلقت عليه اسم "مانويل"، تحتضنه كلّ ليلة، كأنه يحرسها من كوابيس لا تعرف عنها شيئًا بعد.

تنهّدت، ثم جلست متربعة على السرير، عيناها تتوهجان ببريق الطفولة، ووجهها المشرق يعكس دفءَ بيتٍ لم يكن يومًا ناقصًا من الحب.

"امي!" صاحت بصوتٍ ناعم.

لم تمضِ ثوانٍ حتى فُتح الباب، ودخلت امرأة بشعر كستنائي مرفوع في كعكة مرتخية، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون الخزامى، كانت فايلوت دلغادو والدتها - امرأة أمريكية الأصل، رقيقة الطبع، تحمل في عينيها حزنًا قديمًا، لا يظهر إلا حين يغيب عنها الجميع.

قالت بابتسامة دافئة:

"صباح الخير، أميرتي... عيد ميلاد سعيد."

هرعت غلوريا إلى حضنها، ودفنت وجهها في عنقها.

"هل أحضرتِ لي مفاجأتي؟" سألت بلهفة وهي تضحك.

ضحكت فايلوت، وقالت بمكر:

"من قال إن هناك مفاجأة؟"

"أشعر بها!" قالت غلوريا بثقة.

وبينما كانتا تتبادلان الضحكات، سُمع صوت رجوليّ من خارج الغرفة:

"هل نسيتما أن هناك كعكة في المطبخ؟ وأحدهم قطع أول شريحة دونكِ!"

صرخت غلوريا بمرح:

"ابي!!"

كان لويس راميريث، والدها... رجلًا مكسيكيًّا في بداية الأربعينيات، بوجهٍ ودودٍ، وعيون داكنة تنضح بالطمأنينة، دائمًا ما كان صوته يشبه الدفء في ليالي الشتاء. قد كان حاضرًا في كل لحظة، يحميها، ويعلّمها، ويغمرها بحنانه.

ركضت إليه، فرفعها بيديه القويتين عاليًا، ثم أنزلها وقبّل جبينها.

"صباح الخير، عيد ميلاد سعيد، يا أجمل ما في الكون!" قالها وهو يضغط على أنفها بحنان.

"أين المفاجأة؟" همست بعينين متوهجتين.

"ستكتشفينها بعد الإفطار... لكن أولًا، ارتدي ملابسك بسرعة. لدينا رحلة اليوم."

"رحلة؟ إلى أين؟"

"سنذهب إلى الجبل، حيث وعدتكِ بأن نريكِ النجوم من فوق السحاب." قالها وهو يومئ بعينيه لفايلوت، التي أومأت بابتسامة مريبة.

قالت فايلوت: "اذهبي لتغسلي وجهكِ، وارتدي قميصكِ الوردي، اليوم سنحتفل بطريقة مختلفة."

ركضت غلوريا خارج الغرفة وهي تضحك، لا تدري أن هذا اليوم، سيُطبع في ذاكرتها إلى الأبد.

كانت الشمس تزحف على قمم الجبال كخيطٍ من ذهب، تنثر ضوءها على الطريق المتعرج في عمق المكسيك، حيث الأشجار تتمايل بهدوء كأنها تُلوّح للعابرين وداعًا خفيًّا. وفي سيارةٍ رمادية اللون، تجلس غلوريا الصغيرة، ابنة الخمس سنوات، بين أبويها، وهي لا تكفّ عن التحديق في الطريق بخدّين محمرّين من الحماس.

قالت بصوتٍ تغلّفه براءة الطفولة:

"ابي، متى سنصل؟ أريد أن أرى الغيوم من فوق الجبل! اليوم عيد ميلادي، لا تنسَ!"

ضحك لويس راميريث، كان الأب في عينيها وقلبها. مدّ يده ليربت على رأسها وقال:

"ما دامت أميرتي بجانبي، فكل طريق هو احتفال. دقائق فقط وسنكون هناك."

من المقعد الأمامي، التفتت فايلوت، المرأة التي تحمل الجمال على هيئة صبر، وقالت بلهجةٍ دافئة:

"وأنا حضرت لكِ كعكتك المفضلة... لكن لن تأكليها قبل أن نغني أولاً، اتفقنا؟"

هزّت غلوريا رأسها بفرح، ثم اقتربت من أمها لتقبل خدها، وقالت هامسة:

"أحبكما... أنتِ وهو."

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه فايلوت، لم يدركها أحد

في ركضت إليه، فرفعها بيديه القويتين عاليًا، ثم أنزلها وقبّل جبينها.

"صباح الخير، عيد ميلاد سعيد، يا أجمل ما في الكون!" قالها وهو يضغط على أنفها بحنان.

"أين المفاجأة؟" همست بعينين متوهجتين.

"ستكتشفينها بعد الإفطار... لكن أولًا، ارتدي ملابسك بسرعة. لدينا رحلة اليوم."

"رحلة؟ إلى أين؟"

"سنذهب إلى الجبل، حيث وعدتكِ بأن نريكِ النجوم من فوق السحاب." قالها وهو يومئ بعينيه لفايلوت، التي أومأت بابتسامة مريبة.

قالت فايلوت: "اذهبي لتغسلي وجهكِ، وارتدي قميصكِ الوردي، اليوم سنحتفل بطريقة مختلفة."

ركضت غلوريا خارج الغرفة وهي تضحك، لا تدري أن هذا اليوم، سيُطبع في ذاكرتها إلى الأبد.

كانت الشمس تزحف على قمم الجبال كخيطٍ من ذهب، تنثر ضوءها على الطريق المتعرج في عمق المكسيك، حيث الأشجار تتمايل بهدوء كأنها تُلوّح للعابرين وداعًا خفيًّا. وفي سيارةٍ رمادية اللون، تجلس غلوريا الصغيرة، ابنة الخمس سنوات، بين أبويها، وهي لا تكفّ عن التحديق في الطريق بخدّين محمرّين من الحماس.

قالت بصوتٍ تغلّفه براءة الطفولة:

"ابي، متى سنصل؟ أريد أن أرى الغيوم من فوق الجبل! اليوم عيد ميلادي، لا تنسَ!"

ضحك لويس راميريث، كان الأب في عينيها وقلبها. مدّ يده ليربت على رأسها وقال:

"ما دامت أميرتي بجانبي، فكل طريق هو احتفال. دقائق فقط وسنكون هناك."

من المقعد الأمامي، التفتت فايلوت، المرأة التي تحمل الجمال على هيئة صبر، وقالت بلهجةٍ دافئة:

"وأنا حضرت لكِ كعكتك المفضلة... لكن لن تأكليها قبل أن نغني أولاً، اتفقنا؟"

هزّت غلوريا رأسها بفرح، ثم اقتربت من أمها لتقبل خدها، وقالت هامسة:

"أحبكما... أنتِ وهو."

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه فايلوت، لم يدركها أحد

السياره:

الموسيقى تنساب من مذياع السيارة، ناعمة، هادئة، كأنها تهدهد اللحظة. الطريق هادئ، لا سيارات في الأفق. لويس يقود بثقة، يراقب الانحدار القادم عند المنعطف.

قالت فايلوت وهي تمسك بكوب قهوة ورقية:

"توقفنا هنا في أول موعد لنا، أتتذكر؟"

ابتسم لويس:

"لن أنسى... كنتِ ترتدين فستانًا أبيض وتصرّين أنك لا تحبين المرتفعات."

قالت مازحة:

"وكنتَ تكذب وتقول أنك تطبخ!"

ضحكت غلوريا بينهما، سعادتها تشعّ من عينيها.

لكن...

من أعلى الطريق، ظهر الضوء الأول للموت.

في أقل من ثانية، شاحنة ضخمة، بلا إشارات، بلا صوت إنذار، هبطت كالمجنون من أحد المنحدرات. كانت تترنّح كوحشٍ فالت، مقبلة عليهم بسرعة جنونية. لم يكن هناك وقت.

"لويس!!" صرخت فايلوت.

بيدٍ غريزية، أدار لويس المقود بقوة، وصرخ: "غلوريا انزلي تحت!!"

لكن الوقت خانهم.

ارتطم الحديد بالحديد. تحطّمت النوافذ، وتبعثرت الصرخات مع الزجاج. انقلبت السيارة مرتين، ثم استقرت على جانبها، تتنفس بألم

الصمت.

ثم... أنين صغير.

"أمّي؟" جاء الصوت خافتًا، متقطعًا، من المقعد الخلفي.

كانت غلوريا ممدّدة، الدماء تسيل من جبهتها الصغيرة، أنفاسها متسارعة، يداها ترتجفان وهي تحاول فك الحزام.

نظرت أمامها.

فايلوت... كانت شبه فاقدة للوعي، يدها ممدودة نحو المقعد الخلفي.

"امي!!.. امي استيقظي!"

لكن صوتها ارتدّ كهمسة.

لويس كان رأسه مستندًا إلى المقود، عينيه نصف مفتوحتين، أنفاسه تتلاشى.

"ما الذي حدث؟ لماذا لا تردّان؟! لقد كنّا نضحك منذ لحظات!"

أرادت أن تصرخ، لكن صوتها انكسر.

أغمضت عينيها مجددًا، وآخر ما رأته كان يد أمها، ما تزال ممدودة نحوها... كأنها تحاول حمايتها حتى في لحظتها الأخيرة.

همسات اخيره..... صغيرتي غلوريا...

صفارات الإسعاف ما زالت تعوي في الطريق، بينما الأبواب الزجاجية لمستشفى سانتا لوزيا تفتح بعنف، كأنها تلتقط أنفاس المدينة، وتُفرغها في ممرات الطوارئ.

الممرات ممتلئة، أضواء الفلورسنت البيضاء تومض بلا رحمة، وأصوات الممرضين تتقاطع كأصوات بندقيات في معركة.

"انقلوها إلى غرفة العناية! نبض ضعيف! ضغطها يتراجع!"

كانت غلوريا على الحمّالة، مغطاة ببطانية رمادية، وجهها شاحب كالقمر ليلة شتاء، وجبينها ملطّخ بالدماء. تنساب خصلات شعرها الأسود الكثيف من على الجانبين، وعيناها شبه مغلقتين، تترجمان غيبوبة وصدمة وصمتًا ثقيلًا.

صوت أحد المسعفين يخترق الضجيج:

"طفلة في الخامسه، ضربة قوية في الرأس، كسور محتملة، إصابة في الكتف اليمنى. لا يوجد مرافق معها، والداها في السيارة... لا يُظهران مؤشرات حياة."

دخل الطبيب المناوب مسرعًا، يصرخ:

جرعة أدرينالين! افتحوا خطّ السوائل فورًا! نحتاج صورًا مقطعيّة للرأس!"

انطلقت النقالة في الممر الطويل، وعيون المارة تتبع جسدها الصغير المنهك.

داخل غرفة الطوارئ:

بين أصوات الأجهزة الطبية وصفير المراقبة الحيوية، تمددت غلوريا على السرير، أنفاسها قصيرة ومضطربة. كانت الغرفة باردة، لها رائحة المعقم والدم والقلق.

رأت شبح طبيبة تضع شيئًا في ذراعها، وآخر يربط سلكًا في صدرها. كل شيء بدا ضبابيًّا... وجوه مجهولة، أضواء تتراقص، وصوت داخلي يصرخ باسمها:

"غلوريا... ابقي معنا... لا تنامي... لا ترحلي..."

لكنها لم تكن تقدر على الإجابة.

صورة والدها ولوّحته بيدها الصغيرة وهي تغادر المنزل صباحًا ترقص في رأسها، وابتسامة والدتها في المرآة قبل أن تصعد السيارة... تلك الذكريات تسحبها نحو السكون

خارج الغرفة بعد دقائق:

وصلت ديانا  ، تركض بجنون، وجهها ممتقع، شعرها مبعثر من فرط السرعة، عيناها حمراء من البكاء والخوف.

"أين هي؟ أين غلوريا؟! أنا خالتها! أرجوكم!"

اعترضتها إحدى الممرضات.

"هل معكِ إثبات هوية؟"

"أنا عائلتها الوحيدة الباقية! أخبروني فقط... هل ما زالت على قيد الحياة؟"

اقترب الطبيب وقال بلطف مشوب بالحزن:

"السيدة ديانا، ابنة أختك لا تزال على قيد الحياة... لكنها في غيبوبة مؤقتة. نأمل أن تصحو، حالتها حرجة ولكن مستقرة حاليًا.

للأسف..

" والداها توفيا في موقع الحادث."

أرخت ديانا جسدها على المقعد القريب، يداها

تغطيان وجهها، وألم ثقيل يسكن صدرها.

"فايلوت... لا... لم يكن هذا في الحسبان. وعدتني أن تعودي... وعدتني أن تكوني بخير..."

ثم نظرت للطبيب بعينين دامعتين:

"أريد أن أراها. الآن."

"تفضّلي... ولكن لا تلمسيها، ولا ترفعي صوتك، فهي تحت المراقبة الدقيقة.

داخل غرفة العناية المركّزة:

دخلت ديانا بهدوءٍ مؤلم. تنفّست بعمق، ثم تقدّمت.

هناك... كانت غلوريا مستلقية، كأنها ملاك سقط من السماء ورفض أن يستيقظ. جفونها مغلقة، شفتاها شاحبتان، وعلى جبينها ضمادة صغيرة.

اقتربت ديانا منها، وضعت يدها فوق يدها الصغيرة الباردة، وهمست:

"أنا هنا يا غلوريا... خالتك هنا... كل شيء سيكون على ما يرام، فقط اصمدي من أجلي... من أجل أمك."

انهمرت دموعها، تساقطت على يد الطفلة، وبقيت في جلستها تلك ساعات طويلة... كأن الزمن توقّف داخل تلك الغرفة الزجاجية.

استيقاظ غلوريا:

كانت الغرفة تغرق في صمتٍ غريب... فقط صوت الأجهزة الطبية ينبض بثباتٍ حزين.

شعاع خافت من الضوء تسرّب من الشباك الضيق، لامس وجنة الطفلة الغافية على سريرها الأبيض. حركت أصابعها أولاً، ثم جفنيها ارتجفا بخفةٍ كرفّة جناح، قبل أن تنفرج عيناها شيئًا فشيئًا، تبحثان عن مأوى في الفراغ.

تنهيدة صغيرة... ثم همسة مرتجفة:

"امي...؟"

حاولت أن تتحرّك، لكن كتفها يؤلمها، رأسها يطن كأن جدرانه تصرخ من الداخل، ولمحت عبر الضباب امرأة جالسة قربها، تضع رأسها على طرف السرير، يداها ممسكتان بكفّها الصغيرة.

"امي...؟" كرّرت الكلمة مرةً أخرى، لكن الصوت جاء هشًّا، أشبه بأنينِ جرح لم يُشفى.

رفعت ديانا رأسها ببطء، وعيناها متورّمتان من السهر والبكاء.

"غلوريا؟... هل تسمعينني؟"

الطفلة، فركت عينيها، لم تعرف الوجه فورًا.

"أين... أنا؟"

ابتسمت ديانا ابتسامة واهنة، ثم قربت جسدها أكثر وقالت بصوتٍ ناعمٍ كأنّه يغزل الجرح بلطف:

"أنتِ في المستشفى، حبيبتي... لقد كنتِ شجاعة. نجوتِ، غلوريا."

سكتت لحظة، تنظر في تلك العينين المتسعتين كأنهما تسألان عن الكون كلّه.

"أين أمي؟ أين أبي؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا لا أراهم؟"

تشنّج قلب ديانا، الكلمات ثقيلة، تكاد تُكسر وهي لا تزال في حلقها. ثم جلست على حافة السرير، وأخذت نفسًا طويلًا.

"غلوريا... حبيبتي... استمعي إليّ جيدًا."

وضعت يدها فوق قلب الطفلة المرتجف.

"وقع حادث... سيارة... كان والدكِ، ووالدتكِ معكِ، في الطريق إلى الجبل كما وعدوكِ في عيد ميلادكِ، أتذكرين؟"

أومأت غلوريا ببطء، الدموع بدأت تتجمّع في عينيها.

"نعم... ماما كانت تغنّي... وبابا قال إنه سيتركني أقود السيارة حين أكبر..."

هنا ارتعشت شفتاها.

قالت ديانا بصوت مختنق، لكن حازم:

"حدث خطأ يا ملاكي... كبير... قوي جدًا..."

ثم أنزلت نظرها، وأكملت:

"والدكِ... ووالدتكِ... لم ينجوا من الحادث. غادرانا إلى السماء، إلى حيث يسكن الطيبون، وحيث لا ألم ولا خوف."

فجأة، ساد صمت رهيب.

العينان الصغيرتان لم تصدقا.

"لا... هذا ليس حقيقيًا... أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟ ماما لا تتركني وحدي... وبابا وعدني أنه سيعلّمني السباحة هذا الصيف!"

ثم صرخت: "أين هما؟ أريد رؤيتهما! أين ذهبا؟!!"

احتضنتها ديانا بقوة، كأنها تحاول أن تحميها من العالم.

"أنا هنا... أنا لن أترككِ... ستكونين بخير، سأعتني بكِ، مثلما اعتنيتُ بأمكِ حين كانت صغيرة..."

لكن الطفلة بدأت بالبكاء، ذلك البكاء الذي لا تصدره إلا القلوب التي لا تفهم الموت بعد... والتي لا تعرف أن بعض الغيابات أبدية.

في الخارج، وقف الطبيب يتابع المشهد من خلف الزجاج، تمتم لنفسه:

"لا شيء أصعب من أن تُولد يتيمةً في لحظة واحدة، وتُجبر على النضج قبل أوانك..."

ثم في المساء، عادت ديانا وجلست بجوار غلوريا، التي كانت شاردة تنظر إلى السقف.

قالت ديانا بصوتٍ ناعم:

"من الآن فصاعدًا... سأكون عائلتكِ، وسننتقل سويًا إلى منزل جديد، وسأظل بجوارك، مهما حدث."

قالت غلوريا بصوت مكسور:

"هل يمكن أن أنام في حضنك الليلة؟"

دمعت عينا ديانا، وأجابت:

"في حضني... وقلبكِ في قلبي، دائمًا."

أطفأت الأنوار، وظلت بجوارها، تداعب خصلات

شعرها بهدوء... والليل يذرف دمعةً أخرى على قدرٍ لم يُمهل الطفلة لتفهم العالم

قررت خاله غلوريا ديانا انهم سيذهبون للعيش في امريكا وملف قضيه الحادث قفلت سريعا وكتب انه شاحنة ضربت في السياره والسائق هرب

كان المطار صاخبًا كخلية نحل، آلاف الوجوه تمضي وتجيء، لكن في عينَي الطفلة ذات الخمس أعوام، لم يكن هناك سوى صمت... صمت يشبه الفراغ الذي خلّفه الموت في صدرها.

كانت غلوريا تجلس بصمتٍ عميقٍ على المقعد الجلدي البارد، قدماها القصيرتان لا تصلان إلى الأرض، ودميةٌ قماشية ممزقة بين ذراعيها.

فستانها الأسود البسيط بدا أكبر من جسدها النحيل، وخصلات شعرها الناعمة انسكبت على كتفيها في فوضى حزينة.

جلست بجوارها امرأة ذات ملامح شاحبة وعيونٍ يغمرها التعب، ديانا، شقيقتها الكبرى لوالدتها.

كانت تحاول أن تُخفي الألم خلف نظاراتها الشمسية، لكن ارتعاشة يدها وهي تمسك بجواز السفر كانت تفضح كل شيء.

قالت غلوريا بصوتٍ ناعم، متكسر كصدى بعيد:

«خالة ديانا... هل سنبقى هناك للأبد؟»

أجابت بعد لحظة من الصمت:

«لا أعلم، حبيبتي... ربما لبعض الوقت... حتى نهدأ، حتى تبدأي من جديد.»

«لكن أنا لا أريد جديدًا... أنا فقط... أريد ماما وبابا.»

ارتعشت الكلمات على شفتي ديانا، لكنها لم تُجب.

فقط مدت يدها وربّتت على شعر غلوريا برفق، كأنها تقول لها دون كلام: وأنا أيضًا... كنت أريدهم.

في الطائرة، جلست غلوريا قرب النافذة، تُحدّق إلى السماء المتغيّرة.

تحتها، ابتعدت المكسيك شيئًا فشيئًا... الجبل، البيت، شجرة المانجو، شرفة والدها، أحذية أمها المرتبة عند الباب... كل شيء ابتعد.

همست لنفسها:

«هل سينساهم أحد سواي؟»

أغمضت عينيها، واستعادت صوت والدها وهو يضحك معها صباح يوم عيد ميلادها، وكيف وعدها أن يُعلّمها العزف على الجيتار "عندما تكبر سنة أخرى".

لكنها لم تكبر.

هو من رحل.

طوال الرحلة، كانت ديانا تراقب غلوريا في صمت، ترى البراءة التي انكسرت قبل أوانها، والحزن الذي غمر عينيها كبحرٍ لا ساحل له.

تساءلت في نفسها:

"كيف سأملأ فراغ والديها؟ كيف أشرح لطفلةٍ أن العالم ليس عادلًا؟"

لكنها لم تقل شيئًا.

فقط شدّت البطانية حول جسد الصغيرة، وألقت نظرةً طويلة من النافذة نحو اللاشيء.

حين وصلت الطائرة إلى مطار نيويورك، خرجت غلوريا وهي تمسك بيد خالتها، لا تعرف إلى أين

تذهب، ولا من تنتظر هناك.

لم يكن أحدٌ بانتظارهما، سوى الغربة.

ولأول مرة، شعرت غلوريا أن قدميها تخطوان على أرضٍ لا تشبه أحلامها، ولا وطنها، ولا حتى دموعها.

كل شيء بدا مختلفًا...

الوجوه، الأصوات، الهواء نفسه...

كأنّ الحياة قرّرت أن تبدأ من الصفر، لكن بلا دفء، بلا أحضان.

سارت مع خالتها نحو بوابة الخروج، وفي عينيها سؤالٌ ظلّ معلّقًا دون إجابة:

«هل سأعود يومًا؟ هل سيراني أحدٌ وأخبره من أنا؟ أم سأذوب في هذا العالم مثلما  صوت أبي في الحادث؟»

كان صوتها الداخلي يقول:

"أينما ذهبتِ يا غلوريا... لا تنسي من أنتِ."

لكنها لم تكن تعلم بعد...

أن من تكون، هو أكبر بكثير مما قيل لها،

وأن الحقيقة...

ستعود يومًا، وتطرق بابها بكل العنف الذي اختبأ سنين طويلة خلف الكلمات.

انتهى

رائيكم

✨3الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة