الرجوع بالزمن: ٢٠١٠
بعد موت ام ماتيو ب سنه وحادث عائله غلوريا
في باحةٍ حجرية خلف قصر قديم واثري، كانت أشعة الغروب تنزلق على الجدران العتيقة، تصبغها بلونٍ ذهبيّ باهت كأنما تُمهِّد لليلةٍ طويلة من الأسرار.
وقف الفتى "ماتيو"، في الحادية عشرة من عمره بعد موت امه ب سنه ، بثيابه السوداء المحكمة، وعيناه تُحدّقان بصمتٍ في فتاةٍ تُقابله.
كانت "فاليريا" في العاشره من عمرها، ذات شعرٍ حالكٍ يتدلى على كتفيها كستارٍ مسرحيّ، وفي يدها سكينٌ صغير من الفضة، تنقش به على الحائط أول حرفٍ من اسمها.
قالت دون أن تلتفت إليه:
ـ"إن مُتُّ قبلك، فادفِنِّي عند هذا الجدار."
تقدَّم بخطواتٍ هادئة، وصوته يحمل نبرة غريبة من الجدية:
"لن تموتي قبلي. نحن نملك حياةً طويلة، ومهامّ كثيرة في هذا العالم."
التفتت إليه بعينيها المتقدتين، كأن فيهما نارًا لا تخبو:
"تعلم أن عائلتي وعائلتك لا تثقان ببعضهما؟"
فأجاب دون تردد:
"لكنّنا نحن نثق ببعضنا... أليس كذلك؟
ابتسمت بسخرية غامضة، وقالت:
"ذات يوم، أنا وأنت سنحكم هذا العالم. سنُخضِعه لنا، مهما كان الثمن."
اقترب منها، وأراح كفه على كتفها بلُطفٍ غريب عن سنّه، وقال هامسًا:
"وهل نموت سويًّا؟"
أجابته ببطء:
"لا... أحدنا سيخون الآخر أولًا."
ثم ساد صمتٌ عميق، تجمَّدت فيه اللحظة، وكأن الزمن نفسه توقّف ليسجّل الجملة الأخيرة في ذاكرة "ماتيو"، محفورة كوصمةٍ لن تُمحى.
(2023)
قبل خطف غلوريا ب سنتين
مرت سنواتٌ ثقيلة منذ آخر مرة وقفا فيها وجهًا لوجه دون أسلحةٍ مخبأة خلف الابتسامات.
"فاليريا" دخلت غرفة الاجتماعات ببطء، خطواتها ثابتة كأنها تعبر ساحة معركة
"ماتيو" كان هناك، يجلس على رأس الطاولة، يراقبها كما يراقب صيّادٌ ذئبًا
قال دون أن ينهض:
"ما زلتِ ترتدين الأسود... كأنكِ لا تعرفين لونًا آخر."
ابتسمت بسخرية وهي تجلس مقابله:
"الأسود لا يُخفي الدم، لكنه يحترمه."
صمتٌ لحظات، ثم أخرجت من حقيبتها أوراقًا رسمية وضعتها أمامه.
"هذه خريطة الميناء. الشحنة القادمة ستصل خلال يومين.
نحتاج إلى 10 رجال للحراسة، والعبور سيتم من الناحية الشرقية... كالمعتاد."
أخذ الأوراق ببرود دون أن ينظر لها، ثم قال:
"أتعرفين؟ حين كنا أطفالًا، كنتِ تكذبين بابتسامة... الآن تكذبين بصمت."
رفعت حاجبها بنفَسٍ مستفزّ:
"وأنت، كنتَ تتظاهر بالبراءة... والآن تتظاهر بالقوة."
وقف من كرسيه واقترب منها ببطء. ظلّه غطّى النصف الآخر من الطاولة.
"لا تخلطي بين القوة والبرود يا فاليريا. لم أعد ذلك الصبي الذي وثق بك فقط لأنكِ كنتِ الأقرب."
نظرت إليه بثبات، ثم همست:
"وأنا لم أعد تلك الفتاة التي تُطيعك لأنك ابن العائلة."
اجتمع زعماء العائلتين تحت سقف واحد، في قصرٍ لا يُسمع فيه سوى صوت الكؤوس ووقع الأحذية الثقيلة.
الشموع المصفوفة على الجدران لم تخفِ برودة العيون، ولا وهج الذهب الملتف حول أعناق رجال المافيا.
كان "ماتيو" يقف بثبات، يرتدي بدلته السوداء كأنها درع لا يُخترق، عيونه تتفحص الجموع، لكنها لا تنظر للعروس.
"فاليريا" تقدمت نحوه، بفستانٍ أبيض لم يُخلق للحب، بل للتوقيع على معاهدة دم.
حين وقفت أمامه، لم تبتسم... فقط نظرت في عينيه نظرة امرأة تعرف أن هذه الخطوة ضرورية، لا أكثر.
قال كبير العائلة بصوته العميق:
"بهذا الزواج، تُدفن الأحقاد، وتُولد الإمبراطورية الجديدة."
رفع ماتيو يد فاليريا، وألبسها خاتمًا بسيطًا مرصّعًا برمز العائلة. لم يرتعش.
قال بصوتٍ خافتٍ لكنه واثق:
"ليس زواج حب... بل زواج ولاء. وأنتِ تعلمين، الولاء في عالمي أثمن من القلب."
ردّت دون تردد:
"والثقة في عالمي لا تُعطى... تُنتزع."
صفّق الحضور، لكن لم يبتسم أحد.
وهكذا، تمّ الزواج... كصفقة بين قلبين لا ينبضان إلا حين يسمعان رنين السلاح.
في تلك الليلة، لم تكن هناك شموع رومانسية، ولا موسيقى حالمة.
بل غرفة واسعة، جدرانها مشبّعة برائحة السلطة، وسرير مصنوع من خشبٍ ثقيل، كأنه شاهد على ما لن يكون حُبًا أبدًا.
وقف "ماتيو" أمامها، يفك أزرار قميصه دون أن ينظر لعينيها، ثم قال بصوتٍ حاد، كأنّه يوقّع على بند جديد
ـ "لا تنتظري منّي شيئًا... لا حب، لا احتواء، لا كلماتٌ تهمس في الليل. هذا الزواج ليس سوى تحالف، وإنجاب الأطفال سيكون فقط لاستمرار الدم."
اقتربت "فاليريا"، نزعت عقدها الذهبي ببطء، وقالت بنبرة باردة لا تخلو من خبثٍ خفي:
ـ"أعلم... وأنا لا أريد أكثر من ذلك.
أنا ابنة هذا العالم، مثلك تمامًا، لا أؤمن بالعاطفة.
جسدي لك، متى أردت... أما قلبي؟ فقد قتلته منذ سنوات."
صمت لحظة، ثم اقترب منها، وضع يده على خصرها بقوةٍ محسوبة، ومال نحوها هامسًا:
"إذن... اتفقنا."
هزّت رأسها بالموافقة، وخلع كلاهما ما تبقّى من الأقنعة.
لم تكن ليلة زفاف، بل كانت ولادة لعهدٍ جديد بين وحشين... يتبادلان النار لا الحُب.
كانت الشمس تغرب خلف أسطح المباني العتيقة، حين دخل "ماتيو" إلى قاعة الاجتماعات الخلفية، حيث وقفت "فاليريا" تضحك بخفّة مع أحد الرجال من عائلة "دي لا روزا"، خصم قديم لماتيو، لكنه الآن شريك تحت المصلحة.
لم تكن تضحك كثيرًا عادةً... لكنها الآن تفعل.
ضاقت عيناه. لم يكن يعرف تحديدًا ما الذي اشتعل بداخله.
هل هو غضب؟ هل هو حذر؟ أم... شيءٌ آخر لم يتعلّمه اسمه بعد؟
اقترب بخطوات هادئة، كذئب يختبر من اقترب من منطقته، وقال بنبرة جامدة، ولكنّها تحمل شيئًا دفينًا:
"يبدو أنكِ تستمتعين بصحبة هذا الأحمق، فاليريا."
نظرت إليه بابتسامة مشوبة بالسخرية، وردّت دون أن يرف لها جفن:
"كنا نتحدث عن صفقة السلاح الجديدة. هل تغار، سيدي؟"
صمت لحظة، ثم اقترب منها أكثر، وقال قرب أذنها:
"أنا لا أغار، أنا فقط... أمتلك."
ثم التفت للرجل الآخر، ونظر له نظرة كادت تقتله معنويًا، وقال ببرود:
"أعتقد أن الاجتماع انتهى."
رحل الضيف بسرعة، وبقيت "فاليريا" تنظر لماتيو، نصف مبتسمة، ونصف مشتعلة.
داخليًا، كانت تسأل نفسها: "هل بدأ الجليد يتشقق؟"
أما هو... فكان لا يزال لا يعرف الفرق بين التملّك والحب.
لكنه شعر أن النار قد اشتعلت، دون إذنٍ منه.
في إحدى ليالي الشتاء القاسية، كانت الغرفة غارقة في العتمة، سوى من وهج المدفأة الذي يرسم ظلالًا راقصة على الجدران الحجرية.
جلس "ماتيو" على طرف السرير، يربط أزرار قميصه بهدوء شديد، بينما كانت "فاليريا" مستلقية خلفه، تغزل خيوط الدخان من سيجارتها بين أناملها الطويلة.
قالت، بنبرة خالية من أي دفء:
"أنتَ عنيفٌ أكثر من المعتاد الليلة."
لم يلتفت، فقط قال دون أن يغيّر نبرة صوته:
"صفقة الكوكايين في كولومبيا فشلت.
كنت بحاجة لتفريغ بعض الضغط."
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم همست بسخرية:
"وأنا؟ مجرد وسيلة لتخفيف التوتر؟"
أجاب، وهو يقف ويضع سترته على كتفه:
""نحن متساويان، فاليريا... أنتِ تعرفين القاعدة: لا حب في هذا البيت. فقط ولاء وشهوة ومصلحة."
رفعت حاجبها، نفثت دخانها في الهواء، وقالت:
"ممتاز. الحب يضعف، أما السيطرة... فتُشعل."
لم يبتسم، لم يُعلق، فقط نظر إليها للحظة طويلة، وكأن بينهما اتفاقًا لا يحتاج لكلمات.
في هذا العالم... لم يكونا عاشقين.
بل متواطئين.
في قاعة المآدب الكبرى، حيث تتعالى ضحكات رجال الأعمال وتتقاطع نَخَبات الكؤوس، دخل ماتيو دي لا فوينتي وزوجته فاليريا كأنهما ملكٌ وملكةٌ في بلاط من نار.
أذرعهما متشابكة، خطواتهما واثقة.
اقترب، عمّ ماتيو، وابتسم وهو يربت على كتفه:
"يبدو أن زواجكما يُثمر استقرارًا عظيماً، تمامًا كما خُطِّط له."
أجابه ماتيو بثقة متقنة:
الوِحدة تصنع القوة يا عمّي... ونحن متحدان."
ضحكت فاليريا بخفّة مصطنعة وهي تمسك بذراعه بقوة:
"بل نحن أكثر من متحدين... نحن وجهان لعملة واحدة."
لكن حين انسحب عم ماتيو، نظرت فاليريا إلى ماتيو نظرة جانبية، همست دون أن تحرّك شفتيها كثيرًا:
"أتقن التمثيل الليلة... حتى نظراتك كانت مقنعة."
ردّ دون أن ينظر إليها:
"وابتسامتك بدت كابتسامة أرملة تنتظر الميراث."
تجمدت عيناها لوهلة، ثم نظرت إلى الجمع من حولهما، ورفعت كأسها عاليةً بابتسامة مسمومة:
"إلى الولاء... لا الحب."
همس بجانب أذنها:
"وإلى الغدر... حين تحين الساعة."
ثم افترقا داخل الحشد، يحيّيان الجميع كأنهما شريكان في حلم... لا في مؤامرة.
في إحدى ليالي الشتاء، حيث كانت أضواء القصر خافتة والهدوء يخيّم كستار مسرحي ثقيل، جلس ماتيو خلف مكتبه، يحدّق في شاشة حاسوبه بعينين مشوّشتين لا تقرآن شيئًا.
كان هناك شيء... إحساسٌ لا يُفسَّر، كأن قلبه يُنذر بشيء آتٍ.
صوت الكعب العالي اقترب بخطًى واثقة. دخلت فاليريا، بثوبٍ أسود لامع، وشعرٍ مرفوع بعناية، وكأنها خارجة من حفلٍ لا يعلم هو عنه شيئًا.
سألها دون أن ينظر إليها:
"أين كنتِ؟"
قالتها ببساطة:
"اجتماع... استغرق وقتًا أطول."
رفع عينيه إليها ببطء:
"اجتماع؟ ولم تُخبِريني؟"
ابتسمت بفتور، وخلعت معطفها:
"ظننتُ أنك لا تهتم."
وقف بهدوء، لكن صوته كان مشحونًا:
"أدقّ التفاصيل في هذا البيت تهمّني. لا مجال للظنون."
ظلّ واقفًا مكانه، يُراقب ظهرها وهي تمشي نحو الغرفة المجاورة، وأفكاره تتسابق بلا صوت:
لم تكن ترتدي ساعتها المعتادة... ولا تحمل هاتفها الذي لا يفارقها أبدًا.
وحين اختفت عن ناظره، فتح درْج مكتبه، وأخرج منه جهازًا صغيرًا بحجم عقلة إصبع.
جهاز تتبع.
وهمس لنفسه:
"الثقة؟ الثقة تُمنَح مرة واحدة فقط... ثم تُدفن."
جلس ماتيو في مكتبه، يتابع الخريطة الإلكترونية أمامه، حيث تومض نقطة زرقاء صغيرة تمثّل موقع فاليريا.
كانت تتنقل بين المحلات الراقية في وسط المدينة، تدخل متجرًا للأحذية، ثم متجر عطور، ثم مقهى صغير.
نفث دخان سيجاره، وحدّق في الشاشة بشكّ:
"هل هذه كلّ حياتكِ؟ تسوق وقهوة؟"
في المقابل، كانت فاليريا في المقهى، تمسك بكوب القهوة وتنظر إلى ساعتها.
فتحت كاميرا هاتفها، وأخذت سيلفي، ثم أرسلته على مجموعتها مع بعض الصديقات.
ثم حدّقت في إحدى الكاميرات المُعلّقة بالسقف، وابتسمت بخبث.
تمتمت بصوت خافت، وكأنها تعلم أنّه يُراقب:
"هل تعبتَ منّي بعد، ماتيو؟"
تظاهرت بالانشغال في تصفّح فستان فخم في متجر فاخر، بينما عيناها كانت تراقب انعكاس المرايا حولها، ترصد كل من يحاول مراقبتها، أو التقاط صورة لها.
كانت تتعمد الظهور بمظهر المرأة العادية، الفارغة، المستهترة.
لكنها لم تكن كذلك.
لقد كانت تخطط.
كان الليل قد ألقى بظلاله فوق فيلا ماتيو وفاليريا، كل شيء ساكن... إلا هي.
دخلت عليه المكتب، ترتدي فستانًا أحمر قاتم، وابتسامة غامضة مرسومة على شفتيها.
أغلق ماتيو حاسوبه ونظر إليها بريبة، كما يفعل دومًا.
قالت بهدوء خادع:
"علينا أن نتحدث."
لم يرد، فقط أشار بيده أن تتحدث.
اقتربت، وقلبت علبة السجائر بين أصابعها، ثم نظرت إليه نظرة مستقيمة، ثابتة، وقالت:
"أنا حامل."
سقط الصمت.
ماتيو لم يُظهر أي تعبير في البداية.
مرّت ثانيتان... ثم قال بنبرة باردة كحد السكين:
"متى؟"
ابتسمت، تلك الابتسامة التي دومًا تبعث فيه شعورًا بالقلق أكثر من الطمأنينة:
"قبل أسابيع قليلة... تأكدت اليوم فقط."
"ومن أبيه؟"
رمقته بنظرة قاتلة، ثم ضحكت بخفة:
"حقير... لكن سؤالك مفهوم."
ثم أكملت، بلهجة أكثر جديّة:
"هو ابنك، ماتيو... وأنت تعرف أني لا أخلط الشرف بالصفقات."
جلس ماتيو على الكرسي، مسنودًا بيده إلى الطاولة، وكأن الأرض انزلقت من تحته.
عقله يحاول أن يحصي الاحتمالات، السيناريوهات، المخاطر.
طفل؟ الآن؟
لم يكن هذا ضمن حساباته... لا في السياسة ولا في الحرب ولا في الرغبة.
سألها بصوت منخفض، شبه مهموس:
"هل تظنين أن هذا... سيغير شيئًا بيننا؟"
قالت بتحدٍ:
"لا. لكن سيغير كل شيء من حولنا."
ثم استدارت، وخرجت دون كلمة إضافية.
تركت خلفها شبحًا جديدًا في عقل ماتيو...
طفل قادم، من زواج بلا مشاعر، في عالم لا يرحم.
كانت تمشي في الممر المظلم المؤدي إلى جناحها الخاص، ووقع كعبها العالي يرنّ بصوت ثابت في المكان... لكن داخلها لم يكن ثابتًا.
كانت عاصفة.
حملت يديها إلى بطنها، لا لأنها تشعر بالأمومة... بل لأنها تشعر بالخطر.
"طفل؟ في هذا العالم؟"
"أحمق إن ظن أني لا ألاحظ ارتباكه كلما نظرت في عينيه."
وصلت إلى الغرفة، أغلقت الباب بهدوء، ثم استندت إليه.
"الدم.... لا الحب. ولا الشغف.
لكن الدم... الآن يتضاعف بداخلي.
هل سيجعلني هذا أقوى؟ أم أضعف؟"
تقدّمت نحو المرآة، خلعت فستانها ببطء، وتفحصت جسدها.
"هذا الجسد... استُخدم كأداة لصفقة، لتحالف، ولأكاذيب.
لكن... ماذا لو استخدمته أنا كسلاح؟"
نظرت إلى نفسها بثبات:
"لن أكون أمه فقط. سأكون سيفه.
وإن اضطررت... سأكون أيضًا درعه."
جلست على طرف السرير، أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها.
"لكن ماذا عن ماتيو؟
هل سيحتويني... أم سيقتلني لو شك لحظة؟"
ضحكت، ضحكة قصيرة مشبعة بالمرارة:
"هو لا يعرف... أني أفكر في كل شيء.
السماء كانت ملبدة بالغيوم، والرعد يزمجر في البعيد.
في مخزن قديم عند أطراف المدينة، كانت الأنوار خافتة، والدخان يملأ الجو.
وقفت فاليريا مرتدية معطفًا داكنًا، ووجهها مغطى جزئيًا بالظل.
أمامها كان راؤول، أحد قادة العصابات المعادية لماتيو، رجل بخطوط وجه قاسية وابتسامة مليئة بالسخرية.
قال وهو يشعل سيجارته:
"لم أكن أتوقع أن زوجة ماتيو ستأتي إليّ بنفسها."
ضحكت بخفة، وقالت بصوت بارد:
"هو ليس زوجي، بل كان سلاحي... والآن حان وقت استعماله."
مدّت إليه مظروفًا بني اللون، بداخله مستندات وصفقات ومواقع شحنات سلاح مهمة.
"هذا كل ما تحتاجونه لإسقاطه. السفن، التوقيتات، وحتى الشيفرات الخاصة بالتحويلات البنكية."
في تلك اللحظة...
رنّ هاتفها بنغمة قصيرة.
نظرت إليه، فظهر على الشاشة: ماتيو
ضغطت على زر الإغلاق، ونظرتها كانت فارغة تمامًا.
المكان مظلم، والشموع الموزعة في الزوايا تعطي ضوءًا خافتًا.
كان راؤول واقفًا أمام فاليريا، ويديه على خصرها، وهي تضحك بخفة.
قال وهو يضع يده على بطنها المنتفخ قليلًا:
"إذن... أخبرتيه أنه ابنه؟"
نظرت إليه بعينين تحملان مكرًا قاتلًا، وقالت:
"لم يكن ليسمح لي أن أعيش إن علم بالحقيقة... ثم إنه لن يشك، أنا زوجته."
ابتسم راؤول وهو يقرّب وجهه منها:
"والطفل؟"
همست:
"ابنك، راؤول... ابننا. ماتيو مجرد أداة... ستسقط تحت قدميك قريبًا."
ثم اقترب منها وقبّلها بشغف، بينما لتظهر كاميرا مراقبة صغيرة جدًا مخفية خلف الاعمده:
الملهى الليلي - منتصف الليل:
الأنوار الخافتة تتراقص على جسد فاليريا وهي جالسة على البار، كأسها نصف ممتلئ، وعيناها غائمتان من أثر الكحول.
كانت ضحكتها عالية، غير متزنة، وهي تميل على كتف النادل وتطلب كأسًا آخر.
من بعيد، كان ماتيو يراقبها.
وقف في الظل، عيناه جامدتان، وفكه مشدود.
لم يكن يتكلم، فقط يحدّق كذئب يراقب فريسته، لا بحب... بل بريبة وقلق وخيانة بدأت تتسلل إلى أعماقه.
أخرجت فاليريا هاتفها وهي تترنح قليلًا، وضغطت على اسم محفوظ باسم..) ر(
اتصلت.
سمع ماتيو صوتها لم تكن تدري أنها تركت ميكروفونها مفتوحًا قليلًا بصوت عالٍ...
قالت بضحكة متقطعة:
"أشتقت إليك... أريد أن أراك الليلة. نعم، الليلة... لا يمكنني الانتظار أكثر."
توقفت لحظة، ثم همست:
"فندق آزول بلازا... الغرفة 604. الساعة الواحدة بعد منتصف الليل."
ابتسمت، ثم أغلقت الخط وهي تميل للخلف وتضحك وحدها.
الزاوية المظلمة خلف العمود
ماتيو لم يتحرك.
ظل واقفًا هناك، في الظل، وعيناه لا ترمش.
صوته داخله تمزّق بين الرغبة في التصديق... والرغبة في الانتقام.
"604؟"
"آزول بلازا؟"
"راؤول؟... يا فاليريا."
كتم أنفاسه، واستدار ببطء... خطواته نحو الحقيقة أصبحت واضحة،
ووجهه لم يعد يحمل أي ملامح إنسانية.
بل ملامح رجل قرر... أن الخيانة لا تغتفر.
وقف ماتيو أسفل الفندق، يداه في جيبيه، وعيناه معلّقتان بواجهة المبنى كأنها تخفي جريمة... أو اعترافًا.
انتظر... دقيقة، اثنتان، خمس...
ومع كل ثانية تمرّ، كانت الدماء تغلي في عروقه أكثر.
مرّت خمس عشرة دقيقة.
أخرج سكينًا صغيرة من حزامه، دفع الباب الأمامي بقوة، وسار نحو المصعد بخطى ثابتة كأن الأرض تعرفه.
الطابق السادس.
604.
وقف أمام الباب، يضع يده على مقبضه...
لم يطرُق. لم ينادِ.
بل رفع قدمه، وركله بعنف حتى انكسر.
اندفع إلى الداخل كعاصفة
ثم...
تجمّدت عيناه على المشهد أمامه.
فاليريا كانت في ذراع راؤول.
شعرها منثور، قميصها منزلق عن كتفها، والسرير غير مرتب.
راؤول كان نصف عارٍ، وملامحه تحمل الذهول.
أما فاليريا، فشهقت، وكأنها رأت شبحًا.
صوته خرج كالرصاص:
"راؤول؟"
"أنتِ..." صمت
اقترب بخطوات بطيئة...
خطوات رجل ذاق طعنات أكثر من أن تُحتمل.
"كنتِ زوجتي."
"كنتِ جسدي وسري واسمي."
"وها أنتِ... تخلعين كل ذلك على هذا السرير القذر."
رفعت فاليريا يدها، تحاول أن تقول شيئًا، لكنه أوقفها بإشارة من يده.
"لا كلمة، ولا دمع، ولا عذر سيغفر."
ثم التفت نحو راؤول، نظرة واحدة تكفي.
"أنت لن تخرج حيًا من هذه الغرفة."
راؤول نصف عارٍ، واقفٌ أمام فاليريا التي التفّت حولها الملاءة، وملامحها مشوشة بين الارتباك والرجاء.
لكن ما سمعه كان كافيًا ليحطم آخر ذرة من قلبه.
"لا تؤذه، راؤول... أرجوك، لا تتركـني..."
كان صوتها حادًا، يخرج من أعماقها، كأنها تناشده أن يبقى.
ماتيو لم يتحرك.
عيناه ركزتا عليها، لا عليه.
كأنها الشيء الوحيد الذي طعنه.
العدو... كان متوقعًا.
لكن السيف الذي غُرس في خاصرته... كان يحمل اسم "فاليريا".
"أتحبينه؟"
سألها بصوت ميت.
ارتبكت، تنفست بصعوبة، ثم سكتت.
"سأعتبر صمتك إجابة."
صرخت، وركضت نحوه تمسك يده، لكنه دفعها بقوة جعلتها تصطدم بالحائط.
"كنتِ كل ما أملك."
قالها بصوتٍ منخفض، مجروح، لكنه مميت.
"خانني أعدائي، وخانتني عائلتي... لكنكِ؟ أنتِ صنعتِ موتي."
الهواء بين الثلاثة صار أثقل من الرصاص… لحظة صمت لم تدم أكثر من ثانية، لكنّها كانت كافية ليُعلن الجحيم بدايته.
اندفع ماتيو نحو راؤول كإعصار، قبضته تخترق المسافة في لحظة، تمسك بياقة قميصه وتدفعه للحائط حتى اهتزّت الإطارات المعلّقة.
ضربة على الفك… أخرى على الصدر… وصوت ارتطام الجسد بالجدار يختلط بأنينٍ مكتوم.
فاليريا صرخت:
"توقّف! ماتيو، كفى!"
لكنّه لم يسمع، أو لم يُرِد أن يسمع.
استدار نحوها، نظراته أشدّ من كل ضرباته، كأنّها الخيانة ذاتها وقد تلبّست جسد امرأة.
خطا نحوها، قبض على ذراعها بقسوة، اقترب وجهه من وجهها حتى شعرت بحرارة أنفاسه المحمّلة بالغضب:
"أهكذا تردّين مَن منحكِ كل شيء؟"
لم تمهله كلماتها لتخرج، رفع يده، وهوى بها على جانب رأسها.
ارتجّت ملامحها، تراجعت خطوة، ثم فقدت توازنها… وسقطت أرضًا بلا صوت، شعرها المبعثر يغطي نصف وجهها، وجسدها ساكن كأنّ الروح انسحبت منه.
راؤول تحامل على نفسه، حاول أن يزحف نحوها، لكن قدم ماتيو دفعته بعيدًا بقوة جعلته يرتطم بالأرض.
"لا تلمسها… أو ستكون آخر لمسة لك في هذه الحياة."
الغرفة امتلأت برائحة العرق والدم، وصوت أنفاسهم الثقيلة،
أما فاليريا، فكانت غارقة في صمتٍ ثقيل، كأن الليل ابتلع وعيها، وترك جسدها شاهدًا على خيانة لا تُمحى.
أفاقت فاليريا على وخز بردٍ يتسلّل إلى عظامها، ورائحة ترابٍ رطبٍ يملأ أنفاسها.
أول ما أدركته أنّ رأسها يثقل كالصخرة، وجسدها مشدود بقيود خشنة تقيّد معصميها إلى مساند كرسي خشبي بارد.
فتحت عينيها ببطء، تلاقت نظراتها المذعورة مع ملامح راؤول… جالسٌ على كرسي مماثل، يبعد عنها خطوات قليلة، مكبّل هو الآخر، والدماء الجافة تلوّن جانب فمه.
كان يلهث، وكأنّ كل نفسٍ يأخذه بشقّ الأنفس.
رفعت عينيها أكثر…
هناك، تحت ظلّ شجرة شاهقة، كان ماتيو واقفًا، كتفه يلامس الجذع، يداه في جيبيه، يراقبهما بصمتٍ يقطر خطورة.
العربة السوداء التي يعرفانها جيّدًا تقف بجانبه، كأنّها شاهد صامت على ما جرى، أو على ما سيجري.
صوته قطع السكون، هادئًا كنسيم بارد لكن مشبعًا بالوعيد:
"استيقظتما أخيرًا… جيد."
خطا ببطء نحوهم، خطواته تُحدث فرقعة خفيفة في أوراق الشجر اليابسة تحت قدميه، وعيناه لا تزيغان عنهما لحظة.
اقترب حتى صار بينهما، نظر أولاً إلى راؤول، ثم إلى فاليريا، وابتسم ابتسامة لا دفء فيها:
"لم أُحضركما إلى هنا لتتكلموا… بل لتسمعوا."
تبادل راؤول وفاليريا نظرة قلقة، بينما الغابة من حولهم تغوص في صمت ثقيل،
كأنّ الأشجار نفسها حابست أنفاسها بانتظار ما سيفعله ماتيو.
اقترب ماتيو خطوة أخرى من فاليريا، حتى صار ظلّه يغطي وجهها المرهق. كانت نظراته ثابتة، لا تحمل انفعالًا ظاهريًّا، لكن خلف ذلك الثبات كان الغضب يغلي، كبركان ينتظر اللحظة المناسبة ليثور.
انحنى قليلًا حتى صار على مستوى عينيها، ثم قال بصوت منخفض لكن حادّ:
"كنتُ أستطيع أن أقتله هناك… لحظة دخلتُ عليكما في الفندق."
تجمّدت أنفاسها، وارتجفت يداها المقيّدتان رغم القيد المحكم.
ابتسم ابتسامة باردة، وأكمل:
"لكن… أين المتعة في ذلك؟
أردتُ أن يكون الألم أعمق… أردتُكِ أن تشهدي النهاية…
أن ترَي كيف يختفي هذا الذي اخترتِه… أمام عينيكِ… وأنتِ عاجزة، مربوطة، لا تستطيعين حتى لمس الهواء من حولك."
رمق راؤول بنظرة جانبية مليئة بالاحتقار، ثم أعاد عينيه إلى فاليريا، وكأنّها الوحيدة التي تهمه في تلك اللحظة.
"سوف تسمعين صوته وهو يتلاشى… وسوف أترك صدى تلك اللحظة يعيش معكِ أكثر من أي كابوسٍ عرفتيه في حياتكِ."
تسارعت أنفاس فاليريا، قلبها يخبط في صدرها بقوّة، والغابة من حولهم بدت وكأنها اقتربت أكثر، حتى أصوات الريح اختفت، ولم يتبقَ سوى وقع كلماته الثقيلة التي التفت حولها كأفعى باردة.
ابتسم ماتيو ابتسامة ملتوية، تلك التي لا تشبه الفرح في شيء، بل تفضح عقلًا يتلذذ بالفوضى وكأنها غذاؤه.
لم يقل كلمة، بل استدار ببطء نحو السيارة السوداء. خطواته كانت ثابتة، كمن يعرف بالضبط ماذا سيفعل، وكأن كل ثانية محسوبة في رأسه.
فتح الصندوق الخلفي، وأخرج منه علبة بنزين معدنية، اهتزّت قليلًا في يده مع حركة السائل في داخلها.
أغلق الصندوق بهدوء مريب، ثم عاد إلى حيث يقف راؤول، وعيناه تلمعان بذلك البريق المريض الذي لا يعرف الرحمة.
انحنى قليلًا، وبدأ يسكب البنزين على كتفَي راؤول وصدره، حتى انسكب على الأرض أسفل الكرسي.
رائحة الوقود نفذت بقوة في الهواء، فاختلطت ببرودة الغابة، وصارت تُشعل الخوف قبل أن تُشعل النار.
راؤول تحرّك بعنف في قيوده، وصوته يتكسّر وهو يصرخ:
"ماتيو… توقف! توقف، بحقّ الله!"
لكن ماتيو لم يلتفت، بل ظلّ يسكب البنزين ببطء، وكأنّ كل قطرة تسقط هي جزء من عقابه الشخصي.
صرخت فاليريا من كرسيها، جسدها يحاول الانفلات من الحبال، وعيناها تتسعان برعب وهي تدرك ما ينوي فعله.
"ماتيو! لا! أرجوك!"
لكنّه التفت إليها ببرود، وكأنّ صوتها أزعجه أكثر من توسّلها.
أخرج من جيبه شريطًا لاصقًا أسود، واقترب منها.
انحنى، وعيناه تثبتان في عينيها بثقل، ثم قال بصوت هادئ كالسيف:
"اصمتي… فصوتكِ لا يليق بهذه الليلة."
ألصق الشريط على فمها بإحكام، حتى خفتت أصواتها تمامًا، ولم يتبقَ سوى أنفاسها المتقطّعة وهي تحاول الصراخ من خلف القيود.
ابتعد عنها ببطء، وعاد إلى راؤول، مبتسمًا ابتسامة ذلك الذي يستمتع بلحظة انتظار العاصفة أكثر من العاصفة نفسها.
وقف ماتيو أمام راؤول، يراقب ارتجافه بعينين باردتين.
ثم فجأة، رفع يده إلى رأسه، وبدأ يضرب جبهته بكفّه تمثيلًا، وكأنه تذكّر شيئًا كارثيًّا.
"آه… يا إلهي… نسيتُ أهمَّ شيء."
ابتعد خطوة للخلف، ورفع رأسه نحو الظلام فوق الأشجار، وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثهما.
ثم مال برأسه قليلًا، وصوته يخرج ببطء شديد:
"مع الحريق… هناك أمر مزعج… الأسنان."
أدار نظره بين فاليريا المقيّدة وراؤول الذي تشتعل عيناه رعبًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كافية لتجمّد الدم في العروق، وأكمل:
"الأسنان… لا تحترق."
مد يده، يشير بإصبعه في الهواء، وكأنه يشرح درسًا باردًا في التشريح:
"وعندما يجدون الأسنان… يجدون الجثة… وعندما يجدون الجثة… تأتي الشرطة."
صمت لحظة، ثم حوّل نظره إلى راؤول، وبدأ يبتسم ببطء، حتى صار وجهه خليطًا بين السخرية والجنون.
"راؤول… يا مَن تجرّأتَ على زوجتي… ماذا تظن أنني سأفعل بك الآن؟"
ثبت ماتيو عينيه في عيني راؤول، نظرة طويلة، كأنها تقيس مقدار الخوف الذي يسري في عروقه.
ثم مال برأسه قليلًا، وابتسم تلك الابتسامة الباردة التي لا تشبه الفرح في شيء، وقال بصوت منخفض كأنه يُسرد فكرة جميلة:
"الأفضل… أن نحرقك."
خطا خطوة إلى الأمام، حتى صار ظلّه يغطي جسد راؤول المرتجف، وأكمل:
"والأسنان… نعم، الأسنان سأتجمّعها بعناية… كتذكار."
رفع عينيه إلى السماء للحظة، وكأنه يتذوّق الفكرة في ذهنه، ثم عاد يحدّق في راؤول ببطء:
"سأضعها بجوار جثة فاليريا… بعدك."
تغيّر وجه راؤول فجأة، لم يعد فيه أثر للتحدّي، فقط خوف خام، عارٍ من أي كبرياء.
بدأ يهزّ رأسه بسرعة، وصوته يرتجف وهو يلهث:
"ماتيو… اسمعني، أستطيع أن أفعل أي شيء… أي شيء تريده، فقط… فقط دعني أرحل."
لكن ماتيو ظلّ يبتسم، كأنه يستمتع بسماع صوته المتكسّر.
إلى جانبه، كانت فاليريا تحاول الصراخ من خلف الشريط اللاصق، والدموع تتساقط من عينيها بغزارة.
تحرّك جسدها المقيّد بعنف، كأنها تحاول تمزيق الحبال بيديها العاريتين، لكن لا يخرج منها سوى أنين مكتوم، مُشبّع باليأس.
ماتيو التفت إليها للحظة، وكأن دموعها تزيده ثباتًا، لا رحمة.
عاد إلى راؤول، وعيناه تلمعان بالجنون البطيء الذي يسبق العاصفة.
انحنى نحوه حتى صار أنفاسه قريبة من وجهه، وبريق عينيه يشبه لهبًا باردًا، كأن القتل عنده طقس متعمد، لا لحظة غضب.
وقف ماتيو على بعد خطوات، يمسك بالولاعة بين أصابعه كما لو كانت مفتاحًا صغيرًا لجحيم واسع.
اللهب الصغير يشتعل ويخبو مع حركة يده العابثة، وعيناه تتنقّلان بين فاليريا المربوطة، التي يتصبّب الخوف من ملامحها، وبين راؤول المبتل بالبنزين، المقيّد كفريسة تنتظر القطرة الأخيرة من الصبر.
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم نظر إلى راؤول مباشرة، وقال بصوت بارد، كأنه يحكي حقيقة مملة:
"بالمناسبة… هي عاهـ…ـرة."
أشار برأسه نحو فاليريا دون أن ينظر إليها، ثم أضاف ببطء:
"كنتُ متوقّعًا أن تفعل هذا… الخيانة جزء من جلدها."
تقدّم خطوة، والولاعة تلمع في يده، اللهب يرقص أمام عيني راؤول المرتجفتين.
"لكن أنتَ يا راؤول…"
"أجل، أنتَ عدوّي… ولكن، حتى بين الأعداء، هناك حدود."
رفع إصبعه المحترق بالضوء الصغير من الولاعة، وأكمل بنبرة مشبعة بالاحتقار:
"لا نأخذ زوجات غيرنا… ربما نأخذ حبيباتهم، نعم، لكن ليس الزوجات."
مال برأسه قليلًا، يبتسم وكأنه يشرح درسًا أخلاقيًا ساخرًا، ثم قال:
"هذا ما علّمتْني إيّاه المافيا… لهذا، سيكون عذابك أطول… وأقسى… منها."
ظل واقفًا أمامه، اللهب يقترب أكثر من الهواء المشبع بالوقود، وابتسامته تتحول إلى قناع جامد يسبق الانفجار.
تغيّرت ملامح ماتيو، وصار نظره أكثر ثباتًا على راؤول، كصياد يوشك أن يطلق السهم الأخير.
ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية، تجمع بين النشوة والجنون، ثم قال بصوت هادئ يقطر سُمًّا:
"تعلم، يا راؤول… العداوة معك كانت شيئًا جميلاً."
خطا خطوة أقرب، واللهب الصغير في يده يرقص مع كل حركة، وكأنه يعكس ما في عينيه من شرر.
"كنتَ تسلّيني… تشغل وقتي… وتجعل أيامي أقل مللًا."
أطلق ضحكة قصيرة، ثم مال برأسه قليلًا، متأملًا ملامح الخوف على وجه خصمه، وأكمل:
"لكن… على الأقل، سأحصل على راحة بسيطة الآن."
وببطء متعمّد، ابتسم ابتسامة أوسع، حتى بدت كأنها شقّت وجهه نصفين، ثم قال بنبرة مجنونة، كأن كل كلمة فيها طلقة:
"مع السلامة… سلّم لي على الأموات."
التفت بخفة نحو فاليريا المربوطة، الدموع تتساقط على خدّيها، وصوتها المكتوم من خلف اللاصق يرتجف.
ابتسم لها ببرود، ثم أضاف وهو يعيد نظره إلى راؤول:
"ولا تقلق… لن أقتلها."
رفع كتفيه باستخفاف، ثم تابع بصوت ساخر:
"هي ستأتيك قريبًا… لتدفئ حضنك، يا عاشق."
أشعل الولاعة مجددًا، وأبقى اللهب قريبًا من الأرض المبتلة بالبنزين، فيما عيناه لا تفارقان راؤول، كمن يودّ أن يلتقط آخر ومضة رعب قبل أن تبتلعها النار.
أفلت ماتيو الولاعة من بين أصابعه، فسقطت على الأرض المبتلّة بالبنزين كقبلة موت، وما إن لامستها حتى انفجر اللهيب، يندفع في خطوطٍ متراقصة نحو جسد راؤول.
في طرفة عين، اشتعلت قدماه، ثم تسلّقت النيران ساقيه كأفعى ملتهبة، تلتف حوله وتغرس أنيابها في لحمه، حتى صار جسده كله مشتعلاً، يلفّه وهجٌ أحمر كالقيامة.
صرخ راؤول صرخة شقّت قلب الليل، صرخة بدت وكأنها تقتلع روحه من بين ضلوعه، بينما جلده يتقشّر ورائحته المحترقة تعبّئ الهواء.
حاول أن يلوذ بحركة، لكن الحديد المقيّد لمعصميه وكاحليه كان يمسكه بقسوة لا فكاك منها.
إلى جواره، كانت فاليريا تهتز على كرسيها بكل ما أوتيت من قوة، تقاتل القيود وكأنها تحاول أن تقتلع نفسها من واقعها، والدموع تنحدر غزيرة على خديها، تلمع تحت ضوء النار كسيلٍ من زجاج ذائب.
شهقاتها المخنوقة خلف الشريط اللاصق كانت ترتجف مع كل صرخة يطلقها راؤول، وعيناها تستجديان معجزة وسط جحيمٍ مفتوح.
أما ماتيو، فكان واقفًا على مسافة، النار تعكس على وجهه ألوانًا متراقصة بين الدموي والذهبي، وعيناه تلمعان ببرودٍ آثم، كمن يشاهد لوحة فنية تتخلق أمامه.
ابتسم، ثم ضحك ضحكة بطيئة، متقطعة، كأنها تنبض على إيقاع صرخات راؤول، وكأن الألم أمامه سيمفونية لا يعزفها إلا هو.
انطفأت الصرخات فجأة، وكأن النار قد ابتلعتها مع أنفاس راؤول الأخيرة، ولم يبقَ في الغابة إلا أزيز اللهيب وهو يلتهم ما تبقّى من جسده.
بدأ الدخان الكثيف يتصاعد، حاملاً معه رائحة نفّاذة، مزيج من لحمٍ مشوي ودهنٍ يحترق، رائحة علقت في الهواء حتى شعرت فاليريا وكأنها تتنفس الجحيم نفسه.
كانت عيناها متسعتين، يكسوهما الرعب، والدموع تتساقط في صمت، تُبلّل الشريط اللاصق على فمها. جسدها يرتجف بعنف وهي تحاول أن تبعد نظرها عن المنظر، لكن المشهد يفرض نفسه على كل حواسها.
ماتيو، بملامح نصفها مضاء بلون النار والنصف الآخر غارق في الظلام، التفت إليها ببطء، كمن يستمتع بكل ثانية من عذابها. اقترب خطوة، ثم مال برأسه قليلًا، ونبرة صوته تحمل هدوءًا مخيفًا:
"حبيبتي… ألم تقولي ذات يوم إنكِ تشتهين لحم الباربيكيو؟"
رفع حاجبه بابتسامة مائلة، وأشار بيده نحو الجسد المحترق:
"إنه… يُشبهه كثيرًا… أليس كذلك؟"
ثم أطلق ضحكة طويلة، حادة، تتسلل إلى العظم قبل الأذن، ضحكة جعلت قلب فاليريا يتقافز بجنون، وكأنها تسمع صدى موتها القادم بين ألسنة اللهب.
تقدّم ماتيو نحو الجثّة المحترقة بخطوات هادئة، كأن النار والدخان لم يكونا سوى مشهدٍ عابر اعتاد عليه في حياته المظلمة.
كانت الأرض تحت قدميه مغطّاة ببقايا الرماد، والهواء مشبعًا برائحة لحمٍ متفحّم تتسلّل ك سمّ إلى الأنفاس.
انحنى دون أدنى تردّد، ومدّ يده نحو بقايا الجمجمة السوداء، أصابعه تعبث بالرماد حتى اصطدمت بشيء صلب.
أخرج سنّاً محروقة، تأملها للحظة ببرود، ثم أخرج أخرى، وأخرى… يجمعها واحدًا تلو الآخر، يضعها في علبة معدنيّة صغيرة، يُغلقها بإحكام كما لو كانت كنزًا شخصيًّا.
وقف ببطء، يزيح عن يده آثار السواد بخرقة قديمة، ثم التفت إلى فاليريا المقيّدة، وعيناه تلمعان ببرود الصيّاد الذي يراقب فريسته الأخيرة.
كانت عيناها واسعتين، يملؤهما الرعب، بينما الدموع تسيل على خدّيها بلا انقطاع.
اقترب منها حتى كاد ظلّه يبتلعها، ثم ابتسم ابتسامة خافتة تحمل في طياتها وعيدًا قاتلًا، وقال بصوتٍ منخفض يقطر سُمًّا:
"زوجتي… لا تقلقي… ستذهبين إليه قريبًا."
وبينما تتسارع أنفاسها ويختنق صدرها، ظلّ يحدّق فيها طويلًا، كأنّه يتلذّذ بمشاهدة اللحظة التي ينهار فيها الأمل تمامًا من قلبها.
خطا ماتيو نحو فاليريا بخطوات ثابتة، وصوت حذائه يطحن أوراق الشجر اليابسة تحت قدميه، يقترب منها كما يقترب الذئب من أنثى الغزال المرهَقة.
كانت أنفاسها متقطّعة، وعيناها حمراوان من شدّة البكاء، فيما جسدها يرتجف على وقع قيودها.
انحنى أمامها ببطء، حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها، ثم مدّ يده الخشنة إلى لاصق الشريط على فمها. أمسكه بين أصابعه، وسحبه فجأة بقسوة، فاندفع صوت صرختها الحادّة وسط الغابة، تلتها شهقة ألم، قبل أن تنفجر الكلمات من فمها المرتعش:
"ماتيو… أرجوك… توقّف! أنتَ لست مجنونًا إلى هذا الحد…!"
كانت دموعها تنهمر بحرارة، تنحدر على خدّيها وتختلط بارتجاف شفتيها، بينما نظراتها تبحث فيه عن أي ذرة رحمة.
لكنّه… لم يزد إلا ابتسامًا، تلك الابتسامة التي تجمع بين البرود والجنون، وكأن دموعها لم تكن إلا موسيقى يستمتع بها.
مال برأسه قليلًا، وعيناه تثبتان على عينيها بثبات الصيّاد الذي يعرف أن فريسته لن تفلت، وقال بنبرة هادئة تشي بالخطر:
"آه… كم اشتقت إلى صوتكِ، لكن يبدو أنني كنت محقًّا… حتى صراخكِ يبدو أجمل حين يختلط بالخوف."
مدّ ماتيو يده ببطء إلى الحبل الملتف حول معصمي فاليريا، وفكّه بلمسات باردة، لا تشي برحمة، حتى تحرّرت يداها المرتعشتان.
أمسكها من ذراعها بقسوة، وسحبها لتقف، فتعثرت وقدماها بالكاد تحملان جسدها، بينما أنفاسها تتسارع من شدّة الخوف.
استدار، مولّيًا إياها ظهره، وبدأ يمشي بضع خطوات أمامها، صوته يعلو في الهواء البارد، حادًّا كحدّ السكين:
"أتدرين يا فاليريا… الخيانة ليست مجرّد فعلٍ قذر، إنها بصمة عار تحرق من يضعها… وأنتِ وضعتِها على جبيني بيديكِ."
تجمّدت في مكانها، والدموع تنهمر بلا توقّف، وهي تحاول بين شهقاتها أن تتكلم:
"ماتيو… لم يكن الأمر كما تعتقد… أرجوك اسمعني…"
ضحك بخفوت، لكن ضحكته كانت أشبه بجرح يتفتح، ثم تابع وهو يخطو ببطء، يديه خلف ظهره، ونبرته مشبعة بالسمّ:
"أسمعكِ؟ لقد سمعتُ كل شيء… صوتكِ وأنتِ تهمسين باسمه، لم يكن وهماً. رأيتُ عينيكِ تنظران إليه كما كان يجب أن تنظرا إليّ أنا."
ارتجف جسدها، وانكسرت الكلمات على شفتيها:
"أخطأت… كنت غبية… لكنني لم أتوقف عن... "
قاطعها بصرخة مفاجئة، التفت إليها بعينين تلمعان بالغضب:
"اصمتي! لا تلوثي أذني بأعذاركِ… أنتِ لم تكوني يوماً بريئة، لكنني كنت أحمق بما يكفي لأراكِ كذلك."
وبقي ينظر إليها نظرة طويلة، تجمع بين الألم والرغبة في الانتقام، بينما كانت هي تبكي بصمت، تدرك أن كل جدار أمان كان بينهما… قد انهار بالكامل.
التفت نحو فاليريا، كانت ترتجف، تبكي، لكن عيناها فضحتا الحقيقة...
لم تكن تبكي رعبًا، بل ألمًا.
كانت تحب راؤول.
مد يده فجأة، أمسك ذراعها بقوة:
"إلى الجحيم، فاليريا."
قالها بين أسنانه، وجذبها نحوه عنوة.
"ستموتين كما خنتِ... في صمت، لا أحد يسمعه."
سحبها من شعرها، وهي تصرخ، تحاول المقاومة، لكنه لم يكن بشرًا في تلك اللحظة...
كان عاصفة من الانتقام.
اندفع ماتيو إلى القصر كالعاصفة، والدم على يديه لم يجف بعد.
باب القصر انفتح بعنف، والحراس لم يجرؤوا على اعتراض طريقه.
عيناه كانتا تقذفان جمرًا.
في يده، تمسّك بذراع فاليريا بقسوة حتى بدت وكأن عظامها على وشك التهشم.
دخل إحدى الغرف الخالية، رماها إلى الداخل كأنها لم تعد إنسانة في عينيه.
أُغلِق الباب خلفهما.
صوت قفلٍ يُدار.
سكونٌ ثقيل.
ثم صوت أنفاسها المتقطعة، وغضبه الذي يُغلي.
ماتيو بصوت متحشرج:
"كنتِ كل شيء... ثم أصبحتِ كل خيانة."
فاليريا تصرخ بدموع:
"لم أحبك أبدًا! أنتَ من أجبرني على حياة لا أريدها! كنتَ سيفًا على رقبتي!"
اقترب منها ببطء، بخطوات ثقيلة.
ماتيو يهمس ببرود:
"ورغم ذلك... كنتُ أراكِ ككتفي الثاني."
فاليريا تضحك بمراره:
"بل رأيتني كدرع فقط، ضد أعدائك، ضد وحدتك..."
ماتيو:
"كنتُ أحمق... والآن لن أكون."
اقترب منها بشراسة، وجذبها من عنقها بخفة دون أن يؤذيها، فقط ليسمع ارتجافها.
"كل ما بيننا... مات الليلة، مع راؤول."
فاليريا بعينيتين دامعه:
"كنتُ حرة معه... كنتُ أنا."
ماتيو بجفاء:
"الحرية لا تأتي بالخيانة."
ابتعد عنها، وسار نحو الباب.
وقبل أن يفتحه، قال بهدوء مخيف:
"استريحي هنا الليلة، فغدًا لن يكون هناك ضوء تريه."
أغلق الباب خلفه.
صوت المزلاج يُدار.
ظلمة. صمت.
وفاليريا تنهار أرضًا، تدفن وجهها في يديها، تهمس لنفسها:
"كان هذا وداعًا، أليس كذلك؟"
الغرفة غارقة في سكونٍ ثقيل...
لا نوافذ، لا هواء...
سوى نبضات قلبها المتسارعة، وصوت عقلها الصارخ.
جلست فاليريا على الأرض، وظهرها ملتصق بالجدار البارد.
ضمت ساقيها، ولفّت ذراعيها حول جسدها النحيل.
الضوء الخافت الذي كان يتسلل من أسفل الباب لم يكن كافيًا ليبدد ظلام عقلها.
تفكر بصوت داخلي
"أعرف ماتيو...
أعرفه أكثر من نفسه.
حين يهدأ... لا يغفر
وحين ينهار... لا يرحم.
وحين يُطعَن... يُنهي كل شيء."
وضعت يدها على بطنها الصغيرة.
أناملها ارتجفت، ودموعها بدأت تنساب دون مقاومة.
"ابني... لن يرى النور؟
طفلي... ابن الخطيئة أم ابن الحب؟
راؤول... كنتَ كل ما تبقى لي في هذا العالم الملعون... وذهبت."
أغمضت عينيها بقوة، وتذكرت صوته، ضحكته، وعوده...
تذكرت كيف قال لها ذات مساء:
"لو سقط العالم، سأبني لكِ عالمًا جديدًا فوق أنقاضه."
يهمس متكسر:
"وبدلاً من العالم، دفنوك أنت تحته."
مسحت دموعها، ونهضت ببطء.
خطواتها كانت واهنة، لكن عقلها كان مشتعلاً.
"لن أموت هنا... لا كفأرٍ في قفص...
أنا فاليريا ... ابنة العاصفة،
وسأصنع نهايتي بيدي، لا بيده."
نظرت حولها في الظلمة، وعيناها تلمعان بتصميم مخيف.
"إن كان سيقتلني... سأجعله ينظر في عيني حتى اللحظة الأخيرة."
ثم ابتسمت.
ابتسامة مشروخة، دامية، حزينة... لكن مشبعة بالحقد.
كل شيء ساكن، كأن العالم حبس أنفاسه.
صباح قاتم... السماء ملبدة بغيومٍ كأنها تبكي على ما هو آتٍ.
دوى صوت خطوات ثقيلة يخترق الممر الرخامي...
كان ماتيو.
عيناه تقدحان شررًا، وفكّه مشدود كمن يجرّ قرارًا لا عودة فيه.
فتح باب الغرفة بعنف.
فاليريا كانت تجلس على الأرض، ما زالت بثياب البارحة، وجهها شاحب، وعيناها مثقلتان بالسهر والخوف.
لم يمنحها لحظة لتتكلم.
تقدّم نحوها بسرعة، ومد يده ليقبض على ذراعها بقوة جعلتها تصرخ:
"ماتيو... دعني! ماذا تفعل؟!"
ماتيو يسحب فاليريا من ذراعها بقسوة، نظراته غاضبة... مشتعلة بنارٍ لم تعد تعرف سوى الاشتعال.
خطواته سريعة، ويداه لا ترتعشان، كأن الزمن كله انضغط في هذه اللحظة.
فاليريا تصرخ:
"ماتيو! ما الذي تفعله؟! إلى أين تأخذني؟!"
توقف فجأة أمام الجدار الحجري العتيق، في أحد أركان القصر.
كان الجدار صلبًا، قاتمًا، شاهقًا، يشبه قلبه الآن.
كان صوت خطوات ماتيو يرتطم بالأرض كما يرتطم الحقد في صدره، وفاليريا تُسحب خلفه كدمية فقدت قوّتها.
فاليريا تصرخ وهي تبكي:
"ماتيو! توقّف أرجوك... إبنك... إبنك في رحمي!"
توقّف فجأة... كأن الزمن تجمّد.
استدار ببطء، وعيناه لا تحويان إلا نارًا سوداء.
اقترب منها بخطوتين، حتى صارت أنفاسه على وجهها، ثم همس بصوتٍ منخفض ومليء بالقهر:
"إبني؟
ما هذا؟
لعبة جديدة؟ محاولة يائسة للبقاء؟
تظنين أن الرّحم يطهّر الخيانة؟"
رفع صوته فجأة، وصرخ كأن قلبه تمزّق:
"كنتُ... لأول مرّة... أريد أن أكون أباً!
أردتُ طفلاً يحمل اسمي... ملامحي... روحي.
لكنّكِ... كنتِ مجرّد عاهرة باعت جسدها لعدوّي... ثم جاءتني بـ كذبة في بطنها!"
شهقت فاليريا، وارتجفت، كأن الكلام كان صفعةً على وجهها.
"كل ما فيكِ... ملوّث.
اسمك، جسدك، وحتّى دمك.
لن أسمح بأن يعيش ابنُ خيانة في ظلال اسمي.
لن أترككِ تفسدين ما تبقّى من هذا العالم القذر!"
ثم أمسكها بقوة، وسحبها إلى الجدار الحجريّ، حيث الفتحة الصغيرة في قلب الجدار.
فتحها، ودفعها نحو الداخل كأنما يلقي شبحًا إلى مقبرته.
"ألم تطلبي هذا ذات يوم؟
أن تُدفني هنا، في جدار القلعة؟
رفع عينيه إلى الجدار، ثم نظر إليها مجددًا:
"وها أنا... أنفذ لكِ وصيّتك، بيديّ هاتين، حتى لا يُقال إنّي خذلتُكِ يومًا."
صرخت، صاحت، بكت...
لكن وجهه كان حجرًا، لا رجاء فيه، ولا ضعف.
صوت القفل...
ثم الصمت.
وقف لحظة يتأمل الجدار...
مرر يده عليه، كأنه يودّع ذكرى.
"الآن فقط... صرتِ جزءًا من القلعة كما أردتِ."
انتهى
رائيكم
✨6الف كلمه ✨
Gloria_Ramirez02