كان الفجر يتسلّل عبر الستائر الثقيلة، يطبع على الجدار أنفاسًا ذهبية تتراقص فوق السرير.
استيقظ ماتيو ببطء، كأن نومه لم يكن إلا غفوة قصيرة بين حربين.
رمشاته الأولى اصطدمت بوجهها... وجهها الذي بدا وكأنه من عالم آخر، مستسلمًا للنوم، ناعمًا كالوعد، وساكنًا كالأسرار.
كانت غلوريا تنام في حضنه، رأسها يستقر فوق صدره، وشعرها المنسدل يلامس جلده كأنفاس خفيفة. ذراعاها ملتفتان حول خصره، كأنها تتشبث بحلم لا تريد أن تستيقظ منه.
ظل يتأملها بصمت.
كل شيء فيها بدا هادئًا... بريئًا على نحوٍ موجِع.
لكنه هو... لم يكن كذلك.
كانت في عينيه نظرة غريبة. مزيج من الحب والذنب. وكأن قلبه يريد أن يصرخ بشيء، لكن لسانه عاجز
همس داخل قلبه:
"كيف يمكن لشيءٍ بهذا النقاء... أن يحتضن رجلاً مثلي؟"
لم يكن يعرف أي ذنب بالضبط يسكن داخله، أهو الخطف؟ أم الكذب؟ الحب نفسه؟
ثم أغلق عينيه، وعاد ليضمها إليه، كما لو كان يحتمي بها من نفسه.
ما زال الليل نائمًا في عقلها...
ظلال قاتمة تحيط بها.
كانت غلوريا واقفة وحدها على سفح جبلٍ غريب، ملطخ بالدم والتراب. الهواء ساكن، لكنه محمّل بأنينٍ تعرفه جيدًا.
صوت أمها يناديها من بعيد... مشوَّه، كأنه يصعد من قاع الذاكرة.
ثم ظهر والدها، لكن وجهه كان غارقًا في الضباب... لا ملامح.
خطت إلى الأمام، تبحث عنهما... تلهث، والبرد ينخر عظامها، لكنها لا تتوقف.
فجأة، الأرض تهتز تحت قدميها.
شيء ما يخرج من تحت التراب.
يد سوداء، أصابعها طويلة، تنزلق ناحيتها بسرعة
مخيفة.
تقترب.
وتقترب.
وتقترب..
ثم
بوم!
استفاقت صارخة، وذراعها تتحرك لا إراديًا، لتصفع الشخص الأقرب منها بكل قوتها!
صفعة على وجه ماتيو مباشرة.
"آخ!"
سقط على جانب السرير فجأة، رأسه اصطدم بالسجادة، وسُمعت تنهيدة غاضبة ومكتومة منه.
فتحت عينيها، تتنفس بسرعة، عرق بارد على جبينها، وضوء خفيف في الغرفة.
ثم نظرت حولها، فسمعت صوته من تحت السرير:
"حقًا، كنت أتأملك وأفكر كم تبدين ملاكًا... ثم فجأة هبطت من الجنة على خدي؟"
نظرت إليه بذهول، ثم ضحكت رغماً عنها.
"أنا آسفة! أقسم أنني كنت... في حلمٍ غريب!"
"كان واضحًا جداً... الحلم قاتل."
نهض وهو يفرك خده، بينما هي تغطي فمها كي تكتم ضحكتها، ثم مدّ لها يده كأنه يعرض هدنة.
لكن داخل عقل غلوريا، بقي ظل الحلم...
بقيت اليد السوداء التي كادت تمسكها...
وبقيت الجملة التي سمعتها في النهاية، بصوت خافت يشبه صوت أبيها:
"الثقة... قد تكون آخر خطيئة لك."
جلست غلوريا على السرير، شعرها مبعثر، وأنفاسها لا تزال متوترة من الحلم، لكن وجهها بدأ يهدأ.
نظرت إلى ماتيو الذي كان يقف بجانب السرير، وهو يفرك خده ببطء، وعيناه تلمعان بمكر طفولي.
قالت وهي تضحك:
"أنا آسفة، حقًا... كنت أحلم بشيء فظيع، ولم أدرِ أنك كنت أمامي."
أدار وجهه نحوها، رفع حاجبيه بتظاهر درامي وقال:
"هكذا إذن... تضربينني، ثم تضحكين في وجهي؟ قاسية أنتِ يا آنسة راميريث."
ضحكت أكثر، ومالت نحوه قليلاً، عيناها تتمعنان في وجهه، في الخط الخفيف على جانب فمه، وفي شعرة متمردة سقطت فوق جبينه.
قالت هامسة، وهي تلامس خده بأطراف أصابعها:
"لكنك تبدو وسيمًا حتى وأنت تتألم..."
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنه لم يرد.
وبدون إنذار، خطفها بين ذراعيه، ثم بدأ يزغزغها بخفة.
صرخت بين الضحك:
"ماتيو! توقف! أقسم أنني سأنتقم!"
"حقًا؟ أنتِ تضربينني وأنا نائم... والآن تريدين الرحمة؟ مستحيل."
ضحكها ملأ الغرفة، دافئًا، حيًا، كما لو كانت تضحك لأول مرة منذ سنين.
كانت تحته، تحاول الإفلات، لكنه توقف فجأة.
نظر إليها.
هي أيضًا توقفت.
سكون.
كل شيء اختفى إلا أنفاسهما.
يده لامست وجهها بلطف.
عيناه تعمّقتا في عينيها، وكأنهما تبحثان عن شيءٍ لم يُقال بعد.
ظلت عينا غلوريا تحدّقان فيه بثبات، ثم تمتمت، بخفة:
"أنتَ... مشاغب.""
ابتسم، ولم يرد.
لكن قبل أن ينطق، وبحركة سريعة غير متوقعة، دفعت كتفه بخفة، ثم التفتت عليه فجأة حتى أصبح هو تحتها.
اتسعت عيناه، ورفع حاجبيه بدهشة وهمس ساخرًا:
"ما هذا الانقلاب السياسي؟"
ضحكت وهي تجلس فوقه وتقترب ببطء، نظراتها ماكرة.
"السلطة... تتبدل أحيانًا."
لكنها انسحبت للحظة، مدت يدها إلى درج الكوميدينو بجوار السرير، وأخرجت قلم ماركر أسود.
فتحت الغطاء ببطء، وعيناها تلمعان بالمرح.
"ما الذي تنوين فعله؟"
سألها، وهو يراقبها بحذر مصحوب بابتسامة.
"فن تعبيري"، ردّت باختصار.
ثم بدأت ترسم شيئًا على رقبته، ثم فوق خده... ثم قرب فكه.
"ماذا تكتبين؟"
"لن أخبرك."
"غلوريا؟!"
"ششش... تحرّك وستُفسد تحفتي."
ظل ساكنًا تحتها، يضحك بصمت، بينما هي تركز كأنها تنقش قصيدة.
وحين انتهت، تركته فجأة، ثم تراجعت للخلف وهي تمسك بطنها من الضحك.
"لماذا تضحكين؟!"
"اذهب وانظر."
تنهّد، ونهض ببطء، ثم اقترب من المرآة الصغيرة في الغرفة.
نظر..
ثم اتّسعت عيناه.
كانت قد رسمت على خده الأيسر قلبًا صغيرًا، وبجواره كتبت: "ملك المشاغبين"،
وعلى رقبته سهمًا يشير نحو صدره، مكتوبًا بجانبه: "قلب خطيئتي الحلوة."
تجمّد لثوانٍ... ثم انفجر ضاحكًا.
التفت نحوها، فرآها تقع على الأرض من كثرة الضحك، تغطي فمها، ودموع ضحكة صافية تتسلّل من عينيها.
انطلقت غلوريا تجري خارجة من الغرفة، ضاحكة، والقلم لا يزال بيدها، بينما ماتيو يقف خلفها، يرفع حاجبه بحزم ساخر.
"غلوريا، أقسم أنكِ لن تنجي بفعلتك!"
"أوه، سنرى يا سيّد ماركر!"
وانطلقت.
ركضت في ممرات القصر وهي تضحك، شعرها يرفرف، وقلبها ينبض بفرحٍ خالص لم تشعر به منذ طفولتها.
كانت خفيفة كنسمة، تتجاوز الزوايا، وتتسلل بين الأعمدة، بينما صوت خطوات ماتيو يلاحقها.
هو، ببدلته المنزلية، لم يركض هكذا منذ سنوات.
لكن في هذه اللحظة، لم يكن زعيم عصابة، ولا رجلًا مطاردًا بالماضي.
كان فقط... شابًا يركض خلف من أيقظت قلبه.
في المطبخ، توقّف الطهاة فجأة، أحدهم سقط منه الملعقة، والآخر تجمّد وهو يحمل طبقًا.
أحد الخدم همس منذهلًا:
"هل... هل هذا السيّد ماتيو؟ يضحك؟!"
كان يركض خلفها وضحكته تتردّد في أرجاء القصر.
ضحكة حقيقية، غير مصطنعة... لم يسمعوها من قبل.
أما هي، فاختبأت خلف الستارة الكبيرة في بهو القصر.
لكنه رآها.
"أنتِ لا تُجيدين الاختباء، خطيئتي الصغيرة."
"وأنتَ لا تجيد الانتقام... حتى الآن."
قفز نحوها فجأة، لكنها تحركت في اللحظة الأخيرة، فاختل توازنه وكاد يصطدم بالحائط.
ضحكت ضحكة عالية حتى دمعت عيناها، أما هو فوقف أمامها، يلهث، عيناه تلمعان بالمكر.
"انتهى الأمر، يا فنانة الحبر."
ثم اقترب ببطء، كمن يستعد لثأر نبيل.
توقّفت خطواتها فجأة، عندما أحست بأنفاسه تقترب.
استدارت لتجده خلفها تمامًا، عيناه مغروستان في عينيها، وابتسامته تلك... لم تعد بريئة كما قبل دقائق.
"ماتيو... لا تبدأ."
قالتها وهي تضحك، لكن نبرة صوتها لم تكن حازمة... كانت خفيفة، هاربة، كأنها لا تريده أن
يتوقف حقًا.
اقترب منها أكثر.
خطوة... ثم أخرى.
حتى لم تعد تراه بعينيها، بل تشعر به بأنفاسه على بشرتها، بدقات قلبه تتصاعد، وكأنها جزء من جسدها.
همست مرة أخرى، بصوت مرتجف:
"قلت لك... ابـ... ابتعد."
لكن صوتها خذلها، وابتسامتها تراجعت حين لمست الجدار خلف ظهرها.
هو الآن أمامها تمامًا، ذراعه تستقر على الحائط بجانب وجهها، والذراع الأخرى تلامس خاصرتها بخفة، كأنها ترسم حدودًا لا ينوي احترامها.
لم يعد يضحك.
صار صوته أعمق، هامسًا كريح الليل:
"تتحدينني... ثم تظنين أنني سأدعكِ تهربين؟"
كانت تنظر إليه، وقلبها يخفق بقوة.
هي تعرف هذا الرجل... وتجهله في اللحظة ذاتها.
هو الوحش الذي خطفها،
وهو المأوى الذي احتضنها حين كانت تنكسر.
همست بخفّة، وعيناها لا تزالان تلمعان:
"أنتَ مجنون..."
مال نحوها أكثر، شفتاه تكادان تلمسان وجنتها، وقال بهدوء يشبه العاصفة التي تسبق المطر:
"وأنتِ... جعلتِ الجنون يبدو جميلًا."
ثم... ساد الصمت.
صمتٌ مشحونٌ بالشرر.
بنبضاتٍ ثقيلة، ومشاعر لم تعد تخجل من الظهور.
عيناها توقفتا عن المقاومة، وشفتيها عن التراجع.
هو اقترب أكثر، وكأن الهواء بينهما لم يعد كاملا
وغلوريا، رغم ارتجافها، لم تُبعده،
بل وضعت يديها على عنقه، أناملها تحاصر شعره،
كأنها تعاقبه على ما يفعله بها... وتستسلم له في الوقت نفسه.
كانت عيناها نصف مغمضتين، تحاول أن تُخفي ارتباكها،
لكن أنفاسها كشفتها، وخدر خفيف تسلل لجسدها وهو يقترب أكثر.
في لحظةٍ خاطفة، ضمّها إليه،
قالت له بخفوت وهي تحاول تسيطر على نفسها:
"ماتيو... توقف... أنا لا أفهم نفسي معك."
لكن شفتيه كانت تسبق الكلمات،
يهمس قرب أذنها، بنبرة غليظة مشتعلة:
"ليس عليكِ أن تفهمي... فقط، اشعري بي."
والحائط وحده هو ما كان يمنعه من أن يذوب فيها تمامًا،
نظراته مشتعلة،
ونظراتها حائرة... لكن لا مقاومة.
كانت لحظة لا تشبه أي شيء...
لحظة تكسّرت فيها الحواجز،
وتجلّى فيها كل ما بينهما من خوف، شوق، وتملّك.
كانت اللحظة تشتعل ببطء.، نظراته غارقة في ملامحها، يده تمسح على خاصرتها كمن يخشى أن تُكسر أمامه فجأة.
هي، ورغم الضحكة العابرة على شفتيها...
كانت تشعر بشيءٍ غريب ينهض بداخلها.
رجفة... لم تكن من الخوف.
بل من شيء أعمق. أصدق.
وفجأة، همست.
صوتها كان خافتًا، يخرج من مكانٍ بعيد داخلها:
"ماتيو..."
نظر لها، عيناه لا تزالان تمتلئان بها، لكن فيها حنان لم تعرفه من قبل.
"أنا... لم أفعل هذا من قبل."
الهواء نفسه تغيّر.
الصمت بينهما لم يكن قاسيًا، بل مقدّس
لم يرد بكلمة.
فقط، هدأ تمامًا.
نزل بها من بين ذراعيه بهدوء، كأنها زهرة خفيفة خاف أن يسحقها، ثم أمسك وجهها بكفّيه ونظر في عينيها طويلاً، دون أي حكم، دون أي شهوة.
قال بهدوء:
"أعرف."
ثم ابتسم، ابتسامة صغيرة، كأنها وعد:
"وما كنتُ لأجرؤ على كسر ما لم يُلمَس بعد... لا بجسد، ولا بروح."
اغرورقت عيناها قليلًا، لكنها أخفت ارتجافها بابتسامة هادئة.
فجأة، شعرت أنها آمنة أكثر من أي وقت مضى.
ليست فقط لأنها لم تُؤذَ... بل لأنها كانت لأول مرة تُرى.
حقًا.
سكون لا يصرخ، لكنه يتنفس، يتردد بين قلبٍ خائف وآخر مشتعل.
كان ماتيو يحدّق في عينيها، وعلى شفتيه شبه ابتسامة غير مكتملة...
حين فُتح باب الغرفة فجأة.
دخل أحد الخدم، رجل في أواخر الأربعينات، يحمل صينية من الفضة.
تجمّد مكانه فورًا.
عيناه اتّسعتا، وجهه احمرّ، ويده تراجعت خطوة دون إرادة.
لحظة صمت قاتلة...
ثم قال بصوت مرتجف:
"أعتذر... لم أقصد... لم أرَ... في الحقيقة، أنا لم أدخل أصلًا."
ثم استدار وخرج بسرعة خاطفة، وسمع الاثنان صوت الملعقة تسقط خلفه في الممر من فرط ارتباكه.
انفجرت غلوريا في ضحكة عالية، وضعت يدها على فمها، لكنها لم تستطع التوقف.
ماتيو رفع حاجبه، وقال بسخرية:
"كان هذا... مُحرجًا."
ضحكت أكثر.
"هذا الرجل المسكين سيحتاج إلى جلسة علاج نفسي بعد اليوم."
ابتسم، ثم نظر لها، وهمس بنبرة أهدأ:
"كنا... نتحدّث، أليس كذلك؟"
"آه طبعًا، حديث عميق جدًا"، قالت وهي تضحك وتدفن وجهها في كتفه.
ثم قال وهو يلامس وجنتها:
"أنا لن أفعل أي شيء... لا الآن، ولا لاحقًا،
إلا إن كنتِ أنتِ مَن تريدين.
حين تكونين مستعدة... حين تثقين بي بالكامل.
حين يصبح هذا... اختيارك، لا حرارة لحظة."
نظرت إليه طويلًا.
ربما لم تكن تلك أول مرة تسمع كلمات حب،
لكنها بالتأكيد أول مرة تسمع احترامًا في لغة العاطفة.
بعد أن أنزلها برفق، بقي واقفًا أمامها للحظات...
ثم مدّ ذراعيه من جديد،
وسحبها إليه كأنها لم تكن تكفيه نظراتها... بل أراد أن يسمع نبضها، أن يشعر بها أقرب، أقرب ما يمكن.
احتواها بين ذراعيه،
وحين التصقت به، أحاط خصرها بذراعه اليمنى، ورفع كفّه اليسرى إلى أعلى ظهرها، يضغطها نحوه بهدوء،
كأنه يخشى أن تتلاشى فجأة إن لم يضمّها بما يكفي.
لم يكن حضنًا عابرًا...
بل كان كما لو أن الكون ضاق، ولم يتّسع سوى لهما.
كانت أنفاسه الدافئة تلامس عنقها،
وصدره يتحرك ببطء قرب قلبها،
ونبضهما... اتّحد كإيقاع ناعم لا يُسمع، لكن يُشعر.
ثم مال نحو أذنها، وهمس بنبرة لا يسمعها غير روحها:
"أنتِ... سلامي الوحيد في هذا العالم المليء بالبارود."
ارتجف قلبها.
همسة واحدة منه كانت تكفي لتذيب خوائها القديم.
تابع، بصوت أعمق:
"لم أكن أعلم أني قادر على الهدوء... حتى ضممتك."
أغمضت عينيها داخل حضنه،
وابتسمت ابتسامة لا يراها، لكنها خرجت من أعماق روحها.
ثم تراجع قليلاً، ونظر لعينيها بنظرة تحمل قرارًا ناعمًا.
"ارتدي شيئًا دافئًا،"
قالها وهو يمسح على خدّها بإبهامه،
"نحنُ خارجان سويًا اليوم... ولن أقبل بأيّ عذر."
تجمّدت غلوريا مكانها للحظة، وكأن عقلها لم يستوعب ما سمعته.
"خارج... القصر؟!"
قالتها بنبرة أقرب إلى الهمس، لكن عيناها اتّسعتا بدهشة، وشفتيها تفتحتا بفرحة لم تحاول إخفاءها.
هزّ رأسه بهدوء، وابتسم ابتسامة صغيرة، كأنها مكافأة لصبرها.
"نعم، فقط نحن. لا رجال أمن، لا سيارات خلفنا... فقط أنا وأنتِ."
لثوانٍ معدودة، ظلّت تنظر إليه دون كلام، ثم...
قفزت في مكانها ضاحكة كطفلة، تدور حول نفسها، شعرها يتطاير، وكأن قلبها عاد عمرًا كاملاً للخلف.
"هل تمزح؟ أنت جاد؟! أنا... لا أصدق!"
ثم توقفت فجأة، وضربت جبهتها بيدها الصغيرة:
"لكن... لا أملك شيئًا مناسبًا للخروج. ليس لدي فستان أو أي شيء جميل يصلح لهذا النوع من الخروجات!"
ضحك بهدوء، وتقدّم منها خطوة، صوته كان ناعمًا، لكن فيه نبرة مكرٍ محبّب:
"أعلم... لهذا السبب، أعددتُ لكِ شيئًا."
"ماذا؟"
أشار نحو باب غرفتها:
"اادخلي للغرفه و، ستجدين فستانًا اخترته بنفسي، مع كل ما تحتاجينه... الإكسسوارات، الحذاء، وحتى العطر."
ظلت تحدّق فيه، وكأنها غير قادرة على تصديق التفاصيل، ثم وضعت يدها على فمها، وعيناها اغرورقتا بالبريق.
تقدّمت منه فجأة...
ورمت ذراعيها حول عنقه،
وضمّته بقوة، كأنها تحاول أن تختزن اللحظة بين ضلوعها.
"ماتيو... شكرًا."
لم تقل أكثر. لم تحتج إلى كلمات.
هو أحاطها بذراعيه، صامتًا... لكن ابتسامته، وصمته، كانا يقولان الكثير.
في تلك اللحظة..
لم تكن بينهما حروب، ولا أسرار، ولا دماء.
فقط موعد..
خارجة من القصر.
وخارجة من القيد.
دخلت غلوريا إلى غرفتها بخطوات بطيئة،
كأن قلبها سبقها، وكأنها لا تزال لا تصدّق أن لحظةً كتلك ستحدث لها حقًا.
وحين رفعت عينيها نحو الفراش... توقّفت.
هناك، بعناية تُشبه اهتمام الرسامين بتفاصيل لوحتهم، كان كل شيء مُعدًا لها.
فستان أسود، أنيق، بسيط لكنه ساحر...
تنورة تنساب بانسيابية كأنها ليلٌ هادئ،
وفتحة ظهر ناعمة، لا تصرخ، لكنها تهمس.
إلى جواره، علبة صغيرة مخملية تحتوي على عقد فضّي ناعم،
وسوار يحمل حجرًا بلون عينيها... وكأن أحدًا قرأها، واختارها.
وحذاء أسود بكعبٍ متوسط، أنثويّ في كل تفصيل.
وقفت أمام كل هذا، تنظر إليه كأنها تخشى أن تلمسه فيختفي.
ثم ابتسمت، ابتسامة لم تخرج من قلبها منذ زمن بعيد...
ابتسامة امرأة، شعرت أخيرًا أن أحدهم... يرى فيها أنثى.
اقتربت من الفستان، تمرّ بأناملها على قماشه برفق،
وكأنها تتحسّس اهتمامه فيها، لمسته، ذوقه...
حتى في اللون، هو يعرف أنها تحب الأسود.
اللون الذي يُخفي خلفه كل شيء... ويُظهر كل شيء.
وقفت أمام المرآة، أمسكت بالفستان، ورفعته أمام جسدها لتراه من الخارج أولًا...
ثم همست لنفسها:
"هل اختار كل هذا... لي أنا فقط؟"
في تلك اللحظة، لم تكن ترى الفستان فقط،
بل كانت ترى نفسها من خلال عينَيه...
أنيقة، مختلفة، جميلة بطريقة لم ترها من قبل.
وفي قلبها...
ولدت رعشة خفيفة.
رعشة أنثى، تكتشف أنها... تُريد أن تُعجب رجلًا، لا أن تهرب منه.
وقفت أمام المرآة، تُعدل العقد على عنقها ببطء،
والفستان الأسود ينسدل برقة على جسدها،
كأنها خرجت لتوّها من عالم آخر... لا يشبه المعتقل الذي عاشت فيه.
مرّ ببالها وجهه... ماتيو.
لم تكن تنكر أنه تغيّر،
أو على الأقل، أنه بدأ يكشف وجهًا آخر من ملامحه...
وجهًا لا يشبه الوحش الذي رأته أول مرة.
بل رجلًا... يحمل فوق كتفيه ما لا يُقال.
لكن شيئًا داخلها... لا يزال يرفع الجدار.
هل يمكن حقًا أن تثق به؟
هل يمكن لقلبها أن يُصدّق أن كل ما حدث ليس إلا بداية جديدة...
لا فخًا آخر، ينتظر لحظة ضعفها؟
عضّت على شفتها،
ونظرت لنفسها مرة أخرى.
هي لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تنكسر بسرعة.
لقد عبرت الخوف، وخرجت من رماده.
ومع ذلك...
"ربما أُعطيه فرصة..."
قالتها في داخلها، لا بصوتٍ مسموع، بل بنبضٍ متردد.
"لكن سأظل أحتفظ بنسخة منّي... لا تُعطي كل شيء."
هي ستذهب.
ستبتسم.
وستجعل منه يظن أنها بدأت تثق...
لكن قلبها... سيظل يراقب من بعيد.
لا كرهًا...
بل حرصًا على نفسها.
كانت الغرفة ساكنة،
إلا من صوت الماء المنسكب خلف باب الحمّام المغلق.
دخلت غلوريا الحمّام بهدوء، أغلقت الباب خلفها،
وتنفّست نفسًا عميقًا، كأنها تُفرّغ آخر ما تبقّى من التوتّر.
نظرت في المرآة لثوانٍ...
بشرتها شاحبة قليلًا، وعيناها فيها آثار أرق قديم،
لكن كان في ملامحها شيء جديد...
كأنها تستعد لولادة امرأة أخرى من تحت جلد الفتاة القديمة.
نزعت ملابسها ببطء،
وتركت الماء الدافئ ينساب على كتفيها كأنّه يعتذر عن كل ما مرّ.
رأسها مائل قليلاً، وعيناها مغمضتان،
كأنها تحاول أن تمحو بصمت ما لا يُمحى بالكلمات.
خارج الحمّام...
كان ماتيو قد اقترب من باب غرفتها دون قصد.
لكن حين سمع صوت المياه،
توقف.
وقف أمام الباب للحظة، لا يتحرك.
كأنّ بينه وبين الخشب حاجزٌ من نار لا يجرؤ على تخطيه.
لم يكن يتلصص.
ولم يكن يتخيّل.
كان فقط... يستشعر وجودها.
صوت الماء... كان كافيًا ليشعل في داخله شيئًا
من الحنين،
شيئًا لا اسم له...
لكنّه يجعله يبقى واقفًا هناك،
كأنّه يحرس اللحظة دون أن يُقاطعها.
أغمض عينيه، وأسند جبهته إلى الباب بهدوء.
ثم همس لنفسه:
"كيف لامرأة أن تحتل هذا الصمت كله... دون أن تكلّمني بكلمة؟"
كان البخار يتصاعد من خلف باب الحمّام،
رائحة الصابون، صوت الماء المتساقط،
وهي... خلف الزجاج، تظن أن اللحظة لها وحدها، أن بُعده مؤقّت.
لكن ماتيو لم يكن رجلًا تُغلق دونه الأبواب
فتح الباب ببطء، دون أن يصدر صوتًا،
عيناه تبحثان عنها بين الضباب،
وما إن لمحت صورته تنعكس على الزجاج حتى التفتت، شهقت بخفوت:
"ماتيو؟! ماذا تفعل؟"
وقف هناك، عيناه لا تفارق ملامحها من خلف الستار الشفاف.
قال بصوتٍ منخفض، خشن، وهو يقترب بخطًى ثابتة:
"أفكر... كم مرة يجب أن أبتعد عنك، ولا أقدر؟"
وضعت يديها على صدرها، التوتر ارتسم في عينيها:
"كان يمكنك الانتظار، دقيقة فقط..."
ابتسم، لم تكن ابتسامة رقيقة، بل مزيج من السيطرة والرغبة والضعف الخفي فيها:
"دقيقة واحدة كافية لجنوني... وغيابكِ عن نظري عقاب لا أستحقه."
اقترب منها حتى وقف خلف الزجاج تمامًا،
كان ما بينهما أقوى من العقل...
وأقرب إلى أن يكون سقوطًا هادئًا في عاصفة لا ترحم.
لم تدرِ غلوريا ما الذي يحدث أسرع:
صوت الماء المنهمر أم ضربات قلبها.
لم تجرؤ على النظر مباشرة... لكن عينيها خانتاها.
حتى بدا كأن بين جسديهما لغة أصدق من الكلام،
كأن كُل قطرة ماء تنزلق عن جلدها تُثير شيئًا ما فيه..
شيئًا لا يستطيع السيطرة عليه أكثر.
اقترب أكثر...
حتى صار وجهه قرب وجهها،
ويده امتدت ببطء، لتمسك برقة عنقها،
إصبعه يمر بخفّة على رقبتها من الخلف، كأنّه يدرس ارتجافها
وجذبها إليه حتى التصق جسداهما تحت الماء،
حرارة جسده تصدم برودة الماء الخفيف،
وهو يهمس عند شفتيها
إنقاذه،
كأنها خلاصه،
وهي... استسلمت،
كان جسده ملتصقًا بها،
الماء يتساقط على كتفيه وكتفيها،
وأعينهما لا تتهرب... لا تختبئ.
ورغم التوتر، ورجفة أنفاسها،
رآها تتجمّد في مكانها،
شفتيها تهمسان باسمٍ واحد:
"ماتيو..."
لكنه لم يتحرّك للأمام أكثر،
بل رفع يده التي كانت على رقبتها،
ومرّرها برفق على خدّها،
وقال بنبرة منخفضة، مبحوحة، لكنها ثابتة:
"لا تخافي... لن أفعل شيئًا لا تريدينه."
نظرت إليه، وعيناها متوترة،
لكن فيها سؤالًا صامتًا...
تُريد أن تصدّقه، لكنها خائفة من نفسها، من ضعفها، من تلك اللحظة.
اقترب منها أكثر،
جبينه يلمس جبهتها،
وصوته ينزل عليها كالماء، دافئًا وواضحًا:
"غلوريا... لن آخذك هنا،
لن أسرق شيئًا منك وسط اندفاع لحظة،
أنا أريدكِ كاملة، لكن... في وقتكِ، في مكانكِ، حين تكونين مستعدة لي تمامًا
كنت أستطيع أن أمارسك الآن كما يشتهي جسدي...
لكنني أريدك أن تمارسي قلبي...
ولا وقت لهذا الآن... لأنك ما زلتِ تخافينني."
شهقت بهدوء،
كأن كلماته أخافتها وطمأنتها في اللحظة نفسها.
ثم أكمل بصوتٍ منخفض، وهو يُمرّر أصابعه على ذراعها، يلمسها ببطءٍ، دون تعدٍّ:
"كل ما أريده الآن... هو أن ألمسك.
أن أشعر بكِ قريبة.
أن تعرفي أني أقدر أمنع نفسي،
حتى وأنا أشتعل شوقًا إليك."
كانت ساكنة بين يديه،
لكن ملامحها بدأت تلين، وصدرها يعلو ويهبط،
وهي تهمس، دون أن تدرك حتى أنها تتكلم:
"ماتيو... لا أحد قال لي هذا من قبل..."
فردّ عليها، وهو يُمرّر أنفه على وجنتها:
"لأنكِ لم تكوني لأحد...
أنتِ لي...
لكن بإرادتكِ، وليس رغماً عنك."
ظلّا واقفَين تحت الماء،
الصمت بينهما لم يكن برودًا، بل هدوء ما قبل الانفجار...
أو ربما، بعده.
كانت غلوريا ما تزال بين ذراعيه،
رأسها مائل قليلًا، تنظر إليه من أسفل رموشها،
وفي نظرتها خليط غريب من الخوف والاطمئنان، من التردد والرغبة.
تنفّسا معًا،
صوت الماء يسقط حولهما،
وأجسادهما تلتصق لبعض ثوانٍ كانت أثقل من العمر كله.
همست له وهي تلتقط أنفاسها:
"أنا لا أفهم نفسي... لكن لا أريد أن أبتعد."
فردّ عليها وهو يُمرّر أنفه على جبينها، ويزرع قبلة عليه:
"لا تبتعدي... فقط ابقي قريبة، هذا يكفيني الآن."
ظلّا على هذا القرب للحظة أطول،
قبل أن يفتح عينيه ويهمس بضحكة خفيفة:
"تعالي... قبل أن يتحول الحمام إلى مكان لا نخرج منه أبدًا."
ضحكت هي الأخرى، ضحكة خافتة مبللة بالماء
فأخذ بيدها بلطف، وساعدها تخرج من البانيو،
ثم لُفّ جسدها بالمنشفة، كما لو كان يُعيد لها حدودها التي كاد أن ينسى نفسه عندها.
خرج معها...
الحمام خلفهم يبرد،
لكن بين قلبيهما... شيء ما كان لا يزال يشتعل.
ووجهها ما بين الهدوء والارتباك،
كأن الحمام لم يغسل فقط الماء عن بشرتها... بل نزع شيئًا من المسافات بينها وبينه.
دخلت غرفتها أولًا،
توقعت أن يُغلق الباب خلفها، لكنه تبعها...
بخطى بطيئة، وعينين لا تنظران إلا إليها.
نظر حوله بهدوء،اتّجه نحوها،
فارتفعت حاجباها بدهشة خفيفة...
مدّه نحوها، وصوته هادئ، عميق، فيه لمحة لا تخفى من السيطرة الناعمة:
"لا تتعلقي كثيرا ب ذلك الفستان الجميل والغالي"
ف نظرت اليه بدهشه وعدم فهم وقالت:
لماذا؟
مال برأسه حتى صار قرب أذنها،
وصوته انخفض أكثر...
نبرته تحوّلت إلى همسٍ مشبع بالنار:
"لأني... أنوي أن أمزّق الفستان بيدي."
شهقت شهقة قصيرة دون وعي،
لم تدرِ أكان الخوف مما قاله... أم التوق إليه.
لكنه لم يُمهلها فرصة للرد،
لم يُقبّلها، لم يلمسها أكثر،
بل ابتعد فجأة، بخفة من يترك وراؤه نارًا مشتعلة.
ثم خرج،
وأغلق الباب خلفه...
وتركها وحدها،
وقلبها ينبض بقوه...
كأنها تقف على حافة لا تعلم إن كانت ستُحلّق منها، أم تسقط.
جلست على طرف السرير،
المنشفة ما زالت تحيط بجسدها،
كانت الغرفة صامتة،
لكن داخلها... كان ضجيج لا يُحتمل.
"لأني... أنوي أن أمزق الفستان بيدي."
همسته لا تزال تدور في أذنها،
كأنها محفورة، كأنها تتكرّر... لا بالذاكرة، بل بالدم.
أغمضت عينييها
راحت تفكر في ما جرى قبل دقائق:
لمسته، صوته، قربه تحت الماء،
يده على رقبتها، عناقه
ثم خروجه الهادئ... وكأنه لم يتركها وهي تحترق.
"لم يكن يجب أن أسمح له بالدخول...
ولم يكن يجب أن أريده أن يبقى."
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من كلماتها:
هي لم تمنعه.
لم تقاومه.
بل كانت تتوق لكل لحظة معه،
حتى وإن أنكرت.
نظرت إلى القطعة على السرير،
حرير أسود، أنيق، يشبه طريقته تمامًا...
رقيق في ظاهره، قاتل في معناه.
تنهّدت بعمق،
وقامت واقفة أمام المرآة،
تتأمّل نفسها، ووجهها المحمّر،
والماء المتساقط من شعرها،
وجسدها الذي لم يعتَد هذا القرب... لكنه لم يرفضه.
همست لنفسها، والارتباك يعانق صوتها:
"أين سيتوقف هذا الجنون؟
ولِمَ لا أريد أن يتوقف؟"
كانت خائفة من نفسها أكثر منه،
من هذا الانجذاب الذي لم يكن مجرد رغبة...
بل ضعف، وارتباك، واحتياج،
وربما... شيء آخر.
ومدت يدها نحو الفستان الأسود المُنسدل هناك،
كأنها تلمس حلمًا خفيفًا... لا قماشًا فقط.
رفعت الفستان برفق،
ونظرته مرة، اثنتين...
ثم ضمّته إلى صدرها كأنها تقول له: "أنا مستعدة."
وقفت أمام المرآة الطويلة،
بشرتها بدت ناعمة ونضرة من أثر الماء الدافئ،
وجسدها انساب داخل الفستان كما ينساب الحبر على الورق...
ببساطة، وانسيابية، وغموض.
كان الفستان يحتضن خصرها النحيل بإحكام،
ويكشف عن ظهرها بخطٍ ناعم يوصل ما بين عنقها ونهايات العمود الفقري...
أنوثة لا تصرخ، لكنّها تُغري بالصمت.
جلست أمام المرآة بهدوء،
جمعت شعرها الأسود إلى أعلى،
وصففته على هيئة كعكة مشدودة، بسيطة، لكن أنيقة،
فتكشّف عن رقبتها التي بدت أكثر هشاشة وجمالًا من أي وقت مضى.
ثم اختارت أقراطًا صغيرة من الفضة،
وعقدًا ينسدل كالهمسة على عظمة الترقوة،
ووضعت لمسة خفيفة من العطر خلف أذنيها،
فانتشرت رائحة ناعمة... كأن الليل نفسه قد تعطر بها.
أخذت نفسًا عميقًا،
ثم نظرت لنفسها في المرآة...
لأول مرة، لم تبحث عن ماضيها في انعكاس الزجاج،
بل رأت امرأة جديدة...
أهدأ، أنقى، وأقرب إلى ذاتها.
همست لنفسها بابتسامة صغيرة:
"ليكن... لليلة واحدة فقط،
سأُشبه امرأة حرة."
كان ماتيو واقفًا أسفل الدرج الرخامي،
مرتديًا بدلة سوداء داكنة،
قميصه الأبيض مفتوح الزر الأعلى،
وشعره مسرّح للخلف بعناية، تفوح منه رائحة عطرٍ رجوليّة داكنة،
رائحة تُشبهه... كثيفة، وغامضة، ومثيرة.
يداه في جيبيه،
ونظراته موجهة إلى السقف، ينتظرها،
لكن داخله... كان كأنّه مراهق يتهيّب لحظة مواجهة.
ثم... سمع صوت كعبها.
نظرة واحدة إلى أعلى...
وجاء الصمت.
نزلت غلوريا بخطوات هادئة وثابتة،
كأنها تسير على خيوط الضوء، لا على درجات السلم.
فستانها الأسود ينسدل حولها كأمواج الليل،
وشعرها المرفوع يفضح عنقها، ويُغري بالهدوء لا بالضجيج.
كانت ترتدي الأناقة ببساطة ساحرة،
وكأنها لم تبذل جهدًا، لكنها سرقت قلب العالم دون أن تدري.
عيناه لم تتركاها...
من أول خطوة حتى وصلت أسفل الدرج.
لأول مرة،
رأى ماتيو كل شيء... وسكت.
لم يتحدّث،
لكن نظراته كانت تقول ألف شيء.
ثم تقدّم منها ببطء،
وقف أمامها، لا يفصل بينهما سوى أنفاس خفيفة
مال نحوها قليلًا، وهمس:
"أقسم... أني لم أرَ امرأة بهذا الجمال من قبل."
قالها دون ابتسامة، بصوت خافت وهادئ،
كأن الجمال الذي رآه، لا يُقال له مجرّد "جميلة"... بل "مدمّرة."
وقفت غلوريا على بُعد خطوات منه،
تُعدل طرف فستانها بخفة،
لكن عينيها لم تكن على الثوب...
بل عليه.
كان ماتيو منشغلاً بتعديل كم سترته السوداء،
وقسمات وجهه هادئة،
لكن فيها شيء... لا يُفسَّر.
ضوء خافت من ثريا السقف كان ينساب على شعره المصفف بعناية،
وعلى فكّه الحاد،
والطريقة التي يقف بها،
كأنّه يملك المكان... والمشهد... واللحظة.
لم تكن قد رأته من قبل بهذا الشكل.
كان يرتدي الأسود كأنّ اللون خُلق له،
والساعة الفاخرة تلمع عند معصمه،
وحذاؤه يطرق الأرض بثقة خافتة.
بلعت غلوريا ريقها بصمت،
وحاولت أن تُبعد عينيها... فلم تستطع.
"لماذا يبدو وسيماً هكذا؟"
سؤال خطر ببالها دون إذن،
فأغمضت عينيها للحظة، ثم تنفست ببطء،
كأنها تحاول إقناع قلبها بأنه "مجرّد رجل خطير"...
لكن قلبها لم يقتنع.
هو لا يبتسم كثيراً،
لكن حين فعل... شعرها أن الأرض مالت قليلاً تحت قدميها.
كان هناك شيء في صوته،
وفي عينيه حين ينظر...
وفي يديه حين يُمسك بكفه يدها...
شيءٌ يجعلها تنسى أنه كان السبب في ألمها.
تنفّست غلوريا مرة أخرى،
وهمست في داخلها، دون أن تجرؤ على القول:
"ربما... لم أعد أكرهه كما كنت."
ابتسمت هي، وعضّت على شفتيها بخجل خفيف،
فأضاف هو:
"هل تسمحين لي، أن أكون رفيقكِ في هذه الليلة؟"
وضعت يدها في يده،
ولوهلة... شعرت أن كل شيء تغيّر.
اليد التي كانت تمسك بها كخاطف،
أصبحت الآن يد رجل...
يريد أن يكون بجوارها.
ركبت بجواره في السيارة،
وصوت الباب الذي أُغلق خلفها،
كان كأنّه يُغلق فصلًا من الألم... ويفتح آخر من المجهول.
التفت إليها، وأمسك يدها برفق،
لكن نظرته... لم تكن نظرة رجلٍ عاشق فقط،
بل رجلٌ يعرف أن القادم... لن يكون سهلًا.
السيارة انطلقت،
والليل ابتلع الطرقات،
لكن ما لم تعلمه غلوريا...
هو أن هذه الليلة، لن تنتهي كما توقّعت.
ففي الظل...
شخصٌ آخر ينتظر ظهوره.
وفي قلب ماتيو...
سرٌّ لم يُقال بعد.
أما هي..
فكانت تبتسم.
تبتسم...
دون ان تعرف
أن الخطر... قد بدأ يتسلّل خلف رقّتها.
انتهى
رائيكم
4الف كلمه
Gloria_Ramirez02