ما بعد الرحيل

ما بعد الرحيل

20 0

مرّت ست عشرة سنة منذ ذلك اليوم المشؤوم...

ست عشرة سنة كأنها قرن من الصمت، والانكسار، والنضج القسريّ.

كبرت غلوريا، لكن شيئًا ما فيها ظلّ صغيرًا، مُعلّقًا هناك، في بقعةٍ ما من الذاكرة، حيث كان أبواها يضحكان في صباح عيد ميلادها، وحيث انفجرت الحياة فجأةً إلى رماد.

اسمها "غلوريا لويس راميريث ".

على بطاقة هويّتها، يبدو الاسم متماسكًا... لاتينيًا، حادًا، واضحًا. لكن خلف الحروف، كانت تقيم امرأة منقسمة، لا تنتمي تمامًا إلى أي أرض... ولا تُقلع جذورها من أي وجع.

شعرها أسود كأرض المكسيك، كثيف، يتمرد على أي ترتيب. لكن عينيها... كانتا واسعتين بلون العسل، مثل والدتها الأمريكية.

وُلدت غلوريا في مدينة صغيرة قرب "مازاتلان"، بيتهم كان واسعًا، مليئًا بالصوت والضحك والموسيقى والليمون.

تربّت على رائحة خبز الذرة في الصباح، وعلى صوت والدها وهو يغني في الحديقة، وعلى حكايات أمها عن نيويورك والثلج والسينما. لم تكن تعرف معنى "الحدود"، كانت طفلة تمشي بين لغتين، وثقافتين، دون أن تشعر بالتمزّق.

في المدرسة، لم تكن تشبه زميلاتها.

لم تضحك كالباقيات على النكات المكرّرة، ولم تُبالِ بأحاديث الحب الساذجة في فناء المدرسة.

لم تُزيّن أظافرها، ولم تلهُ بالمكياج خِلسةً كما تفعل الفتيات.

كان عقلها... أكبر من جسدها.

أثقل من سنّها.

كانت تُشبه الكتب التي تقرأها، تلك التي تتحدث عن العزلة، عن الروح، عن الحرب.

جلسَت يومًا وحدها تحت شجرة في فناء المدرسة، كتابٌ ضخم في يدها، ونظراتها تسبح بعيدًا.

اقتربت منها إحدى الفتيات، وقالت ساخرة:

"حقًا يا غلوريا؟ رواية فلسفية في استراحة الغداء؟!"

رفعت عينيها بهدوء، وأجابت:

"أن أُفكر، خيرٌ لي من أن أُضيّع وقتي في التفاهات."

ضحكت الفتاة بسخرية، وابتعدت.

لكن غلوريا لم تهتم..

لم تكن تهتم أبدًا

لم تكن غلوريا تشبه أولئك الفتيات اللاتي يُفتنَّ بنظرة، ويذُبنَ في همسة، ويُربكنَ إذا اقترب أحد الفتية بابتسامة.

لم تكن تنتمي إلى عالم القلوب المتعجلة، ولا إلى سذاجة المشاعر العابرة.

لقد كانت وحدها في فهمها، في رؤيتها، في ما تطلبه روحها.

كانت تُحدّق في من حولها بعينٍ جامدة، كأنها لا ترى إلا سطوحًا خاوية، وأرواحًا ضحلة.

اقترب منها الكثيرون  بنية الحديث، أو بدافع

الفضول

لكن شيئًا في أعماقها كان يُشيح بوجهه عنهم، كأن قلبها لا ينبض بالانبهار،

بل يبحث عن شيءٍ أعمق من النظرة، وأرقى من المجاملة.

كانت غلوريا تعرف، منذ صغرها، أن الحبّ بالنسبة لها ليس كما تصفه الأغاني،

ولا كما تحكيه الفتيات في فُسح المدارس، ولا كما يلمع في أعين زميلاتها عند ذكر أسماء الفتيان.

هي أرادت عقلًا يشبه عقلها،

صدرًا يحتمل أفكارها،

وروحًا لا تُفزعها صراحتها ولا عزلتها الطويلة.

أرادت من يُجالس وحدتها، دون أن يُفسدها بالضجيج.

كانت تكتب في دفاترها:

"لا أريد من يُغريني بكلامٍ منمّق،

بل من يفهمني حين أصمت،

من لا يهرب حين أكون حزينة،

من لا يخاف تعقيدي،

ولا يطلب مني أن أكون نسخةً مبسطة منه."

وذات مرّة، قالت لها إحدى زميلاتها في المدرسة:

"غلوريا، لمَ لا تُحبين؟ أنتِ جميلة جدًا، لكنك معقّدة!

الحب بسيط يا فتاة... فقط اتركي لقلبك حرّيته."

فاكتفت غلوريا بابتسامة ساخرة، وعادت إلى كتابها.

وفي دفترها، كتبت تلك الليلة:

"أنا لا أبحث عن رجلٍ يُقبّل يدي، بل عن عقلٍ يُمسك بها ويقودني إلى الحياة،

عن صوتٍ يُنقّي وحدتي لا يُشوّشها،

عن عينٍ حين أنظر إليها... لا أشعر بالعار من غربتي."

في البيت، كانت الجدران صامتة، والنوافذ لا تُفتح إلا قليلاً.

كانت ديانا تُحب النظام، والنظافة، لكن الأهمّ... كانت تحب غلوريا، حتى وإن لم تُحسن إظهار ذلك دائمًا.

مساءً، كانت تجلس ديانا في الصالة، ترتشف قهوتها، بينما تدخل غلوريا بهدوء وتجلس أمامها.

قالت ديانا بابتسامة مرهقة:

"عدتِ مبكرًا، هل كل شيء على ما يرام في المدرسة؟"

هزّت غلوريا كتفيها وقالت:

"كل شيء كما هو، مملّ... وضيق."

نظرت إليها ديانا طويلًا، ثم وضعت كوبها جانبًا، وقالت:

"أنتِ لا تتحدثين كثيرًا يا غلوريا... هذا لا يُناسب فتاة في عُمرك."

قالت الفتاة وهي تُحدّق في الأرض:

"أنا لستُ مثلهم، خالتي... لا أستطيع أن أكون... عادية."

اقتربت منها ديانا، جلست إلى جوارها، وضعت يدها على كتفها، وقالت بهدوء:

"وأنا لا أريدكِ أن تكوني عادية. لا بأس أن تكوني مختلفة... فقط لا تتركي هذا الاختلاف يحوّلكِ إلى سجنٍ داخلي."

في مساء خريفي هادئ، جلست غلوريا على حافة سريرها، تنظر من النافذة حيث تتساقط أوراق الشجر كأنها رسائل صامتة من زمنٍ مضى.

منذ أن انتقلت إلى هذا المنزل في أمريكا قبل سنوات، لم يكن هناك وجهٌ أقرب إليها من وجه خالتها ديانا، المرأة التي حملت بين عينيها صمتًا يشبه الغياب، وابتسامة خافتة تشبه الاعتذار.

لم تكن ديانا كثيرة الكلام، ولم تكن ممن يحبون مشاركة التفاصيل...

كانت تدخل الغرفة في كل صباح، تقول "صباح الخير" بنبرة هادئة، تترك كوب الحليب على الطاولة، وتغادر كأنها لا تريد من الحياة أكثر من أن تظل صامتة.

كانت تشعر أن داخل خالتها مدينة بأكملها مغلقة الأبواب.

هناك شيء في نظراتها يجعل الأسئلة تخجل من نفسها.

فهي لا تغضب، ولا تضحك كثيرًا، ولا تبكي أمام أحد...

لكنها، في الوقت ذاته، تُشعر من حولها بأنهم ليسوا وحدهم.

ديانا... المرأة التي ترتدي السواد أغلب الوقت، لا حبًا في الحزن، بل وكأنها اعتادت أن تختبئ خلف لونه.

كانت تطمئن غلوريا بكلمات قليلة:

"لا بأس، يا صغيرتي... الحياة تمضي، ونحن نمضي معها، لكنني هنا، ولن أتركك."

وكانت تلك الكلمات كافية لتهدّئ عواصف الطفلة اليتيمة.

كانت غلوريا تُحب ديانا، لكن ثمة حاجزًا ما ظلّ يفصل بينهما دومًا.

كأنّ قلبها لا يستطيع أن يمنح الثقة كاملةً.

كأنها تعرف... أن هناك سرًا لم يُقال بعد.

لكنها لم تسأل.

ربما لأنها خافت من الجواب.

وربما... لأنها تعلم أن بعض الإجابات لا تأتي إلا حين يحين موعدها.

وفي ليلةٍ شتوية، كانت تمطر بغزارة، دخلت غلوريا غرفتها، جلست على حافة سريرها، وكتبت في دفترها السريّ:

"لا أعلم ما الذي يربطني بهذا العالم، سوى هذه المرأة التي تُحاول دائمًا أن تُحبني بطريقتها.

أنا لا أكرهها... لكنني لا أفهمها.

ولا أفهم نفسي."

"كل يوم أنظر في المرآة، وأتساءل: من أنا؟

"سأظلّ أبحث... حتى أعرف.

حتى يكتمل وجهي في انعكاس الزجاج."

كانت تلك الليلة من ليالي الترقّب.

السماء تمطر... والنفوس تتهيّأ لشيء قادم.

كان الهدوء يُخفي وراءه إعصارًا.

وغلوريا... لم تكن تعلم أن البحث عن الهوية،

سيقودها إلى أحضان العاصفة.

في يوم اخر:

في المطبخ الصغير المضيء بأضواء دافئة، جلست غلوريا على طاولة الخشب العتيقة، تحتضن كوب الشوكولاتة الساخنة بين كفّيها، بينما كانت خالتها ديانا تضع آخر قطعة من الكعك في الطبق وتأتي لتجلس مقابلها.

لم يكن في الجو ما يدل على فرحٍ قادم... لا زينة، لا موسيقى، ولا حتى حديث عن حفلة.

تأملتها ديانا لبرهة، ثم قالت بصوتٍ هادئ:

"غدًا تُتمّين الحادية والعشرين، يا صغيرتي... هل تدركين ذلك؟"

رفعت غلوريا عينيها نحوها، عيناها كما هما دائمًا... واسعتان، لكنهما مرهقتان كعيني امرأة عاشت أكثر مما يجب.

"أعلم... لكنّه يوم كغيره، خالٍ من المعنى."

قالتها بنبرة خافتة، تُخفي تحتها وجعًا مألوفًا.

ابتسمت ديانا تلك الابتسامة الرقيقة التي تحمل في طياتها قلق الأمومة رغم أنها خالة، ثم اقتربت قليلًا، وضعت يدها على يد غلوريا وقالت:

"لقد مرّ ست عشر عامًا يا غلوريا... ست عشر شتاءً وصيفًا وأنتِ ترفضين أن تحتفلي بعيد ميلادك، كأنك تنتقمين من الذاكرة... لكن ما ذنب العمر؟"

تشيح غلوريا بنظرها إلى النافذة، تحدّق في الليل الصامت كأنها تبحث عن ظلّ أمٍّ راحلة، أو صوت أبٍ كان يناديها عند الفجر.

"كل عام في هذا اليوم، أشعر وكأنّني خائنة... خائنة لذكرى من كانوا يحتفلون بي بحب، ثم تركوني وحيدة في هذا العالم."

تسحب ديانا يدها برفق، وتقول بنبرة أكثر دفئًا:

"الاحتفال لا يُلغي الألم يا صغيرتي، لكنه لا يجب أن يكون نعيًا دائمًا. الحزن مكانٌ نبقى فيه ما

شئنا، لكننا لا نستطيع أن نعيش فيه إلى الأبد."

"واحد وعشرون عامًا يا غلوريا... هذا العمر لا يتكرّر، إنه العتبة بين الطفولة وما بعدها... بداية النضج الحقيقي. ألا تستحقين ليلة واحدة تضحكين فيها دون خوف؟"

تنظر غلوريا إلى وجه خالتها، تتأمله كما لو كانت تراه للمرة الأولى، ثم تهمس:

"وأنتِ... هل احتفلتِ يومًا بعمرك؟"

ابتسمت ديانا، لكنها لم تجب، بل نهضت وسارت نحو الخزانة، أخرجت صندوقًا صغيرًا، وفتحته أمامها.

"هذه هديتي لكِ... إنها تخصّ أمك. احتفظت بها منذ آخر عيد ميلاد جمعنا جميعًا. أردت أن أعطيكِ إياها في اللحظة المناسبة... وأظن أن تلك اللحظة قد جاءت."

تأخذ غلوريا الصندوق، تفتحه ببطء، فتقع عيناها على سلسلة فضية رقيقة تحمل قلادة على شكل وردة صغيرة.

تلمع عيناها، وتهمس:

"أمي كانت ترتديها دومًا... كنت أراها في عنقها وأنا صغيرة."

تهزّ ديانا رأسها، تبتسم بحنان وتقول:

"ربما حان الوقت لتعرفي أن الفقد لا يعني النهاية... وأن الحب، حتى وإن رحل، يترك أثراً لا يزول."

تصمتان للحظة، ثم تقول ديانا وهي تنظر إلى غلوريا:

"غدًا، سنحتفل... حتى وإن كانت حفلة صغيرة هنا في البيت.

سأعدّ كعكتك المفضلة، وسأشعل الشموع، وسأغنّي لكِ، حتى وإن لم تُشاركني الغناء."

تتنهد غلوريا، تبتسم ابتسامة باهتة، وتقول:

"إن كنتِ ستغنين، فربما أحتفل فقط لأجل ذلك المشهد الساخر."

تضحك ديانا، وتضحك غلوريا معها... لأول مرة منذ شهور، دون ثقلٍ على الصدر، ودون دموع.

هدأ الضحك بينهما، واستقر الصمت كما لو كان صديقًا ثالثًا يجلس بين غلوريا وخالتها، لكن صمتًا من نوع آخر... ليس كالحزن، بل كالحلم.

غرقت غلوريا في تأملات قصيرة، عيناها لا تزالان على القلادة بين أصابعها، وكأنها تقرأ من خلالها ماضيًا لا يفنى.

همست فجأة، بصوت منخفض كأنها لا تريد لأمنيتها أن تهرب من بين الكلمات:

"خالتي ديانا..."

"نعم، ي نورها؟" قالتها ديانا وهي تحتسي من كوبها.

تردّدت غلوريا لحظة، ثم نظرت لها مباشرة، بعينين تلمعان ببصيصٍ من رجاءٍ نادر.

"لو كان لي أن أطلب أمنية واحدة فقط قبل أن أطفئ شمعة الحادية والعشرين... فستكون..."

صمتت.

أمالت ديانا رأسها بلطف، تراقبها بحنو، لم تقاطعها.

"...أن أشعر أخيرًا أنني أنتمي... إلى شيءٍ ما، إلى شخص، إلى مكان... فقط... أن أشعر بأنني لست عابرة في هذا العالم."

سقطت الكلمات كهمسة في الفضاء، لكنها كانت ثقيلة بما يكفي لتمسّ قلب خالتها.

اقتربت ديانا، مسحت على خدها بحنان وقالت:

"ستأتين يا صغيرتي، إلى ما يشبهك، ولو بعد حين."

ثم نهضت، رتّبت الأطباق، وقبّلت جبينها.

"الليلة نامي مطمئنة... فالغد لا ينتظر إلّا أن تصنعي فيه معنى جديدًا."

وغادرت.

جلست غلوريا وحدها، تنظر إلى اللهب الصغير داخل الشمعة العطرة على الطاولة.

"أن أشعر أنني أنتمي..." همست بها مرة أخرى.

ثم أغلقت عينيها.

كان السكونُ في أعماق النوم أثقل من أيّ ليلةٍ سبقت.

وفي جوف ذلك الهدوء الغريب، وجدت نفسها تمشي... لا، تركض، كأنما تلحق ظلًّا يهرب منها، أو ذكرى تتفلت من أطراف الذاكرة.

كانت ترتدي فستانًا أبيض خفيفًا، يتطاير حولها كصفحةٍ ممزقة من دفتر قديم.

الضوء من حولها كان رماديًّا باهتًا، لا هو ضوء صباح، ولا ليل تام… فقط فراغ شاحب.

وفجأة... سُمِع الصوت.

أولًا كان همسًا، ثم صار نداءً حنونًا:

"غلوريا..."

توقّفت، التفتت برأسها، واتسعت عيناها.

"أبي؟!"

"أمي؟!"

خرج صوتها مكسورًا، مرتجفًا، وهي ترى، على بُعد ضوءٍ خافت، وجهين تعرفهما أكثر من الحياة نفسها.

كانا واقفَين هناك، يبتسمان… أمها بشعرها المربوط على كتفيها، وأبوها بلوحة ملامحه الحانية. لم يتكلّما، لكن وجهيهما كانا يقولان كل شيء.

ركضت نحوهما، قلبها يخفق، كأن الطفلة بداخلها عادت للحياة.

"أمي!"

"أبي!"

لكن الأرض بدأت تتكسر تحت قدميها، وسرعان ما وجدت نفسها تركض في مكانها، كأن الهواء صار جدارًا.

كلما اقتربت خطوة، ابتعدا هما أكثر.

"لا! انتظراني! أرجوكما... أمي... أبي!"

صرخت.

لكن صوتهما فقط هو ما ردّ عليها، هادئًا، واضحًا كالمطر:

"ارجعي..."

"نحن بانتظارك، لكنك لن تجدي نفسك هنا..."

وفي اللحظة التالية... انشقّ الفراغ من خلفها، وصاح في أذنها صوتٌ مألوف.

"غلورياااا!! انتبهي!"

صرخات.

زمجرة محرك.

صوت عجلات تمزّق الطريق.

صوت ارتطام...

زجاج يتناثر...

أنفاس تختنق…

كل شيء تدفّق عليها كالموج.

ثم…

ثم صحَت.

شهقةٌ حادّة مزّقت سكون الليل.

جلست بفزع في فراشها، العرق يبلل رقبتها، وصدرها يعلو ويهبط كأنها خرجت للتو من معركة.

"حلم... كان حلمًا..."

لكن قلبها لم يهدأ.

نهضت ببطء، مشَت نحو المرآة.

وفي عينيها كانت النار: لم تكن نار خوف، بل... نداء.

نداءٌ قديم، لم يفهمه أحد.

همست لنفسها، والدمعة تحترق في عينيها:

"أنا... لن أجد نفسي هنا..

عالمٍ يزحف فيه الخوف تحت أقدام الرجال، وتُقاس القوّة بمدى اتّساع الظلال خلفك، وُجد رجل يُقال عنه:

"حين يُذكر اسمه، تصمت الرصاصات."

ماتيو دي نارو. ابن اليخندرو دي نارو ملك المافيا السابق والان تولى ماتيو مكانه على العرش عالم السفلي

الاسم وحده يكفي لإسكات المجالس، وتجميد الدم في عروق خصومه.

رجلٌ تجاوز العشرين ببضع سنوات،   يخطو على الأرض وكأنها مفروشة بالخطر، وكأن الهواء ذاته يتراجع حين يتنفّسه. قامته ممشوقة، تتناسق مع عضلات مشدودة تحت بذلة داكنة تُفصّلها أفخم دور الأزياء في مدريد، لكن العين...

العين لا يمكن خياطتها.

عيناه سوداوان كهاويةٍ لا قرار لها، جامدتان لا تكشفان عن شيء، وتخفيان كل شيء.

وجهه وسيمٌ على طريقة الخطر، بتلك الوسامة التي لا تُشعر بالأمان، بل تُربك النبض.

أنف مستقيم، فكّ صارم، شفاهٌ لا تبتسم إلا حين ينهار أحدهم.

ذلك النوع من الرجال الذي يرفع كأس الويسكي بيدٍ... ويكسر عنق خصمه بالأخرى.

نشأ ماتيو في قلب المكسيك، بين أنياب السلطة وذراع الجريمة المنظمّة. لم يُولد ليكون تابعًا، بل كان من أوائل من بايعهم الخوف ذاته.

في سنوات قليلة، صار اسمه يُهمَس بين المهربين، وتُكتب عنه تقارير في الشرطة الاتحادية… تقارير تمزّق لاحقًا، وتُستبدَل بأوامر صمت.

هو ليس فقط تاجر سلاح.

هو حلقة الوصل بين السوق السوداء والسياسة القذرة.

يدير شركات واجهة في عدة بلدان، ويرتدي القوانين كقناع، بينما تُدار حقيقته في غرف بلا نوافذ، حيث تُحسم الصفقات بكلمة واحدة منه.

لكنّه رغم كلّ ذلك، لا يتكلّم كثيرًا.

الصمت عنده هو أعظم لغة للسيطرة. يُقال إنه يكتفي بنظرة واحدة كي يُفهم… وإن غضب، لا يُعيد كلمته، ولا يُمهل أحدًا ثانيةً واحدة.

الولاء له يُشترى بالدم،

الخيانة...

تُدفن بصندوق مغلق في الجبل.

لديه رجال، وعنده عدوّ أكبر

الخيانه...

هو لا يؤمن بأحد، ولا يحب أن يُؤمن به أحد.

لكنّ من رآه في لحظة وحدة...

من لمح الوجع الصامت في عينيه حين يظنّ أن لا أحد يراقبه...

دخلت غلوريا الحمّام بخطواتٍ بطيئة، كأنّ قدميها تجرّان أثقالًا من الذكريات.

فتحت باب الدولاب الصغير، أخرجت منشفة بيضاء نظيفة، ووقفت لحظة أمام المرآة، تُحدّق في وجهها.

وجهها... نفسه وجه الطفلة ذات العشر سنوات.

لكنه الآن محاط بظلال النضج، وخطوط الحزن.

خلعت ملابسها بهدوء، علّقت الفستان على المشجب الخشبي، ثم مدت يدها إلى السلسلة الصغيرة المعلّقة على رقبتها، تلك التي كانت تخبئها دومًا تحت قميصها.

رفعتها بين أصابعها كأنّها تمسك قلبًا نابضًا.

كانت سلسلة من فضة قديمة، فيها قلادة صغيرة على شكل جناح طائر.

قالت لها خالتها يومًا:

"هذه كانت لأمّك، فايلوت. احتفظي بها دائمًا، فبعض الأرواح لا تفارقنا أبدًا، فقط تنتظر أن نغلق أعيننا لنسمعها."

أمسكت بها غلوريا بلطف، وقرّبتها من صدرها، كأنها تطلب منها حنانًا لم يعد يُمنَح.

همست:

"أنا جئت، أمي... جئت كما وعدتك... سأعود حيث كنّا، سأذهب إلى الجبل... وسأبحث عنكما، حتى إن لم أجد سوى الصمت."

أغمضت عينيها للحظة، وتركت رأسها يستند إلى الجدار البارد.

وصوت أمها يمرّ في أذنيها كنسمة:

"غلوريا... ابقِ قوية، لا تدعي شيئًا يكسر قلبك."

ابتسمت بخفة، كأنها طمأنت الطفلة التي كانتها.

لكن...

فجاه!

اخترق الهدوء صوتٌ كالسهم:

"لويس! انتبه!"

"غلوريااا!"

صرخة الأم.

صرخة الأب.

زمجرة الحديد.

شهقة الموت.

فتحت عينيها دفعة واحدة، وجهها شاحب، والسلسلة ما تزال في يدها ترتجف.

حدّقت في نفسها في المرآة، ورأت في عينيها الذعر القديم يعود، كأن الزمن لم يمضِ، كأن الدم لم يجفّ بعد.

اندفعت إلى داخل الدش فجأة، كأن الماء وحده يستطيع غسل هذا الحريق.

فتحت الماء على أقصى برودة، وتركته يسيل فوق شعرها ووجهها، يختلط بالدموع دون أن يُفرّق أحدهما عن الآخر.

وضعت رأسها على البلاط الرخامي، همست لنفسها:

"توقّفي… يكفي... لقد كبرتِ، غلوريا... لقد كبرتِ بما يكفي لتعرفي الحقيقة."

لكن الحقيقة، كما يبدو... لم تكن تنوي الانتظار طويلًا.

خرجت غلوريا من الحمّام بعد أن أنهت استحمامها، وقطرات الماء ما تزال تنزلق من أطراف شعرها الغامق، تتسابق على بشرتها حتى تختفي في نسيج قميصها القطني الواسع.

مشطت شعرها بأناملها، ثم اقتربت من المرآة الطويلة بجانب السرير.

هناك، كانت الصورة… صورة قديمة لإمرأة تقف أمام مرآة مشابهة، تحمل ملامح مطابقة تقريبًا.

فايلوت.

أمّها.

كانت الصورة مُثبّتة بإطار خشبي صغير، ورغم بهتان الألوان، إلا أن دفء الابتسامة ما يزال حيًا، حاضرًا، يربّت على قلب غلوريا ككف أم حنونة.

وقفت أمام المرآة، تمعنت في انعكاس وجهها…

العينان؟ نفس النظرة الهادئة المشوبة بالحيرة.

الشفتان؟ نفس الانحناءة الصغيرة حين تفكر بصمت.

حتى الخصلات التي سقطت على كتفيها، بدت كما كانت في صورة فايلوت.

لم تتمالك نفسها وهمست:

"أصبحتُ تُربةً من ملامحكِ يا أمي... لم يعد بيننا فرق... سوى أن عينيّ لا تزال تبكيك."

مدّت يدها ولمست الصورة، أطراف أصابعها ارتجفت، كأنها تلمس أطيافًا لا تُمسّ.

وفي لحظةٍ بين النبضات، شعرت بها.

بأنفاس خلفها… دافئة… محيطة.

لم تلتفت، لم ترتعب.

بل أغمضت عينيها بهدوء، واستندت على قلبها.

ثم شعرت بها…

بذراعيها تلتفّان حولها، تحيطان خصرها كما كانت تفعل حين كانت صغيرة، حين كانت تبكي في نومها فتأتي أمها دون أن تُوقظها، فقط تحضنها بصمتٍ يُشبه الصلاة.

ارتجف جسد غلوريا لحظة، ليس من الخوف، بل من الحنين.

همست بصوتٍ مشروخ:

"أعرف أنكِ هنا… دومًا كنتِ هنا… حتى لو لم أركِ، كنتُ أشعر بكِ، أستنشقكِ بين ضلوعي، أسمعكِ حين أختنق."

ثم فُتحت عيناها، والمرآة لا تعكس سوى ظلٍّ من نور خلفها… لحظة قصيرة… كأنّ الزمن انحنى على قلبها وعاد به لوهلة.

تنفّست بعمق، مسحت خدّها، وابتسمت ابتسامة خافتة، مُنهكة لكنها صادقة.

التفتت نحو الباب، وقلبها الآن أكثر صلابة.

لقد حان الوقت.

ستفعلها.

ستُخبر خالتها ديانا بما قررت.

ستعود إلى المكسيك.

إلى حيثُ تركت صوت والديها، وصرخة المجهول.

خطواتها كانت هادئة وهي تنزل درجات السلم الخشبي، يسبقها عبير الشامبو ووهج الصباح.

ضوء الشمس يتسلل من النوافذ الواسعة، ينير بيت ديانا الدافئ، حيث الجدران تشهد على سنوات من الصمت المشترك.

في الأسفل، كانت ديانا تقف في المطبخ، تُحضّر كوبًا من القهوة، ترتدي روبًا حريريًّا بلون الخزامى، وعيناها مملوءتان بشيءٍ من التعب… تعب السنوات والذكريات التي لا تموت.

رفعت رأسها فجأة كأن قلبها استشعر، والتفتت لترى غلوريا وهي تهبط بخطى رقيقة، بعينيها اللامعتين وابتسامة شاحبة لكنها حقيقية.

ابتسمت ديانا، فتحت ذراعيها كمن يفتح حضن العمر كله، وقالت:

"كل عام وأنتِ بخير يا شمسي الصغيرة..."

هرعت غلوريا نحوها ودفنت وجهها في كتفها.

"كل سنة وإنتِ دايمًا بخير، يا ديانا..." همست بصوتٍ أقرب إلى طفلٍ اختنق بحلمٍ مؤجَّل.

شدّت ديانا عليها، قبلت جبينها، وتمعّنت في ملامحها.

"واو… الحادية والعشرون، لم أصدق أن الزمن مرّ بهذه السرعة."

ثم أضافت:

"هذه السنة… لا أعذار، سنحتفل. كفاكِ هروبًا في كل مرة."

ضحكت غلوريا بخفّة، ثم أومأت برأسها:

"أعلم… وأنا جاهزة، فعلاً جاهزة. لكن، عندي أمنية."

شدّت ديانا حاجبيها، أخذت رشفة من قهوتها، ثم قالت بنبرة مرحة:

حسنًا... لا أعدكِ بكعكة من القمر، لكن قولي ما تشائين."

نظرت إليها غلوريا طويلًا… عيناها هدأت، لكنها كانت مثل بحرٍ هادئ يخفي دواماتٍ غارقة.

"أريد أن أزور المكسيك، ديانا."

صمت.

مرّت ثوانٍ… أو قرون.

تجمّدت يد ديانا وهي تمسك الكوب، وحدقت في غلوريا كأنها سمعت للتوّ شيئًا لم تتوقعه أبدًا.

"المكسيك؟ لماذا؟" نبرة صوتها انخفضت فجأة، وداخلها شيء ما تكسّر.

قالت غلوريا بهدوء، لكن بإصرار:

"لا أعلم تمامًا… لكني أشعر أنها تناديني. أحلم بأبي وأمي هناك. وأشعر أن هناك شيئًا ينتظرني... شيءٌ لم أفهمه بعد."

أجفلت ديانا… تشدّدت ملامحها للحظة، وارتبك قلبها.

ابتعدت عنها بخطوة، ووضعت فنجانها على الطاولة بعصبية خفيفة.

ثم همست، وكأنها تخاطب نفسها:

"المكسيك... لم تكن يومًا مكانًا جيدًا لنا يا غلوريا."

ثم نظرت إليها مجددًا، نظرة الأم التي تعرف أن الخطر لا يُمحى بالسفر، بل يُوقَظ.

"هناك... فقدتِ كل شيء. وهناك… كنتِ على شفا الموت. تريدين أن تعودي؟"

قالت غلوريا بعزم:

"نعم. ربما لأتذكّر... أو لأنسى. لا أعلم."

صمتٌ ثقيل.

ثم اقتربت ديانا منها، وأمسكت يديها، وضغطت عليهما بشدة:

"إن قررتِ الذهاب... سأكون معكِ. لكن... المكسيك تغيرت يا غلوريا. ليست كما كانت. وأنا... أيضًا لم أعد كما كنت هناك."

نظرت غلوريا في عيني خالتها… كأن شيئًا ما فيها انكسر فجأة.

وشيء آخر بُعث من الرماد

غلوريا نظرت في عيني خالتها للحظات، ثم سحبت يديها ببطء وقالت بصوت هادئ لكن واضح:

"أنا… لا أريد أن يأتي أحدٌ معي يا ديانا."

توسعت عينا خالتها في دهشة خفيفة.

"ماذا؟! ماذا تعنين؟"

تقدّمت غلوريا خطوة للخلف، كأنها تحاول خلق مسافة تفصل بين قلبين… أحدهما يريد الحماية، والآخر يبحث عن الحرية.

"أحتاج أن أذهب وحدي. أحتاج أن أكتشف من أكون... وحدي. أشعر أنني غريبة في كل مكان هنا. أعيش بلا ملامح، أبتسم بلا معنى، وكل من حولي... لا يعرفني. لا أحد يفهمني يا ديانا."

أخفضت عينيها ثم همست:

"أمريكا ليست مكاني. لم أشعر يومًا أنني أنتمي لهذا العالم. كأنني عالقة في صورة لا تشبهني."

سكتت قليلًا ثم أضافت، وكأن شيئًا ما في داخلها انفجر:

"أشعر أنني إن بقيت هنا أكثر... سأختفي. سأذوب تمامًا. المكسيك ربما كانت وجعًا... لكنها كانت البداية. ربما هناك فقط سأجد نهاية هذا التيه."

أحست ديانا ببرودة تسري في أطرافها.

كانت الكلمات ثقيلة، تحمل نضوجًا مفاجئًا، وجرحًا قديمًا لم تلتئم حوافه بعد.

"لكن يا غلوريا… وحدك؟!"

ابتسمت غلوريا ابتسامة صغيرة، نصفها وجع، ونصفها عزيمة:

"أنا لم أعد طفلة يا ديانا. وسأعود، أعدك. فقط… دعيني أتنفّس وحدي، للمرة الأولى."

ثم صمتت، والتفتت نحو النافذة…

الشمس تشرق من خلف الزجاج، تغمر وجهها بضوءٍ ذهبيّ، كأن القدر نفسه يبارك أمنيتها.

وقفت ديانا للحظات، تنظر إلى غلوريا وكأنها تراها للمرة الأولى.

كانت تلك الفتاة الصغيرة التي ربّتها، تحمل الآن إصرار امرأة، وعينين لا تخشيان الحقيقة… أو لعلّهما لا تعرفان بعد كم تكون الحقيقة مؤلمة.

اقتربت منها وقالت، محاولة تهدئة النبض الذي تصاعد داخلها:

غلوريا... المكسيك ليست مكانًا للحنين، ولا أرضًا للراحة. الناس هناك... ليسوا كما تتخيلين. كثير من الأقنعة، كثير من الألم... لا أريدك أن تنجرّي إلى شيء لا عودة منه."

رفعت غلوريا حاجبيها، وقالت بنبرة لم تخلُ من التحدي:

"وهل الهروب من الجذور يمنعها من النمو في داخلي؟ المكسيك ليست وطنًا يا ديانا، إنها سؤال… سؤال مؤلم يسكنني منذ ست عشر عامًا. كلما حاولت نسيانه، عاد لي بصوت أبي، أو ضحكة أمي، أو كوابيس منتصف الليل."

هزّت ديانا رأسها بحزن، وقالت:

"لا أفهم لماذا الآن؟ لماذا هذا الإصرار المفاجئ؟"

اقتربت منها غلوريا، وضعت يدها على كتفها بلين، وقالت:

"لأنني أشعر أن شيئًا هناك… بانتظاري. شيئًا يُكملني أو يُنهيني، لا أعلم. لكنني أعلم أنّ البقاء هنا، وأنا أتظاهر بالسلام، لم يعد يُجدي."

تنهّدت ديانا، شعرت كأن قلبها يتمزّق بين واجب الحماية، والخوف من الماضي الذي طالما حاولت دفنه.

"أتعلمين يا غلوريا... هناك قصص لا تنبغي أن تُحكى، أماكن لا يجب أن نعود إليها، ووجوهٌ... حين نراها من جديد، نفقد قدرتنا على النسيان."

نظرت إليها غلوريا بعينين دامعتين، وقالت:

"أرجوكِ... أنا لست طفلة. بلغتُ الواحد والعشرين، أستطيع أن أميّز بين الأمان والخطر، بين الحق والباطل. فقط، أريد أن أرى. أريد أن أعيش... لا أن أبقى في ظلّ الخوف."

أغمضت ديانا عينيها للحظة، ثم قالت وهي تستسلم لقدر لا مهرب منه:

"حسنًا... لكن أعديني. تكلّمينِي كل يوم، لا تبتعدي كثيرًا، لا تثقي بأحد لا تعرفينه، ولا تطوّلي... المكسيك ليست كما كانت."

انفرج وجه غلوريا بسعادة مفاجئة، واندفعت نحو خالتها، تحتضنها كطفلة فازت بمعركتها الأولى.

"أعدك! شكرًا يا ديانا... شكرًا!"

لكن بينما كانت غلوريا تضغط وجهها في كتف خالتها، لم ترَ التعبير القاتم الذي غمر ملامح ديانا للحظة

ولم تسمع ما فكّرت به تلك المرأة التي تخفي الكثير خلف صمتها.

"ستعودين إلى أرضٍ لا ترحم، يا صغيرتي...

في تلك الليلة... لم يكن القمر مكتملًا، لكنّه أضاء السماء بما يكفي ليدفع الأرواح للبوح، أو للهروب.

غلوريا، التي لم تعرف من الدنيا سوى هدوء المدن، وخفوت الذكريات، جلست على أرض غرفتها، تحيط بها ملابس مبعثرة، وحقائب مفتوحة، وأغاني خفيفة تنبعث من مكبّر صوتٍ صغير، تصدح بنغمٍ راقص لا يشبه شيئًا من الحزن الذي تربّت عليه.

كانت ترتدي بيجاما قطنية واسعة، وشعرها منسدل بعفوية على كتفيها، عيناها تلمعان ببريقٍ نادر... مزيج من التمرد والحلم.

"نعم... سأذهب. وسأكتشف. سألتقي نفسي التي هجرتني هناك." قالتها بصوت مرتفع وهي تضع قميصًا أبيض داخل الحقيبة، تبتسم لنفسها في المرآة، ثم تعود لتدندن بلحنٍ قديمٍ كانت أمها تغنيه يومًا ما... أو ربما خالتها.

على مكتبها، وُضعت تذكرة إلكترونية مطبوعة.

وجهة الرحلة: مكسيكو سيتي

التوقيت: ١٢ظهرا

والساعة... كانت تشير إلى الحادية عشرة مساءً.

ضحكت بخفة وهي تهمس:

"يا للمفارقة... غدًا أبلغ الحادية والعشرين... وفي اليوم نفسه، أعود إلى الأرض التي أنجبتني وكادت أن تبتلعني."

فجأة، توقفت عن الرقص.

لم تكن وحدها.

عند باب الغرفة، وقفت ديانا بصمتٍ مطبق، كتفها مسنودٌ على الحائط، وذراعاها معقودتان أمام صدرها.

لم تنطق. لم تقاطع. لم تنهَ أو تبارك. فقط... كانت تراقب.

وفي عينيها... نار هادئة، ليست حقدًا، بل ما يشبه "جحيم الوعي"، حين يرى النعيم الساذج لمن لم يذق بعد طعم الانهيار.

ظلّت تحدّق في ظهر غلوريا، ثم همست في نفسها:

"لو كنتِ تعلمين يا صغيرتي... أن تلك الحقيبة لا تحمل فقط قمصانك وكتبك، بل تحمل رأسك إلى مصيرٍ كتبناه دون أن تدري... لو كنتِ تعلمين كم من الأشباح في انتظارك هناك... لما رقصتِ."

ثم أدارت وجهها بهدوء، وعادت إلى غرفتها.

أما غلوريا، فقد جلست على حافة سريرها، تتنفّس

بعمق، وتقول:

"أشعر وكأن شيئًا ما على وشك التغيّر... يا رب، كن معي."

أطفأت المصباح، وتركت المصباح الصغير على مكتبها مضاءً، ثم تمددت فوق فراشها، وعيناها تحدّقان في السقف.

ولم تكن تعلم...

أن رحلتها لن تكون عادية،

وأن الحب الذي حلمت به، سيأتي بثمنٍ قاتل،

وأن المكسيك، لن تعيد لها الماضي... بل ستكشف كل شيء.

في ظلمة الغرفة، لم يكن سوى ضوء خافتٍ يتسلل من بين شقوق الستائر، يعانق سقفًا ساكنًا كروحٍ تنتظر النداء الأخير.

كانت غلوريا مستلقية على سريرها، يديها تحت رأسها، وعيناها شاخصتان نحو السقف، تتأمل لا شيء... وتفكّر بكلّ شيء.

كان قلبها يخفق بخليط غريب من الترقّب والخوف، الحنين واللهفة، الانفصال والعودة.

كانت تعلم أن شيئًا ما ينتظرها هناك، في المكسيك... لكنّها لم تكن تعرف كنهه.

همست بصوت مبحوح:

"غدًا... تبدأ الرحلة.

أرجوكم... كونوا معي."

ثم أغمضت عينيها، وسكن الجسد في سُباتٍ ثقيل.

لكن النوم لم يكن رحيمًا...

في عالمٍ آخر، في عمق الحلم، وُلدت رؤيا.

رأت نفسها تمشي في ممرّ حجري قديم، جدرانه متهالكة، مغطّاة بشقوق وكأن الزمن ذاته يبكي من بينها.

كان الممرّ مظلمًا، ما عدا بقعة ضوء خافتة عند نهاية الجدار.

اقتربت منه ببطء... وكلّما اقتربت، رأت نقشًا على الجدار... رمزٌ قديم يشبه العقرب.

وقبل أن تلمسه، سمعت صوتًا خلفها، صوتًا ناعمًا، دافئًا، كأنّه نُسج من الحنين.

"غلوريا..."

استدارت... فوجدت أمّها، فايلوت، تقف هناك، بثوب أبيض، وعينيها تحملان كلّ الحنان والخوف في آنٍ معًا.

قالت الأم بصوتٍ خافت لكنه مشحون:

"لا تقتربي من الثعبان يا صغيرتي... مهما بدا لكِ جميلًا... لا تقتربي..."

"لماذا يا أمي؟ ماذا يعني؟"

لكن الأم بدأت تتلاشى كالدخان، وابتسامتها تتكسّر على أطراف الريح، بينما همست مجددًا:

"إن اقتربتِ... ستحترقين..."

وفجأة... تحوّل الجدار إلى مرآة ضخمة، ثم انشقت...

وانبثقت منها عشرات العقارب السوداء، تتزاحم، تتسلق الجدران، تسير نحوها بسرعة مفزعة.

تصرخ غلوريا:

"أمي!! أمييي!!"

العقارب تقترب... تزحف فوق قدميها... فوق بطنها... على رقبتها...

ولكن يأتي الثعبان ويحاول ان يبعد العقارب من غلوريا

وهي تصرخ وتضرب الهواء، تحاول التخلص منها...

لكن العقرب الأكبر، ذو الذيل الأحمر، صعد فوق صدرها، وطعنها بنصله...

فَزَعَت.

استفاقت وهي تصرخ، تتنفس بصعوبة، قطرات من العرق تغرق جبينها، يدها على قلبها.

لحظة صمت ثقيل...

ثم-

تيييييت! تييييييييييييت!

رنَّ صوت المنبّه بجوارها كأنه طَبل نهاية العالم.

نظرت إلى الهاتف...

الساعة كانت ١١ صباحًا.

حدّقت للحظة، وصرخت:

"يا إلــهييييييييييي!!!"

قفزت من السرير كالمجنونة، وبدأت تبحث عن حقيبتها، هاتفها، أوراقها.

"الرحلة الساعة ١٢ لقد تبق أقل من ساعة!!!"

ركضت إلى الحمام، غسلت وجهها بسرعة، لبست أول شيء رأته، جمعت أغراضها، أخذت السلسلة الذهبية التي كانت على الكومود، وقبّلتها.

نظرت إلى صورتها في المرآة.

"أنا أتي يا أمي... أعدكِ."

ثم اندفعت خارج الغرفة...

كانت غلوريا قد أغلقت حقيبتها أخيرًا، وألقت بجسدها المتعب على المقعد بجوار الباب، حينما دقّت الساعة في الصالة الكبيرة للمنزل، تعلن اقتراب لحظة الفراق.

دخلت ديانا بخطاها الرزينة، لكن عينيها كانتا تموجان بقلق دفين.

اقتربت من غلوريا بهدوء، ومدّت ذراعيها دون أن تنطق بكلمة.

وفي لحظة، ارتمت غلوريا في حضنها، كما كانت تفعل حين كانت صغيرة، وكأن هذا الحضن ما زال ملاذها الآمن وسط الفوضى.

ظلّتا هكذا، كأن الزمن توقّف، وكأن الصمت أصبح لغة أخرى تُقال فيها كل الكلمات دون أن تُنطق.

ثم تمتمت ديانا وهي تشدّ على ظهرها بحنان:

"اعتني بنفسك جيدًا، غلوريا... لا تأكلي من أي مكان، لا تمشي وحدك ليلًا، لا تثقي في الغرباء، حتى وإن كانوا يبتسمون."

ضحكت غلوريا بخفة وهي تخفي ارتجاف قلبها في صدر خالتها، وقالت بمرح متكلّف:

"حاضر يا خالتي الحبيبة... نسيتِ أن تقولي لي ألا أنسى ارتداء الجوارب السميكة، فالمكيفات لا ترحم!"

ابتسمت ديانا رغمًا عنها، وقالت بصوت منخفض يشوبه الارتعاش:

"كل يوم، في تمام الساعة السادسة مساءً، أريد رسالة منك، حتى وإن كانت نقطة واحدة."

أجابت غلوريا بثقة:

"الساعة السادسة تمامًا، ككل مرة، لا تقلقي."

شدّت ديانا على يديها فجأة، ثم نظرت في عينيها نظرة طويلة، كأنها تنقش تفاصيلها في ذاكرتها، وقالت:

"وإن حدث أي شيء... أي شيء يا غلوريا، ماذا تفعلين؟"

أجابت غلوريا بنبرة طفلة تعيد درسًا حفظته منذ زمن:

"أتصل بك فورًا، لا أُخبر أحدًا، أبحث عن مكان آمن... وأغلق الباب خلفي."

هزّت ديانا رأسها، ثم وضعت يديها على وجه غلوريا، ومسحت على شعرها بأناملٍ خفيفة، وهمست:

"أنا أحبكِ أكثر مما تتخيلين... أكثر مما يقدر أحد أن يحبك."

ثم قبّلت جبينها قبلة حارة، وغمغمت:

"لا تكوني بطلة وحدك... البطلات يمتن باكرًا."

ضحكت غلوريا رغم شيء ثقيل في صدرها، وكأن قلبها يدقّ بطريقة غريبة لم تعهدها من قبل.

ثم أسرعت ديانا نحو الباب، قبل أن تلتفت وتنظر إليها نظرة طويلة، نظرة تختلط فيها مشاعر الأم بالخوف والحنين، وقالت:

"اكتشفي نفسك هناك يا صغيرتي... ولكن، إن وجدتِ جزءًا منكِ لم يعجبك، عودي فورًا."

وغادرت.

وقفت غلوريا لحظة أمام الباب المغلق، ثم نظرت إلى حقيبتها، ثم إلى صورتها المنعكسة على المرآة، وقالت في نفسها:

"هل كانت تبكي؟ ما الذي تخشاه لهذه الدرجة؟"

ثم سحبت الحقيبة ببطء...

كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحًا حين هرولت غلوريا خارجة من المنزل، تسحب حقيبتها ذات العجلات التي أحدثت صريرًا خافتًا على الأرض المبلّطة، كأنها تسحب معها شيئًا من ماضيها الثقيل.

توقّف التاكسي أمامها، ففتحت بابه بسرعة وجلست في المقعد الخلفي، يعلو وجهها شيءٌ من الحماسة والتوتر معًا.

قالت وهي تلتقط أنفاسها:

"إلى مطار نيويورك، من فضلك... بسرعة، لم يتبقَّ الكثير من الوقت."

أومأ السائق برأسه دون أن ينطق، واكتفى بتدوير المفتاح، فانطلق المحرّك يئنُّ كما لو كان يدرك أهمية الرحلة.

ساد الصمت للحظات، ثم انبعثت من مذياع السيارة أنغامٌ قديمة، دافئة، تسرّبت إلى قلب غلوريا كهمسة مألوفة.

اتسعت عيناها، كأن الزمن توقف لوهلة.

همست لنفسها بذهول:

"أغنية أبي..."

لم تكن تلك مجرد نغمةٍ عابرة، بل بابًا فُتح على ذاكرةٍ دفينة. رأت نفسها طفلةً، على المقعد الخلفي من سيارةٍ صغيرة، وأباها لويس راميريث يردد الأغنية بصوته العذب، وهو يقود السيارة نحو الجبل، يضحك، ويغني، ويخبرها أن كل لحنٍ يحمل قلبًا.

غاصت في الذكرى حتى قطعها صوت السائق، ناعمًا كنسيم الصباح:

"هل أنتِ بخير يا آنسة؟"

أجابت بابتسامة حزينة:

"نعم... فقط هذه الأغنية... كانت المفضّلة لدى أبي. اعتدت سماعها منه كثيرًا."

نظر إليها السائق من المرآة وقال:

"إنها من زمنٍ مختلف، تحمل شيئًا لا نعرف اسمه... لكنها تشبه الحنين."

قالت وهي تطلّ من النافذة:

"كان يقول إن الموسيقى تحفظ القلب حين يخذله العالم."

ثم التفتت إليه وأضافت بابتسامة خفيفة:

"بالمناسبة، صوتك يشبه أصوات المذيعين... كنت ستبدو رائعًا كقارئ نشرة ليلية."

ضحك السائق بهدوء وقال:

"أول مرة يقول لي أحدهم ذلك... لكنك تبدين مختلفة. حديثك فيه دفءٌ لا يشبه هذا العالم."

قالت غلوريا بنبرة هادئة، مبحوحة قليلًا:

"ربما لأنني أبحث عن شيء... أو عني أنا، في مكانٍ آخر."

سألها بهدوء:

"المكسيك؟"

أومأت برأسها.

قال بنبرةٍ لا تخلو من الحكمة:

"أحيانًا، لا نبحث عن أنفسنا في المكان، بل في ما تركناه هناك."

سكتت، ثم همست وهي تنظر من النافذة:

"أعلم... لكن ثمة أبواب لا تُفتح إلا إذا عدنا إليها."

وواصل التاكسي طريقه نحو المطار، حيث كانت الطائرة بانتظارها، والماضي كذلك، يراقبها من بعيد... يلوّح لها كعابرٍ لا ينسى.

لم تكن شمس نيويورك تُشرق على الجميع بالتساوي.

في الطابق الأعلى من فندق خمس نجوم، جلس ماتيو دي نارو يُنهي آخر تفاصيل الصفقة كمن يُغلق فم وحشٍ جائع.

"السلاح سيُسلم في الوقت المحدد. وإن تأخّر أحدهم... فلتُفتح قبورهم."

قالها بهدوءٍ قاتل، ونظرته الباردة تطعن الهواء.

كان جالسًا على طاولة زجاجية ضخمة، يرتدي قميصًا ازرق دون ربطة عنق، أزراره العليا مفتوحة تكشف عن وشم صغير عند عظمة الترقوة.

حول يده ساعة من الفضة، وهاتفه يرنّ برسائل مشفرة.

رجاله يقفون خلفه كالأشباح، لا يتنفسون إلا بأمرٍ منه.

"أنهِ الأمر، سنغادر اليوم."

قالها وهو يدفع الكرسي، ويمسك معطفه.

على الطريق إلى المطار، جلس في سيارته الفاخرة، يُراقب الشوارع المزدحمة عبر نافذته السوداء.

أشعل سيجارًا كوبيًّا صغيرًا، وقال لنفسه بصوتٍ خافت:

"نيويورك... وجهٌ جميل، لكنّه يخبّئ السكين خلف شفتيه."

كان يفكر في صفقاته القادمة، في رجاله الذين ينتظرونه في المكسيك، في العدو الذي بدأ يُحرّك خيوطه من جديد.

لكنّه لم يكن يعلم... أن اليوم لن يمرّ كما خُطِّط له

وصل إلى المطار الخاص قبل موعد طائرته بساعة، وفضّل أن يدخل من البوابة العامة كنوعٍ من اختبار الأمان، أو ربما من الملل.

كان يرتدي نظارة شمسية داكنة، ومعطفًا طويلًا رماديًا، وحذاءً لامعًا يُصدر صوته على أرضية الرخام كأنفاس قاتل محترف.

كان التاكسي يشقّ طريقه بصعوبة وسط زحام خانق على بعد خمس دقائق فقط من المطار. السيارات مصطفة كأن المدينة قرّرت أن تتآمر عليها في هذا اليوم بالذات.

نظرت غلوريا إلى الساعة المعلقة في مقدمة السيارة، نبضها يتسارع، وضعت يدها على قلبها وهمست:

"يا إلهي... لن أصل في الوقت المناسب!"

نظرت إلى السائق وقد بدت في عينيها نغمة من استعجالٍ رقيق، ثم فتحت حقيبتها بسرعة وأخرجت النقود.

قالت له وهي تمدّ يدها بالأجرة:

"خذ، هذا أجرك... شكرًا لك كثيرًا... حقًا كنت لطيفًا."

قال السائق بدهشة:

"لكن المطار ليس بعيدًا، خمس دقائق فقط..."

قاطعت حديثه وهي تفتح الباب سريعًا وتشد حقيبتها بيدٍ واحدة:

"خمس دقائق قد تغيّر حياة كاملة!"

أغلقت الباب وراءها، وركضت.

ركضت كأنها تهرب من شيءٍ لا يُرى... أو تركض نحوه.

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة وسبعة وخمسين دقيقة، والمبنى العملاق يلوح أمامها كقلبٍ نابضٍ بالوعود.

شعرها الكستنائي الطويل يتطاير خلفها مع كل خطوة، خصلاته تتراقص على كتفيها، وجبينها يلمع بقطراتٍ خفيفة من العرق. كانت ترتدي قميصًا أبيض ناعمًا بلا أكمام، وسروال جينز ضيّق بلونٍ أزرق باهت، وحذاءً رياضيًا بسيطًا كأنها لم تكن ذاهبة إلى مدينةٍ جديدة... بل إلى مغامرة لا تشبه ما عاشته من قبل.

حقيبتها الصغيرة تهتز في يدها، وظهرها ينحني قليلًا مع كل اندفاع، لكنها لم تتوقف. العيون من حولها تلاحقها باستغراب، بعضهم يبتسم، وبعضهم يتساءل: "إلى أين تجري تلك الفتاة؟"

أما هي... فكل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.

"أنا سأصل... لا مجال للتراجع الآن... انتظروني يا أبي، يا أمي... سأبدأ من هناك... من حيث انتهيتما."

وحين وصلت إلى المدخل الزجاجي للمطار، دفعت الباب بيديها بكل ما فيها من قوة، فارتطم الباب وفتح دفعة واحدة كأن السماء ذاتها أفسحت لها الطريق.

وقفت لثوانٍ تلتقط أنفاسها، ووجهها مزيجٌ من الإنهاك والعزم.

ثم ابتسمت لنفسها بخفة، ومسحت عرق جبينها بطرف كمّها، وهمست:

"نجوتُ من الزحام... فلأنجُ من نفسي الآن."

ثم اندفعت نحو صالة المغادرة

انطلقت غلوريا تعدو داخل المطار الكبير، تحاوطها أصوات التنبيهات، وضوضاء المسافرين، ونداءات الموظفين من مكبرات الصوت

كانت أنفاسها متلاحقة، وخصلات شعرها المتطاير تلتف حول وجهها مع كل خطوة، إلا أنها لم تهتم... لم يكن هناك وقت.

"البوابة... بوابة المغادرة..." همست لنفسها، عيناها تبحثان بجنون عن الاتجاه الصحيح.

وفي اللحظة التي عبر فيها ماتيو دينارو الباب الزجاجي الكبير للمطار...

واااهف!

اصطدمت به بقوة جعلتها ترتد خطوة إلى الوراء وتسقط على الأرض، والحقيبة الصغيرة تنفلت من يدها وتسقط إلى جانبها.

صوت ارتطام ضعيف... وزمنٌ توقّف.

رفعت عينيها بسرعة، تتنفس بصعوبه ونظرت للرجل كان هو ماتيو دينارو لكن هي لم تعرفه تظنه رجل عادي

انتهى

رائيكم

✨6الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة