مطارده

مطارده

16 0

وقف ماتيو دينارو في منتصف الغرفة، محاطًا برجاله المدججين بالسلاح، والدماء لا تزال طازجة تسيل على أرضية الرخام الداكن، مختلطة برائحة البارود والعرق والخيانة. كان المسدس الثقيل لا يزال دافئًا في يده اليمنى، ورائحة الطلقات الأخيرة تعلّقت بأصابعه كأنها لعنة.

الغرفة لم تكن سوى جناحٍ فاخر أعلى الملهى الليلي، جدرانه مظللة بألوان النبيذ والرماد، والإضاءة خافتة تميل إلى الاحمرار، كأنها تتهيّأ لكل ما هو محظور وخطير. ستائر ثقيلة من القطيفة تغلق النوافذ، ومكتب من خشب الماهوجني تقف خلفه حقيبة مفتوحة، تتناثر فيها أوراق الدولارات المزيّفة.

رجال ماتيو اصطفّوا على الجانبين، عيونهم تبحث عن أي حركة مشبوهة. أما جسد الخائن، فقد كان ملقى بجانب الحائط، وقد فارقته الحياة منذ لحظات. بقي أن تُنهي المهمة... لكنه توقف.

شيء ما جمد الدم في عروقه.

نظرة واحدة.

كانت تقف هناك... على عتبة الباب، متصلبة كأن الزمن قد توقف لأجلها. عيناها واسعتان من الصدمة، أنفاسها محبوسة، وقلبها كما خُيّل له، يصرخ باسم النجاة.

هي......

الفتاة التي صدمته في مطار نيويورك قبل أيام. ذات الشعر المتطاير، ذات العطر الخفيف الذي التصق بأنفه رغم الضجة.

لم تكن مجرد وجه، بل نغمة موسيقى توقفت وسط الضجيج. والآن... ها هي تقف أمامه، بلحمها وارتجافها، في أكثر اللحظات خطرًا ودمويّة في حياته.

توقفت أصابعه عن الضغط على الزناد، وبقي المسدس في قبضته، متدلٍ قليلًا، فيما عيناه لا تغادران وجهها.

"هي..." قالها في سره، كأن الكون قد قرر أن يعيدها إليه، لكن ليس في المطار ... بل في قلب الجريمة.

شفاهها مفتوحة، لكنها لا تنطق، وكأن الكلمات خانتها كما خانتها قدماها، فلم تعد تعرف أتهرب أم تبقى.

الغرفة الآن، رغم ما فيها، لم تكن سوى مشهدٍ مسرحيّ، والممثلان الوحيدان هما: القاتل... والشاهدة.

رفع ماتيو رأسه قليلًا، نظر لها بثبات، ومال بجسده بخفّة. عيناه حدّقتا في عينيها مباشرة، والمسدس لا يزال في يده.

كان يعرف جيدًا...

هذه ليست مصادفة.

وهذه الفتاة... لن يسمح لها بالمغادرة هكذا

من داخل عقل غلوريا...

"هو نفسه؟!"

الهواء في الغرفة تغيّر.

لم تكن رائحة الدم وحدها من خنق أنفاسها، بل الصدمة التي أصابت قلبها في مقتل

هو...

هو نفسه... الرجل الذي اصطدمت به في مطار نيويورك.

حدقت في عينيه، وكأن الزمن قد أعاد المشهد، نفس النظرة الثاقبة، نفس الهيبة الثقيلة، نفس الرهبة التي تسللت إلى عظامها رغم كل محاولاتها لتبدو قوية.

لكن الآن... الأمر ليس صدفة طريفة.

هذا ليس لقاء عابر.

هذا رجل يحمل مسدسًا، ودماء على الأرض، وعيون لا تعرف الرحمة.

وهذا المكان... ليس قاعة استقبال، بل غرفة موت.

"ما الذي يحدث؟! ماذا أفعل هنا؟!"

صرخت داخلها، لكنها لم تستطع حتى أن تحرك قدميها، وكأن الخوف قد قيدها بالسلاسل.

قلبها ينبض بقوة تكاد تُسمع، ليس من الخوف وحده، بل من المفاجأة المرعبة... كيف يمكن أن يجتمع الغموض والجاذبية والخطر بهذا الشكل المربك في رجلٍ واحد؟!

أعادتها نظراته للواقع، هو لم يحوّل عينيه عنها، لم يصرخ، لم يهدد... فقط يحدّق.

لكن في تلك النظرة، كان هناك شيء مخيف... وكأن عينيه تقولان:

"لقد رأيتِ ما لا يجب أن تريه."

أرادت أن تهرب.

أن تصرخ.

أن تعود إلى الوراء، إلى اللحظة التي قررت فيها صعود ذلك الدرج، إلى لحظة دخولها هذا الملهى اللعين.

لكن قد فات الأوان.

"غلوريا"، التي عاشت طوال حياتها تحتمي بالذكريات، وقلبها مغلق دون أي رجل...

ها هي الآن تقف أمام رجلٍ يبدو كأنه خرج من كوابيس الليل، أو من صفحات روايات الجريمة التي كانت تخشاها.

وتسأل نفسها:

"هل هذه نهايتي؟ أم بدايتي؟

بين عيون تشتعل، وأقدام تهرب

صوت الباب وهو يُفتح بقوة تردّد صداه في الممر كأن الرعب نفسه خرج يركض.

"غلوريا" جرت بكل ما تبقّى فيها من نبض، تنزل السلالم كأن الجدران تطاردها، تنزلق خطواتها على الدرج، وصوت كعبها يقرع السكون مثل طبول إنذار.

لكن خلفها...

كان هناك من أمر صادر.

صوت ماتيو الجاف، العميق، الذي يشبه الرصاص أكثر مما يشبه صوت بشر:

"أمسكوها... فورًا."

لم يقل: "تخلّصوا منها"، ولا "اعرفوا من تكون"...

بل أمر بالقبض عليها وكأنه يصطاد كنزًا فرّ منه في لحظة سهو.

كانت أنفاس "غلوريا" تتقطع، والدم يطرق أذنيها، وعقلها يحاول أن يستوعب ما رأت، وما تفعل، وما ينتظرها في الطابق السفلي.

كل شيء حولها بدا ضبابيًا... إلا شيء واحد:

"الهرب."

صرخت وهي تقترب من بهو الملهى:

"إيزابيل!"

صوتها اخترق صخب الموسيقى والضجيج والأضواء المتراقصة، كأنه نداء النجدة الوحيد وسط حفلة الجنون.

إيزابيل، التي كانت تضحك وترقص مع شاب الوسيم الذي كان يغري ايزابيل من قبل يُدعى "رافاييل"، توقفت فجأة حين سمعت اسمها يتردد وسط الزحام.

التفتت، وعيناها اتسعتا وهي ترى "غلوريا" تهرول بجنون، تلوّح لها وهي تصرخ:

"جهّزي سياره اجرة! أي شيء! بسرعة!"

إيزابيل بدأت تتحرّك، لكنها لم تكن تدري أن "رافاييل" الذي رافقها... ليس مجرد شاب وسيم التقت به لتوها.

بل هو... "رافاييل فيرّا"، اليد اليمنى لماتيو دينارو، وظله الذي لا يخطئ.

كان يراقب المشهد في صمت.

شفتيه انعوجتا بابتسامة باردة، وعيناه ضاقتا كأن كلّ شيء انكشف أمامه.

بينما "غلوريا" تندفع في حشود لا تعرفها، وقلوب لا تفهمها، وصوت "ماتيو" في الطابق العلوي ما زال يتردد:

"لا تتركوها تخرج من هذا المكان."

المطاردة تشتعل... والنار تقترب

خرجت "غلوريا" من الملهى كأن الجدران تلاحقها، لا صوت يُسمع إلا لهاثها، وخطواتها المتسارعة فوق الرصيف، وذراعها تمسك بذراع "إيزابيل" التي كانت تلهث بجانبها وهي لا تفهم شيئًا.

"غلوريا! ما الذي يحدث؟!"

لكن "غلوريا" لم تُجب، كانت عيناها تتلفتان خلفها، كأنها تهرب من شبح تعرف أنه لن يتوقف.

كل ما نطقت به كان:

"اركضي فقط، من أجل الله، اركضي!"

بينما هما تهرولان في جنون وسط الليل، كان الباب الخلفي للملهى يُفتح بعنف، وخرج منه "ماتيو" بخطوات واثقة، عيونه تشتعل بحدة، وجهه ساكن... قاتل لا يحتاج إلى غضب ليبدو مخيفًا.

أشار إلى "رافاييل" بسرعة حاسمة:

"لا أريد أعذارًا... أمسِكْها."

هزّ "رافاييل" رأسه بجدية، ثم أطلق صفيرًا قصيرًا، فجاء رجاله من كل اتجاه.

أما "غلوريا" و"إيزابيل"، فقد عبرتا الشارع، وبينما كان رجل ينزل من سيارته وهو يتحدث عبر الهاتف، توقفت "غلوريا" فجأة، حدّقت في السيارة، ثم صرخت:

"إلى السيارة!"

"ماذا؟!"

"اصعدي، الآن!"

فتحت الباب بسرعة، دفعت "إيزابيل" إلى الداخل، ثم اندفعت خلفها، جلست خلف المقود، وبدون تفكير أدارت المفتاح الذي كان ما زال فيه.

صرير العجلات ملأ الشارع، والسيارة انطلقت كالطلقة، تاركة الرجل يصرخ خلفها:

"سيارتي! أيها المجنونات!"

وفي الخلف، ظهر "رافاييل" من الزاوية، تبعه أربعة رجال، ثم خرجت ثلاث سيارات سوداء ضخمة من الزاوية المقابلة، مصفوفة كالكلاب المدرّبة،

وظهر "ماتيو" خلفهم، عيونه مثبتة على السيارة التي تهرب.

همس بصوت منخفض، عميق:

"لن تذهبي بعيدًا....."

ثم قال لرافاييل:

"ألحقها، لا تلمسها، فقط أوقف السيارة."

ارتقى "رافاييل" أول سيارة، جلس في المقعد الأمامي، وصفّر للسائق:

"اتبعها... بأقصى سرعة."

السيارات السوداء انطلقت، والمطاردة بدأت.

ضوء المدينة انعكس على الزجاج، وعيون "غلوريا" في المرآة الخلفية تتابع الضوء الأحمر القاتم، القادم من بعيد

وكانت تعلم... أن الهرب لن يكون بهذه السهولة.

دوى صوت المحرك داخل السيارة المسروقة كصرخة هاربة، و"غلوريا" تُمسك بعجلة القيادة بقبضة متوترة، عيناها تتابع الطريق أمامها، بينما تومض أضواء المدينة في زجاج النافذة كأنها نُذُر من عالم آخر.

"غلوريا!"

صرخت "إيزابيل" بصوت يائس وهي تتشبث بحافة المقعد:

"ما الذي يحدث؟ من هؤلاء؟ ولماذا يطاردوننا؟!"

"غلوريا" لا تلتفت، أنفاسها سريعة، يدها ترتجف قليلاً وهي تغيّر اتجاه السيارة بحدة:

"أنا... رأيت شيئًا... شيء خطأ!"

"رأيت ماذا؟!"

"رأيتهم... يطلقون النار، رجل يحمل مسدسًا... رجل قوي، لا يشبه أي أحد. أعتقد أنه... من المافيا أو شيء كهذا!"

شهقت "إيزابيل" وهي تنظر عبر النافذة خلفهم، فرأت الأضواء الحمراء تعكس فوق الأسفلت، وتلمح عربات سوداء ضخمة تقترب بسرعة:

**"اللعنة! إنهم يلاحقوننا! من هم؟!"

قالت "غلوريا" وهي تحاول السيطرة على السيارة المنطلقة بجنون:

"لا أدري! دخلت غرفة في الطابق الثاني... فقط لأبحث عن الحمّام! رأيتهم يطلقون النار على رجال آخرين، كانت هناك دماء... ومسـدسات!"

"وأنتِ ماذا فعلتِ؟!"

تنهدت غلوريا وقالت: "لم أفعل شيئًا! نظرت... فقط نظرت! لكنه رآني. نظر في عينيّ كأنه يعرفني... ثم أمر رجاله بالإمساك بي!"

ازدردت "إيزابيل" ريقها بصعوبة:

"يا إلهي... أين ورّطتِني، غلوريا؟!"

ارتفعت ضحكة هستيرية صغيرة من "غلوريا" وسط أنفاسها اللاهثة:

"أنا نفسي لا أعلم! أقسم أنني لم أكن أنوي شيئًا من هذا... أردت فقط أن أرقص، أتنفّس! انتهى بي الأمر... في قلب جريمة مافيا."

ثم تذكرت ايزابيل ذكرى رومانسيه جعلت عينها تلئلئ حتى وسط الخوف ثم قالت:

"والمصيبة أنني خرجتُ لأرقص مع رجل وسيم اسمه رافاييل... ثم تختطفينني أنتِ إلى جهنم!"

تشنجت يد "غلوريا" على المقود وهي تصرخ

"رافاييل؟!! اسمه رافاييل؟!"

إيزابيل": "نعم، لماذا؟!"

"غلوريا" بصوت شبه خافت: "إنه معهم... رأيته معهم.

سمعت ماتيو ينادي اسمه ...!"

ساد الصمت لحظة، فقط صوت المحرك، وصفير الريح، وأضواء العربات السوداء تقترب خلفهم.

"غلوريا..." همست "إيزابيل" وهي تنظر نحوها بعينين مذعورتين:

"هل سيمسكون بنا؟"

أجابت "غلوريا" بصوت منخفض، لكنه يحمل عنادًا مرًّا:

"ليس الليلة... لن أدعهم."

ثم ضغطت دواسة البنزين بأقصى ما يمكن، والسيارة تقفز فوق مطبّ الطريق، بينما العربات تزمجر خلفها كوحوش جائعة تقترب شيئًا فشيئًا.

في عقل إيزابيل:

كانت "إيزابيل" تُحدّق في المجهول عبر نافذة السيارة المسرعة، بينما قلبها لا ينبض خوفًا فقط، بل بشيء آخر... شيء أعمق، أكثر تشويشًا.

"رافاييل..."

همست باسمه داخل عقلها، كأنها تحاول أن تحميه من الفوضى التي سقطت فيها فجأة.

تذكرت ابتسامته، تلك النظرة التي رمقها بها وهو يضحك من دعابتها... كيف جعلها تشعر أنها مرئية، مفهومة، كأنّه يعرفها منذ زمن بعيد، وكأنّ في حديثه عنها خيوطًا خفيّة نسجت حول قلبها دفئًا لم تعرفه من قبل.

"كيف لرجل أن يجعلني أشعر بهذا... من أول نظرة؟!"

لم تكن من الفتيات اللاتي ينجذبن بسهولة. لم تؤمن كثيرًا بالحب من النظرة الأولى، لكنها الليلة...

انجذبت......

وفي قلب هذه الليلة المرعبة، وسط أصوات المطاردة واللهاث والهرب، لم يكن الخوف وحده من يعصف بها، بل الأسى.

في عقل رافاييل:

في مقدّمة القافلة، جلس "رافاييل" خلف مقود السيارة السوداء، عيناه مثبتتان على الطريق، وصوت أوامر "ماتيو" لا يزال يتردد في أذنه:

"أمسكها. لا تدعها تهرب."

لكنه... لم يكن يسمع تلك الكلمات بوضوح.

كان شيءٌ آخر يعلو في رأسه...

"إيزابيل."

عيناها... ضحكتها... الطريقة التي كانت تلمس بها شعرها حين تتوتر، نظرتها حين سألته عن نفسه، كأنّها ترى ما وراء الوجه الذي يصطنعه دومًا.

"هي الوحيدة التي لم تسألني عن المال... أو من أكون."

"هي فقط... كانت تنظر إليّ كأنني إنسان، لا ظلٌّ في عالم سفلي."

شدّ قبضته على عجلة القيادة.

"لماذا دخلت إلى حياتي الآن؟ ولماذا أشعر... بشيء يُشبه الندم لأنني أركض خلفها، لا لحمايتها، بل لإيقافها؟"

كان يعرف أنه من رجال "ماتيو"، يعرف القواعد، يعرف ماذا يحدث لمن يروْن ما لا ينبغي رؤيته.

لكن هذه المرة...

"هذه المرة مختلفة.

صوت المحرك يعلو بوحشيةٍ في قلب الليل، والعجلات تمزق صمت الشوارع بسرعة جنونية. كانت أضواء المدينة تتراقص على زجاج السيارة المدرعة، بينما جلس "رافاييل" خلف المقود، يداه تقبضان عليه بعنف، وعيناه تراقبان الطريق وأوامر "ماتيو" تتصاعد من جانبه بصوته الجاف:

"اسرع... لا أريد أن أراها تختفي مرة أخرى."

رفع "رافاييل" حاجبه وهو يُدير المقود بانحراف حاد جعل السيارة تميل قليلاً، ثم قال وهو يحاول ضبط نبرته:

"من هي؟! ولماذا نلاحقها؟! ومنذ متى أصبحنا نطارد نساء في شوارع المدينة؟"

لم يجبه "ماتيو" في البداية. ظلّ ينظر أمامه، كأن أفكاره أعقد من أن تشرح في لحظة.

لكن "رافاييل" لم يصمت، أردف وهو يشد أنفاسه:

وماذا عن صديقتها؟... تلك الفتاة... إيزابيل، أليست مجرد بريئة؟"

هنا استدار "ماتيو" بنظرة باردة حادة، وقال:

"ومن أين عرفت اسمها؟"

تجمّد "رافاييل" لوهلة، قبل أن يُشيح ببصره سريعًا عن عيني ماتيو:

"أنا... كنتُ في الطابق السفلي قبل قليل. كنتُ... أتحدث معها."

صمتٌ ثقيل عمّ السيارة، حتى قال "ماتيو" بصوتٍ غليظ، مشبع بالريبة:

"تتحدث؟... أم ترقص؟"

لم يُجب "رافاييل"، وبدلاً من ذلك، استمر في القيادة، لكن يديه أصبحتا أكثر توترًا فوق عجله القياده

"هل أعجبتك؟"

تابع "ماتيو" بصوتٍ متباطئ، وكأنّه يرمي شِباك الشك تدريجيًا.

زفر "رافاييل" بتوتر:

"ليست هذه القضية الآن."

"بل هي كذلك، رافاييل... لأن ما نفعله الآن... قد يُنهي كل شيء."

ظلّ "رافاييل" صامتًا.

في قلبه، شيء ما بدأ يهتز.

عينا "ماتيو" لا تزال معلّقة على الطريق، ولكن فكره لم يكن هناك.

بل كان امامه ... عند "هي" التي رأى عينيها في انعكاس مرأه السياره ااذي امامهم السياره الذي يطاردونها وينظرون في اعين بعضهم كانهم يقولون كلام لا يحكي.

اشتد هدير السيارة، وتتابعت الأضواء المنعكسة على الزجاج الأمامي كأنها ومضات رصاص.

كانت العجلات تلتهم الأرض، والمباني تمرّ كأشباح على جانبي الطريق.

رفع "رافاييل" صوته وسط زمجرة المحرك:

"لكن، ماتيو... لم أفهم بعد، لماذا نطاردهما هكذا؟! من هي تلك الفتاة التي قلبت كل شيء؟!"

لم يجب "ماتيو" فورًا. كانت نظراته مسمّرة في الطريق، في المجهول، في ملامح وجهٍ لم تُفارق ذاكرته.

ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ عميق، كأنه انتزع من صدره:

"رأيتها... في نيويورك."

التفت "رافاييل" نحوه بسرعة، حاجبه مرفوع:

"متى؟"

"منذ أيام... صدمَتني في المطار،

اصطدمت بي، كانت تركض، شعرها يتطاير، وعيناها..."

توقّف لحظة، كأنه اختنق بحروفه، ثم أردف:

"عيناها لم تخرجَا من رأسي منذ تلك اللحظة."

تنهّد رافاييل، مدهوشًا من صدق اعترافه، وهو يلتفت للطريق من جديد، ثم قال:

"وهل هذه هي فقط؟ تلك التي اصطدمت بك؟"

"نعم... إنها هي، الآن هنا، في مكسيكو... في هذه المدينة التي لا تعيد شيئًا، لكن أعادت هي نفسها، كأنها هربت من القدر إليه."

شدّ "ماتيو" قبضته على سلاحه، وصوته هذه المرة كان أكثر إصرارًا:

"لن أدعها تختفي مجددًا ان بيننا حسابات يجب ان تنتهي"

في تلك اللحظة، لم يكن "رافاييل" يعلم ما الذي يرعبه أكثر...

نبرة "ماتيو"، أم العينان اللتان سكنتاهما، أم ما

يمكن أن يُشعل حبّ المافيا إن اشتعل.

تتابعت أضواء السيارات خلفهما كأنها جمرٌ يتقد في العتمة، وصفير الإطارات يشق الليل.

كانت "غلوريا" تضغط على المقود بكل قوتها،

و"إيزابيل" إلى جوارها تمسك بالتابلوه بعنف، تنظر خلفها بين الحين والآخر، تلتقط أنفاسها بصعوبة

إيزابيل، تصرخ:

"غلوريا! إنهم لا يبتعدون! لقد دخلنا ثلاثة منعطفات ولا زالوا خلفنا!"

غلوريا، بتركيز وقلق:

"أعلم! لكن لن أسمح لهم بالإمساك بنا... ليس الليلة!"

انعطفت بالسيارة بحدة، فأحدثت العجلات صريرًا

قوّيًا وارتفعت رائحة المطاط المحترق في الهواء.

عيناها تتقلب بين المرآة الجانبية والأمامية،

تحاول أن تجد ثغرة، طريقًا ضيقًا، أي مخرج من هذا الجحيم.

في تلك اللحظة، ننتقل لثوانٍ داخل سيارة "ماتيو".

كان يمسك بجهاز اللاسلكي بإحكام، صوته عميق، آمر، لا يحتمل ترددًا:

"لكل الرجال... أكرر، لكل الرجال المنتشرين: السيارة المستهدفة فضية اللون، بها فتاتان... أمسكوهن بأي وسيلة كانت، لكن..."

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة قاطعة:

"دون أن تُمسّ شعرة منهما بسوء. أوامري واضحة

عاد بجسده للخلف في المقعد، نظرته تتجه نحو الأفق، كأنه يتعقب الظلال قبل أن تظهر.

هو لا يعرف "غلوريا"... لكنه يعرف أنها ليست عابرة.

نعود لسيارة "غلوريا" مجددًا.

إيزابيل، تصرخ بنبرة شبه باكية:

" ولماذا يطاردوننا؟!"

غلوريا، وهي تكاد تبكي دون أن تسمح لدمعة بالسقوط

"لا أعرف كل شيء... لكنني رأيت ما لا يجب أن أراه. فقط اثقي بي، سنخرج من هذا، أعدك!"

مرت السيارة بجانب حائط طويل،

وظهرت أمامهما تقاطعات جديدة...

والأضواء خلفهما تزداد...

وكأن الليل بأكمله قد تحالف ضد الهروب.

أطارت العجلات ذرات الغبار في الهواء، بينما

اندفعت السيارة الفضية كرصاصة هاربة وسط الشوارع الضيقة للمكسيك.

الليل كان خانقًا، والأنفاس ثقيلة، و"غلوريا" تقو

بجنون يشبه الرعب... أو

يشبه النجاة الأخيرة

غلوريا، بصوت مرتجف فيه نبرة عناد:

"لا يمكن أن نُمسك... لن أسمح لهم بذلك."

إيزابيل، تصرخ:

"أسرعي! أرجوكِ!

رأت أمامها تقاطعًا بثلاثة منعطفات، فرصة نادرة للهروب...

اندفعت نحو المنعطف الأول دون تفكير، ولكن...

أضواء سيارة سوداء تقطع عليها الطريق

فجأة!

رجال في بزات قاتمة، أحدهم يخرج رأسه من النافذة، يرفع سلاحًا طويلًا، عينه تلمع بوحشية.

غلوريا، بانفعال

"تبًا...!

استدارت بسرعة نحو المنعطف الثاني، فارتطمت عجلاتها بالحافة، كادت السيارة تنقلب لكنها تماسكت.

وفي ثانية واحدة...

ظهرت سيارة أخرى، تسد الطريق بنفس الوحشية.

غلوريا تصرخ، تكاد تفقد السيطرة:

"لا مفرّ...

لم يتبقَ أمامها سوى الخلف.

دارت بسرعة إلى الوراء، محاوِلة أن تفرّ من المصيدة... لكن!

صوت محرك منخفض... خطوات تقترب...

استدارت عيناها لتتجمدا تمامًا...

سيارة سوداء أنيقة تقف خلفها مباشرة.

أبوابها تفتح ببطء...

يخرج منها "ماتيو دينارو"، عيناه تشتعلان بجليدٍ غامض، يقف بجواره "رافييل" الذي يفتح سترته قليلًا ليُظهر السلاح خلف خصره.

غلوريا تنظر إليهما كمن رأى شبحًا خرج من الجحيم

صوت قلبها يعلو فوق ضجيج السيارات.

إيزابيل، تنحني وتهمس بخوف:

"غلوريا... من هذا؟"

غلوريا، دون أن تحوّل نظرها عن ماتيو، تهمس كأنها اكتشفت كارثة:

"هذا هو....

صوت خطوات ماتيو يقترب،

خطوة..

ثم خطوة...

وفي عينيه: نظرة رجلٍ لا يترك فريسةً أفلتت منه مرتين.

اندفعت "غلوريا" و"إيزابيل" من السيارة المسروقة، وقد أدركتا أن لا مفرّ على الطريق...

فلم يبقَ أمامهما سوى الركض.

ركضتا، وقلوبهما تسبق خطواتهما،

الهواء يصفع وجهيهما،

وأصوات الأقدام خلفهما تلاحقهما كأنها لعنة لا ترحم.

إيزابيل تصرخ:

"غلوريا! إلى أين؟!"

غلوريا تلهث، تبكي تقريبًا:

"لا أعلم... فقط اهربي!"

لكن الشوارع تضيق،

والأزقة تزداد سوادًا،

والعالم كله كأنّه ينغلق عليهما.

توقفتا فجأة...

رجال بملابس داكنة يحيطون بهما من الجهتين.

غلوريا، تلتفت بكل جسدها، تبحث عن ثغرة، عن نافذة أمل... لا شيء.

ثم..

تشق خطوات ثقيلة الصمت.

تتباعد الجموع قليلًا، كأن البحر انشق عن ملوكه،

وماتيو دينارو يتقدّم من الظلام كقدر لا يُقاوَم.

بذلته السوداء تلمع في نور الشارع،

وجهه هادئ... هادئ حدّ الرعب.

اقترب من غلوريا بخطوات ثابتة، ونظره ثابت لا يرتعش.

تجمّدت غلوريا، وكأن الزمن توقف.

ماتيو، بصوت خفيض ولكنّه اخترقها كالرصاص:

"لن تهربي مني مجددًا... يا خطيئتي الحلوة."

"لقد فقدتك مرة...

ولن أسمح أن أفقدك مرة أخرى."

نظرت إليه، واتسعت عيناها بالدهشة والرهبة...

كل شيء تلاشى...

صوت إيزابيل، ضجيج السيارات، صدى الرصاص في ذاكرتها...

لم يبقَ إلا هو...

وصوته...

وعينيه التي كانت تبتلعها كدوامة لا قرار لها.

وقفت "غلوريا" مذهولة، أنفاسها تتسارع، وعيناها تائهتان بين ملامحه الغامضة والمسافة الضائعة بين الحلم والكابوس.

حدّقت فيه بنظرة تملؤها الحيرة والرفض والقلق، ثم صاحت بصوتٍ مرتجف:

"ما الذي تريده منّي؟!"

اقترب "ماتيو" أكثر، حتى صار بينه وبينها خفقة واحدة.

قال بصوتٍ منخفض ولكنّه عميق، كأنّه نُحت من جدار قلبه:

"أنا لا أريدكِ لأنكِ رأيتِ ما لا يجب أن يُرى...

ولا لأنكِ دخلتِ حيث لا مكان لكِ فيه."

ثم صمت لحظة، وعيناه تخترقانها كأنّهما تبحثان في أعماقها.

أردف، بنبرة تمزج بين التملك والحنين:

"أريدكِ... لأنّني لم أعد أستطيع التفكير في شيءٍ

سواكِ منذ لحظة اصطدامكِ بي في المطار.

صورتكِ ظلّت عالقة في ذهني كأنّها لعنة...

بحثتُ عنكِ... كثيرًا... في وجوه المارّة... في صالات الانتظار... في ضجيج الشوارع... ولم أجدك."

اقترب خطوة أخرى، وصوته صار أكثر غلظة، أكثر ألمًا:

"والآن... بعد أن ظهرتِ لي من جديد...

لن أسمح لكِ بالاختفاء

أنتِ لي،

خطيئتي الحلوه...

وسآخذكِ معي... إلى الأبد."

غلوريا، بعينين متّسعتين وشفاه مرتجفة، همست بالكلمة التي خنقت الهواء:

هل... ستخطفني؟"

ثم صمتٌ ثقيل...

اقترب "ماتيو" بخطواتٍ ثقيلة من "غلوريا"، وعيناه تقدحان بالهيجان، حتى صار أمامها تمامًا.

مدّ يده فجأة وأمسك بيدها بقوّة، أنفاسها تعثّرت تحت قبضته، وصوته خرج أمراً لا يقبل النقاش:

"اصعدي إلى السيارة، الآن."

ارتجفت "غلوريا"، عيناها تحدّقان في وجهه بتحدٍ خائف، وكأنّها تقاوم أن تُساق إلى مصير تجهله.

لكنّ الصوت الذي مزّق لحظة التوتر جاء من خلفها، غاضبًا صاخبًا:

"ابتعد عنها!"

كانت "إيزابيل" قد هرعت بجنون، وصوتها يعلو وسط ضجيج المطاردة، تحدّق في "ماتيو" بغضبٍ ناري.

صرخت: "اتركها! لن تلمسها!"

استدار "ماتيو" نحوها ببطء، وجهه لا يُقرأ، لكن الظلال الغاضبة كانت تتراقص في عينيه، فأشار بيده لرجاله:

"أمسكوا هذه الثرثارة... وارموا بها بعيدًا."

تحرّك اثنان من رجاله نحو "إيزابيل"، لكنها تراجعت خطوة، قبل أن يتدخل صوت آخر، هادئ... لكنه قاطع كالسيف.

"توقفوا."

كان "رافـييل"

تقدّم بثبات، نظرته ثابتة، ونبرته تحمل ثقلًا لا يُجادَل:

"سآخذها أنا... لا أحد يلمسها غيري."

تجمّدت اللحظة، وانعقد الصمت بين جميع من في المكان.

"ماتيو" نظر إليه نظرة طويلة... ثم ابتسم نصف ابتسامة، ساخرة، ثقيلة.

قال بصوتٍ مُحمّل بالمعنى:

"هل وقفتَ في وجه رجالي من أجلها؟

هل هذا... إعجاب يا رافييل؟ أم أكثر؟

لم أرَك يومًا تدافع عن أحد... أبداً."

ثم اقترب منه، وأردف بصوتٍ خفيض كالرعد:

"خُذها...

لكن اجعلها تصمت، وتُغلق فمها هذا قبل أن تفتح أبوابًا لا يمكننا إغلاقها."

تبادل "رافـييل" و"ماتيو" نظرة طويلة، فيها كل ما لم يُقال.

ثم اقترب "رافـييل" من "إيزابيل"، وأشار لها برفق أن تتبعه، ونظرته كانت تقول: "أنا هنا، لا تخافي".

في حين وقفت "غلوريا" مذهولة، بين نارين...

قبضة "ماتيو" لا تزال على يدها...

وعيناها تبحثان في عينيه عن أي مخرج، عن أي نجاة...

لكنها لم تجد سوى ذلك العمق المظلم...

الذي لا يعرف الرحمة.

ركضت "إيزابيل" تحاول الإفلات من قبضة "رافييل"، وهي تصرخ بكل ما في صدرها من ذعرٍ وغضب:

"لا تلمسني! ابتعد عني! لن أسمح لك!"

كان قلب "رافييل" يضطرب. نظراتها لم تكن كأيّ

امرأة عرفها من قبل. كانت تنظر إليه وكأنها ترى قلبه... روحه. وكأنها انتزعت عنه قناع المافيا في لحظة.

لكنه خاف عليها.

خاف أن يصرخ أحدهم فيطلق الرصاص عليها

اخاف أن تصل لعالم ماتيو المظلم أكثر. خاف من كل شيء... إلا أن يتركها تُؤذى.

همس بصوت واهن، وهو يُخرج الإبرة الصغيرة من جيبه:

"أنا آسف... لكن هذا لمصلحتك، أقسم أني لا أريدك أن تتألمي."

صرخت

دفعته.

لطمت صدره.

، لكنه بخفة غرس الإبرة في عنقها ولمس خصرها بقوه وهمس لها في اذنها :

"نامي... فقط قليلاً، وستفهمين لاحقاً."

عيناها بدأت تنطفئان...

ثم أُسدل جفناها بهدوء، وسقط جسدها

في ذراعيه كوردةٍ ذابلة.

وفي الخلف... كان صوت "غلوريا" ينفجر:

"إيزاااااابيل!! أبعد يدك عنها أيها المجنون!"

اقتربت منه بجنون،

لكن قبل أن تصل إليه...

كان "ماتيو" قد ظهر أمامها.

جسده كالسدّ.

عيناه غارقتان في سكونٍ مميت. قال بثبات مرعب:

"هذا أيضًا... لمصلحتها لو لم تصمت كنت قتلتها

صرخت فيه، وركضت لتلحق بصديقتها.

"أنتم وحوش! أطلقوا سراحها! أنا لا أفهم ما الذي يحدث!"

"ماتيو" لم يجب.

بل اقترب منها خطوة

بخطوة،

إلى أن صار أمامها مباشرة.

ثم... مدّ يده،

وأمسك بذراعها بقوة

، نظر في عينيها،

صوته حادّ، منخفض لكنه كالسيف:

"وأنتِ... لن أسمح لك بالهرب مجددًا. لا الليلة... ولا بعدها يخطيئتي"

حاولت أن تتراجع. أن تصرخ. أن تهرب.

لكنه أخرج هو الآخر إبرة صغيرة من جيبه، وكأن

كل شيء قد خُطط له مسبقًا.

"اهدئي... لن أؤذيكِ. فقط... أحتاجكِ صامتة."

حاولت المقاومة

، لكنه كان أسرع

، وأقوى.

غرس الإبرة في جلدها، وهي تلهث، تتوسّل، تنكمش

ثم...

ثم هدأت.

سقط جسدها بين ذراعيه ببطء، وأنفاسها تتثاقل، وشفتيها تتمتمان دون صوت:

"لا... إيزابيل..."

"ماتيو" لم يتحرك. ظل ينظر إلى عينيها المُنطفئتين، وكأنّه ينظر إلى شيءٍ يخصه وحده.

همس بصوتٍ لا يسمعه سواه:

"لن أسمح لكِ بالاختفاء مجددًا... يا خطيئتي الحلوة."

داخل السيارة السوداء، ساد صمت غريب لا يُشبه سوى اللحظات التي تسبق العاصفة. الأضواء الخافتة ترتجف كأنها تخشى البوح، وكل شيء ساكن... إلا قلب ماتيو دينارو.

كانت غلوريا مستلقية فوق ساقه، رأسها يميل بخفة، وأنفاسها منتظمة، عيناها مغمضتان كأنها تهرب من هذا العالم إلى عوالم لا يقدر أن يراها.

خصلة من شعرها انسدلت على خدّها، فرفعها ماتيو بأطراف أصابعه، لم يكن لمسه رقيقًا تمامًا، ولا قاسيًا... بل مشوبًا بشيء لم يعرفه من قبل.

"ما هذا الذي تفعلينه بي، أيتها اللعينة؟... أنتِ مجرد فتاة اصطدمت بي في مطار مزدحم... فلماذا أراكِ الآن وكأنكِ لعنتي... أم خلاصي؟"

نظر إلى وجهها من جديد... رغم التعب، ما زالت جميلة. ملامحها تحمل شيئًا قديمًا، شيئًا موجعًا... وكأنها صورة مشوشة من حلم نسيه منذ زمن، ثم استيقظ عليها فجأة.

"أنا لا أؤمن بالحب... الحب يضعف... وأنا لا أضعف."

لكن الحقيقة؟ قلبه لم يتوقف عن التفكير بها منذ لحظة الاصطدام الأول. لم يكن وجهًا عابرًا... كان وجهًا كُتب عليه شيء. شيء يشبه القدر.

"كان بإمكاني أن أتركك ترحلين... أن أغضّ البصر... لكنّكِ جعلتِ عينيّ تتشبثان بك، كأنكِ سر كنت أبحث عنه دون أن أعلم."

أغلق عينيه لحظة، وأحس بأن السيارة تتحرك في طريقها نحو وجهة لم يُعلن عنها... كأنها لا تقود غلوريا فقط، بل تقوده هو أيضًا إلى بداية لم يُخطط لها.

"أنتِ لي... شاء من شاء، وأبى من أبى. هذه

المرة... لن أسمح أن تُسلب مني."

وهو يُحدّق في ملامحها المطمئنة، تسللت ابتسامة خفيفة إلى طرف شفتيه... لم تكن حنونة، بل مشوبة بامتلاك قاتم.

"نومي بسلام الآن، يا خطيئتي الحلوة... فقريبًا ستستيقظين في عالمي... ولن تتمكني من الهرب."

توقفت السيارة السوداء أمام بوّابة حديدية شاهقة، يتوسطها شعار محفور بدقة: ثعبان يلتف حول وردة سوداء.

خلف السور، ظهر القصر... لا، بل الحصن. مبنى هائل من الحجارة الداكنة، تحيط به أشجار السرو العالية كأنها جنود حراسة من الطبيعة نفسها.

النوافذ الطويلة مصفوفة كعيون لا تنام، والضوء المنبعث من الداخل دافئ... لكنه لا يوحي بالطمأنينة، بل بشيء خفيّ يختبئ خلفه.

عشرات الحراس كانوا منتشرين حول الممر الحجري المؤدي إلى الباب الكبير، يحملون أسلحة مرصوصة فوق صدورهم كأنهم لا يخشون شيئًا سوى نظرة زعيمهم.

فتحت الأبواب المزدوجة الثقيلة ما إن توقفت السيارة، كأن القصر تنفّس ببطء، يتهيّأ لابتلاع الغريبة التي على وشك الدخول.

نزل ماتيو أولاً، عيناه ما زالتا معلّقتين على وجهها النائم. ثم، دون أن يطلب من أحد المساعدة، فتح الباب الخلفي، وانحنى... حمل جسدها كما تُحمل الوعود الثقيلة، بين ذراعيه، كأنها أمانة لا يريد أن يراها تلمس الأرض.

لم يتحدث.

لم يصرخ.

لم يأمر أحدًا.

لكنهم جميعًا... فتحوا له الطريق في صمت، كأن الأرض بأكملها تعرف من هو وماذا يعني حين يصمت.

دخل من بوابة القصر، خطواته الواثقة تُحدث صدى بين الجدران الحجرية، وكل من يراه، يتراجع.

النساء العاملات في الداخل خفضن رؤوسهن، الحراس تبادلوا النظرات دون كلمة، حتى الهواء نفسه بدا وكأنه ينحني أمامه.

صعد درجات السلم الرخامي الضخم وهو يحملها، دون أن يتباطأ، دون أن يرمش حتى.

وعيناه؟ لا تزال معلّقة على ملامحها... وكأنها كنز عثر عليه بعد سنوات من التيه، ولن يسمح لأي أحد، مهما كان، أن ينتزعه منه.

في عتمة الطريق:

اندفعت السيارة السوداء بصمتٍ خانق وسط الظلام، تشقّ طريقها عبر طرقٍ جانبية متعرجة، تُحيط بها أشجارٌ كالسياط، تُصفّر لها الريح كأنّها تراقبها عن كثب.

جلس رافـييل خلف المقود، عيناه تحدّقان في الأمام، لكن روحه كانت تائهة في مكانٍ آخر... في المقعد الخلفي، حيث ترقد إيزابيل كزهرة نامت قبل أوانها، تحت تأثير المخدّر.

لم يكن هذا ما أراده.

ولم يكن هذا ما خطّط له.

غير أنّه، وبلحظة ... سقط.

مدّ يده ببطءٍ، ليمررها في خصلات شعرها المتناثرة على كتفها، تلمّسها كما يُلامس الغريب أطياف الحنين، وكأنّه لا يُصدق أنها ما تزال هناك، حقيقية.

ابتسم. ابتسامة خافتة لم يرَها أحد منه من قبل.

"إيزابيل..."

تمتم باسمها، كما لو كان يُنادي ظلّه فيها، أو يحاول أن يوقظ شيئًا منه كان قد مات منذ زمن.

لم ينسَ ضحكتها، حين سخرَت من أحد السكارى في الملهى دون خجل.

ولا يدها، حين لمست صدره وكأنها تستكشف قلبه قبل أن تسأله عن اسمه.

ولا تلك الرقصة... التي اختطفت روحه، وجعلته ينسى من يكون، وإلى أي عالمٍ ينتمي.

كان يعلم أنها لا تعرف شيئًا... لا عن ماتيو، ولا عن الخطر الذي تحوم حوله الآن.

ولكنه كذلك... لا يعرف كيف يُنقذها، ولا كيف يُنقذ نفسه منها.

نظر إليها عبر المرآة، وجهها كان ساكنًا كحلمٍ لم يكتمل، وشفتيها بين انفراجٍ وهمسٍ، وجسدها مائل بخفة، كأنها تنام على أمل أن تستيقظ في عالم آخر.

قال بصوت خافت، لم يسمعه سواه:

"أنا آسف... ولكن ما فعلته كان لحمايتك. لو بقيتِ هناك... لربّما لم تخرجي حيّة."

ثم مال برأسه إلى الوراء، كأنه ما زال يشتم رائحة عطرها في الهواء.

"ما الذي فعلتِه بي، أيتها المجنونة؟"

تنهّد ببطء، ثم استقام في جلسته، يشدّ قبضته على المقود.

كل ما يعرفه الآن...

أن تلك الفتاة الغريبة، اقتحمت عالمه كما تفعل النار حين تشقّ طريقها في الورق اليابس،

وأنه... لا يريد أن يُطفئها.

فتح ماتيو باب الغرفة الثقيلة بهدوءٍ مدروس، خطواته لا تُحدِث صوتًا على أرضية الرخام المصقولة. الغرفة كانت واسعة، تَغمرها أضواء خافتة تنبعث من مصابيح جدارية كلاسيكية، وتعبق في أرجائها رائحة عطرٍ خشبي ممزوجٍ بالمسك.

حمل غلوريا بين ذراعيه كما تُحمَل أمنية طال انتظارها، وكأنّ أي قسوة منه قد تُفسد هذا الجمال المستسلم للنوم.

اقترب من السرير الكبير، ذو المفارش الحريرية بلون العاج، وانحنى ليضعها برفقٍ بالغ، كمن يخاف أن يوقظ وردة نائمة في يد الريح.

وقفت عيناه تلتهمان تفاصيلها...

ملامحها التي لا تزال مغمضة كأنها في عالم آخر، وشفتاها شبه المبتلّتين من آثار ارتباكٍ غريب، وخصلات شعرها المسدل فوق الوسادة كنهرٍ من السواد الليلي.

جلس على الكرسي المجاور، أسند ظهره، وسحب نفسًا طويلًا كأنّ صدره لا يعرف كيف يهدأ.

مدّ يده ببطء، وكأن الزمن قد تباطأ هو الآخر، ثم لامس بأنامله خدّها.

بردٌ طفيف... لم تكن حُمّى، بل أثر خوفٍ لم يهدأ بعد.

همس بصوتٍ لا يسمعه أحد:

"ما هذا الذي تفعلينه بي، يا غلوريا؟ أنتِ لا تشبهين نساء هذا العالم..."

نظر إليها طويلًا، وكأنّه يرى فيها ماضيه كله، حاضره الممزق، ومستقبلًا يجهله.

ثم رفع يده الأخرى إلى وجهه، كأنّه يحاول أن يستيقظ من هذا الجنون، أن يتأكد أن ما يراه حقيقي...

أنها هنا، بين يديه، أخيرًا.

صمت يخيّم، وقلق غريب يُراوغه رغم هيبته...

كأنها الوحيدة القادرة على زعزعة هذا الصمت الذي عاش فيه طويلًا.

تنهّد، وألقى رأسه للخلف...

وعيناه لا تزال معلّقتين بها.

جلس ماتيو في صمتٍ كأنّ العالم كله انكمش إلى دائرة واحدة، مركزها وجهها النائم.

رفع يده من جديد، وببطءٍ يشبه صلاة قديمة، مرّر أصابعه على جبينها، وكأنّه قرأ من ملامحها نبوءة تغيّر قدَرَه.

كان جبينها ناعمًا كأنه لم يختبر الحزن قط... لكن هو يعرف، ويشعر، أن الحزن نفسه يسكن خلف تلك العينين المغلقتين.

مرّ بأنامله على حاجبيها المرسومين، ثم خدّها...

"هذا الوجه... سحقًا، كم هو نقيٌّ وواضح، وكأنه لم يُدنّسه العالم بعد."

اقترب أكثر، يُحدّق في انحناءة أنفها، في ارتجافة شفتيها، في حركة أنفاسها البطيئة التي تخبره أنها غارقة في نومٍ عميق، غير مدركة أنها الآن في قصر أكثر الرجال خطرًا في المكسيك.

ابتسم ابتسامة باهتة، لا فرح فيها، بل دهشة...

دهشة رجلٍ لم يعرف من قبل معنى أن تثيره أنفاس امرأة أكثر من جسدها.

ثم همس في عقله، بصوتٍ داخليٍّ واهن، لكنه صادق حدّ الألم:

"ما الذي تفعلينه بي، يا غلوريا؟ كيف لامرأة لم تقل شيئًا، أن تهزّ ما لم تهزّه نساءٌ نطقن بكل كلمات الإغواء؟"

ضمّ يده فجأة، كأنّه ارتعب من نفسه...

من ذلك الضعف الغريب الذي بدأ يتسرّب إلى قلبه.

هو، ماتيو دينارو... الرجل الذي لم يؤمن بالحب، ولم يعترف بغير الرغبة والسيطرة والدم.

لكنها الآن، ترقد أمامه، بملامحها الغافية وشفتيها الناعستين،

تجعل منه طفلًا لا يعرف كيف يُنقذ نفسه من الغرق.

"يا خطيئتي الحلوة..."

قالها في داخله، كأنها اعترافٌ مُرّ لا يريد لأحد أن يسمعه.

"أنتِ وحدكِ جعلتِني أخطفك، لا لأنكِ رأيتِ شيئًا لا يجب أن تريه... بل لأنكِ جعلتِني أرى أنا ما لم أكن أريد أن أراه في نفسي"

مدّ يده من جديد، ومرّرها على شفتيها برفقٍ لا يليق برجلٍ مثله،

ثم تنفّس بعمقٍ وهو يهمس:

"من كان يظن أن نهاية الجليد... ستكون بسبب عينيكِ؟"

سقط الليل خارج الغرفة، بصمته الثقيل...

لكن في داخل ماتيو، شيءٌ لم يعد صامتًا.

انتهى

رائيكم

✨5الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة