غضب ورغبه

غضب ورغبه

13 0

استيقظت غلوريا ببطء، وكأن النوم كان غبارًا كثيفًا يعلو ذاكرتها، يمنعها من التذكّر بسرعة.

فتحت عينيها على نورٍ خافت، يتسلّل من ستائر سميكة بلون النبيذ، ورائحة عطرٍ غريب تسكن هواء الغرفة، عطر رجوليّ ثقيل... مألوف ومجهول في الوقت ذاته.

تقلّبت على السرير، فراشه كان ناعمًا، دافئًا، لكنه لم يكن فراشها.

تنهّدت ببطء، ثم اعتدلت في جلستها، وعيناها تتجوّلان في أرجاء المكان.

غرفة فسيحة، جدرانها قاتمة اللون، أثاثها فاخر أكثر مما ينبغي، وكل شيء فيها يصرخ بالغموض والترف.

نظرت إلى الباب

مغلق.

تحرّكت بتردّد، قدماها لامستا أرضية باردة، وشعور غريب بالتقييد ضرب قلبها.

"أين أنا...؟"

همست، وصوتها بالكاد خرج.

حاولت أن تتذكّر... ثم داهمها المشهد فجأة.

الملهى...

الحمّام...

الغرفة...

الطلقات...

العينان الداكنتان...

الاسم الذي لم تنطقه لكنها تعرفه... "ماتيو".

شهقت، ووضعت يدها على فمها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد.

"لقد اختطفني... هذا الجنون!"

نهضت على عجل، وركضت نحو الباب، دفعته... مغلق.

عادت بخطوات ثقيلة، وجلست على حافة السرير، يداها ترتجفان، وعقلها يصارع ما رأته، وما أحست به.

"هل أنا... أسيرة؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟"

رفعت بصرها، تتأمّل الغرفة مجددًا. كل شيء من حولها يوحي بأنها ليست في خطرٍ مباشر... لكنها أيضًا ليست في أمان.

همست من جديد، بصوتٍ خافتٍ ومكسور:

"يا أمي... كنتِ على حق... الثعبان اقترب."

تقدّمت غلوريا نحو الباب بخطى سريعة متوترة، وقلبها ينبض في صدرها كطبول معركة

. مدت يدها نحو المقبض

، وأدارته بعنف.

لم يتحرك.

مغلق.

شدّته مرة أخرى. لا شيء.

ضربته براحتها. ثم بعصبية أكبر. ثم بجنون

صرخت بأعلى صوتها، ويدها لا تتوقف عن الطرق:

"افتحوا الباب! افتحوه الآن! ماذا تظنون أنفسكم؟!"

عيناها اتسعتا بالغضب، وجسدها كله صار وقودًا للانفجار.

"ماتيو! أيها الوغد! أيها المعتوه المريض! أخرجني من هنا فورًا!"

ضربت الباب بقدمها، وانفلتت الشتائم من فمها بعفوية، كأنها تقاتل شبحًا

"أنت جبان... جبان! لا تقدر على مواجهة امرأة سوى بحبسها؟ هذا ما أنت عليه؟!"

لحظة صمت قصيرة، لم تكن إلا استعدادًا لجولة أخرى من الغضب.

وضعت جبينها على الباب، أغمضت عينيها، وأنفاسها ثقيلة، ثم همست بصوت مخنوق:

"لن تسكتني بهذه الجدران... وإن ظننتني ضعيفة، فأنت لا تعرف شيئًا عني يا ماتيو دينارو..."

انزاحت خطوة إلى الوراء، رمقت الباب بنظرة مشتعلة، كأنها تُهدده.

وما في عينيها كان كافيًا لإشعال حريق كامل.

كانت غلوريا في حالة غضب، تصرخ وتطرق الباب بجنون، حتى كادت يدها أن تنزف من شدة الاصطدام.

عيناها حمراوان، شعرها مبعثر، وصوتها يمزّق الصمت الثقيل الذي يخنق الغرفة.

"افتح يا جبان! أخرجني من هنا! لست عبدتك! أنت مجنون! مريض!"

تقدّمت غلوريا بخطى مترددة نحو النافذة، قلبها ينبض بعنف، وعيناها تتفحّصان الأمل الوحيد المتبقّي. سحبت الستائر بقوة، فتفاجأت بما رأت

النافذة كانت عالية، تفصلها عن الأرض مسافة شاهقة، وحول القصر سور منيع، وأسفله رجال يبدون كأنهم أشباح لا ترمش.

ارتجفت شفتاها، همست لنفسها:

"كيف أهرب...؟ مستحيل."

تحوّلت نظراتها للداخل، للحائط، للأرض، للسماء... ثم عادت للباب المغلق.

"افتح! افتح الباب! أيها المريض! افتح الآن!"

صراخها تكرّر، تردّد صداه في الغرفة كصفعة على وجه الصمت.

بدأت تضرب الباب بكل ما تملك من غضب وجنون.

وفي لحظة، انفتح الباب فجأة بقوة جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء.

دخل ماتيو الغرفة ببطء، كظلّ ثقيل يغزو المكان. وقف أمامها، عريض الجسد، جامد الملامح، عيناه كالثلج، وصوته عميق يحمل رعدًا مكتومًا:

"اصمتي."

لكنها لم تسكت.

اقتربت منه، وجهها لا يبعد عن وجهه سوى أنفاسٍ غاضبة، وصاحت:

"لن أسكت! من تظن نفسك؟! من أنت

لتأخذني من حياتي، وتحبسني هنا كحيوان؟!"

صوته ارتفع فجأة، حادًا، قاطعًا:

"قلتُ لكِ... اسكتي!"

صرخت في وجهه دون أن تهتز

"اقتلني إن كنت تجرؤ! لكنّي لن أخافك، ولن أنحني لك، ولو بقيتُ هنا مئة عام!"

حدّق فيها للحظة، أنفاسه ثقيلة، ويداه مقبوضتان بجانب جسده

لم يكن معتادًا على أن يصرخ أحد في وجهه... خاصة امرأة. لكنّها لم تكن أيّ امرأة.

كانت غلوريا... خطيئته الحلوة.

نظراته تغيرت للحظة، لمعة غريبة خطفت ملامحه.

اقترب منها أكثر، حتى شعرت بحرارة أنفاسه على وجهها، وقال بهدوء مخيف:

"أنتِ لا تعرفين ما تفعلين بي يا غلوريا... لكنّكِ ستفهمين، قريبًا."

"كفى، غلوريا..." همس بصوتٍ متوتر، يفيض بالانفعال.

كانت تلهث، صدرها يعلو ويهبط، ووجهها محمّر من الانفعال والغضب والخوف.

لكن قبل أن تعترض أو تدفعه، اقترب منها خطوة أخرى، حتى التصقت المسافة بين جسديهما.

أحاط خصرها بيده بقوةٍ

كأنما يخشى أن تفلت منه

ثم انحنى فجأة.

وطبع قبلة مفاجئة على شفتيها... قبلة لم تكن رقيقة، بل صامتة، عنيفة، متوترة، وكأنها وسيلته الوحيدة لإسكات العاصفة التي بداخلها... وبداخله.

شهقت غلوريا، وارتجف جسدها للحظة، ثم تجمّدت تمامًا.

كل شيء توقف... الوقت، الهواء، صوت أنفاسها.

لم تكن القبلة خاضعة للحنان، بل كانت فوضى مشاعر متراكمة، غيرة، خوف، رغبة، وشيء أعمق لا تستطيع تسميته.

حين ابتعد قليلًا، نظر إليها بعينين متوهجتين، وصوته أجش كأنما خرج من بين دخان حريق:

"هل كنتِ ستظلين تصرخين حتى يسمعنا الجميع؟ أم كنتِ فقط تحاولين دفعي لحد الجنون؟"

لم تُجبه. كانت ما تزال تلتقط أنفاسها، وعيناها تتأملانه بدهشةٍ وارتباكٍ و... شيء من الذوبان البطيء.

اقترب أكثر، هذه المرة ببطء، كأنه يعترف بصمته أنه لم يعد قادرًا على تجاهل ما بينهما.

رفع يده إلى وجهها، مسح بإبهامه دمعة صغيرة كانت قد انفلتت من شدة الصدمة، ثم همس:

"هل تعتقدين أن العالم سيُنقذك منّي؟ لن يفتح لكِ بابًا... ولن يكسر لكِ قيدًا."

خفف قبضته قليلًا، وابتعد عن وجهها ببطء، وعيناه لا تزالان تلتهمانها بنظراتٍ متوحشة.

"أنا مَن أضع القواعد هنا... أنتِ ملكي، غلوريا، شئتِ أم أبيتِ."

تجمدت غلوريا في مكانها، عيناها متسعتان، لا من الدهشة... بل من الغليان وبعض الرغبه المكبوته

الهواء ثقيل، والقبلة ما تزال تلسع شفتيها كصفعةٍ مهينة.

سحبت نفسها منه بعنف، كأن لمسته تحرق جلدها، وصرخت بصوتٍ مشروخ:

"ما الذي تظن نفسك فاعلًا؟!!"

تراجع ماتيو نصف خطوة، لم يكن خائفًا... بل يراقب، ببرودٍ مستفز.

لكنها لم تمنحه لحظة صمت، تقدّمت نحوه كمن يوشك أن يضرب، وعيناها تغليان بكلماتٍ لو نطقت بها لانهار المكان من شدتها:

"تُسكتني بقبلة؟! كأنني لعبة بين يديك! أهذا ما أنت عليه؟ رجلٌ عاجز عن فهم الكلمات فيلجأ إلى فمه ليرهبني؟!"

لوّحت بيدها أمام وجهه، ثم ضربت صدره براحة كفها، دفعة واحدة... ثم أخرى... ثم وقفت، أنفاسها تتلاحق، وجسدها يرتجف ليس من الخوف... بل من الغضب الخالص.

"أحتقرك، ماتيو. أحتقر قوتك الكاذبة، جبنك المغلف بالعنف، وكل لحظة شعرتُ فيها أنني ضعيفة أمامك!"

سكتت لحظة، ثم بصوتٍ أشد ألمًا:

"ما فعلته ليس رجولة... إنه قُبح. قُبح لا يُغتفر

نظر إليها ماتيو بعينين جامدتين، لكن خلف صمته كان هناك شيءٌ يتحرك... شيءٌ لم يُفهم بعد.

همست بكلمات باردة كالخنجر:

"لا تلمسني مجددًا... أو أقسم أنك ستندم على كل ما تظنه قوة فيك."

ثم تركها فجأة، واستدار مغادرًا دون أن يغلق الباب، كأنما يريد أن يتركه مفتوحًا تحدّيًا... أو اختبارًا.

أما هي.... تتنفّس بصعوبه.... من الغضب والرغبه وقلبها الذي نبض سريعا كانه طبول.

ولكنه لا تريد ان تستسلم ل هذا الشعور

ليس بعد.

كانت غلوريا تقف وحدها، ودموع الغضب تغلّف عينيها. شعورها بالقهر والغضب كان أشد من الخوف ذاته.

ولكن كان شعور اخر موجود ترفض ان تعترف به

نظرت إلى الباب المفتوح، أنفاسها تتلاحق، وقلبها يصرخ:

"أنا لست عبدةً في قصر هذا المتوحش!"

وبحركة مفاجئة، اندفعت من الغرفة، تركض حافية القدمين عبر الممرات المذهّبة كأنما تبحث عن نفسها بين الجدران الغريبة.

صوت خطواتها يتردّد في القصر، كجري الغزالة الهاربة من فخ الصيّاد.

مرّت بخدمٍ متجمّدين في أماكنهم، لم يجرؤ أحد على الاقتراب.

كانت تركض، تركض بجنون، دون وجهة واضحة، فقط نحو البوّابة... نحو الحريّة.

وحين وصلت أخيرًا إلى الباب الكبير الحديدي،

أمسكت بالمقبض بقوّة، دفعته بكل ما فيها...

لكنّه لم يتحرّك. مغلق بإحكام.

ضربت الباب بكلتا يديها، تصرخ:

"افتحوا! أخرجوني من هنا! هذا ليس مكاني!"

وفجأة، أحسّت بظل ثقيل يقف خلفها.

استدارت ببطء، تتنفّس بجنون، لتراه...

ماتيو.

كان يقف هناك، على بُعد خطوات، عيناه لا ترمش، ونظراته ثابتة، باردة، حادّة كالسيف.

اقترب منها بهدوء قاتل، حتى صار أمامها تمامًا، ثم أمسك ذراعها بقوة، وعيناه في عينيها مباشرة، وصوته يخرج عميقًا كالرعد:

"لن تخرجي من هنا... حتى أسمح لكِ."

شدّها إليه خطوة أخرى، صوته انخفض، لكن نبرته ازدادت حِدّة:

"أنتِ لي، غلوريا... وستبقين هنا... معي أنا فقط."

نظرت إليه، والغضب والحيرة والحزن يشتبكون في عينيها.

لم تستطع الرد، كانت أنفاسها مضطربة، ودموعها

على وشك الانفجار...

لكنها لم تتراجع.

تجمّدت اللحظة بينهما، أنفاسها اللاهثة تشتعل في صدرها كجمرة لا تنطفئ.

شدّت ذراعها من يده بقوة، فتراجع خطوة، يراقبها بصمت.

صرخت غلوريا، صوتها مكسور ومُرتجف لكنه غاضب:

"من تظنّ نفسك؟! من أعطاك الحق أن تخطفني؟! أهذا ما تفعله بالنساء؟ تحبسهن كالدمى في قصرك؟!"

لم يردّ للحظة... ثم اقترب منها ببطء، كأنما كل خطوة منه تحمل ثقل سنين من السكون والظلام.

قال بصوته العميق، دون أن يرفع نبرته:

"لو أردتُكِ دمية، لما كنتِ تقفين أمامي الآن، تصرخين في وجهي."

ارتجفت عيناها، لكنها لم تتراجع، رفعت رأسها بتحدٍ:

"إذًا ماذا تريد؟ تريدني أن أحب خاطفي؟ أن أشكر من حبسني؟ أن أنسى أنني كنت أصرخ وأنت تمسك بي كأنني لا شيء؟!"

اقترب منها أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى نفسٍ واحد.

قال ببطء:

"أريدكِ... لأنكِ الوحيدة التي لم أستطع نسيانها."

نظرت إليه، مرتبكة، صدمتها كلماته، لكنها سرعان ما تحوّلت لغضب أعمق:

"وهل يُكافأ الحنين بالقيود؟! أتسمّي هذا شوقًا؟ ما هذا الحب المشوّه الذي تعرفه؟"

تجمّد للحظة، ثم رفع يده، يمرّر أصابعه بخفة على خدّها دون أن يلمسه:

"هذا ليس حبًا... هذا جنون. وأنا لا أهرب من جنوني."

ضربته بكفيها على صدره، دفعة غاضبة، لكنّ

عينيها بدأت ترتجف.

قالت بصوت مكسور:

"أعدني إلى بيتي، أرجوك."

نظر إليها بصمت، للحظة بدت ملامحه أقلّ صلابة... ثم قال بهدوء حاد:

"بيتك الآن... هو هنا."

كانت تقف في منتصف الغرفة، والدماء تغلي في عروقها، والدموع محتبسة على طرف رمشها.

رفعت عينيها إليه، وصوتها أخيرًا خرج، ليس صراخًا، بل همسًا غاضبًا، هادئًا كالسكون الذي يسبق العاصفة:

"ما الذي تريده مني؟ قلها بصراحة... لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟"

ظلّ صامتًا، كأن كلمتها اخترقت شيئًا داخله.

عادت تسأله، هذه المرة بصوت أعلى، وكأنها تحفر في صدره:

"أتريدني سجينة في قصرك؟ أم أسيرة لهوسك؟ أم مجرد لعبة جديدة لتمرّر بها وحدتك؟"

اقترب منها، ونظر إلى عينيها مباشرة، وكأنه يحاول أن يرى من خلالها ظلّ نفسه الذي ضاع منذ زمن.

قال بصوته العميق، البارد كالفولاذ:

"لا أريدكِ أسيرة، ولا سجينة، ولا لعبة."

تقدّمت منه خطوة، وهي تهمس:

"إذًا؟"

أخذ نفسًا ثقيلًا، ثم قال بصوت خافت، كأنه اعتراف من رجل لم يعتد أن يقول شيئًا:

"أريدكِ كما أنتِ... كما رأيتكِ أول مرة، عندما اصطدمتِ بي في المطار.

كان يفترض أن تكون لحظة وتنتهي، لكنّها لم تفعل... بقي وجهكِ محفورًا في رأسي."

اغرورقت عيناها، لكنها تمسّكت بقسوتها:

"وهل هذا سببٌ كافٍ لتُدمّر حياتي؟ لتأخذني من كل شيء أعرفه؟"

أخفض عينيه للحظة، ثم قال:

"أنا لا أؤمن بالحب، غلوريا...

لكنّكِ خطيئتي الحلوة.

لم أستطع أن أُخرِجك من رأسي، ولا من قلبي... رغم أنّني لم أؤمن بوجود قلب لي من قبل."

ارتجفت يدها، وخفضت رأسها للحظة، قبل أن تقول:

"أنا لست وهمًا... ولن أكون ظلًّا في حياة رجل لا يعرف من هو."

رفع يدَه ببطء، كأنه يريد لمسها، لكنه توقف قبل أن يصل إليها، وهمس:

"وأنا... لا أعرف من أنا بعد رؤيتكِ."

صمتٌ ثقيلٌ خيّم على الغرفة، والهواء صار كثيفًا لا يُحتمل.

تراجعت غلوريا خطوةً إلى الوراء، حتى استند ظهرها إلى الجدار البارد، ويدها تشدُّ على نفسها كأنها تحمي قلبها من السقوط.

أما هو، فكان يتقدّم نحوها ببطء... بخطى محسوبة، كأنه يطارد صيدًا ثمينًا، لا يريد أن يُفزعَه، بل يروضه.

صوته خرج منخفضًا، غائرًا كجرحٍ قديم لم يلتئم:

"لا أستطيع نسيانكِ... رغم كل ما حاولت.

كنتُ أراكِ حتى في صفقات السلاح... في وجوه القتلة... في عتمة الموانئ، وفي فوهة المسدس."

اقترب أكثر، وعيناه لا تفارقان وجهها، وكأنها مرآته الأخيرة في هذا العالم المنكسر.

"كنتِ في نومي... في يقظتي... في صمتي وضجيجي.

حتى عندما أوقّع على أوامر الموت، أرى وجهكِ... وجهكِ وحده.

لم أُردِ ذلك، لكنّكِ تسللتِ إلى داخلي، كسمٍّ حلو لا دواء له."

همست غلوريا، وصوتها يرتجف:

"أنت مريض... هذا هوس، وليس حبًّا."

اقترب أكثر، حتى صار بينه وبينها أنفاس، ورفع يده ببطء كأنه يهم بلمس وجنتها، لكن لم يفعل. فقط اكتفى بالهمس:

"فليكن هوسًا... وسأكون مريضًا بكِ إلى الأبد.

أريدكِ، غلوريا... لا لأنكِ امرأة جميلة، بل لأنكِ لعنتي الوحيدة التي لا أريد الخلاص منها."

أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحاول صدّ كل هذا السيل، لكن جسدها كان يرتجف.

قال بهدوء أشبه بالتهديد:

"لن أترككِ تضيعين مني مرةً أخرى. أنتِ ملكي... رغماً عن كل شيء."

تنهّدت بحدّة، ودفعت صدره بيدها وهي تصرخ:

"لا يمكنك أن تفعل هذا! لا يمكنك أن تخطف أحدهم هكذا وكأنك تمتلك العالم!"

أمسكت بكفّيها طرف جبينها، تتنفّس بصعوبة، وكأنها تحاول استيعاب ما يجري حولها.

ثم رفعت نظرها إليه، وقد امتلأت عيناها بالحيرة والدموع:

"أنا لديّ خالة تنتظرني... وصديقة خرجت معي الليلة... صديقتي! أين هي؟"

ارتجف صوتها وهي تكمل:

"أين إيـ...؟"

ثم عضّت شفتها بقوة وصرخت:

"أين إيزابيل؟! ما الذي فعلته بها؟! لقد كانت

معي! كنا فقط... نمرح! لم نؤذِ أحدًا!"

اقتربت منه، بعينين متّقدتين بالقلق والخوف والغضب:

"لقد رأيتك... رأيتك تضع المخدّر في يدها! كانت تصرخ! كانت خائفة! ما الذي فعلته بها؟! هل... هل قتلتها؟!"

سكتت للحظة، ثم همست وقد بدأ صوتها يرتجف أكثر:

"رجاءً... إن كان لك ذرة إنسانية واحدة، أخبرني أنها بخير... أرجوك."

كان ينظر إليها بصمت، عيناه لا تزالان قاسيتين، لكن داخله كان يتمزق ببطء... بين رغبته في امتلاكها، وغضبها الطافح كالبركان في وجهه.

في بيت رافييل:

المكان هادئ، الضوء خافت، ورائحة خفيفة من العطر تعبق في الجو.

فتحت إيزابيل عينيها ببطء، شعرت بثقل في رأسها وضباب في ذاكرتها.

رمشت عدّة مرّات، ثم بدأت ملامح المكان تتضح أمامها.

كانت مستلقية على سريرٍ واسع، والستائر نصف مفتوحة، وكرسيّ خشبيّ قريب من السرير يجلس عليه... هو.

رفعت رأسها فجأة حين لمحت رافييل، كان ينظر إليها بصمت، كأن أنفاسه محبوسة ينتظر منها كلمة واحدة.

وبصوت مبحوح، لكن مملوء بالقلق، قالت فورًا:

"غلوريا... أين غلوريا؟"

رفّ جفنه، وانعقد حاجباه، قبل أن تردف هي، وقد جلست على السرير بسرعة وابتعدت عنه

أين هي؟! أين أخذتوها؟! هل أذيتموها؟!"

كان واضحًا أنها لم تفكر في نفسها بعد. يدها كانت لا تزال ترتجف، وقلبها يخفق بجنون، لكنها لم تهتم إلا بشيء واحد... صديقتها.

اقترب رافييل قليلًا، رفع كفّه وكأنه يريد طمأنتها، لكنّه لم يجرؤ على لمسها:

"هي بخير... مع ماتيو."

هتفت بغضب:

"ماتيو؟! ذلك المعتوه المجنون؟! أخذها؟ إلى أين؟!"

سكت للحظة، ثم أضاف رافييل، بصوت منخفض:

"هو لم يؤذها... لكنه لن يتركها تذهب."

اتسعت عينا إيزابيل وهي تنظر إليه، صوتها بدأ يعلو، ووجهها امتزج بين الخوف والغضب والخذلان

"أين هي بالضبط؟! أريد أن أعرف! هل هي في خطر؟ وهل نحن... مخطوفات؟!"

نهض رافاييل من على الكرسي، خطواته كانت مترددة، كأن ما سيقوله سيثقل الهواء في الغرفة

قال بهدوء مشوب بالحذر

"أنتم لستن في خطر... ليس بعد. لكن ماتيو... لن يترك غلوريا بسهولة."

شهقت إيزابيل وهمست كأنها تتحدث إلى نفسها:

"إذن هو خطفها فعلًا..."

ثم رفعت عينيها إليه، وكأن السهام خرجت من نظراتها:

"ولماذا أنا؟ لماذا أخذتني معكم؟! ما ذنبي؟!"

صمت لثوانٍ، ثم قال بنبرة فيها ندم خفي:

"أنتِ... كنتِ هناك. ولم أستطع أن أتركك."

ازدردت ريقها، ثم انفجر صوتها من بين شفتيها،

متهدجًا، مكسورًا:

"وكل ما قلته لي؟ كل القصص؟ والرقص؟ والضحك؟ ولمستك التي جعلتني أشعر وكأنني أخيرًا لست وحدي..."

اقتربت منه بخطوة، وهي تصرخ:

"هل كان كذبًا؟! هل كذبتَ عليَّ طوال الليلة؟ هل كنتَ تخدعني؟؟

ظل رافاييل صامتًا، وجهه جامد، وعيناه تهربان من عينيها. لكنها لم تصمت، بل تابعت، وهي تكاد تبكي:

"هل كنت مجرد وسيلة؟ لعبة؟!"

رفع رأسه أخيرًا، ونظر في عينيها مباشرة، وصوته كان صادقًا لأول مرة منذ بداية الحديث:

"كل ما قلته لكِ تلك الليلة... لم يكن كذبًا."

ارتجفت شفتاها، وكأن قلبها أراد أن يصدقه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، فقالت بصوت متهدج:

"لكن الحقيقة أنك أحد رجال المافيا... وأنك ساعدت في خطفنا."

ردّ بنبرة حزينة:

"نعم... لكن هذا لا يُلغي ما شعرتُ به حين كنتُ معكِ."

نظرت إليه طويلاً، قبل أن تدير وجهها جانبًا وتهمس:

"كان يجب أن تبقى مجرد راقصٍ غريب... لا أكثر."

تراجعت إيزابيل خطوة إلى الخلف، وظهرها اصطدم بالجدار، كأنها تحاول تحمي نفسها من الحقيقة، أو تحاصر الألم داخليًا.

نظرت إلى رافاييل، بعينين ضائعتين، ووجه فقد دفئه كله:

"قل لي فقط... ما الذي سيحدث لنا؟ هل سنظل هنا؟ هل نحن رهينتان عندكم؟ وماذا تريدون منا أصلًا؟"

شعرت بشهيقها يخونها، وهي تضع يدها على صدرها وكأنها تحاول منع قلبها من الانهيار

"هل نحن مجرد أدوات ضغط؟ أم أن وراء هذه اللعبة القذرة شيئًا لا أفهمه؟!"

اقترب رافاييل قليلًا، لكنّه لم يجرؤ على لمسها هذه المرة. نظر إليها بتمعُّن، وكأنه يزن كل كلمة سيتفوّه بها. ثم قال بصوت هادئ:

"غلوريا ليست مجرد فتاة بالنسبة لماتيو... هو لم يعد يرى سواها. وجودكِ معها... جعلكِ جزءًا من اللعبة، حتى وإن لم تقصدي."

رمشت عيناها سريعًا، وأحست بدمعة حارقة تفر من زاوية عينها دون إرادة:

"يعني كل هذا بسبب نظرة في مطار؟! كل هذا لأنه أعجب ب غلوريا؟"

أخفض رافاييل رأسه وقال بصوتٍ خافت:

"الأمر مع ماتيو لا يسير بمنطق البشر العاديين، حين يقرر شيئًا... لا يتراجع. وحين يريد شيئًا...

لا يتركه يهرب."

سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إلى عينيها:

"لكن صدقيني... لن أسمح أن يمسكِ أحد بسوء."

وهو يلمس يديها ويشابك اصابعهه ب اصابعها

نظرت إليه طويلًا، وكأنها تحاول أن تصدّقه رغمًا عنها، ثم همست:

"أتمنى أن لا تكون كلماتك مجرد وعد من رجل يعيش في الظلام."

في قصر دي نارو:

نظر ماتيو إلى غلوريا بعينين هادئتين، لكن خلف هدوئه كان يشتعل قلقٌ حقيقي تجاهها. اقترب منها خطوة وقال بصوته العميق الذي يحمل نبرة من الحزم والطمأنينة:

"صديقتكِ بخير، لا تقلقي. إنها مع رافاييل، وهو رجل أثق به... أكثر من أيّ شخصٍ آخر."

نظرت إليه غلوريا بعينين تضجّ بالشك والارتباك، وكأنها تحاول أن تميّز الصدق من الكذب بين كلماته، فتابع بهدوء:

"لم نؤذِها، ولم نخطط لأيّ شيء يخصها من الأساس. هي فقط كانت في المكان الخطأ... في الوقت الخطأ."

ثم اقترب أكثر، وواصل بنبرةٍ خافتة:

"أعدكِ، سترينها قريبًا، لكن ليس الآن. أريدكِ أن تهدئي أولاً... أن تشربي شيئًا دافئًا... وتلتقطي أنفاسك. ما حدث بالأمس كان كثيرًا عليكِ."

ثم التفت بعيدًا لثوانٍ قبل أن يضيف بصوتٍ أكثر جدية:

"أنا لا أختبئ خلف أعذار، لكنني لا أؤذي من لا يستحق الأذى. وصديقتكِ ليست هدفًا لنا... وأنتِ أيضًا... لستِ مجرّد صدفة."

تقدّمت غلوريا خطوة، وعيناها تتقلب بين الدموع والشك، نظرت إليه وكأنها تحاول اختراق صلابته، وقالت بصوتٍ متهدّج:

"تقول إنكم لم تؤذوها؟! أهذا هو ما تُسميه طمأنة؟ أن تُخدر فتاة وتُبعَد عن صديقتها قسرًا وكأنها حقيبة تُنقل من يدٍ لأخرى

ثم اقتربت منه، لكن بنظرة متحدّية، وتابعت:

"وحتى إن كانت كلماتك صادقة... حتى إن كنتَ تنوي حمايتي كما تقول... لا يحق لك أن تسرق حريتي وتُقرر ما أراه ومتى أراه... هذه حياتي، وليست لعبتك."

توقفت لحظة، صوتها ينخفض لكنه يزداد ألمًا:

"أين هي؟ أريد أن أراها... أتحسّسها أمامي، أسمع صوتها. لا أطمئن بالكلام فقط... أريد الحقيقة، لا وعودًا محاطة بالأسوار والحراس."

ثم أضافت بنبرة أكثر هدوءًا، لكن بعيون دامعة:

"أرجوك... إن كنتَ حقًا لا تنوي الأذى... دعني

أراها.

لا أريد أكثر من ذلك الآن."

ظلّ ماتيو صامتًا لوهلة، ينظر إلى عينيها التي تومض فيهما شرارات الألم والتمرّد، ثم قال بصوتٍ خافت لكن حازم، يحمل نبرة رجل لا يقبل الجدل:

"لا، غلوريا... لن تريها الآن."

اقترب منها خطوة، ونظر إلى شفتيها المرتجفتين، ثم تابع وهو يخفض صوته أكثر:

"أعلم أنّك خائفة... مرتبكة... وتظنين أنّك سجينة، لكن صدقيني، لو أردتُ لكِ الأذى، لكان الأمر مختلفًا تمامًا. ما أريده الآن... هو أن تكوني لي وحدي، أن أراكِ أمامي... دون مقاطعة، دون أصوات تشوش عليّ."

تنهد ببطء، وكأن صراعًا داخليًا يعصف بصدره:

"لقد ظهرتِ في حياتي كالعاصفة، وقلبي... لم يعرف الهدوء منذ لحظة اصطدامنا ذاك في المطار. لا أريد أن يسرقني أحد منكِ، حتى ولو كانت صديقتكِ تلك."

اقترب أكثر، حتى صار صوته لا يُسمع إلا لها:

"أنا لا أشارك ما أريده... وأنتِ، غلوريا، صرتِ الشيء الوحيد الذي أريده."

ثم رفع يده بلطف نحو وجهها، وكأنه يريد لمسه لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة:

"حين أقرر أن تريها... سترينها. أما الآن... فكل ما أريده، هو أن تبقي هنا، معي... فقط أنا وأنتِ."

حدّقت غلوريا إليه، وعيناها تتوهجان بالخوف والذهول... وكأنها تحاول أن تترجم كلماته، أن تبحث عن منطقٍ وسط الجنون. رفعت حاجبيها ببطء، ثم قالت بصوتٍ مرتجف، تكسوه المرارة:

"أنت لا تعرفني، ماتيو... كيف تقول إنك تريدني؟ ما الذي رأيته فيني سوى ظلّ فتاة صدمتك في المطار؟"

اقتربت منه خطوة، ثم أشارت إلى صدرها، وصوتها يرتفع:

"أنا لستُ شيئًا تملكه! لستَ معتادًا على أن يقول لك أحدهم لا، أليس كذلك؟ لكنّي أقولها الآن... لا. لا أريدك، ولا أريد أن أكون هنا!"

أغمضت عينيها للحظة، تحبس دمعة كادت تفلت منها، ثم همست بصوت منكسر:

"كل ما أردته كان القليل من السلام... فلماذا دائمًا يتبعني الخراب؟"

لكن ماتيو ظلّ واقفًا، ينظر إليها دون أن يرمش، وجهه جامد كالصخر، لكن عيناه تموران بالعاصفة. وبعد لحظة صمت طويلة، قال بنبرة هادئة جدًا، لكنها تحمل وعيدًا لا يُخطئه القلب:

"ستكرهينني الآن... وستلعنينني ألف مرة، لكن سيأتي يوم، وسترين كم كنتِ تنتمين إليّ."

استدار نحو الباب، فتحه ببطء، ثم ألقى نظرة أخيرة عليها، همس فيها وكأنه يحكم قيدًا:

"نامي، غلوريا... غدًا يبدأ كل شيء."

ثم خرج، وأغلق الباب خلفه بصمتٍ أثقل من كل الصراخ الذي خفت للتو... تاركًا خلفه قلبًا ينبض بالرفض، وغرفة تختنق من العتمة، وفصلًا يُختَتم بملامح لا تعرف النوم.

انتهى

رائيكم

✨4الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة