رصاصه الخيانه

رصاصه الخيانه

13 0

سكون الصباح الباكر، جلست غلوريا على الطاولة الطويلة في غرفة الطعام الفخمة، بينما كانت أناملها تعبث بحواف كوب القهوة الذي بدأ يبرد أمامها. بدت شاردة، وعيناها تتفحصان النقوش المعقدة على حواف الكوب كأنها تبحث فيه عن إجابة لا تجرؤ على نطقها.

دخلت ماريا، كبيرة الخدم، بهدوء تحمل طبقًا عليه بعض الفطائر الساخنة والعسل، وقالت بنبرة هادئة:

"لم تأكلي شيئًا منذ البارحة، آنسة غلوريا... هل لي أن أضع لكِ القليل؟"

رفعت غلوريا بصرها إليها، وابتسمت ابتسامة باهتة، ثم أومأت برأسها.

اقتربت ماريا وجلست على الطرف الآخر للطاولة، كأنها تحاول أن تمنحها بعض الأمان وسط هذا القصر المهيب.

قالت غلوريا بصوت منخفض:

"هل كنتِ تعملين هنا منذ زمن؟"

أجابت ماريا بابتسامة دافئة:

"منذ أن كان ماتيو طفلًا... رأيت بعينيّ كيف تغيّر هذا البيت... وكيف تغيّر قلبه."

صمتت غلوريا للحظة، ثم سألت بفضولٍ حذر:

"هو دائمًا هكذا؟ أقصد... بارد، صامت، مخيف أحيانًا؟"

أطرقت ماريا برأسها، وقالت بصوت مفعم بالحزن:

"لقد ماتت والدته وهو في الثانية عشرة من عمره.

تغير بعدها كل شيء... أصبح صلبًا، لا يثق بأحد، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه... لكنه لم يكن دائمًا كذلك."

رفعت غلوريا حاجبيها بدهشة:

"لا أصدق... ذلك الرجل المليء بالتحكم والغضب... هل كان يومًا طفلًا يحتاج إلى حضن؟"

أجابت ماريا بهدوء عميق:

"كلنا كنا يومًا كذلك، آنستي. ولكن بعضنا لم يجد ذلك الحضن."

ساد الصمت بينهما، إلا من صوت عقارب الساعة على الحائط.

نظرت غلوريا نحو النافذة، وهمست كأنها تحدث نفسها:

"لكنه لا يزال يحتجزني... مهما كان ماضيه مؤلمًا، لا يعطيه الحق بأن يتحكم بي."

قالت ماريا بعد برهة من التردد:

"ربما هو لا يعرف كيف يُحب... ولكنه، بطريقةٍ ما، يحاول."

مرّ الوقت ببطء قاتل، كأنّ عقارب الساعة تأبى أن تتحرك.

جلست غلوريا وحدها، تنتقل من غرفة إلى غرفة في القصر الفسيح، كأنها تلاحق ظلاً لا يُمسك، أو صدى لا صوت له.

تأملت الثريات المذهبة، اللوحات على الجدران، الأرائك الفاخرة، لكنها لم تشعر بأي دفء.

كل شيء بدا بارداً... جميلاً، نعم، لكن ميتا

لا حياة فيه، كما لو كان القصر كله مسجونًا مثلها.

تعثرت خطواتها إلى أن وصلت أخيرًا إلى الباب الحديدي الكبير.

وقفت أمامه، لا تلمسه... فقط تحدّق فيه.

كان الباب أكثر من مجرد مدخل... كان رمزًا، جدارًا بين عالمين، بين "ما هي عليه الآن" و"ما كانت عليه من قبل".

رفعت يدها ببطء، ووضعتها على الحديد البارد. أغمضت عينيها للحظة...

ورأت نفسها هناك، على الرصيف، تمشي تحت أشعة الشمس، تسمع ضحكات المارّة، تشمّ رائحة الحياة... الحرية.

لكن حين فتحت عينيها، لم يكن هناك شيء... فقط الباب المغلق، وحديدٌ لا ينبض، وجدرانٌ تزداد ضيقًا.

همست لنفسها، بصوتٍ يكاد يُسمع:

"هل سيأتي اليوم... وأفتح هذا الباب بنفسي؟"

ثم أدارت ظهرها ببطء، عيناها مليئتان بالتمرد... لكنها، للمرة الأولى، لم تكن تبكي.

لم تكن تتوقّع أن يُقاطع صمتها أحد. كانت ما تزال واقفة أمام الباب الحديدي، يدها ما زالت تستشعر برودته، حين اخترق صوتٌ عميق وساكن خلفها الهدوء:

"غلوريا..."

تجمّدت. الصوت مألوف... منخفض، واثق، يحمل نبرة أمرٍ لا يُناقَش.

استدارت ببطء، لتراه واقفًا خلف الباب المفتوح، يزيحه بيده الثقيلة كأنّه يكسر القيد عن عمد.

كان يقف أمامها بملامحه الجامدة، عينيه الثاقبتين، يرتدي حُلة سوداء كعادته، وقميصًا مفتوح الياقة، وعطره يسبق خُطاه.

قال بصوته العميق الذي لا يزال يُربكها رغم كلّ شيء:

"تعالي. اركبي السيارة."

نظرت إليه بعيون متسعة، ثم نقلت نظرها إلى السيارة السوداء اللامعة خلفه، ورجاله الواقفين كأنهم تماثيل لا تتحرك

"إلى أين؟" سألت بحذر.

لم يجبها.

فقط أدار ظهره ومشى، وكأنّ الإجابة لا تهم.

وهي... ظلّت واقفة، قلبها ينبض بسرعة. خطواتها لم تتحرك بعد.

لكن عقلها لم يتوقف عن الصراخ:

"إلى أين تأخذني هذه المرة؟ "

ركبت السيارة إلى جواره بصمت.

بابها أغلق خلفها بصوتٍ حاسم كأنّه يُغلق خلفها بابًا من الأسئلة.

نظرت إليه بطرف عينيها، تتأمل قسمات وجهه الجامدة التي لا تُقرأ، وكأنها مرسومة من صخر.

"إلى أين نحن ذاهبان؟" سألت بصوت خافت، فيه قدرٌ من التوتر وكثيرٌ من الحذر.

لم يلتفت إليها، بل ظلّ يُحدّق أمامه عبر الزجاج المُعتم، بينما كانت أصابعه تعبث بلا وعي بزِرّ معصمه الجلدي.

كأنّه لم يسمع سؤالها... أو كأنّه لا يريد أن يجيب.

تحركت السيارة ببطء، ثم انطلقت على الطريق، والمدينة تمر من حولهم كظلال رمادية.

لم يكن هناك موسيقى، ولا صوت سوى همس المحرك، وسكون ثقيل يخيّم على المساحة الضيقة بينهما.

كانت تسرق نظرات خفية نحوه، تحاول أن تلمح شيئًا في وجهه يفسر ما يجري، لكنه بدا كأنّه غارق في دوامة من الأفكار البعيدة... أفكار لا مكان لها بين جدران السيارة.

أما هو، فكان يشعر بعيونها تحوم حوله، لكنه لم يُعلق.

بل ظل صامتًا... متعمّدًا.

كان الطريق طويلاً، وأقصر من أن يفصل بين قلبين يعانيان من صراع خفي:

هي تسأل نفسها إن كانت قد بدأت تستسلم لحضوره دون وعي...

وهو يتأملها من دون أن ينظر، يتقصّى ردّات فعلها، كأنّه يبحث عن شيء... شيء لا يعرفه سواهما.

كان الطريق خاليًا، والمدينة من خلفهما تذوب كضوءٍ باهت في المرآة الجانبية.

صمتٌ قاتم سيطر على السيارة، ولم يكن في الأجواء ما يوحي بأنها "خروجة"... بل كأنها ذاهبة إلى مصير غامض.

توقفت السيارة فجأة أمام مبنى مهجور، طابعه الصناعي البارد ينبض بالرهبة.

بابها فُتح، وصوت ماتيو جاء عميقًا، صارمًا:

"انزلي."

نظرت إليه بارتباك.

"أين نحن؟"

لم يجب. فقط ترجل من السيارة، واستدار نحوها منتظرًا.

نزلت خلفه ببطء، خطواتها تتردد على الأرض الصلبة، وصوت الريح في المبنى المهجور كأنه صفير تحذير.

دخلت خلفه، تتلفت حولها - لا أحد. لا موسيقى، لا ضوء، لا حياة. فقط جدران رمادية، وسقف يقطر ماءً، ورائحة معدن وبخار.

وقف أمامها، وببطء شديد، مدّ يده إلى جيبه وسحب مسدسًا صغيرًا،

ثم رفع عينيه إليها وقال بنبرة لا تحتمل المزاح:

"أمسكيه."

حدّقت في المسدس، ثم في عينيه، غير مصدقة.

"ماذا؟"

"أريدك أن تمسكيه. أن تعرفي وزنه... أن تشعري به بين يديك."

يدها ارتجفت، ورفض عقلها أن يفهم.

"لِمَ؟"

اقترب خطوة.

"لأن هذا هو عالمي يا غلوريا... وانا اريدك البقاء فيه، فعليكِ أن تعرفي كيف يكون طعمه."

ثم أشار برأسه إلى باب حديدي داخلي خلفها، وقال بهدوء كأنّه يحكي قصة قبل النوم:

"هناك رجل ينتظر خلف الباب... خانني. وأريدك أن تري بعينيكِ ما يحدث لمن يظن أنه أذكى مني."

كانت غلوريا تقف أمام ذلك الباب الثقيل، المصنوع من الفولاذ الداكن، وقد انعكست عليه أنوار السيارات القادمة من الزقاق الضيق.

صوت المطر الخفيف فوق الأسطح المعدنية يزيد من التوتر. تقدّمت خطوة، ثم توقفت.

قالت بحدة وهي تحدق في ماتيو:

«لن أدخل. لا أريد أن أرى المزيد من جنونك!»

اقترب منها ماتيو ببطء، وعيناه تلمعان بتصميمٍ قاتم. رفع يده، وأمسك معصمها بقوة، ليس بعنفٍ يؤذيها، بل بإصرارٍ لا يسمح بالهرب.

قال بصوت خافت، عميق، يحمل في طياته الكثير:

«ستدخلين يا غلوريا... الآن. لن أثق بكِ إذا لم ترَيْ العالم الذي أعيش فيه. لا يمكنكِ أن تكوني جزءًا مني، إن لم تعرفي من أنا.»

حاولت التراجع، لكن الباب فُتح من الداخل، وصوت المفصلات المعدنيّة صرخ في سكون الليل. أطلّ منها ضوء باهت كئيب، كأنّه ينبض بسرّ خطير.

قالت بحدّة، وهي تتراجع خطوة:

«قلت لك، لن أدخل!»

ولكنّه لم يمنحها فرصة أخرى.

بيدٍ ثابتة، سحبها إليه، وهمس في أذنها:

«إمّا أن تدخلي الآن... أو تظلي سجينة للشك والخوف إلى الأبد.»

ودون أن تنتظر مزيدًا من الكلمات، وجدت نفسها في الداخل.

كان المكان تنبعث منه رائحة المعدن والعرق والدم القديم. رجال واقفون على الجانبين بملامح جامدة، يحملون الأسلحة، وعين واحدة في اتجاه ماتيو. وفي نهاية الممر، باب آخر... حيث الحقيقة التي تنتظرها.

نظرت غلوريا إليه، والدم يتراجع من وجهها، فهمست:

«ما هذا المكان؟»

أجاب دون أن يلتفت:

«مكان تُصنع فيه الثقة... أو تُدفن.»

دخلت غلوريا إلى ممر طويل، الأرضية من الإسمنت البارد، وأصوات خفيفة تتردد في الهواء كأنها شهقات مكتومة.

على الطرف الآخر، باب حديدي فُتح، فكشف عن قاعة فسيحة، تملؤها طاولة مستديرة يتوسطها رجل أصلع، أمامه حقيبة مغلقة، وحوله أربعة رجال مسلحين.

ماتيو تقدم بخطواته الهادئة الواثقة، وأشار لغلوريا أن تبقى واقفة خلفه.

في الجهة المقابلة، وقف رجل بملامح مريبة، يرافقه رجلان يحملان رشاشات صغيرة مخفية تحت معاطفهم.

تبادل الطرفان نظرات الصفقات المعتادة، تلك التي لا تعتمد على عقود أو أوراق، بل على الرهبة والسلاح والدم. قال ماتيو بنبرة صقيعية:

"آمل ألا تكون الحقيبة، هذه المرة، مجرد عرض خادع."

أجاب الرجل المقابل بسخرية:

"أنت دائم الشك يا ماتيو... لكنها المرة الأخيرة التي تظن فيها أنني سأخونك."

في تلك اللحظة، التفت ماتيو نحو غلوريا، عيناه تراقب رد فعلها، كأنه أراد أن يختبر كيف سترى عالمه، كيف ستواجه الحقيقة.

ثم أشار فجأة إلى أحد رجاله.

ثوانٍ... أُخرج فيها رجل ثالث من خلف الظلال، وجهه مغطى بالدماء، مكبّل اليدين. حدّق في ماتيو برعب حقيقي.

قال ماتيو بهدوء قاتل:

"هكذا يكون مصير من خانه."

نظرت غلوريا إلى المشهد، عيناها تتسعان بالرعب، قلبها ينبض بجنون، لكن قدميها ظلّتا مغروستين في الأرض.

ثم التفت إليها ماتيو للمرة الأخيرة، وقال:

"من أراد البقاء بجانبي، يجب أن يرى العالم كما هو... ويختار."

ثم... أمر رجاله بفتح الحقيبة.

وقفت غلوريا جانبًا، تشعر بقلبها يدق في صدرها كطبول الحرب. ثم فجأة، تحوّل المشهد إلى صراع حقيقي.

صرخ ماتيو:

"خيانة."

لكن ماتيو لم يجب. رفع المسدس وأطلق رصاصة واحدة فقط - اخترقت رأس الرجل وسقط أرضًا قبل أن يكمل جملته. ارتفعت الصرخات، وتحولت اللحظة إلى جحيم.

بدأت المعركة.

الرصاص اخترق الهواء، أصداء الطلقات تنعكس على الجدران المعدنية، والدم يتناثر على الأرضية الخرسانية.

كان ماتيو يتحرك كأنما يرقص مع الموت؛ يختبئ خلف صناديق الشحن، يخرج فجأة ليُسقط اثنين، ثم يعود إلى الظلال.

رجل ضخم حاول مباغتته من الخلف، لكن ماتيو استدار بسرعة خاطفة، غرس سكينه في عنق الرجل، وسحبه معه أرضًا ليحتمي بجسده من وابل رصاص جديد.

من أعلى الدرج الحديدي، ظهر قنّاص. أطلق ثلاث رصاصات، واحدة منها كادت تصيب ماتيو في كتفه، لكنه انقلب أرضًا، وتدحرج خلف حاوية كبيرة، التقط بندقية كانت مرمية بجوار جثة، ورفعها بثبات.

طاخ!

أصاب القنّاص في الرأس... وساد الصمت لثانية واحدة.

كانت غلوريا مختبئة خلف مجموعة من الصناديق الخشبية الضخمة، يداها ترتعشان، وأنفاسها محبوسة بين شفتيها المرتجفتين.

قلبها يدق بعنف، كأن صدرها ضيق على اتساعه. كانت ترى كل شيء: الدماء، الطلقات، الرجال وهم يسقطون واحدًا تلو الآخر... وكل ذلك على يد رجل واحد، هو ماتيو

كانت تريد أن تغمض عينيها، أن تهرب، أن تصرخ، لكن جسدها كان مشلولاً بالرعب... وعقلها مشلولاً بالحيرة.

"لماذا أنا هنا؟"

"كيف انتهى بي الأمر وسط هذا الجحيم؟"

"ولماذا، رغم كل شيء... لا أستطيع كرهه؟"

مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم رأت شيئًا جعل دمها يتجمد.

رجل مسلح، ضخم الجثة، خرج من وراء عمود حديدي، كان يسير ببطء نحو ماتيو من الخلف، في يده بندقية آلية، وعيناه تضيقان بالنيّة القاتلة.

ماتيو لم يره.

صرخة انطلقت في عقلها، لكن لم تخرج من فمها. كانت تشعر وكأن الزمن يتوقف، وأنها ترى مشهدًا لا تملك تغييره... ثم حدث شيء غريب

جسدها تحرّك وحده.

خرجت من خلف الصناديق، دون أن تُدرك ما تفعله. التقطت قطعة حديدية ثقيلة كانت بجوارها، وركضت، ركضت بكل ما فيها من توتر وارتباك واندفاع، حتى وجدت نفسها خلف الرجل تمامًا.

ضربته.

ضربة واحدة، قوية، مرتعشة، لكنها كافية.

الرجل ترنّح، أنين غليظ خرج من حلقه، ثم سقط أرضًا فاقدًا للوعي، وارتطم جسده الثقيل بالأرض كجذع شجرة قديم.

تجمدت غلوريا في مكانها، تنفّسها متقطع، يداها ترتعشان والقطعة الحديدية لا تزال بين أصابعها.

ماتيو استدار.

رآها... رآى ما فعلته... لكنها لم تستطع النظر إليه. كانت تحدّق في الرجل المغشي عليه، كأنها تحاول أن تفهم ما فعلته للتوّ.

قالت بصوت خافت، كأنها تخاطب نفسها:

"لماذا...؟ لماذا ساعدتك؟ أنا لا... لا أعرف حتى من أنا الان..؟

اقترب منها ماتيو ببطء، عيناه تلمعان بنظرة لم ترها من قبل... خليط من الذهول، الامتنان، وربما شيء آخر... شيء لم يكن القتل يعرفه.

قال بصوت منخفض:

"كنتِ تستطيعين الهرب... لكنكِ عدتِ لتنقذيني."

لكن غلوريا هزّت رأسها ببطء، ودمعة خفيفة تسللت من عينيها، وسقطت على يدها الملطخة بالغبار:

"أنا... لم أفكر. لم أشعر. فقط... تحرّكت."

ثم بدأ من تبقى من الرجال في التراجع. كانوا يصرخون، يتوسلون، بعضهم ألقى سلاحه، والبعض الآخر حاول الهروب من الباب الخلفي.

لكن ماتيو لم يكن قد أنهى مهمته.

سار باتجاههم ببطء، كأن الزمن انكمش من حوله، وصوت خطواته صار أعلى من صوت القلوب المرتجفة.

قال بصوت منخفض ولكن حاد:

"أنتم من بدأ اللعبة... وأنا من سينهيها!

رصاصة

رصاصة.

رصاصه.

ثلاث جثث أخرى سقطت كأوراق الخريف.

لم يتبقَ سوى رجل واحد واقف، يلهث، يرفع يديه في استسلام.

مشى ماتيو نحو غلوريا بهدوء، أعطاها سلاحًا، نظر إليها بعينين تتحدى، ثم قال بنبرة عميقة باردة:

"افهمي هذا العالم، يا غلوريا... في عالمي، الثقة تُبنى على الأفعال، لا الكلمات. أظهري لي أنك قادرة على الوقوف بجانبي...."

كانت أصابعه لا تزال ممسكة بالسلاح وهو يمدّه إليها... والوقت يتوقف.

أشار ماتيو برأسه نحو رجلٍ مُمدّد على الأرض، يتلوّى من الألم، جرحٌ غائر في ساقه، يئنّ بصوتٍ مرتجف أشبه بالبكاء.

رفع ماتيو ذقنه، وعيناه لا تبارحان عيني غلوريا، ثم قال بنبرةٍ هادئة كأنها لا تعرف الرحمة:

"أطلقي النار، غلوريا."

ارتجفت ملامحها، وحدقت فيه بعينين متسعتين.

"ماذا؟"

قالتها كأنها لم تسمع جيدًا، أو كأنها ترفض تصديق ما سمعته.

"أطلقي."

مدّ يده نحو يدها التي تقبض على السلاح، ووجّه فوهته نحو الرجل الجريح.

"إن لم تفعلي الآن، فلن تصمدي ساعة واحدة في هذا العالم. هذا ليس فيلمًا، غلوريا... هذه حياتك الجديدة."

هزّت رأسها بعنف، وابتعدت خطوة للخلف.

"لا... لا أستطيع. لن أقتل أحدًا."

ضحك بخفة، لكن صوته كان مرًّا، بلا دفء.

اقترب منها، وأمسك بكتفها بقوة، وعيناه تتوهّجان بجنونٍ هادئ:

"هذا العالم لا يعبأ بمن يستطيع أو لا يستطيع. إما أن تكوني مفترسة... أو فريسة. وأنا لن أدعكِ تكوني فريسة، مفهوم؟"

نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع والغضب والخذلان.

"لكنني لست مثلك!" صاحت.

اقترب أكثر، حتى بات صوته لا يُسمع سوى بأنفاسه:

"ستكونين...

أنتِ فقط لا تعرفين ذلك بعد."

وقفت لحظة تتنفس بصعوبة، عيناها على الرجل الملقى، وإصبعها يرتجف على الزناد.

كانت تشعر أن الأرض من تحتها تهتز، أن من كانت عليه قد ذاب في لحظة.

قال لها، بصوت منخفض لكنه قاتل:

"اضغطي على الزناد، يا غلوريا... ليس لأجل القتل. بل لأجل البقاء."

من داخل عقل غلوريا:

لم تعد تسمع شيئًا.

الصوت الوحيد الذي كان يملأ أذنيها... هو صوت أنفاسها المتقطّعة.

كأن قلبها قد صعد إلى حلقها، يصرخ دون صوت

عيناها كانت معلّقة على الرجل الممدّد أمامها، لكن ذهنها... كان يغرق في عتمة أعمق.

"أنا... لن أفعلها. لا أستطيع."

لكن يدها لم تُفلِت السلاح.

نظرت إلى ماتيو.

وجهه بارد، صلب، كأن لا شيء يمكن أن يهزّه. لكنه لم يكن مجرد قاتل بالنسبة لها... كان أيضًا الرجل الذي اختطفها من حياتها، ثم، بطريقةٍ مريضة، بات الشيء الوحيد الثابت فيها.

سمعته يقول، وصوته يقطع سيل أفكارها:

"هذا الرجل... خانه. سلّمنا مقابل بعض المال. وكان سيقتلك."

شهقت، لا من الخوف، بل من الصدمة.

منذ متى صارت تعرف شكل الخيانة في هذا العالم؟ ومنذ متى أصبحت تفكر مثلهم؟

لكن ماتيو لم يترك لها الوقت لتتراجع.

اقترب منها، ووضع يده على ظهر يدها، كأنّه يعلّمها كيف تُمسك الحياة والموت معًا.

صوته صار أبطأ... أهدأ... وأكثر سمًّا:

"الخيانة، يا غلوريا، لا تُغتفر. هذا هو قانوننا. هو من اختار مصيره... أما أنتِ، فعليكِ أن تختاري الآن مصيرك."

ارتجفت شفتاها.

نظرت للرجل، فوجدته يتوسّل بعينيه دون أن ينطق.

لكن... هل يمكن أن تُطفئ حياة بيدك؟

هل صارت المسافات قصيرة إلى هذا الحد بينك وبين القتل؟

وفي اللحظة التي بدأت فيها تتنفس ببطء، وعقلها يصارع ألف صوت، تسلّل صوت ماتيو إلى أعماقها من جديد:

"إذا لم تضغطي على الزناد اليوم... ستموتين غدًا."

نظرت إليه مرة أخرى...

في عينيه لم ترَ الجنون فقط، بل شيئًا أخطر.

الإيمان.

ماتيو لم يكن يقول ذلك ليرعبها. بل لأنه يؤمن به. يؤمن أن البقاء لا يُهدى، بل يُنتزع

فجأة، شعرت كأن العالم يتقلّص. لم يبقَ شيء سوى ثلاثة أشياء:

الرجُل...

السلاح...

وعينا ماتيو.

لم تكن تعلم إن كانت تقف على أرضٍ أم على حافة هاوية.

كل شيء بداخلها يصرخ: "لا"

لكن السلاح لا يزال في يدها، ثقله يكاد يسحق أصابعها.

نظرت إلى ماتيو، بعينين تبحثان عن مخرج، عن رحمة، عن دليل على أن كل هذا ليس حقيقيًا.

لكنه لم يرمش. لم يتراجع

بل نظر إليها نظرة مختلفة... نظرة رجل لا ينتظر شفقة، بل قرارًا.

"إنه اختبار، أليس كذلك؟"

قالتها بصوت مرتجف، يكاد يُهمَس، لكنها كانت تعلم الجواب.

ابتسم ابتسامة صغيرة، شاحبة، لا تشبه أي ابتسامة عرفتها من قبل، وقال:

"ذكية."

اقترب منها خطوة، عينيه تتفحّصان وجهها، كأنه يقرأ خوفها، صراعها، وكل ما لم تقله.

"هذا ليس فقط عن هذا الرجل، غلوريا."

أشار بيده بلا مبالاة إلى الجريح على الأرض.

"هذا... عنكِ. عن ما إذا كنتِ تستحقين أن تثقي بي... وأن أثق بك."

تراجعت خطوة، صوت قلبها كان يصمّ أذنيها، لكنها لم تهرب.

"تثق بي؟! بثمن حياة إنسان؟!"

ردّ بنبرة جامدة:

"أنا لا أعيش في عالمِكِ يا غلوريا... بل أنتِ من دخلت عالمي. وهنا، الثقة لا تُمنح. بل تُنتَزع بالنار، والدم."

أشار إلى الرجل الجريح مرة أخرى.

"لقد باعنا. ولو كنتِ مكانه، لفعلتِ الشيء ذاته... إن لم تتغيري."

شعرت بغصة تتجمّع في حلقها.

لم تعد تعلم من تكون، ولا من أصبحت.

لكنها كانت متأكدة من شيء واحد... ماتيو لا يريد فقط شريكة، بل يريد امرأة قادرة على البقاء معه في هذا الجحيم.

وامتحانه لها... لم يكن إلا بداية الطريق.

يدها ترتجف.

فوهة المسدس موجهة إلى رأس الرجل الذي بالكاد يستطيع رفع عينيه نحوها.

كان وجهه مشوشًا، ملطخًا بالدماء، لكنها لم تعد تراه بوضوح. لم تعد ترى شيئًا بوضوح.

كل شيء بدأ يتشوش.

"أنا... لست قاتلة... أنا لست..."

لكن من تكونين، إذًا؟

فتاة صغيرة ترتجف خلف الجدران؟ أم ظلّ امرأة تنمو داخل هذا الظلام؟

"هذا ليس أنا... هذا ليس أنا... هذا ليس أنا..."

ترددت العبارة داخل رأسها، تتكرر كنبضٍ عنيف، كصرخة مكتومة من ذاتها القديمة.

لكن ماتيو كان خلفها، لا يلمسها... ومع ذلك، كان يملأها.

وجوده كان ثقيلًا، ضاغطًا، كأنه يُخرج من قلبها شيئًا لم تكن تعرف أنه موجود.

"اضغطي، غلوريا..."

همسه انساب إلى داخلها، لا إلى أذنيها.

لكن ماذا إن فعلت؟

ماذا يتبقى مني؟

هل سأظل غلوريا؟ أم أصبح شيء آخر؟

بين الشكّ والصراع... يدها تتوقف عن الارتجاف.

شيء بداخلها... برد، تحجّر.

نظرت إلى الرجل... ثم إلى الفراغ... ثم أغمضت عينيها.

دوّست.

ضغطت على الزناد.

الصوت كان أعلى من قدرتها على الاحتمال.

أعلى من كل الأصوات التي سمعتها في حياتها.

لحظة صمت.

انكسر شيء بداخلها.

فتحت عينيها...

الرجل لم يتحرك.

الدم امتدّ ببطءٍ أسفل جسده، ولم تصرخ، لم تبكِ.

لكن شيئًا في عينيها... انطفأ.

التفتت ببطء نحو ماتيو.

كانت تتوقّع أن ترى في عينيه قسوة... لكنها رأت شيئًا آخر.

هدوء.

احترام.

وربما... لمحة فخر.

"مرحبًا بكِ، غلوريا..."

قالها بنبرة عميقة، كأنها أصبحت واحدة من عالمه

دخانٌ خفيف كان لا يزال يتصاعد من فوهة المسدس...

والرجل أمامها لم يعد يتحرك.

غلوريا تجمدت.

عيناها كانتا مفتوحتين على اتساعهما، تنظران إلى لا شيء... وكأن العالم تجمّد عند أول رصاصة أطلقتها بيدها.

ثم شعرت بها...

يد ماتيو، تمسك بيدها التي لا تزال تقبض على السلاح، ببطء... دون عنف.

جذب يدها نحوه، وكأنّه يُبعدها عن جسدها، عن اللحظة، عن الدم.

بيده الأخرى، رفع ذقنها برفق، لتلتقي عيناهما.

نظرت إليه... نظرة مشروخة، فيها ذهول، وفيها بقايا إنسانة قد لا تعود كما كانت أبدًا.

لم يتكلم فورًا.

كان ينظر إليها كما ينظر رجل إلى نجمٍ سقط من السماء في كفه... نادر، جميل، وخطير.

ثم قال، بصوتٍ خافت كأنّه يُسكِتها من الداخل:

"الآن فقط... صرتِ ملكي.'

ظلت تحدّق فيه، بلا رمش، لا تعلم هل تشعر بالغثيان... أم بالرعشة.

لكن قلبها... دقّ بطريقة مختلفة.

كلماته لم تكن وعدًا... بل ختمًا.

ومع كل صدمة تنبض في دمها، كانت تشعر أنها... لم تعد نفس غلوريا.

كانت الغرفة لا تزال مليئة برائحة البارود والدم.

جثة الرجل مُلقاة على الأرض، والعالم حولها ينهار في صمتٍ بطيء.

غلوريا لم تتحرك.

كانت واقفة، تحدّق في الفراغ... عيناها مفتوحتان، لكن لا ترى.

همست، كأنها تحدث نفسها، لا أحدًا غيرها:

"لا... لا، هذا لم يحدث. أنا لم أفعل ذلك... لم أكن أنا."

نظرت إلى يديها، كأنهما غريبتان عنها.

"كنتُ واقفة فقط... كنتُ أمسك السلاح... لكن لم أقصد. لم أكن..."

تقدّم ماتيو نحوها، خطواته هادئة، كأنه يسير فوق رماد روحها.

لكنه لم يتكلم.

قالت فجأة بصوت أعلى، مكسور:

"هل رأيت؟! هل رأيت ما فعلته؟! أنا ضغطت على الزناد! أنا التي...!"

ثم قطعت نفسها، ووضعت يدها على فمها، كأنها تحاول حبس اعترافٍ مخيف.

بدأت عيناها تلمعان، وتنفّسها يعلو ويهبط كأنها على وشك الغرق.

"أنا لم أكن أريد... لم أكن أريد قتله. هو فقط... كان يتنفس. ينظر إلي. وكان بشريًا، حيًا..."

نظرت إلى ماتيو بعيون ممتلئة بالذنب والارتباك، وسألت بصوت يائس:

"كيف فعلتُ ذلك؟ كيف كانت يدي ثابتة؟ لماذا لم أصرخ؟ لم أهرب؟

اقترب منها ماتيو بهدوء، وقال وهو ينظر في عينيها مباشرة:

"لأنّ الجزء الذي كنتِ ترفضين رؤيته... قد استيقظ.

الجزء الذي يعرف أن الرحمة لا تحميكِ."

قالت ببطء، كأنها تُجبر الكلمات على الخروج من فمها:

"أنا لست قاتلة، ماتيو... لست كذلك."

أجابها بهدوء

"لم تعودي من تكونين، غلوريا...

لكن هذا لا يعني أنك لم تكوني دومًا كذلك، في الأعماق."

كانت خطواتها مترنحة وهي تبتعد عن الجثة، والسلاح يسقط من يدها على الأرض بصوتٍ خافت، كأنّه دفن معها ما تبقّى من براءتها.

استدارت بحدة نحو ماتيو، عيناها دامعتان، وجسدها يرتجف من الرأس حتى أطراف الأصابع.

"أنتَ مجنون!"

صرخت بها من أعماقها، كأنها تُحاول أن تُقنع نفسها أكثر مما تُهاجمه.

"مجنون! مريض! كيف تفعل هذا بي؟! كيف تجعلني... تجعلني أقتل؟!"

لكنّه لم يتراجع، لم يغضب، لم يرتبك.

اقترب منها خطوة، ونظره ثابت كأنّه يرى ما خلف عينيها، خلف كلّ كذبة كانت ترددها عن نفسها.

"كان لا بد أن تفهمي."

قالها بهدوء، نبرة صلبة، لكن ليست قاسية.

"تفهمي ماذا؟!"

ردّت بغضب، وهي تشير إلى الجثة خلفها.

"أنك قاتل؟ أن عالمك كله دم؟ أنني مجرد دمية في لعبتك؟!"

هزّ رأسه ببطء، كأنه يُعلّمها شيئًا أهم من الكلام.

"أردت أن أثق بكِ."

تجمّدت.

نظرت إليه كأنها لم تفهم، كأن عقله يتحدث لغة أخرى.

"تثق بي؟!"

ضحكت، لكنها كانت ضحكة حزن، لا سخرية.

"وهل الثقة تُبنى فوق جثة؟! فوق رصاصة دفنتني مع هذا الرجل؟!"

اقترب خطوة أخرى، عيناه تزدادان هدوءًا، عمقًا، خطورة.

"الثقة، في عالمي، لا تُبنى بالكلمات. تُبنى بالاختيار... والمواجهة.

كنت أحتاج أن أعرف، غلوريا... هل ستتخلين عني؟ هل ستصرخين؟ هل ستنقلبين عليّ في أول عاصفة؟"

صمت.

ثم قال:

"أردت أن أراكِ تقفين على الحافة... لتريني من أنتِ حقًا."

نظرت إليه طويلًا، تنفّسها متقطع، عيناها لا زالتا دامعتين.

لكن خلف هذا كله... كان هناك شيء آخر بدأ ينمو.

خوف؟

ربما.

لكن أيضًا... إدراك.

إن ماتيو لا يريدها ضعيفة... ولا مطيعة.

بل يريدها قطعة من الجحيم ذاته.

وقفت غلوريا في منتصف الغرفة، شاحبة الوجه، زائغة النظرات، والدموع تلمع في عينيها دون أن تسقط.

جسدها بالكاد يحملها، كأنّ شيئًا ثقيلًا قد انكسر داخلها للتو، شيء لن يُصلَح مجددًا.

قبل أن تستفيق من صدمتها...

شعرت بذراعيه تلتفان حولها من الخلف، ببطء... لكن بقبضة لا تُقاوَم.

لم تقاوم.

لكنها تجمّدت، كأنّ الدم تجمّد في عروقها.

ضمّها إليه بقوة، صدره يلامس ظهرها، أنفاسه تلامس أذنها، وصوته... لم يكن أكثر من همسة، لكنّها اخترقتها كالسهم:

"أنتِ لي... وحدي."

شدّ ذراعيه ، كأنّه يعلن سيطرته على روحها، لا جسدها فقط.

"وسوف تعتادين هذا العالم، غلوريا..."

صوته كان هادئًا... لكنه مغطّى بطبقة من النار.

"ستعتادين الدم... ستعتادين الوجع... ستعتادين الكفاح لأجل البقاء.

وستعتادينني... أكثر من الجميع."

أغمضت عينيها، ولم تنبس بكلمة

كان حضنه دافئًا... لكنه خانق.

كان يبدو وكأنه يحتويها... لكنه في الحقيقة، كان يبتلعها.

في داخلها، صرخة لم تخرج، سؤال لم يُقال، ورفضٌ لم يُنطق.

لكنها ظلت ساكنة.

ربما خوفًا.

وربما... لأن شيئًا في داخلها بدأ يتغيّر.

كانت ذراعيه لا تزالان تطوّقانها...

دافئتين، قاسيتين، كأنهما جداران لا يُمكن الهروب منهما، ولا يُراد الهروب منهما.

غلوريا بقيت ثابتة.

جسدها لم يتحرك، كأنّه تمثال هشّ نُحت من خوفٍ وتعب.

عيناها تحدّقان في الفراغ... لا تبكي، لا تصرخ، لا تنطق.

لكنها تسمع صوته، واضحًا في أذنها:

"أنتِ لي... وستبقين كذلك."

ظلت صامتة.

تتنفّس بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط كمن يغرق تحت سطح الماء.

ثم، شيئًا فشيئًا...

تحركت.

في البداية، كانت مجرد رعشة صغيرة في أطراف أصابعها.

ثم انفلاتٌ بسيط في كتفيها، كأنها سمحت لجسدها أن يتنفس من جديد.

وبهدوءٍ خافت...

رفعت ذراعيها، ببطءٍ يشبه الحزن، يشبه القبول، يشبه الضياع...

ووضعت يديها حوله.

احتضنته.

لا عن حب، ولا عن شوق.

بل عن شيءٍ أعمق...

عن خوفٍ من الانهيار إذا لم تتعلّق بشيء، حتى وإن كان هذا الشيء هو من دفعها إلى الحافة.

ضمّها ماتيو بقوةٍ أكبر... كأنّه شعر أنها الآن ملكه بالكامل.

أما هي...

فقد أغمضت عينيها، وسمحت للصمت أن يبتلعها.

داخل عقل غلوريا:

لماذا لم أتحرّك؟

لماذا لم أصرخ؟

لماذا، بعد كلّ ما فعله... لم أهرب؟

كانت ذراعاها تطوّقانه الآن، لكن عقلها كان يقف بعيدًا... يحدّق فيها كغريبة.

أنا أحتضنه؟

أنا، التي قبل دقائق كنت أرتجف من فكرة الدم، صرت أبحث عن الدفء في من أجبرني أن أريقه؟

لم يكن حضنه راحة.

بل كان كهفًا مظلمًا دخلته هربًا من كلّ شيء... حتى من ذاتها.

ربما لأنني تعبت.

تعبت من المقاومة... من الرفض... من الرعشة التي لا تنتهي.

أحتاج أن أتماسك، ولو حتى بين ذراعي جلّادي.

لكن في مكانٍ ما داخلها، صوتٌ خافت، مكسور، كان لا يزال يهمس:

"هذا ليس أنتِ... هذه ليست حقيقتك..."

لكن الصوت كان يخفت، يبتلعُه السكون شيئًا فشيئًا.

وهي؟

بدأت تخاف من أن تختفي معه.

هل أنا أصبحت ما يريده هو؟

أم أن ما يريده... هو ما كنتُ أهرب منه طوال الوقت؟

لم تعرف الجواب.

كلّ ما كانت تعرفه أنها الآن... تريده أن لا يتركها.

ولو للحظة.

أبعد ماتيو ذراعيه عنها ببطء، دون عنف، كمن يفكّ غلافًا هشًّا عن كنزٍ ثمين.

نظر في عينيها للحظة، صامتًا... كأنّه قرأ فيها ما لم تبح به.

ثم قال بنبرة رخيمة:

"تعالي."

لم تناقشه.

خرج من المبنى أولًا، وهي خلفه، خطواتها خافتة كأنها تسير فوق رماد.

ليلٌ خانق يحيط بالمكان، والريح كانت ساكنة كأنها تحبس أنفاسها.

السيارة السوداء كانت تنتظر، كما لو أنها كانت تعرف أن نهاية تلك الليلة... لن تكون عادية.

فتح لها الباب بنفسه.

نظرت إلى الداخل، مقعد جلدي مظلم، دافئ الملمس، يشبه فخًا ناعمًا.

ترددت لوهلة.

لكنّه وضع يده على ظهرها بخفة، كأنّه لا يدفعها... بل يدعوها.

"كلّ شيء سينتهي قريبًا، غلوريا... فقط اثقي بي."

كادت تضحك...

ثقة؟ بعد ماذا؟ بعد الدم؟ بعد الانكسار؟

لكنها لم تقل شيئًا.

جلست في المقعد، وأغلقت الباب خلفها.

جلس هو بجوارها بعد لحظة، وأدار المحرك بصمت.

السيارة انطلقت وسط الليل...

وفي عيني غلوريا، لم تكن تعلم إلى أين تذهب...

هل إلى مكانٍ جديد؟

أم إلى نسخة جديدة من نفسها... لا عودة منها.

صمت.

السيارة تسير وسط ظلامٍ كثيف، لا يُسمَع سوى صوت الإطارات على الأسفلت... ونبضات داخلية لا تهدأ.

جلست غلوريا في مقعدها، تنظر من النافذة.

عيناها لا تركّزان، لا على الطريق، ولا على الظلال... بل على شيءٍ أبعد. شيءٍ داخلها.

يدها كانت مرتخية على فخذها، ساكنة.

ثم شعرت بها.

يد ماتيو.

اقتربت ببطء، كأنها تستأذن قبل أن تلمس.

ثم استقرت على يدها.

حركة بسيطة، لا تحمل أمرًا، ولا تدفعها لفعل...

لكنها كانت ثقيلة.

مليئة بالمعاني.

نظرت إليه من طرف عينيها، دون أن تحوّل وجهها تمامًا.

كان ينظر أمامه، يقود بصمت، كأن شيئًا لم يحدث.

لكنّ يده كانت هناك.

ثابتة، دافئة... متملّكة.

وهي؟

لم تسحب يدها.

لم تنكمش كما اعتادت.

لم تنفجر، لم تبتعد، لم ترفض.

كانت ساكنة.

لكن في داخلها، آلاف الأصوات.

كيف يمكن لشيءٍ بهذه البساطة أن يُربكني؟

كيف تحوّلتُ من فتاةٍ كانت تصرخ داخليًا في كل لمسة... إلى هذه؟

هادئة، صامتة... قابلة؟

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول إيقاف نفسها عن التفكير.

أهذا ضعف؟

أم بداية انتماء؟

أم... استسلام؟

لم تعرف الجواب.

لكنها عرفت شيئًا واحدًا:

أنها لم تعد نفس غلوريا.

الطريق أمامهما كان يمتدّ بلا نهاية...

أضواء الشوارع كانت نادرة، خافتة، والليل يلفّهما بصمته.

يدها لا تزال في يده.

ساكنة... ثابتة.

غلوريا لا تنظر إليه.

لكنها تشعر به.

بيده التي لم تتحرّك، بوجوده الذي لا ينكمش... لا يتراجع.

ثم، ببطء...

حرّك عينيه نحوها.

ظلّ يحدّق في ملامحها من الجانب، صامتًا، كأنّه يحاول حفظ تفاصيلها في ذاكرته.

كانت هادئة... لكن وجهها كان ممتلئًا بأسئلة لا تُقال.

وفي تلك اللحظة...

نطق، بصوت خافت، عميق، كأنّه سرّ كان يخفيه طويلاً:

"أنتِ... خطيئتي الحلوة."

كلماته وقعت عليها كهمسة من نار.

أحرقتها، وأربكتها، وأربكت قلبها أكثر.

نظرت إليه ببطء... وعيناها تلمعان دون دموع.

لم تتكلم.

لكنه أكمل، وهو لا يزال ممسكًا بيدها:

"الشيء الوحيد الذي لا يجب أن أريده... ومع ذلك، لا أستطيع التراجع عنه."

"أنقض ما أنا عليه... لأجل شيءٍ فيكِ."

ثم ابتسم، ابتسامة شاحبة، خافتة، تحمل من الألم أكثر مما تحمل من الرقة.

"قد تكونين سبب سقوطي... أو خلاصي

لكن في الحالتين...

لن أتركك."

كلماته علّقت في صدرها، لا تتحرك...

كأنها صدى عالق في الجوف، يرفض أن يُمحى.

ظلت تحدّق فيه للحظات...

بعينين فيها أكثر من سؤال، أكثر من خوف، وأكثر من شيءٍ آخر... لا تُريد الاعتراف به.

ثم، بصوت خافت، خرجت منها الكلمات كأنها لم تخطط لها:

"ولماذا تقولها كأنها لعنة؟"

صمت.

نظرت إلى يده التي تمسك يدها، ثم رفعت نظرها إليه مجددًا.

"كأنّ وجودي... خطأ يجب أن تُحبّه رغمًا عنك."

كان ماتيو يحدّق فيها بصمت، لكن عينيه كانت تشتعل.

أكملت، بصوت أقوى، لكنّه لا يزال مرتعشًا:

"إن كنتَ ترى فيّ خطيئة... فأنا لستُ متأكدة إن كنتُ أريد أن أكون غفرانك،

أم نهايتك."

سكتت.

ثم همست، ونظراتها تتعمّق فيه:

"لكنني... لا أهرب."

انكمش شيء ما في صدره عند تلك الكلمة.

ابتسم بخفة، ثم ضمّ يدها أكثر، كأنّه وجد في اعترافها، أول خيط... من ولائها.

كانت السيارة لا تزال تمضي في طريقٍ مظلم، والهواء داخلها مشبّع بصمتٍ كثيف، أثقل من كل الكلمات التي قيلت.

كانت غلوريا تنظر أمامها، لكن عقلها لم يكن هناك وهي بتبتسم ابتسامه خفيفه وفي هذه اللحظه يراها ماتيو لاول مرا تبتسم

ثم... فجأة.

ضغط ماتيو على المكابح.

توقّفت السيارة بقوة، وصوت العجلات على

الأسفلت شقّ السكون كصفعة.

تسارعت أنفاسها.

التفتت نحوه بعينين متسائلتين، مندهشتين، مرتجفتين.

لكنه لم يتكلم.

كان ينظر إليها بثبات... نظرته مشتعلة، متفحّصة، كأنّه يقرأ كل ما دار في أعماقها، منذ البداية وحتى الآن.

وبدون أي تمهيد...

اقترب.

مدّ يده، ولفّ أصابعه حول عنقها بخفة، لا ليؤذيها، بل ليثبّتها.

ثم...

قبّلها.

قبلة خاطفة أولًا... ثم أعمق.

فيها رغبة، احتياج، ألم، تملّك...

قبلة رجل لا يطلب الإذن.

وقلبها؟ لم يكن مستعدًا... لكنه لم يتراجع.

في الثانية الأولى، اتسعت عيناها...

ثم أغلقتْهما، ببطء، كما تُغلق الأبواب أمام ما لا يُقاوَم.

لم تُقاوم.

لم تسحب رأسها.

ولم تمنع نفسها من أن تشعر...

بالارتباك، باللهفة، بالحرارة التي اشتعلت تحت جلدها.

وعندما انفصل عنها، كان ينظر إلى عينيها من مسافة قريبة، أنفاسه ساخنة، وصوته هامسًا:

"اللعنة عليكِ... كيف دخلتِ إليّ بهذا العمق؟"

ظلّ يحدّق في عينيها بعد القبلة، نظرة مشتعلة لا تهدأ.

ثم...

مدّ ذراعيه فجأة، وسحبها نحوه.

بحركة واحدة، وجدَت غلوريا نفسها جالسة فوق ساقيه، في مقعد السائق، كأنها قطعة من جسده، لا ضيفة على حضنه.

اتسعت عيناها، وارتجف صدرها للحظة...

لكنها لم تتراجع.

لم تهرب.

بل، ببطء، رفعت يديها ولفّتهما حول عنقه.

أناملها لامست جلده، بارتباكٍ أولًا... ثم استقرت بثقة غريبة، كأنها وجدت موطنها هناك.

لم يكن بينهما سوى نَفَسٍ مشترك، وسكونٍ مثقل بالشوق.

هو لم يتكلم.

كان ينظر إلى شفتيها، ثم إلى عينيها، ثم يعاود النزول بعينيه إلى ملامحها... وكأنها نشيدٌ لا ينتهي.

أما هي، فكانت تسمع دقات قلبها كطبول، تشعر بها في صدره أيضًا، تحاصرها، تحاصر وعيها، وتجرّها إلى ما لم تُرد الاعتراف به.

همست، بشفاهٍ تكاد تلامس جلده:

"ماذا تفعل بي...؟"

ابتسم، ابتسامة مائلة، خطيرة...

وهمس:

"أُعيدك إليّ... حيث تنتمين."

نظرت إليه، لم يكون خائف بل ينظر كما ينظر المفترس للفريسة التي اختارت أن تزحف نحوه.

مدّت يدها ببطء، ومرّرت أصابعها على رقبته...

ثم غرست أظافرها برقة متعمدة، كأنها تختبر كم يمكن لألمه أن يكون جميلًا.

ابتسم...

ابتسامة داكنة، غير مطمئنة، ثم أمسك خصرها بيدين قويتين، شدّها نحوه بقسوةٍ ناعمة جعلت أنفاسها تُحبس في صدرها.

مالت برأسها على جانب عنقه، ومررت شفتيها على جلده الحار... كان يظن انها ستقبله ولكن لقد غرزت اضارفها في رقبته حتى ينزل دماءه

ثم رفعت عينيها إليه، وهمست بصوتٍ مختنق:

"وأنا... أكره أني لا أكرهك."

ضغط على خصرها أكثر... حتى شعرت أن عظامها ترتجف.

ثم صعد بيديه إلى ظهرها، ثم عنقها، ثم قبض على فكّها بين أصابعه بقوة، وأجبرها على النظر في عينيه:

"قولي إنكِ لي، غلوريا... حتى وإن كنتِ تكرهينني."

قالها بنبرة لم تكن تسأل... بل تأمر.

نظرت إليه... ولم تنطق.

وفي تلك اللحظة...

لم تكن فوقه فقط.

كانت تائهة داخله.

لكنّه لم يبتعد.

فتح عينيه، وحدّق فيها من قربٍ موجع، ثم همس بصوتٍ أجش، لكنه مكسوّ بالحبّ:

"أُحبّك...

كأنك ذنبي الذي لا أستغفر عنه،

كأنك دعائي المستجاب في لحظة كفر."

سكت لحظة، ثم أغمض عينيه وهو لا يزال قريبًا جدًا:

"أُحبكِ كما يُحبّ الغرقى الموجة الأخيرة...

لا لتُنقذهم، بل لتغرقهم أكثر."

ظلّ صوته يرتجف وهو يهمس:

"أُحبّكِ... كأن لا شيء بعدك يستحق النجاة."

كان لا يزال قريبًا جدًا...

أنفاسه تختلط بأنفاسها، وكلماته الأخيرة لا تزال معلّقة في الهواء كتعويذة قديمة، مقدسة، مخيفة.

سكت.

وهي... سكتت أيضًا.

لكن صمتها لم يكن خاليًا.

كان ممتلئًا بكل شيء لا يُقال، بكل رعشة في أصابعها، بكل ارتجافه في عينها الواسعة، وبكل سؤالٍ خافت ينمو في صدرها.

نظرت إليه...

ببطء... همست، بشفاهٍ لا تزال ترتجف من القبلة:

"وهل... هذا حبٌّ عادي؟"

لم يكن سؤالًا بريئًا.

بل كان اتهامًا ناعمًا... واعترافًا خجولًا... ودهشة مشوبة بالخوف.

كأنها تسأله:

هل الحبّ دائمًا بهذا الشكل؟

هل يُفترض أن يحرقني هكذا؟

هل يجب أن أشعر أنني أغرق كلما اقتربت منك؟

هل من الطبيعي أن أحبك... وأنا لا أعرف إن كنتَ خلاصًا أم لعنة؟

كان قلبها يدق بعنف...

وهي تنتظر منه الجواب.

سؤالها ظلّ معلقًا في الهواء...

كأنها فتحت بابًا كان مغلقًا خلف قلبه منذ زمن.

نظر إليها للحظة... نظرة رجلٍ لا يُحب بالكلمات، بل بالأفعال... وبالحريق.

اقترب منها أكثر، حتى لم يبقَ بينهما سوى النفس.

ثم بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل في عمقه زلزالًا:

"أنا لا أُحبّكِ كما يفعل الرجال..."

توقفت أنفاسها.

"...أنا أمتلكك، كما تمتلك النارُ.."

عينيه لا ترمش.

يمنعها من الهرب، لا من الخوف... بل من الجنون.

"أجوع... وأتغذّى بكِ.

تهربين... فألحق بكِ داخلكِ.

لأنكِ ببساطة..."

تنهّد، ومرر أنامله على خدها ببطء، كأنها شيء لا يجرؤ على لمسه إلا وهو يرتعش:

"...خطيئتي الحُلوة."

قالها وكأنها خلاصه... وعذابه.

سكت بعدها، لكن عينيه كانت تتحدث، تشتعل، كأنهما تقولان:

لن تخرجي مني،

ولن أسمح لكِ أن تخرجي من نفسكِ بعدي.

انتهى

رائيكم

✨5الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة