استفاق ماتيو ببطء، كأنّ الليل لم ينتهِ بعد في عينيه.
حرارة جسدٍ صغيرٍ دافئٍ ملتفّ حوله كانت أوّل ما شعر به، ثم راح يتنفس بعُمق...
نَفَسها، عطر شعرها، ملمس بشرتها العارية على صدره.
فتح عينيه تدريجيًا، فتجلّت أمامه… كأنّها حلمٌ لا يجب أن يصدق أنّه حقيقة.
كانت غافية فوقه، خصلات شعرها مبعثرة على رقبته وكتفه،
وذراعها ممدودة فوق صدره كما لو كانت ترفض أن تتركه حتى في النوم.
لم يُحرّك ساكنًا.
نظر إليها طويلاً، كأنّه يراها لأول مرة...
شفتيها النائمتين، تنفّسهما البطيء،
تلك الرموش التي تظلّل خدّيها كستائر لسرّ لا يُقال.
"يا الله..." همس داخله.
"كم تبدين بريئة… بعد أن أصبحتِ لي."
شيء ما انقبض في صدره.
مرّر أصابعه على ظهرها بحنانٍ غريب عنه،
كأنّه يحاول أن يطمئنها… أو يطمئن نفسه.
هو من اعتاد أن يوقظ الخوف في القلوب، لا أن يحتضنه.
لكن غلوريا؟
كانت استثناءً صاخبًا
تعلّق بها حدّ الهوس…
لم يُخطّط لذلك، بل لم يكن يتخيّله.
هي دخلت عالمه كريحٍ مشاغبة،
واستقرّت في قلبه كنصلٍ لا يُنزع.
همس وهو يضمها إليه أكثر، كأنّه يخشى أن يسرقها منه القدر:
"خطيئتي...
وجنّيتي في آنٍ واحد...
كيف تحوّلتِ من رهينةٍ بين يديّ،
إلى مأوىً أهرب إليه من نفسي؟"
ورغم طوفان الدفء الذي يحتضنهما...
ظلّ في عينيه ذاك الظلّ الداكن، ذاك الذنب الذي لم يُولد بعد على لسانه.
كأنّه يعلم...
أن السعادة لا تأتيه دون أن تدفع الثمن.
راحت تتململ في حضنه ببطء، كأنّ روحها ترفض مغادرة دفء الليل.
تنفّست بعمقٍ وهي تدفن وجهها أكثر في صدره، لا تريد أن تفتح عينيها… ولا أن تواجه الحقيقة.
ولكن الحقيقة كانت نابضة تحت أناملها…
وصوت قلبه لا يزال يطرق سمعها بهدوءٍ ثابت.
فتحت عينيها أخيرًا، ثم أغلقتهما سريعًا وهي تهمس بخجلٍ لا يشبهها:
"يا إلهي…"
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، ورفعت الغطاء قليلًا لتخفي وجهها…
كأنّها تحاول إخفاء الارتباك المتوهّج على خدّيها.
ضحك ماتيو بصوتٍ منخفض، ضحكة عميقة خرجت من صدره وهو ينظر إليها:
"هل تخجلين الآن، بعد كل ما حدث؟"
هزّت رأسها بلا، ثم نعم، ثم دفنت وجهها في صدره مرة أخرى وهي تهمس بطفولة:
"لا تسألني… لا أستطيع النظر إليك الآن."
ضمّها إليه أكثر، وكأنّه يُكافئ نفسه على تلك اللحظة، على هذا الخجل النادر منها.
"كان كل شيء فيكِ... حقيقيًّا، يا غلوريا."
"كأنّكِ خُلِقتِ لتكوني بين ذراعيّ، ولا تنتمي لأي مكانٍ آخر."
همست وهي تضغط وجهها عليه، مازحة بخجل:
"أنتَ تتكلم كثيرًا صباحًا… اصمت."
ضحك مجددًا، وهمس في أذنها:
"وإن صمتُّ، سأُقبّلكِ… فاختاري."
ضحكت بخفّة، ضحكة حقيقية من قلبها، ثم رفعت
رأسها أخيرًا لتنظر إليه…
وللحظة… توقف العالم.
نظرات صامتة، متشابكة، لا حاجة فيها للكلمات
ثم همست وهي تضع يدها على صدره:
"أنا... لا أعلم ما يحدث لي، لكني لا أريد لهذا أن يتوقف."
ابتسم ماتيو، بعينيه هذه المرّة لا بشفتيه،
وضمّها إليه وكأنّه يضمّ قلبه، ماضيه، ومستقبله... كلهم في جسدٍ واحد يُدعى غلوريا.
أدار وجهه نحوها ببطء، وراح يتأمل ملامحها الناعسة
ابتسم، واقترب أكثر، حتى صار أنفاسه تُداعب رقبتها.
فقالت له بصوتٍ خافتٍ مشبع بالارتباك:
"كفّ عن الكلام... أحرجتني."
ضحك بصوته الخفيض العميق، ثم همس قرب أذنها.
"حسنًا... إن طلبتِ مني أن أصمت..."
"فسأتحدث بطريقتي أنا..."
ثم فجأة...
سحبها نحوه بقوة، وضمها إلى صدره كأنّه لا يريدها أن تبتعد لحظة واحدة.
نظرت إليه بصدمة خفيفة، وابتسامة باهتة لا تُخفي اضطرابها.
فقال وهو يُمسك بخدّها بأنامله، ويمررها على شفتيها:
"أنا لا أجيد الصمت، غلوريا... أجيد فقط أن أقول ما أشعر به دون كلمات..."
"وأنتِ… لكِ لغة لا أترجمها إلا بيديّ، بعينيّ، وبكامل جنوني."
ثم قبلها قبلة خفيفة، دافئة، على جبينها… كأنّه يطمئنها قبل أن يربكها مجددًا.
لتهمس هي، وسط ضحكة صغيرة مغموسة بالدفء:
"أنتَ مشاغب... وخطير."
فيرد، وهو يُقربها أكثر ويضحك بخفّة:
"وأنتِ... أجمل مخاطرة في حياتي."
كانت غلوريا جالسة على طرف السرير، تضع الغطاء على جسدها، بينما عيناها تائهتان في المجهول… شيء ما تغيّر في الداخل، شيء لا يُقال.
ماتيو وقف عند الطاولة الخشبية الصغيرة، عاري الصدر، صامتًا، لكنه لم يكن ساكنًا… كان كأنّ شيئًا يغلي تحت جلده.
رفع سكّينًا صغيرة، تأمّلها للحظة، ثم مرّرها على راحة كفّه بخط بطيء…
قطرة دمٍ خرجت ببطء، حمراء قاتمة، كأنها توقيع من قلبه.
استدارت إليه غلوريا ببطء، التقت نظراتهما، وعمّ الصمت بينهما كما لو أن الحوائط نفسها تحبس أنفاسها.
قال بهدوء، بصوتٍ يحمل صدقًا مريضًا، عشقًا لا يعرف الرحمة:
"أنتِ لي الآن، غلوريا… لا جسدًا فقط، بل روحًا… ودمًا."
اقترب منها، مدّ كفّه النازفة نحوها، وقال بصوتٍ مغموسٍ بالغواية:
"افعلي مثلي… لا أريد وعدًا من لسانك، بل من جلدك، من دمك."
ترددت.
نظرت إلى السكين… ثم إليه.
ثم إلى يدِه التي تنزف ولا ترتعش.
عيناها ارتجفتا، لكن شيئًا فيه كان يسحبها ببطء… قوة لا تُرى، أعمق من العقل.
مدّت يدها ببطء.
أخذت منه السكين.
أنفاسها ثقيلة، وصدرها يعلو ويهبط كأن قلبها يطرق الباب الأخير.
ثم… مرّرت النصل الرقيق على كفّها،
جرح صغير… لكنه كافٍ لتغيير كل شيء.
دمها التقى بجلدها… احمرّت أناملها… ورفعت رأسها إليه.
ابتسم ماتيو، ابتسامة غريبة… لا نصر فيها، ولا سعادة، بل شيء أقدم… وأخطر.
ضمّ كفّها إلى كفّه، الدم يمتزج، يتساقط كنبيذٍ محرَّم على الأرض الباردة.
ثم همس، كمن يقرأ طقسًا أسودَ في معبدٍ سري:
"في العالم السفلي… حين يتّحد الدم، تتّحد الأرواح…
لا عودة بعده، لا خلاص.
أنتِ صرتِ مني، وأنا منكِ…
إلى الأبد."
غلوريا لم تقل شيئًا.
لكن نظرتها كانت تقول:
لقد صدّقت… رغم كل شيء.
تحرّكت غلوريا ببطء من على السرير، كانت لا تزال تشعر بدفء كفه على كفها المجروحه
ثم قالت وهي تُبعد خصلات شعرها:
انها ستذهب للحمام
لم ينطق ماتيو… فقط نظر إليها، بعينين يكسوهما سكونٌ ثقيل، كأنّ اللحظة تجمّدت.
راح يتأمل تفاصيل جسدها وهي تنهض بخطوات ناعسة من على السرير،
كأنّ كل حركة منها توقظ في داخله ذكريات ليلةٍ لم تشبه أيّ ليلٍ سابق.
كانت تمسك الغطاء حولها بخجل، لكنها لم تمنع نفسها من النظر إليه قبل أن تبتعد،
فقال وهو يسند رأسه بيده، وصوته مبحوح بشيء من الشوق:
"هل تعلمين... كلّ لحظة من البارحة تعيش داخلي الآن..."
"لا شيء يمحوه من ذاكرتي، لا الزمن، ولا حتى الماء الذي ستغمرين جسدك به."
التفتت إليه وهي على بُعد خطواتٍ من باب الحمّام،
كان ينظر إليها بنظرة لا تشبه نظرات رجلٍ امتلك جسد امرأة،
بل نظرة رجلٍ فقد نفسه معها، في عينيها، وفي كل رعشة صمتها...
ضحكت بخفة وهي تدخل الحمّام، وأغلقت الباب خلفها،
لكنه ظلّ يحدّق به…
كأنّه يحبس ذكرياته على الجانب الآخر من الخشب،
يتنفس صورتها… وصوت الماء خلف الباب يزيد خياله جنونًا.
سمع صوت الباب يُغلق خلفها برفق…
ضغطة خفيفة على قلبه،
كأنّ خيالها انسحب من الغرفة وبقي عبقها معلّقًا في الهواء،
يُعذّبه، يُغويه… ويُذكّره أنها أصبحت له.
استند بجسده إلى ظهر السرير،
مدّ يده ببطء على الوسادة الخالية،
مرّر أصابعه على الملاءة...
ثم توقّفت يداه فجأة،
عينيه استقرتا على نقطة صغيرة من اللون القاني… دمها.
شهقته لم تُسمع، لكنها كانت بداخله كزلزال.
"كانت لكَ، بالكامل.
استسلمت بين يديك كزهرةٍ لم تُمسّ من قبل.
قلبها، جسدها… اسمها، ذكرياتها، تنفّسها… أصبحوا منك."
ظل يحدّق في تلك العلامة… الصغيرة جداً،
لكنها، في قلبه، كانت وسمًا لا يُمحها
لم تكن مجرد لحظة…
بل إعلاناً صامتًا بأنها باتت له، ولا أحد بعده يملكها.
مرت لحظات وهو لا يتحرك،
لكن أفكاره كانت تصرخ داخله.
"كيف لشيء بهذا النقاء… أن يسكن رجلًا مثلي؟
كيف لها أن تسير في عالمي المُعتم… دون أن يُطفئ ضوءها؟"
عضّ شفته السفلى…
وراح يسند رأسه إلى يده وهو يتنفس ببطء.
"هل كنت أستحقها؟
أم أني فقط… انتزعتها من عالمها، ووشمتها بذنبي؟"
لكن وسط كل ذلك،
وسط الصراع،
وسط الذنب…
كان هناك صوت واحد يعلو على الجميع:
"هي لي."
صوت الماء ينهمر فوق جسدها كالموسيقى...
دافئ، يُلامسها برفق، لكن عقلها أبرد من كل قطرة.
جسدها ارتجف للحظة…
لا من برودة الماء، بل من الذكرى التي تسكن كل جزء فيها.
أسندت جبينها إلى بلاط الجدار، أغلقت عينيها…
ورأت وجهه.
عيناه…
أنفاسه الحارّة على عنقها،
صوته العميق وهو يهمس باسمها كأنّه يتلوه صلاة.
"ما الذي حدث البارحة؟
كيف سلّمتُ له نفسي… بهذا الكمال؟
وكيف شعرتُ، للمرة الأولى في حياتي، أني ملك أحد… برغبتي؟"
وضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تهدئته،
لكنه كان يضجّ باسمه.
"ماتيو…"
نطقت باسمه بداخلها فاهتزّ كل شيء.
ذكرت أناملَه التي رسمت خريطة جسدها كأنه يكتشفها لأول مرة،
وأنفاسه التي اشتعلت في أعماقها كشرارةِ حبّ… وخوف.
"هل أحببته؟
هل وثقتُ به حقاً؟
أم أني فقط كنتُ أبحث عن مرفأ أضع فيه حُطامي؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بحرارة لُهبٍ يتراقص على خدّيها.
"لكنه… لم يؤذني.
رغم ما كان يمكن أن يحدث،
رغم أنّه كان يستطيع… لم يفعل شيئًا لم أرده.
كان… حنونًا."
مرّرت كفّها على رقبتها…
ثم على أثر قُبلة تركها الليلة الماضية على كتفها.
"كيف ليدٍ كانت قادرة على القتل… أن تتحوّل إلى حضنٍ بهذه الحنية؟"
فتحت عينيها ببطء…
وتأمّلت انعكاسها في المرآة الضبابية.
لم ترَ الفتاة نفسها التي كانت من قبل.
"أنا لم أعد تلك الطفلة الخائفة..
أنا… أصبحت امرأة."
نهض ماتيو من السرير ببطء، مرر يده على خصلات شعره المتشابكة وهو يتأمل السرير من خلفه…
الملاءات مبعثرة، الوسائد على الأرض، قطعة ملابسها السوداء ملقاة فوق الكرسي القريب، والهواء مشبع بعبيرها.
زفر نفسًا عميقًا وهو يمرر يده على عنقه وكأنه يُحاول استيعاب ما حدث الليلة الماضية.
"لقد أصبحت لي… حقًا أصبحت لي."
قالها بصوت خافت، شبه هامس، وكأن قلبه وحده من يجب أن يسمع.
ثم عاد إلى وضعه المعتاد…
الجمود، الصلابة، السيطرة.
اقترب من الباب الخشبي الفخم، فتحه بقوة مفاجئة جعلت الحارس يقف منتبهًا،
رفع عينيه وقال بنبرة آمرة، هادئة لكنها لا تُناقش:
"نظّفوا الغرفة بالكامل… الآن."
رمقه الحارس بنظرة مترددة للحظة، ثم انحنى باحترام:
"أمرك، سنيور ماتيو."
التفت ماتيو نحو الداخل للحظة، نظر إلى ملابسها الملقاة، إلى الأثر…
ثم أدار ظهره وقال بنفس النبرة:
"كل شيء… دون أن تلمسوا شيئًا يخصها."
ثم أغلق الباب خلفه بخفة…
وفي عينيه وهج لم يُطفأ بعد،
بين الحُب… والتملك.
خرجت غلوريا من الحمّام، منشفتها البيضاء تلتفّ حول جسدها كستارٍ خجولٍ لا يُخفي شيئًا من رعشة أنوثتها، وخطواتها الحافية تهمس على الأرض كأنها تخشى أن تُوقظ شيئًا نائمًا في المكان.
رفعت عينيها إلى المرآة…
كان وجهها ساكنًا، وعيناها متسعتين بندى الحمّام والبُعد، وكأنها لا تزال تغتسل من أثر الليل.
لكنّ شيئًا ما بدا غير طبيعي…
الصمت أعمق مما يجب… السكون أثقل من المعتاد…
ثم من خلف الباب انغلق ظلٌّ خافت، وظهر هو.
ماتيو.
اقترب ببطء، خطواته لم تُسمع، لكن المرآة خانته…
رأته تقترب صورته من ظهرها كظلٍّ عاشق خرج من العالم السفلي.
قبل أن تلتفت، كان خلفها تمامًا، وذراعاه تطوّقان خصرها برفقٍ خانق، أنفاسه تلامس رقبتها، وصوته أدفأ من بخار الماء:
"اشتقتُ إليكِ، فقط لأنكِ ابتعدتِ عني لحظة…"
ارتجفت غلوريا، نظرت إلى عينيه عبر انعكاس المرآة، فحاولت أن تُخفي خجلها تحت نظرة سريعة للأسفل.
لكنه شدّد ذراعيه عليها، هامسًا بلهجةٍ فيها من الهيمنة بقدر ما فيها من الهيام:
"لا تخجلي… ليس بعد ما حدث بيننا البارحة."
همست بصوتٍ أقرب إلى أنفاسها منه إلى الكلمات:
"وماذا تريد الآن…؟"
نظر إليها في المرآة، نظرًا طويلًا، كأنّه يتأمّل لوحةً لا يصدق أنها تنبض بالحياة، ثم قال ببطءٍ مملوء بالرغبة الغامضة:
"أريد أن أتأكّد… أنكِ حقيقية.
ما حدث البارحة… تخطّى الواقع، ولم أعد أعلم إن كنتِ وهمًا أم معجزة."
ثم أمسك بكتفيها، وأدار جسدها نحوه، بحركةٍ ناعمة لكنها حاسمة.
تلاقت عيونهما بلا مرآة.
الآن، لا شيء بينهما سوى الهواء المشتعل.
نظر في عينيها… نظرة طويلة، غارقة، كأنه يبحث فيها عن وطنٍ هرب منه سنين.
"هل خِفتِ البارحة…؟"
ترددت، ثم رفعت عينيها إليه، وهمست بنبرةٍ مشروخة بجمالها:
"خِفتُ من قلبي…
حين أحسّ بالأمان بين يديك،
وأنا أعلم… أن هذا العالم لا يعرف الأمان."
انكمش شيءٌ ما في عينيه، كأن كلامها وخز قلبًا لا يعترف بالضعف، فاقترب أكثر، همس في أذنها بصوتٍ يشبه وعدًا منحوتًا من نار:
"أنا لن أؤذيكِ… لا الآن، ولا بعد حين."
ثم رفع يده ببطء، مرّر أصابعه تحت ذقنها، رفع وجهها إليه،
وقرّب شفتيه، وطبع قبلةً ناعمة… لا على شفتيها، بل تحت ذقنها مباشرة، حيث تتلاشى الكلمات وتولد القشعريرة.
قبلةٌ لم تكن شهوانية… بل إعلان حبٍّ مشوّه، مقدّس، ومرعب في رقّته.
ابتسم ماتيو ابتسامة خفيفة، كمن يغالب شيئًا داخله لا يُروّض، ثم تنحّى عنها قليلًا، وهو يقول بنبرة خافتة ممزوجة بعبثٍ رقيق:
"سأترك لكِ خصوصيتكِ… كي تختاري ما ترتدينه، أو لا ترتدين شيئًا…"
غمز لها، بنظرةٍ خاطفة وهو يهمّ بالابتعاد، لكن ما إن أدار ظهره، حتى شعر بأصابعها تمسك بذراعه من الخلف، خفيفة… لكنها مرتجفة، كأنها تستنجد به دون أن تعرف ممَ.
"انتظر…"
استدار نحوها ببطء، عينيه تتفحّصانها كما لو أنّها قالت كل شيء في كلمة واحدة.
نظرت إليه، وعيناها كأنّ فيهما شجن ألف امرأةٍ
ارتجفت شفتاها، وارتبك قلبها، ثم نادت اسمه لأول مرّة، كأنّها تُوقِظ به جزءًا منه لم يُمسّ بعد:
"ماتيو…
توقّف الزمن.
حين نطقَت اسمه، شعر وكأنّ الدم في عروقه تغيّر، وكأنّ اسمه صار له طعمٌ جديد… بصوتها فقط.
اقترب أكثر، حتى صار وجهه قبالة وجهها، أنفاسه تلامس بشرتها، وحرارة جسده تحتلّ المسافة بينهما.
ارتجفت غلوريا، وتجنّبت عينيه للحظة، ثم رفعت نظرها إليه بخجلٍ ناعم وهمست:
وما سلّمتك إياه البارحة… لم يكن شيئًا عابرًا،
كانت عذريتي… أغلى ما أملك،
ومع ذلك… أعطيتُها لك، رغم أنك لستَ شخصًا آمنًا…
لكن الغريب… أنني أشعر بالأمان معك."
رفعت يدها، ولمست عنقه برقةٍ خفيفة، أطراف أصابعها ترتعش على جلده، ثم همست بصوتٍ صغير… لكنه عميق كاعترافٍ لا رجعة فيه:
"أنا… أحبك يا ماتيو."
سكنت ملامحه للحظة، نظر إليها نظرة ممتلئة، كأن قلبه اتّسع ثم ضاق، ثم قال بصوتٍ خافت لكنه مبحوح بالرغبة والشوق:
"قوليها… ثانية."
ضحكت غلوريا بخجل، خفضت رأسها، فضمّها إلى صدره بقوة، كأنّه يُحاول إذابتها داخله… لا ليحميها، بل ليُخفيها عن العالم.
ثم همس بجانب أذنها، بارتعاشةٍ لم يعرفها من قبل:
"اللعنة… ماذا فعلتِ بي، يا غلوريا؟"
نظر إليها طويلًا، وكأنّها صارت وطنًا يطلّ عليه كلما ضاع من نفسه، ثم همس بصوتٍ خافت كالصلاة، مكسوّ بندمٍ لا يزول:
"مهما افترستني الخطايا… لا تتركيني.
أنتِ النور الوحيد في عتمة هذا العالم…
النور الوحيد الذي لم يحرقني،
بل ضمّد ما في داخلي من كسور."
عندما أنهى كلماته، ابتسم ابتسامة صغيرة، لا فرح فيها… بل امتنان خائف، كأنّه يخشى أن تفلت منه اللحظة كما تفلت الأحلام من بين الأصابع.
ثم استدار، بخطوات هادئة نحو خزانته.
فتح الباب، تأمّل الداخل للحظة، كأنه يبحث بين ماضيه عن شيء يصلح للحاضر… ثم أخرج قميصًا أسود طويلًا، واسعًا، ناعم القماش.
استدار نحوها، ومدّه إليها بصمت، وعيناه تخبرها بما لم يقله اللسان.
أخذت القميص بين يديها، تطلّعت فيه ثم إليه، ورفعت حاجبيها بابتسامةٍ خفيفة، وقالت بنبرةٍ مازحة، لكنها تحمل غيمة من الدفء:
"حتى ملابسي… تُريد أن تختارها أنت؟"
ابتسم، ونظر في عينيها، ثم اقترب منها خطوة وقال بنبرةٍ منخفضة، كأنّه يعترف بسرّ دفين:
لستُ أختار…
أنا فقط…
أراكِ في كلّ ثوبٍ مرّ بحياتي.
كلّ قميصٍ لبسته، كل لونٍ لامس جلدي…
كأنّه كان ينتظر أن يراكِ فيه."
صمت، ثم أضاف بهمسٍ أقرب إلى الرجفة:
"ربما لم أعش قبلك،
كنتُ فقط… أعدّ الوقت حتى أصل إليكِ."
ثم ما لبث أن وقف أمامها، ويده تخفي شيئًا خلف ظهره، وقبل أن تسأله، مدّ يده وأخرج صندوقًا صغيرًا مخمليًّا أسود.
فتح الصندوق ببطء، لتظهر فيه سلسلة فضية داكنة، يتدلّى منها قلادة على شكل ثعبانٍ ملتف، عيناه من حجر كريم أحمر، كأنها جمرة من نار.
صمت لحظه:
"هذه... لم تكن لأي امرأة قبلك.
ورثتها عن أمي، وهي من تقاليد رجال عائلتي...
كل من أحببناها بصدق، منحناها هذه السلسلة.
هي ليست فقط زينة... بل وعد...
أنكِ لي.
أن لا أحد يلمسكِ، لا أحد يجرؤ على الاقتراب منكِ…
أنكِ، ببساطة،... حبيبتي، وملكتي."
كانت غلوريا تحدق في السلسلة بدهشة وارتباك وشيء يشبه الرهبة، ولكن عيناها لم تكذّبا اللمعة في عينيه، لم تكذّبا الارتعاش الخفيف في صوته.
مدّ يده، وألبسها السلسلة بنفسه، دُفعة واحدة من خلف عنقها، وقبّل كتفها بلطف حين انتهى، وهمس في أذنها:
"منذ هذه اللحظة... من يؤذيكِ، فقد أعلن الحرب عليّ."
شعرت بقشعريرةٍ تتسرّب من عنقها حتى أطرافها، وكأن السلسلة كانت ختمًا جديدًا على قلبها...
ختمًا لا يحمل سوى اسم واحد: ماتيو.
رفعت غلوريا يدها ببطء.
ثم نظرت إليه، إلى عينيه المشتعلتين، إلى وجهه القاسي الذي اختبأ خلفه رجلٌ يتوق إلى أن يُحب ويُحبّ بصدق.
قالت بصوت خافت، فيه خدر حب وخوف:
"تعني أنّني بتُّ ملكك؟"
اقترب منها أكثر، أمسك وجهها بين كفيه، وقال بصوت أشبه بنذر:
"أكثر من ذلك… أنتِ عالمي."
سكتت لحظة وهي تتنفس بصعوبة كأن الهواء صار أثقل من أن يُستوعب، ثم قالت:
"أنا… لا أملك شيئًا أُعطيه لك، ماتيو… لا اسمًا، ولا وطنًا، ولا ماضٍ نظيفًا…
لكنني أعطيتك ما لم أُعطه لأحد… جسدي، قلبي… وثقتي.
لا تكسرني… لا تخن هذا النذر الذي بيني وبينك…
لأنني هذه المرة… لن أستطيع النجاة."
لم يقل شيئًا، فقط ضمّها إليه بقوة، كأنّه يحاول أن يخفيها داخل صدره، أن يصهرها فيه…
كأنّه يهرب بها من العالم كلّه.
همس في أذنها بصوتٍ خافتٍ متهدّج:
"لو تعلمين كم أكره نفسي لأنني لا أستحقك…
ولكنني رغم كل شيء… سأظل أحارب العالم لأجلك."
أغمضت عينيها للحظة، جسدها ارتجف تحت لمسته، وكأنّ الكلمات نسجت حولها قيدًا من حريرٍ ونار.
أكمل، صوته يزداد اقترابًا وخطورة:
"وإن حاول أحدهم أن يلمسكِ، أن يقترب من شيءٍ منكِ…
سأجعله يندم على اليوم الذي وُلد فيه.
لأنكِ ببساطة…
المرأة التي صارت لعنةً على قلبي… ومُلكي الأبدي.
جلس ماتيو على طرف السرير وهو يُعدّل أزرار قميصه الداكن، ثم التفت إليها وقال بنبرة منخفضة:
"سأذهب إلى مكتبي لبعض الوقت… هناك بعض الأمور التي تتطلّب انتباهي."
غلوريا، وقد كانت ما تزال مستلقية، عيناها نصف مغلقتين، هزّت رأسها بموافقة ناعسة، ثم قالت وهي تتمطّى بخفة:
"حسنًا… لكن لا تَغرق في الأوراق وتنسى أنني هنا."
ابتسم بخفة، وقبل أن يخرج من الغرفة اقترب منها، طبع قبلة سريعة على جبينها، وهمس:
"وكيف لي أن أنسى وجودك؟ وأنتِ أقرب إليّ من ظلّي…"
ثم غادر بخطوات هادئة، تاركًا خلفه عبق العطر، وظلالًا من دفء اللحظة التي مضت.
دخل ماتيو إلى مكتبه، فأضاءت الأضواء الخافتة الجدران المكسوة بخشب داكن فاخر، تعانقه لمسات من الرخام الأسود في الزوايا.
المكتب كان واسعًا، أنيقًا، يعكس قوّة صاحبه؛ مكتبة كبيرة خلفه تمتلئ بكتب سميكة، ودرج مقفل لا يعرف أحد ما بداخله.
الستائر الثقيلة كانت نصف مغلقة، والجو يشوبه صمت ثقيل إلا من صوت جهاز الحاسوب حين بدأ يعمل.
جلس على المقعد الجلدي الوثير، فتح حاسوبه الشخصي، وراح يتفقد ملفات العمليات، الخرائط، والمراسلات المشفرة. رفع حاجبيه قليلاً، ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي وقال:
"أريد فنجان قهوة… سوداء، دون سكر."
وفي تلك اللحظة، كانت غلوريا في طريقها إلى المطبخ، بشعرها المتدلّي على كتفيها وملامحها المشرقة.
لم تكن ترتدي سوى قميصه الفضفاض، الذي بدا عليها كأنه معطف واسع…
نظرت إلى الخادمة وسألتها بنبرة خفيفة:
"لمن هذه القهوة؟"
ابتسمت الخادمة برفق، وقالت:
"للسيد ماتيو، آنسة غلوريا."
تأملتها غلوريا لحظة ثم قالت بخبث ناعم:
"لا، لا داعي لأن تذهبي بها… سأوصّلها بنفسي."
أخذت الصينية بين يديها، نظرت إلى الفنجان لحظة وهي تفكر، ثم سارت بثقة نحو مكتب ماتيو، كأنها تحمل شيئًا أثمن من القهوة… وربما كانت تفعل فعلًا.
فتحت غلوريا باب المكتب بهدوء، وتقدّمت خطوات قليلة، تحمل فنجان القهوة بين يديها، بينما عيناها تراقبانه بنظرة لم تكن مفهومة تمامًا… خليط من الشوق، الفضول، واللعب الخفي.
رفع ماتيو رأسه ببطء، التقت عيناه بعينيها، وحدّق فيها لثانية صامتة قبل أن يقول بصوته العميق:
"لماذا جلبتِ القهوة بنفسك؟"
ابتسمت بخفة، واقتربت منه أكثر وهي ترد:
"لأني كنت أفتقدك… وأردت أن أراك."
مدّت يدها بالقدح إليه، فأخذه منها دون أن يشيح ببصره عنها، وهو يراقب حركتها الدقيقة كأنها ترقص أمامه.
ثم، بكل هدوء، تقدّمت وجلست على طرف المكتب، تقابل عينيه وهو لا يزال جالسًا على الكرسي، وقد اتكأ إلى الوراء قليلًا، يراقبها بنظرة يصعب تفسيرها.
قالت له، وهي تتمايل بخفة في جلستها:
"هل أزعجتك؟"
ظلّ ينظر إليها، وكأنها أصبحت مركز عالمه، قبل أن يقول بهدوء غامض:
"أحيانًا… أخشى أن كل هذا ليس حقيقيًا."
ردّت عليه وهي تميل نحوه قليلاً:
"لو كان حلمًا… لا توقظني.
كان ماتيو منكبًّا على شاشة الحاسوب، نظراته مركّزة على الأرقام والملفات السرية… إلى أن شعر بثقلٍ ناعمٍ فوق ساقه.
أدار وجهه ببطء، ليجد غلوريا وقد مدّت ساقيها الرقيقتين، تضع إحداهما بخفة على رجله، وهي تتصنع البراءة، بينما عيناها تلمعان بمكرٍ خفي.
رفع حاجبه وقال بنبرة مزيج بين الجدية والضحك:
"لدي عمل، غلوريا."
لكنها لم تجب. فقط انحنت نحوه ببطء، وأصابعها بدأت تعبث بعقدة ربطة عنقه الحريرية، تُرخيها قليلًا ثم تشدّها من جديد، دون أن تُبعد نظرها عن عينيه.
تنهد، ونظر لها بتلك النظرة التي دائمًا ما تخلخل قلبها: خليط من الصبر، والوله، والذنب الكامن في أعماقه.
قال بهمس خافت، وهو يحاول التماسك:
"أنتِ لا تساعدينني على التركيز... ولا أظنكِ تنوين فعل ذلك."
ضحكت ضحكة قصيرة خفيفة، وكأنها بريئة مما تفعل، ثم قالت بصوت هامس:
"يمكنني أن أساعدك بطريقة… مختلفه
بينما كان ماتيو يحاول أن يستجمع تركيزه مرةً أخرى على شاشة الحاسوب، لاحظ نظرات غلوريا وقد شردت للحظة، تتسلل عبر الزجاج العريض خلفه نحو الخارج.
نظرت من خلال النافذة التي تطل مباشرة على الحديقة الخلفية… وبالتحديد نحو حمام السباحة الواسع، حيث كانت الشمس ترسم خطوطها الذهبية على سطح الماء اللامع.
ابتسمت غلوريا ابتسامة صغيرة، لكنها محملة بكل ما هو غير بريء. لم تقل شيئًا، فقط نهضت بخفة، وضمت شعرها بين يديها، ثم مالت نحوه فجأة وطبعَت قُبلة سريعة على جانب وجهه، قبل أن تدير ظهرها وتغادر الغرفة بخطى واثقة.
ماتيو رفع عينيه من الشاشة، وتبعها بنظره وهو يقول بحيرة:
"ماذا تخططين، غلوريا؟"
لكنها لم تجب، بل اكتفت بتلك النظرة العابثة الأخيرة، ثم أغلقت الباب وراءها.
تنهد ماتيو، وهز رأسه وهو يهمس لنفسه:
"سأدفع ثمن تجاهلي لكِ قريبًا، أليس كذلك؟"
ثم ابتسم، وعاد إلى الحاسوب، محاولًا أن يستعيد زمام التركيز... دون أن يعلم أن معركته الحقيقية ستبدأ بعد دقائق.
كان ماتيو مستغرقًا في مراجعة بعض الملفات المشفّرة على شاشة الحاسوب، يحاول جاهدًا تجاهل الفراغ الذي خلّفته مغادرتها المفاجئة.
وفجأة… صوت خافت لطرقات على الزجاج أيقظه من شروده.
رفع عينيه نحو النافذة الواسعة التي تطل على الحديقة الخلفية… ليتجمّد للحظة
كانت غلوريا تقف بالخارج، تبتسم بمكرٍ طفولي وهي ترتدي ملابس السباحه جسدها يلمع تحت وهج الشمس، وعيناها تومضان بتحدٍّ ساخر.
طرقت الزجاج بطرف أصبعها، ثم غمزت له بعفوية وقالت، وشفتيها ترتجفان من الضحك:
"تابع عملك يا سيدي الجاد… وكأن شيئًا لا يحدث."
ثم استدارت بخفة، وخطت نحو حافة المسبح، وقبل أن يمنحها فرصةً للرد، قفزت في الماء برشاقةٍ كأنها حورية من عالم آخر.
الماء تناثر في كل اتجاه، وماتيو ظل جالسًا مكانه، أنامله متيبّسة على فأرة الحاسوب، وابتسامة لا إرادية بدأت تتسلل إلى وجهه.
همس لنفسه وهو ينظر إليها تتقلب في الماء وتضحك:
"ستقودينني إلى الجنون، يا خطيئتي"
كان ماتيو قد حاول التركيز مجددًا، لكن كلّ الحروف على الشاشة أصبحت مشوشة، لا يرى سوى ظلها يسبح أمامه خلف الزجاج… يضحك الماء من حولها، ويضحك قلبه معها رغمًا عنه.
استقام ببطء من على الكرسي، وسار نحو النافذة بخطوات ثقيلة، كأن شيئًا يجذبه إليها بقوة خفية.
وقف أمام الزجاج، يضع كفّيه في جيب بنطاله، وعيناه تتفحصان المسبح تحت ضوء الشمس، وهي تتحرك داخله كراقصة ناعمة، تتعمد إثارة جنونه بنظراتها العابثة، وهمساتها التي لا تُسمع ولكن تُشعَر.
غمغم، وصوته يشبه الزئير الخافت:
"اللعنة، غلوريا... ما أنتِ؟ ملاك هبط من الجحيم؟ أم شيطانة بجسد ناري؟"
ابتسامتها كانت كل الإجابة التي تلقّاها. رفعت يدها ولوّحت له، بلؤم طفولي جعل دماءه تغلي.
همس وهو يضغط على أسنانه بشدة، والشرر يتطاير من عينيه:
"تلعنين هدوئي... وتسرقين عقلي كل مرة وكأنها الأولى... كم أنا مهووس بكِ."
ظلّ ماتيو واقفًا أمام الزجاج، يتأملها بعينين ضيقتين، نظراته تائهة ما بين ضوء الشمس المنكسر على جسدها والماء المتراقص حولها كأنّه يحتضنها نيابةً عنه.
أدار عينيه للحظة نحو الحاسوب المفتوح، حيث الملفات تنتظره، والأوامر متراكمة تنتظر التنفيذ... لكنه ابتسم بسخرية باردة.
تمتم بصوت خافت أشبه بالزمجرة، وكأنّه يُحدّث نفسه:
"اللعنة... العمل سيتأجل."
أغلق الحاسوب بحركة هادئة، ثم أدار مقبض الباب وخرج بخطوات واثقة. كل خطوة منه كانت تصرخ بالشوق، بالتملك، بالجنون.
وهي هناك، تسبح ببطء، تظن أنّها تلهو... دون أن تدري أنّها أشعلت عاصفة لا تُطفأ.
كانت غلوريا تضحك، وهي تسبح برشاقة في المياه، تعبث بعينيه من بعيد، تعلم أنّه يراها.
لكنّها لم تتوقّع أن تتحوّل ابتسامتها الخفيفة إلى صدمة لذيذة، حين رأته يفتح باب الزجاج فجأة، يخلع قميصه بسرعة، كأنّ النار تشتعل في عروقه، ويرميه أرضًا، ثم يخلع بقية ملابسه كمن ينزع ثوبه عن جلدٍ يحترق.
أقدامه خطت نحو الحافة، وبنظرة واحدة نحوها، قال بصوتٍ عميقٍ خافت:
"ألهذا الحدّ تجرؤين؟ تعبثين بناري وتظنّين أنك ستفلتين؟"
وقبل أن تردّ، كان قد قفز، اندفع في المياه كالسهم، وعيناها تتسعان بدهشة.
لم تكد تستدير، حتى شعرت بذراعيه القويتين تلتفّان حول خصرها، يشدّها إليه بشراسة جائعة، والغضب ممزوج بلذّة لا تعرف الرحمة.
اقترب من أذنها وهمس بصوتٍ مبحوح:
"حان وقت الانتقام... انتقام من النار التي أشعلتها في دمي."
غاص بها فجأة تحت سطح الماء، يده مشدوده كأنّه يرفض أن تفلت منه حتى في أعماق السكون.
تطايرت فقاعات أنفاسها بينهما، وعيناها متسعتان بدهشة، بينما هو لا يرمش.
وفي اللحظة التي صعدا فيها معًا إلى السطح، كانت هي تلتقط أنفاسها، أما هو... فاقترب منها بهدوءٍ مريب.
همس بصوت مبحوح:
"لن تنجي مني... ليس بعد الآن."
كان الماء ينساب على بشرتهما، يعانق الجسدين كما لو أنّه يبارك اللقاء المشتعل تحت السماء المكسيكية الرمادية.
غلوريا كانت تضحك، لكن في عينيها رعشة خفية، مزيج من التحدي والإغواء.
اقترب منها ماتيو بخطواتٍ ثابتة، ونظراته تحترق بنار لا تخمد.
رفعها بين ذراعيه باندفاعٍ لا يخلو من الحنان، ثم استند بها على جدار المسبح، والماء يتساقط من شعرها كأنّه أمطار منتصف العاصفة.
همس في أذنها، صوته كان مزيجًا بين الغضب والوله:
جننتيني؟ كم صبرتُ وأنا أراكِ تضحكين وتغادرين كأنك لا تعرفين ماذا تفعلين بي؟"
أجابته بصوتٍ مبحوح، يختلط فيه الحياء بالتمرّد:
"أنا لا أفعل شيئًا… أنت من تضعف سريعًا، ماتيو."
نظر إليها للحظة، ثم اقترب بشفتيه إلى رقبتها، يمرّ بأنفاسه ببطء، كأنّه يكتب على جلدها قصيدة بلا كلمات.
ضمّها أكثر، وقال:
"أقسم أنني لم أعرف الهوس إلا حين عرفتكِ... وإن كنتِ تظنين أن لعبتكِ الصغيرة ستمرّ بسلام، فأنتِ لا تعرفين ما تعنيه كلمة الانتقام في قاموس رجلٍ مثلي."
ضحكت، تلك الضحكة التي تخلط بين البراءة والشيطنة، ثم همست:
"إذن أرِني… يا رجل الظلال."
لحظة صمت اجتاحت المكان، كل شيء تجمّد، إلّا قلبيهما
كانت تلك اللحظة أقرب ما تكون إلى معركة… لا بين خصمين، بل بين قلبين قررا أن يتصارعا داخل نار واحدة.
ضحكت غلوريا بخفة وهي ترشّ الماء على وجهه، بعفوية طفلة ونظرة امرأة تعرف تمامًا ما تفعل.
أغمض ماتيو عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، يحدّق فيها كأنّه رأى الشمس تضحك من خلف الغيوم.
ابتسم… ابتسامة رجل خرج من ظلمة قلبه، فقط ليغرق فيها.
اقترب منها فجأة، أمسك خصرها بقوة، فشهقت من المفاجأة، وعلت ضحكتها أكثر.
قال بصوت خفيض، ممزوج بالضحك والتهديد اللذيذ:
"أيتها المشاغبة… ستدفعين ثمن هذا."
ثم انحنى، ببطء مقصود، وراح يمرّ بأنفه على رقبتها المبللة، يستنشق عطرها كما لو أنه يتنفسها.
همس عند أذنها:
"هذه الرقبة… خلقت لتُقبَّل."
وما إن أنهى كلماته، حتى ترك قبلة ناعمة أولًا، ثم تبعتها أخرى أعمق، أكثر شراهة، كأنّه يريد ختم جسدها بروحه
أغمضت غلوريا عينيها، وراحت أنفاسها تضطرب، بينما يداه تلتف حولها، يحتجزها بين ذراعيه والماء والجدار، وكأنّه قرر ألاّ يترك لها مفرًّا من حضنه.
لحظة جمعت بين اللعب والهيام، بين العشق والسخرية، بين حنان رجل… وجنون عاشق لا يعرف الرحمة في الحب.
بدأت السماء تتلبّد بالغيوم، وغطّت الغيمةُ الداكنة أفق القصر كأنّها تحمل سرًّا غامضًا. وسقطت أولى قطرات المطر على سطح المسبح، خفيفة، ثم ما لبثت أن اشتدّت شيئًا فشيئًا.
رفع ماتيو رأسه نحو السماء، ثم نظر إلى غلوريا، فوجدها واقفة في الماء، يبلّل المطر وجهها وشعرها، فتبدو وكأنّها لوحة حيّة رسمها الجنون والشغف معًا.
اقترب منها وقال بصوت خافت، عينيه تعكسان شيئًا من القلق:
"المطر بدأ... يجب أن ندخل، قد تُصابِين بالبرد."
لكنها لم تتحرّك.
بل رفعت رأسها إلى السماء، أغمضت عينيها، وتركت القطرات تتسلل إلى جفنيها وخديها، كأنّها تتطهّر من كل شيء.
قالت بصوت متمرد مبلّل بالحنين:
"دعنا نعيش اللحظة... هنا، تحت المطر، لا أريد أن أختبئ من الحياة بعد الآن."
نظر إليها طويلاً، كأنّه يراها لأول مرة، ثم همس وهو يقترب منها حتى كادت أنفاسهما تختلط:
"ستكونين نهايتي، يا غلوريا..."
نظرت إليه، نظرة اختلط فيها الدفء بالحذر، والحنان بالخذلان القديم، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
"وأنت... أنت أصبحت بدايتي... وربّما... نهايتي أيضًا."
مدّ يده وأمسك بيدها المبلّلة، جذبها إليه لتلتصق بصدره، والمطر يتساقط من حولهما كأنه يبارك هذه اللحظة الغامضة.
قبّل جبينها برقة، ثم مال على أذنها وهمس بصوت رجولي حنون:
"طالما أنكِ هنا، فكل العواصف تصبح سلامًا... وكل هذا المطر، جنّة."
كان المطر قد خفّ قليلًا، لكن لمعة المياه على جلدهما جعلت كل شيء أكثر حياه.
غلوريا كانت تضحك، تضحك من قلبها، كأنها نسيت كل شيء سوى هذه اللحظة. ماتيو كان يحدّق فيها، في وجهها المبتل، في عينيها المغمضتين من شدّة الضحك، كأنها تسرق منه عبءَ العالم.
اقترب منها أكثر، وصوته يخرج من صدره خافتًا، مليئًا بدهشة رجلٍ لم يعرف من هو حتى عرفها:
"تعلمين... لم أتخيّل نفسي يومًا أفعل مثل هذا. أضحك وسط المطر... أركض خلف امرأة... أشعر أن قلبي يخفق هكذا."
نظرت إليه، بعينيها العسليتين العميقتين، وقد ابتسمت ابتسامة صغيرة غلّفها الخجل والصدق معًا، ثم ردّت بصوت ناعم:
"وأنا لم أتخيّل يومًا... أن من اختطفني، سيكون أول من يعيدني إلى الحياة."
شدّها إلى صدره، ضمّها بعنف فيه دفء، وكأنها الشيء الوحيد الحقيقي في عالمه المليء بالدماء والأكاذيب، وقال بصوت أجش:
"إذًا خافيني، يا صغيرتي... لأنني لن أترككِ أبدًا، حتى لو اضطررت أن أحرق العالم من أجلك."
كانت قطرات المطر لا تزال تتساقط بخفّة، تزيّن وجهيهما وتغسل آثام اللحظة.
كانا يركضان معًا باتجاه الداخل، ضاحكين كأنهما طفلان فرا من قيود العالم.
يداهما متشابكتان، خطواتهما متناسقة، والحرارة بينهما تزداد كلما اقتربا أكثر.
فتح ماتيو الباب، ودفعه بنصف جسده دون أن يترك يدها.
التفت إليها وهو يلهث من الركض، ومن شيء آخر يسكن صدره ولا يُقال.
اقترب منها، وراح يطبع على شفتيها قبلة سريعة، ثم أخرى أطول، كأنما يختبر طعمها في كل مرة وكأنها المرة الأولى.
ضحكت غلوريا بخجلٍ ناعم وهي تتعلّق بذراعيه، وقالت:
"ستُغرقني بالقبل قبل أن أغيّر ثيابي."
ابتسم، قرب جبينه منها، وهمس:
"بل سأغرقك فيّ، قبل أن تبتعدي لحظة."
ثم أخذها من يدها مجددًا، وهما يدخلان القصر، يضحكان، يتعثران بخطاهما.
كانت الضحكة ما تزال عالقة بين شفتيه، وقطرات المطر تنحدر من شعره إلى عنقه، بينما يتابع غلوريا وهي تصعد السلم بثوبٍ مبتلّ، ضاحكة، حيّة، نقية كما لم يكن يعرف الحياة من قبل.
"سأبدّل ملابسي..."
قالتها وهي تلتفت، وشعلة في عينيها، "لا تسبقني إلى السرير، اتفقنا؟"
أومأ دون صوت. قلبه كان في مكان آخر.
بينما هدأت الضوضاء، وخلت اللحظة من دفء ضحكتها، رنّ الهاتف.
ارتجّ اسمه على الشاشة: رقم غير معروف.
بلا اهتمام، ضغط على الرسالة.
قرأ الكلمات... وتجمّد الزمن.
"ظننتني متُّ؟ اشتقت إليّ؟ لا تقلق... فـ'فاليريا' لا تموت، بل تختار توقيت عودتها. سأراك قريبًا، يا عزيزي."
نزلت الكلمات على صدره كالسيف.
اتسعت عيناه، وسقط الهاتف من بين أصابعه الثقيلة.
همس، والصدمة تأكل صوته:
"مستحيل... أنتِ ميتة. أنتِ... دفنتكِ بيدي."
الهواء من حوله تغيّر، كأن شيئًا لا يُرى دخل المكان...
كأن ماضٍ كان يظنه مدفونًا، ينبض الآن في الظلام.
رفعت غلوريا صوتها من الطابق العلوي، برقة لا تعلم ما تُقاطع:
"ماتيو؟... ما الذي يحدث؟ هل أنت بخير؟"
تردّد، ثم استدار نحو السلالم.
نظر إلى الأعلى، نحو النور....
وأجاب بابتسامة باهتة
"كل شيء على ما يرام، خطيئتي."
لكن في داخله، لم يكن أي شيء بخير.
لقد عادت.
فاليريا عادت... ومعها، سيعود كل شيء حاول دفنه.
والموت هذه المرة... قد لا يكون النهايه
انتهى
رائيكم
✨5الف كلمه✨
Gloria_Ramirez02