هدوء ما قبل العاصفه

هدوء ما قبل العاصفه

15 0

كان الطريق ممتدًا أمامهم كأن الليل نفسه يفرش بساطه لأجلهما، أضواء المدينة تتراقص على زجاج السيارة، والموسيقى تنساب بخفة من المذياع  لحن هادئ، عميق، فيه شيء من الحنين وشيء من الحذر... كما لو أنه كُتب خصيصًا لهما.

ماتيو كان يقود بيد واحدة، وعيناه تتسللان نحوها من حين لآخر.

ثم، بلا كلمة، حرّك يده الحرة، ووضعها برفق على ساقها.

توقفت أنفاس غلوريا للحظة. كأن تلك اللمسة الصغيرة أيقظت في جسدها شيئًا ما كانت تخاف من الاعتراف بوجوده.

يده... كانت قاسية المظهر، قوية التفاصيل. أصابع طويلة، يزينها خاتم فضي داكن على البنصر، وشبه ندبة باهتة قرب الرسغ. العروق ظاهرة بوضوح، وكأن الدم فيها لا يجري فقط، بل يزأر. رجل لم يولد ليلمس، بل ليؤذي... ومع ذلك، حين لامسها، شعرت وكأن قلبها كله ارتجف.

نظرت نحوه، فالتقت عيناها بعينيه.

عيناه لم تكن قاسية هذه المرة، بل مملوءة بذنبٍ عميق، كأنه يعتذر دون أن يتكلم... وكأن كل ما فيه يقول: "أنا لا أستحقك... لكني لا أستطيع أن أبتعد."

في عينيه كان الحب واضحًا، لكنه مختلط بشيء آخر خوف؟ ألم؟ أم شعور داخلي بأنه إن اقترب أكثر، قد يحطمها دون قصد؟

لم تتكلم. فقط، وضعت يدها على يده، ببطء... وكأنها تُخبره أنها شعرت بكل ما لم يُقال.

واستمر الطريق، والموسيقى لا تزال تدور... لكن في تلك اللحظة، لم تكن السيارة التي تسير  بل قلوبهم

ظلت يداهما متشابكتين فوق ساقها، وصوته الموسيقي ينساب من السماعات كأنما الوقت تجمد بين ذراعي الليل.

قطعت غلوريا الصمت أولًا، بصوت خافت، كأنها تخشى أن تفسد شيئًا هشًّا:

"ماتيو... أتعرف؟ أنت لا تشبه الصورة التي رسمتها لك في رأسي."

ابتسم بخفة، دون أن يلتفت، لكن نبرة صوته حملت شيئًا من السخرية اللطيفة:

"دعيني أخمّن... كنتِ ترينني وحشًا؟"

نظرت إلى وجهه من زاويتها، تأملت الخط الحاد لفكّه، نظرة عينيه الثابتة على الطريق، وردّت بصوت يشبه الهمس:

"ما زلت أراك كذلك... أحيانًا."

ضحك بخفّة، ضحكة لا تحمل سعادة، بل مرارة اعتادت على وجودها.

"وهل الوحش... يستطيع أن يشعر بكل هذا معك؟"

صمتت، كأن الكلمات تخونها.

ثم أضاف، صوته أخفض من ذي قبل، كأنّه اعتراف أو لعنة:

"أريدكِ، غلوريا... ليس كأي امرأة. أريدكِ كمن وجد شيئًا لا يليق أن يملكه، ومع ذلك، لا يريد لأحد أن يلمسه."

نظرت إليه، وعينيها تلمعان بشيء يشبه الحذر والرغبة والضياع.

همست وهي تُحاول أن تبتسم:

"وهل دائمًا ما تُمسك بما لا يليق بك؟"

استدار بعينيه نحوها، نظرة طويلة، مليئة بكل ما لا يُقال.

قال ببطء:

"أمسكت بكِ، أليس كذلك؟"

نظرت إليه طويلاً، ثم همست بصوت مكسور:

"ربما... كنتُ أنت الشيء الذي لا يليق بي، ومع ذلك... لا أستطيع أن أهرب منه."

ولم يُجِب. فقط، شد على يدها قليلاً، وكأنّه يقول: "لا تهربي... منّي."

توقفت السيارة أمام مبنى شاهق، واجهته الزجاجية تعكس أضواء المدينة كأنها مرآة لسماء أخرى.

ترجّلت غلوريا، عيناها تتجولان في المكان بدهشة... لم تتوقع شيئًا كهذا.

"ناطحة سحاب؟"

همست بها لنفسها وهي تتابعه بخطوات حذرة.

ماتيو لم يجب، فقط أمسك يدها من جديد، وقادها نحو الباب الدوّار.

عبر الممرات الداخلية، كان الصمت بينهما مختلفًا... هذه المرة، كان صمت الترقّب. لم يخبرها بشيء، ولم تسأله كأن بينهما اتفاقًا غير منطوق.

وقفا أمام المصعد الزجاجي.

ضغط الزر، ولمح انعكاسها في الزجاج.

"أنتِ لا تزالين مذهولة،" قالها بنبرة خافتة.

نظرت إليه، وابتسمت دون أن تجيب.

حين فُتح الباب، دخلا سويًا، وانغلق خلفهما بسلاسة.

وما إن بدأ المصعد في الارتفاع، حتى تغيّر كل شيء.

غلوريا كانت تتحدث،

تحاول أن تملأ الفراغ بالكلمات،

لكن صوتها كان يرجف خفيًّا، وهي تشعر بقربه خلفها.

ماتيو لم يكن يرد بكلمة...

لكنه اقترب منها بخطوات بطيئة،

كأنّه يذيب المسافة بينهما دون أن يطلب الإذن.

توقفت عن الكلام،

شعرت بجسده قريبًا... أكثر مما يجب.

استدارت قليلًا،

لتجده يحدّق في عينيها مباشرة،

نظرة لا تحمل مزاحًا،

نظرة تلتهمها... دون أن تلمسها.

همس لها، بصوته الخافت المظلم:

"أتعرفين... في كل مرة تتكلمين،

أفكّر فقط في إسكاتك... بطريقتي."

مدّ يده، ببطء شديد، ورفع خصلة من شعرها قد هربت من كعكتها.

وقال بصوت منخفض:

"وهنا، على هذا الارتفاع... أشعر أنني أستطيع إسقاط كل شيء، إلا أنتِ."

لكن قبل أن يلمسها...

صدر صوت خافت من المصعد.

دينغ الطابق الخمسون

وفتح الباب.

تجمّدت في مكانها،

أنفاسه تختلط بأنفاسها،

لكن لم يحدث شيء.

فتح عينيه، وابتسم بخفوت، بعينين مشتعلتين،

ثم مال قليلاً نحو أذنها وهمس:

"أنقذكِ المصعد هذه المرة...

لكن الليلة بدأت، خطيئتي."

ثم ابتعد، بخطوته الهادئة الواثقة،

وخرج من المصعد دون أن يلتفت.

أما هي،

فوقفت مكانها،

وقلبها ينبض كأن شيئًا أعظم على وشك أن يبدأ.

خرجت غلوريا من المصعد بخطى مترددة،

كانت لا تزال تشعر بظل همساته الأخيرة على بشرتها،

لكنّها توقفت فجأة حين رأت ما ينتظرها.

كان الدور الأخير بأكمله أشبه بعالمٍ آخر،

أضواؤه خافتة ودافئة،

النوافذ الزجاجية تفتح على المدينة المضيئة كأنها مرآة للنجوم،

طاولة أنيقة تنتظرها، مفروشة بدقة،

وزهر أبيض ناعم ينتشر كهمسة فوق أركان المكان،

بينما رائحة خفيفة من الفانيليا والعنبر تتسلل إلى أنفها برقة.

تلفّتت حولها بدهشة صامتة،

ثم نظرت إليه، فوجدته يقف على مقربة منها،

كأنّه ينتظر وقع المفاجأة في عينيها.

قالت له وهي ترفع حاجبيها، وصوتها متردد:

"أهذا المكان... بأسره؟! لقد حجزت الدور كاملاً؟!"

اقترب منها بخطًى ثابتة،

وفي صوته نبرة هادئة لكن مشبعة بالنية:

"أجل... أردت أن تكون الليلة لنا وحدنا.

من دون أعين، من دون أبواب مواربة...

فقط أنا وأنتِ، كما نحن."

ابتسمت بارتباك،

نظرت حولها مرّة أخرى، ثم التفتت نحوه:

"لكن... هذا كثير، ماتيو.

كلّ ما فعلتَه... لا يبدو كعشاء عابر."

وقف أمامها،

ثم مال قليلاً نحو أذنها، وهمس بصوتٍ غائر، عميق، لا يخلو من التملّك:

"أنا لا أقدّم القليل للتي تشعلني.

وغلوريا... أنتِ لا تستحقين شيئًا عابرًا."

سكنت ملامحها للحظة،

ثم تمتمت، تكاد تخاطب نفسها:

"أنا لست معتادة على هذا...

على كلّ هذا."

رفع يده، برفق يشبه الوعد،

وأزاح خصلةً من شعرها انسدلت على وجهها،

كأنّه يعيد ترتيب الفوضى التي أحدثها هو بنفسه.

ثم قال، وصوته ينساب إليها كالماء:

"ولا أنا.

لكنكِ غيّرتِ معاييري...

حين منحتني الاحتراق، اضطررت أن أخلق لكِ موضعًا نحترق فيه معًا... بحرّيتنا."

لم تجد ما تقول،

كانت تنظر إليه بعينين لا تعرفان إن كانتا خائفتين... أم مستسلمتين.

لكنها علمت يقينًا شيئًا واحدًا:

أنها لن تخرج من هذه الليلة كما دخلتها.

جلسا على الطاولة التي توسطت المكان،

أنوارها الناعمة تُلقي ظلًّا خفيفًا على وجهيهما،

وصوت المدينة خلف الزجاج كان يبدو بعيدًا،

كما لو أن هذا الدور معزول عن الزمن.

تحرّك ماتيو بثقة هادئة،

سحب لها الكرسي بيده، بحركة مهذّبة مليئة بالتحكّم،

ثم جلس مقابلها، عيناه لا تفارقان ملامحها،

كأنّه يقرأ بها فصلاً من رواية لا يرغب في أن ينتهي.

أشار للنادل بإيماءة خفيفة،

دون أن يتفوه بكلمة،

ففهم الأخير وابتعد بهدوء...

كأن حتى الصمت في حضرة ماتيو له طقوس.

كانت غلوريا تراقبه بصمت،

في عينيها شيء لا يمكن تسميته بوضوح...

إعجاب؟ ارتباك؟

أم ذلك الوميض الخفي الذي لا يولد إلا عندما ترى المرأة رجلًا يدرك كيف يحتضن اللحظة دون أن يمسّها بكلمة؟

وبينما هي تحدّق فيه،

كان هو قد لاحظ.

رفع يده بهدوء،

وبسط كفّه فوق الطاولة،

ثم مدّها نحوها ببطء،

وما إن لامس أطراف أصابعها...

حتى سرت رعشة صغيرة في جسدها كأنها تيار من نار خفيفة.

أصابعه لامست يدها...

أولًا بخفّة،

ثم بدأ يمرّر إبهامه على ظاهر كفّها،

حركة بطيئة، هادئة، لكنها أكثر إثارة من كل الكلمات.

قال بصوت منخفض،

لم يكن فيه تودد... بل وعد:

"كل ما في هذه الليلة صُنع من أجلكِ،

فلا تخشي شيئًا...

سوى ما قد يوقظه قربكِ فيّ."

نظرت إليه،

صوتها لم يخرج، لكن نظراتها كانت تقول كل شيء،

وخدّاها اكتسبا لونًا دافئًا...

لم يكن من حرارة الغرفة، بل من وطأة أن تُلمس بهذا الشكل،

برفقٍ... ونيّة.

ثم تمتمت أخيرًا، بنبرة بالكاد سُمعت:

"أشعر... أنني على حافة شيء لا أستطيع تسميته."

فابتسم ماتيو ابتسامة صغيرة،

ثم أكمل تمرير إبهامه على يدها وقال:

"ولا أريدكِ أن تسميه... أريدكِ فقط أن تشعري به."

كانت الطاولة مضاءة بنور خافت،

كأنّ كل شيء حولهما يتآمر ليخفت الأصوات...

ويُضخّم النظرات.

وضعت غلوريا الشوكة على جانب الطبق،

ثم رفعت نظرها إليه، وقالت بنبرة خفيفة...

لكنها تحمل في طيّاتها تساؤلًا جريئًا:

"هل تفعل هذا دائمًا؟

تغلق الأبواب، وتخلق عالماً... ثم تُغرق من فيه دون إنذار؟"

ضحك ماتيو ضحكة قصيرة،

فيها شيء من الظلام، وشيء من السحر.

ثم مال قليلًا للأمام، وسألها بهدوء:

"أتعنين... أن أغويهم؟"

رفّت عيناها بخجلٍ لم يُخفِ فضولها،

تمتمت:

"أعني... أن تجعلهم يريدون أشياء لم يخطّطوا لها."

أمسك كأسه بهدوء، أدار النبيذ داخله وكأن الوقت في قبضته،

ثم قال:

"الرغبة لا تأتي بخطة، غلوريا.

إنها تأتي فجأة... كأنفاس ساخنة في عنقك،

كلمسة عابرة على يدك،

كفكرة... تخترقك وتُربكك، ثم لا ترحل."

نظرت إليه طويلًا،

وكأن كلماته أصابتها في الصميم.

هي تعرف تمامًا عما يتحدث... بل تشعر به الآن،

في يدها التي ما زال يلامسها،

في قلبها الذي لم يهدأ منذ صعدت معه إلى هذا الدور.

قالت له بصوت أقرب للهمس:

"لكنّ البعض... يقاوم."

أجاب دون تردّد:

"أعلم.

لكن من يقاوم كثيرًا... إما أنه يخاف مما يشتهيه،

أو يخشى أن يقع، ويكتشف أنه لا يريد أن ينهض."

ثم مال نحوها أكثر،

وصوته صار أخفض... وأقرب:

"وأنتِ، غلوريا...

هل تخافين مما تشتهينه؟"

حبست أنفاسها،

أدارت وجهها لحظة، كأنها تفرّ من مرآته،

لكنها لم تُجب...

لأن الإجابة كانت واضحة...

في ارتجاف صوتها،

وفي الطريقة التي لا تزال يدها فيها بين أصابعه،

دون أن تنسحب.

ظلّت يده فوق يدها،

لكن شيئًا تغيّر الآن...

لم تعد تلك اللمسة ناعمة فحسب،

بل أصبحت أعمق، أقوى...

كأنّه يُمسك بها لا ليطمئنها، بل ليمتلكها.

رفعت نظرها إليه...

وفي عينيها شيء غريب،

مزيج من التردّد والرغبة، من الذوبان والمقاومة،

وفي طرف شفتيها ارتجافة خفيفة... لم تكن ابتسامة.

اقترب قليلًا،

ولم تكن المسافة بينهما تتجاوز بضع أنفاس،

وشيء ما كان على وشك أن يحدث...

كلمة؟ لمسة؟

لم يكن واضحًا، لكن التوتّر في الهواء كان كثيفًا كأنفاس ثقيلة.

وفي اللحظة التي تمدّت فيها الصمت...

دخل النادل بهدوء،

حاملًا طبقين موضوعين بعناية.

قال بصوت مهذب،

لكنّه كسر اللحظة كالسيف:

"العشاء جاهز، سيدي."

تراجع ماتيو قليلًا إلى الوراء،

وصوته عاد هادئًا، محايدًا... لكن نظرته لم تتغيّر.

أشار للنادل بهدوء:

"ضعه هنا، وانصرف."

أما غلوريا...

فكانت لا تزال تنظر إلى الطاولة أمامها،

لكنها لا ترى الطعام،

بل ترى كل ما لم يحدث...

وكل ما شعرت به، دون أن يُلمس

بدأا في تناول الطعام بصمتٍ ثقيل،

كأنّ كل قضمة تحاول أن تطفئ شيئًا اشتعل منذ لحظة،

لكن العيون... لا تزال تتحدث.

غلوريا قطعت الصمت أولًا،

وضعت الشوكة جانبًا،

ثم تمتمت بنغمة خفيفة يملؤها الانبهار:

"الطعام... لذيذ جدًا،

نكهاته دقيقة، كأنها محضّرة خصيصًا لي."

ابتسم ماتيو، لكن ابتسامته كانت بلا براءة،

ثم وضع الشوكة ببطء،

ومال نحوها قليلًا،

وفي عينيه شرارة خفيّة لا تخطئها حاسّتها.

خفض صوته حتى صار همسًا بينهما،

ونطق بكلماتٍ انسابت منها حرارة خفية:

"كطَعم شفتيك..."

شهقت دون صوت،

كأن الهواء اختنق في صدرها للحظة.

تجمّدت نظرتها عليه،

عيناه لا تبتعدان عن وجهها...

وكأنّه ينتظر ردّ فعلها... أو تورد وجنتيها، أو تلك الرجفة الخفيفة التي يعرف أنها ستأتي.

حاولت أن ترد،

لكن الكلمات اختنقت خلف ابتسامة خجولة متوترة،

فأمسكت بالكأس، وارتشفت جرعة صغيرة...

لا لتطفئ ظمأها، بل لتشغل يديها عن ارتباكها.

أما هو...

فكان يجلس أمامها كصيّاد صبور،

يعرف تمامًا أن فريسته لا تهرب... بل تنتظر لحظة السقوط.

كانت غلوريا تراقبه من خلف كأسها،

نظراته مشتعلة لكن ساكنة،

وصوته المنخفض لا يزال يرنّ في أذنها:

"كطَعم شفتيك..."

ابتسمت ابتسامة خفيفة،

لكن في عينيها لم يكن هناك خجل...

بل شيء آخر. شيء يشبه التحدّي الهادئ.

مرّت لحظة صمتٍ،

ثم، دون أن تنطق،

حرّكت قدمها من تحت الطاولة...

ولمسته.

كانت الحركة ناعمة، بطيئة، مترددة في ظاهرها...

لكنها مليئة بالنية.

لامست رجله بخفة،

كأنها تقول له:

"أستطيع أن أُشعلك كما تفعل أنت."

ماتيو لم يتحرّك لحظة.

لكن عينيه ثبتتا عليها،

نظرة طويلة، ساكنة... كأنّه يبتلعها من الداخل دون أن يلمسها.

ثم، بهدوء مدروس،

مدّ يده أسفل الطاولة،

ووضعها فوق ساقها بثبات،

حركة لم تكن سريعة... لكنها لم تكن بريئة.

نظر إليها، وقال بصوتٍ لا يكاد يُسمع:

"ألم أقل لكِ...

أنكِ لا تصلين إلى نصف الطريق ثم تتراجعين؟"

شعرت بقلبها يخفق بشدة،

لكنها لم ترد...

لم تسحب ساقها،

ولم تُبعد عينيها عن عينيه.

لم تكن غلوريا تعرف كيف تتحرّك بعد تلك النظرة،

تلك اللمسة،

وتلك المسافة الغامضة بين ما يحدث وما لا يُقال.

لكن ماتيو...

كان كعادته، هو من يُعيد تشكيل اللحظة.

نهض بهدوء من مقعده،

دون استعجال، دون حتى أن يزيح عينيه عنها،

ثم مدّ يده نحوها،

وقال بصوتٍ منخفض... كأمرٍ لا يحتمل الرفض:

"هل ترقصين؟"

ارتفعت حاجباها قليلًا،

ونظرت إلى يده الممدودة،

كأنها لا تعرف أتمسك بها... أم تحترق إن فعلت.

قالت، بصوتٍ فيه شبه ابتسامة:

"هنا؟ الآن؟"

اقترب منها خطوة أخرى،

حتى أصبحت يداه على مسافة نفس من وجهها،

وقال بهمسٍ لم يخفت فيه التملّك:

"لا أحد هنا سوانا...

ولم أخلق هذه الليلة لنأكل فقط، غلوريا."

تردّدت للحظة،

لكن قدميها سبقتها،

وقلبها كان قد وافق منذ زمن.

وضعت يدها في يده،

فأغلق أصابعه عليها بقوّة ناعمة،

ثم قادها إلى منتصف الغرفة...

حيث الضوء الخافت،

والمدينة ترقص خلف الزجاج مثل ظلّ بعيد،

وحيث الموسيقى التي لم تُسمع... بدأت تدقّ في عروقها.

وقفا في منتصف الغرفة،

والموسيقى الصامتة دقّت في قلبيهما قبل أن تُسمع في الأرجاء.

وضع ماتيو يده على خصرها برفق،

كأنّه يضع يده على شيء هشّ لا يريد كسره،

لكن أصابعه ثبتت ببطء...

كأنّها ترفض أن تتركها بعد الآن.

أما هي،

فرفعت يديها ببطء،

وضعتها حول عنقه،

ثم اقتربت... حتى لم يعد بينهما متّسع لأنفاسٍ ضائعة.

بدأا يرقصان ببطء،

خطوات خفيفة،

أنغام لا يُسمع منها شيء...

لكن جسديهما كانا يردّدان اللحن وحدهما.

وجهيهما قريبان...

قريبَين جدًا،

أنفاسه تلامس خدّها،

وعيناها تطوفان بين عينيه وشفتيه،

كأنّها تبحث عن جواب لسؤال لم يُطرح.

ثم، دون أن يقول كلمة،

أمال رأسه قليلاً...

ووضع ذقنه على رقبتها،

يتنفس عند موضع قلبها،

أنفاسه دافئة..

كأنّه يسكب شيئًا من حرارته داخلها.

أغمضت عينيها،

ويدها شدّت عليه أكثر،

كأنها، للحظة،

قررت ألا تفكر بشيء... سوى الإيقاع،

وسوى حضوره،

وسوى الرعشة التي تملأها كلما اقترب منها أكثر.

ما إن هدأت الموسيقى...

حتى فاجأها ماتيو.

أمسك يدها بقوة مفاجئة،

لكن ليست خشونة... بل إصرار،

سحبها خلفه دون أن يشرح،

خطواته سريعة، عينه لا تلتفت،

وكأن هناك شيئًا ينتظرهما لا يحتمل التأجيل.

قالت، وهي تحاول مواكبة خطواته:

"ماتيو؟ إلى أين؟!"

لكنه لم يرد،

فقط التفت إليها بعينين تلمعان بنارٍ خفيّة،

وقال:

"أريدك أن تري ما لا يراه أحد...

أن تجربي حياتي كما هي...

بلا حواجز."

فتح بابًا حديديًا صغيرًا في نهاية الممر،

وصعد بها سلالم ضيقة،

حتى خرجا إلى سطح ناطحة السحاب.

كان المكان واسعًا... مفتوحًا تمامًا،

لا جدران، لا أسوار،

فقط المدينة تحت قدميهما...

وهواء الليل يضرب وجهيهما كصفعة ناعمة.

توقفت غلوريا فجأة،

نظرت حولها، ثم إليه، وقالت بصوت خافت:

"أهذا... آمن؟"

اقترب منها، وقف خلفها تمامًا،

ثم همس في أذنها بصوته الغائر:

"لا.

ولا أنا كذلك."

وضعت يدها على صدرها،

كأن قلبها خاف، أو انبهر،

لكنها لم تهرب.

رفع ذراعيه ببطء،

ثم وضعها على خصرها من الخلف،

وهمس مرة أخرى:

"هنا...

حين يختفي الأمان،

تبدأ الحقيقة.

هل تثقين بي؟"

لم ترد،

لكنها لم تتراجع.

وهذا كان كافيًا.

وقفت غلوريا على حافة السطح،

والرياح تعبث بشعرها كأنها تحاول أن تزيح عنها كل ما تبقّى من تردّد.

نظرت إلى الأسفل...

المدينة تحت قدميها كانت تبدو كأنها عالمٌ آخر،

بعيد، صامت، لا يعترف بوجودها الآن.

ارتجفت أناملها...

وهمست، بالكاد يُسمع صوتها:

"أنا... أخاف."

اقترب ماتيو، لم يمسك بها،

بل وقف بجانبها،

وصوته خرج هادئًا، عميقًا، كأنّه يحاوطها دون أن يلمسها:

"من الجيد أن تخافي، غلوريا...

الخوف يعني أنكِ ما زلتِ حية.

لكن إن أردتِ أن تدخلي عالمي...

عليكِ أن تعرفي كيف تطفو فوقه، لا تهربي منه."

التفتت إليه ببطء،

وعينيها تلمعان...

بخوفٍ ناعم، وثقة خجولة بدأت تنبت رغم كل شيء.

قالت، بصوت لا تخفي فيه رجفتها:

"وهذا... عالمك؟

اللاشيء، اللاحدود... اللا أمان؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة،

ثم مدّ يده نحوها...

لا ليأخذها، بل ليترك لها حرية القرار.

"هذا أنا، غلوريا...

ولا شيء بي مغلّف بورق الأمان.

لكن إن كنتِ تثقين بي...

ستكتشفين أن في الهاوية بعض النجاة."

نظرت إلى يده...

ثم إلى الفراغ من تحتها،

ثم عادت لتنظر إليه.

ومدت يدها ببطء،

ووضعت كفّها في راحته،

كأنها بذلك ختمت عهدًا صامتًا...

أنها لا تعرف إلى أين يأخذها،

لكنها ستذهب.

وبينما يداها بين يديه،

نظرت مرة أخيرة إلى المدينة تحتها...

وقالت بهمس كأنّه صلاة:

"أنا أثق بك، ماتيو..."

شعرت بريح الليل تضرب جسدها بقسوة،

والهواء البارد يصفع ساقيها كأنّه يريد دفعها نحو المجهول.

خطت خطوة صغيرة نحو الحافة...

ثم توقفت.

قبل أن تتردد أكثر،

اقترب منها ماتيو من الخلف،

ووضع يديه على خصرها بثبات...

حركة ناعمة، لكنها تحمل وعدًا بالحماية.

شدّها نحوه قليلًا،

وكأنّه يذكّرها أن لها وزنًا،

وأن وجوده... يمنع الريح من سرقتها.

قال بصوته العميق، المائل للهمس:

"أنا ممسك بكِ، غلوريا...

لن أدعك تسقطين، لا هنا... ولا في أي مكان آخر."

ارتجفت يدها،

ثم وضعتها فوق يده التي تمسك خصرها،

تعلّقت به، بقوّة خائفة،

كأنها تغرس نفسها فيه لتنجو.

همست، دون أن تلتفت:

"أنا فقط... أخاف من هذا الفراغ."

اقترب أكثر،

حتى شعرت بحرارة جسده خلفها،

وبأنفاسه تلامس عنقها،

ثم قال:

"انظري تحتكِ...

شاهدي العالم من أعلى، كما هو... صغير، ضائع، لا يخصّنا."

نظرت...

ورأت الأضواء مثل نيران بعيدة،

السيارات كحشراتٍ تتحرّك في صمت،

والمدينة كلها... كأنها لا تهم.

ثم قال بصوتٍ أكثر رقة:

"لا تفكّري في أي شيء الآن،

انسِ كل شيء...

تخيّلي أن العالم انتهى،

وأننا نحن فقط من تبقينا...

أنا وأنتِ، هنا، فوق هذا السطح،

نحتمي من الخطر... ببعضنا."

أغمضت عينيها،

ثم همست كأنها تخاف أن تنكسر لحظة السكون:

"ابقَ معي، فقط..."

فضمّها من الخلف،

وثبّت يديه على خصرها أكثر،

وقال بهدوء:

"أنا هنا، خطيئتي الحلوة...

ولن أترككِ."

جلسا لبرهة فوق حافة العالم،

صامتَين، لكن قلبيهما يضحكان،

نظرات سريعة، لمسات خفيفة، وضحكات صغيرة تتسرّب من بين الشفاه كأنها هروب خفيف

المدينة من تحتهما...

أضواؤها تتراقص كنجوم سقطت ولم تُطفأ،

وصوت الريح يهمس بشيءٍ لا يفهمه سوى من يقترب من الحافة.

فجأة،

ودون أن يتكلم،

أمسك بذراعيها بلطف،

كأنّه يريد أن يجعلها تلامس الواقع،

بينما هو...

يذيبها عن ذلك الواقع.

اقترب منها ببطء،

حتى لم تعد تشعر بالهواء بينهما،

جسده يلامسها،

ونبضه يُسمع من قربه،

والهاوية من خلفه...

لكن عينيه، وروحه، وميله الكامل... نحوها.

قال بصوتٍ مبحوح،

كأنّه يخرج من عمق لا يُرى:

"لا أستطيع الابتعاد عنكِ...

ولا أريد أن أتعافى منكِ."

ثم،

اقترب من أذنها،

وهمس، بنبرة امتلكت قلبها:

"أنتِ لستِ جزءًا من حياتي...

أنتِ الحياة ذاتها."

وببطء،

وهو لا يزال محاصرًا بين الجاذبية من خلفه وجاذبيتها من أمامه،

رفع يده إلى وجهها،

وتأملها للحظة كأنّه يودّع كل ما عداه.

ثم طبع قبلة...

هادئة، ممتلئة، عميقة،

قبلة تشبه اعترافًا،

ووعدًا...

وخطرًا جميلًا.

قبّلها كأنّه ينطق بما عجز لسانه عن قوله،

قبلة تشبه المطر بعد جفاف،

تشبه العودة بعد ضياع...

وكانت هي، في البدء، صامتة.

لكن...

ما إن شعرت به

حتى ارتجفت شيئًا في أعماقها،

كأنّ قلبها يستيقظ من نومٍ طويل.

رفعت يديها ببطء،

وضمّته من عنقه،

وردّت على قبلته بأخرى،

هادئة أولًا... ثم أكثر عمقًا،

كأنها تغوص فيه دون تردّد.

لم تكن مجرد قبلة...

كانت انصهارًا،

غرقًا بين هاويتين،

واعترافًا غير منطوق:

"أنا هنا، معك... وأريدك."

ولم يعد هناك صوت في الدنيا...

سوى الريح خلفهم،

ونبضٍ عنيد...

يصرّ على البقاء.

انفصلا عن القبلة ببطء،

كأن العالم نفسه يأمرهما بالتريّث،

لكن أنفاسهما لا تزال مشتبكة،

وجباههما تلامست،

وعيناهما... لا تهربان.

اقترب ماتيو أكثر،

حتى صار فمه عند حدود أذنها،

وهمس بصوتٍ غائر،

كأنّه يُخرج سرًا لا يعرفه سواه:

"لا تعودي كما كنتِ يا غلوريا...

من الآن، أنتِ لي.

كل نفسٍ تتنفسينه،

كل رعشة تمر بجسدك... هي لي

تجمّدت، ليس خوفًا...

بل لأن شيئًا في داخله صدّق ذلك،

واستسلمت له.

أكمل، وهو يضمّها كأنّه يخفيها من العالم:

"لو طلبوا مني أن أترككِ...

سأحرق كل شيء،

لكن لن أترككِ."

هبطوا الدرج المعدني البارد،

خطوةً... تلو الأخرى،

لكن لا أحد فيهما التفت وراءه،

فما حدث فوق السطح...

بقي محفورًا في قلبيهما، لا يحتاج إلى مراجعة.

كانت يد غلوريا في يده،

تشبّثت بها لا من خوف، بل من رغبة ألا تنفصل.

لم يتكلما،

لكن الصمت بينهما كان أبلغ من ألف وعد.

خرجا من باب السطح الجانبي،

عَبَرا الممرّات الصامتة للمبنى،

ثم وصلا إلى المصعد،

وقلوبهما لا تزال تدقّ بنفس الإيقاع الخفي.

وعندما وصلا إلى بهو المبنى،

فتح ماتيو باب السيارة لها بنفس اليد التي لم تترك يدها،

وكأنها أصبحت امتدادًا له.

جلست بجواره داخل السيارة،

والليل يحتضنهما من كل جانب،

والمدينة صارت خلف الزجاج...

بعيدة، بلا صوت.

أدار ماتيو المحرك،

لكن لم يطلق أي موسيقى،

لم يشغّل سوى الطريق...

وصوت أنفاسهما المتناغمة.

كانا عائدين إلى القصر،

لكن لا شيء فيهما عاد كما كان.

توقفت السيارة أمام بوابة القصر.

فتح ماتيو الباب لغلوريا كعادته،

فخرجت ببطء،

وشيء من الهدوء لا يزال يغلف ملامحها بعد تلك الليلة الطويلة.

لكن ما إن خطت أولى خطواتها على الأرض الرخامية،

حتى انكسر كعب حذائها فجأة،

ميلت قدمها للحظة،

وتشبثت بالهواء تحاول حفظ توازنها.

قالت بتوتر بسيط، وهي تضحك لنفسها:

"حقًا؟ الآن؟"

حاولت أن تمشي،

لكن الكسر كان واضحًا،

وكأن قدماها تعاقبانها على الرقص فوق ناطحة السحاب.

اقترب منها ماتيو،

عيناه تلمعان اهتمام،

ودون أن ينبس بكلمة،

انحنى قليلاً...

ثم رفعها بذراعيه،

وكأن الأمر أبسط من أن يُناقش.

قالت وهي تضحك، وقد وضعت ذراعيها حول عنقه:

"هل هذا ضروري؟ بإمكاني المشي... نوعًا ما."

أجابها بنظرة عميقة،

وصوتٍ هادئ يحمل دعابة خفية:

"لا أريد أن أخاطر بسقوط خطيئتي الحلوة...

ليس بعد كل ما مررنا به الليلة."

ضحكت مجددًا،

لكن قلبها كان يطرق صدرها بارتباك ناعم،

فهي لم تعتد أن يحملها أحد...

بهذه الطريقة،

وكأنها كنز، أو لغز، لا يجب أن يُمس.

دخل بها من بوابة القصر،

والخدم ابتعدوا دون أن يجرؤوا على النظر،

ففي عيني ماتيو...

كان هناك شيء لا يُقاطع.

ثم بصوته الخافت، المجرَّد من أي قناع:

"قولي لي، غلوريا...

ماذا تريدين؟"

رفعت عينيها إليه ببطء،

وفي نظرتها شيء من النار...

وشيء من الندم،

وشيء ثالث لا اسم له.

همست،

بصوتٍ ناعم كأنّه يخشى أن يوقظ عقلها:

"أنت تعرف."

اقترب وجهه قليلًا،

وقال وهو لا يزال يثبت عينيه في عينيها:

"ربما... لكنني أريد سماعه منكِ."

سكتت لحظة،

كأنها تعبر هاوية داخل عقلها،

ثم شهقت همسة صغيرة،

وقالت:

"أنا... أريدك.

أريدك أنت."

وفي تلك اللحظة،

كان عقلها يصرخ:

"ماذا تفعلين؟! هذا الرجل اختطفكِ...! سرقكِ من حياتك...!"

لكن قلبها كان أقوى،

يدقّ بقوة،

يرتجف تحت جلدها،

كأنّه يركض إليها... لا منها.

نظرت إليه،

وكل شيء بداخلها يتصارع،

لكنها لم تتراجع.

مدّ ماتيو يده ولمس أصابعها بلطف،

كأنّه يختبر ما تبقّى من عقلها، أو قلبها... أو الاثنين.

نظر في عينيها نظرة طويلة،

ثم قال بصوت خفيض،

يحمل تساؤلًا أخيرًا:

"حين تقولين أنك تريدينني...

أيّ نوع من الرغبة تقصدين، غلوريا؟

وجودي؟

أم... شيء لا تعرفين اسمه بعد؟"

سكتت،

شعرت أن السؤال يضرب مكانًا عميقًا فيها،

مكانًا لم تمسّه من قبل.

ثم رفعت وجهها نحوه،

وعيناها تشتعلان برغبة خجولة، لكنها حقيقية.

همست،

وصوتها كأنّه يرتجف من شدّة الوضوح:

"أريد أن أشعر بك...

بجسدك، بلمستك، بقربك...

أريدك أن تمحو هذا الفراغ داخلي،

بطريقتك."

شهقت في نفسها بعد أن نطقت،

وكأن عقلها استيقظ فجأة،

وبدأ يصيح:

"ما الذي تفعلينه؟! هذا ماتيو... خاطفك، سجّانك، لا يجب أن تثقي به!"

لكن قلبها...

كان قد سبقها بخطوات،

وكان يجلس بجوار ماتيو...

ينتظره أن يقترب أكثر.

هو لم يتحرك فورًا،

بل اكتفى أن يضمّ كفّها بين راحتيه،

كأنّه يختبر صدق ما سمع،

ثم قال، بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

"سأعطيكِ كلّ ما تطلبين...

لكن تذكّري دائمًا،

أنّكِ... خطيئتي."

حدّق ماتيو في عينيها طويلًا،

كأنّه يبحث عن ذرة تردّد...

عن أيّ إشارة تقول له أن ما يحدث ليس سوى وهم لحظة،

ثم سأل بصوتٍ خافت،

لكن ملامحه كانت مشتعلة بالخوف عليها:

"أأنتِ متأكدة، غلوريا؟

أهذا حقًا ما تريدينه؟

أنتِ... لم تفعلي هذا من قبل،

ولا أريد أن تكوني معي... إن لم تكوني واثقة بي."

ارتجف شيء في عينيها...

كأنّ كل الذكريات المؤلمة مرت بلحظة،

ثم همست، وصوتها أضعف من التنفس... لكنه صادق:

"أنا لا أعرف لماذا...

لكنني أثق بك

بطريقة غريبة... لا أستطيع شرحها."

اقترب منها قليلًا،

كأنّه لا يزال غير مصدّق،

ثم قال:

"ثقي بي، يا خطيئتي الحلوة...

أنا لا أريد أن أكون جرحًا في ذاكرتك."

رفعت يدها ولمست وجهه بخفة،

كأنها تطمئنه لا تطمئن،

وقالت بنبرة امتزج فيها الحنين والجنون:

"لا أحد يفهمني كما تفعل...

ولم أشعر بأني أنتمي... إلا قربك."

كان عقلها لا يزال يهمس بصوتٍ بعيد:

"هل ما تفعلينه صواب؟ أهذا حب؟ أم استسلام؟"

لكن قلبها كان قد حسم قراره...

وسلّم روحه لمن سرقها أولًا.

اقترب ماتيو منها ببطء...

كأنّه لا يقترب من جسد، بل من سرّ،

كأنّ كل خطوة نحوه تكلّفه وعدًا...

أو نجاة.

عيناه في عينيها،

لا يسألها من جديد،

بل يقرأ فيها إجابة ما لم يُقال.

رفع يده ببطء،

ولمس وجنتها بخفة،

كأنّها قد تنكسر إن زاد الضغط قليلًا.

همس، لا بصوته... بل بأنفاسه القريبة:

"غلوريا..."

ولم تنتظر اسمه الآخر.

كانت عيناها نصف مغمضتين،

كأنها تسلّم نفسها للحظة...

للقرب...

للنسيان المؤقت لكل شيءٍ إلا هو

ظلّت أنفاسه تلامس بشرتها،

بين كل تنهيدة وهمسة،

حتى همست غلوريا بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

"لماذا... لا أخافك كما ينبغي؟"

ابتسم ماتيو، ابتسامة باهتة لكنها صادقة،

وقرّب وجهه من أذنها،

وقال:

"لأن قلبكِ يعرفني... قبل أن يراكِ عقلك."

نظرت إليه...

وفي عينيها ارتباك، وخضوع، وثقة لا تعرف كيف وُلدت.

مدّ يده بلطف،

وأخذ كفها الصغيرة بين راحتيه،

وقال بصوتٍ حنون:

"لن ألمسكِ إلا حين تطلبين...

ولن أقترب...

إلا إن شعرتِ بالأمان الكامل قرب ذراعيّ."

وفي لحظة من الصمت،

رفّت رموشها قليلًا،

ثم ببطء شديد...

رفعت يدها نحو صدره،

وأصابعها المرتجفة بدأت تفك أزرار قميصه...

زرًا بعد زر...

كأنها تزيل جدارًا كان بين قلبها... وقلبه.

هو لم يتحرّك،

لم يتكلّم،

لكن عيناه كانتا تقولان كل شيء.

وحين وصلت يدها لآخر زر،

همست، كأنها تنطق قدرها:

"أنا... مطمئنة."

كانت أصابعها لا تزال تلامس صدره،

تمرّ فوق الوشوم...

فوق الجروح القديمة،

كأنها تحاول أن تفك شيفرة رجلٍ خُلِق من الرماد.

همست، وصوتها أقرب لرجفة:

"كل هذا الألم...

كيف تحمله وحدك دون أن تنكسر؟"

اقترب منها،

نظراته اشتعلت ببطء،

كأنها أوقدت نارًا كان يحاول إخمادها منذ لحظة دخوله الغرفة.

قال بصوته العميق،

الذي ينزف دفئًا... وتملكًا:

"أنا لا أنكسر يا غلوريا...

أنا أشتعل.

وحين أشتعل، ألتهم كل من يقترب...

وأنتِ... اقتربتِ أكثر من اللازم."

شعرت بقلبها يرتجف،

لكنها لم تتراجع.

بل نظرت في عينيه بعناد ناعم،

وقالت:

"فلتلتهمني إذًا...

إن كان هذا يعني أن أبقى قربك."

انفرجت شفتاه بنصف ابتسامة،

لكن عينيه...

أصبحتا أكثر ظلمة.

مال نحو أذنها،

وهمس:

"لا تقوليها، إلا إن كنتِ مستعدة لتحمّل عواقبها...

حين أمتلك شيئًا،

لا أتركه حيًّا...

أمزجه بناري، حتى لا يعود يعرف نفسه."

شهقت،

لكنها لم تهرب.

بل رفعت يدها من جديد،

ومرّت بها فوق قلبه،

وقالت بنبرة منخفضة:

"إحرقني إذًا،

لكن لا تتركني في نصف النار...

إما أن أنتمي إليك،

أو أنتهي بك."

كانت المسافة بينهما قد تبخّرت،

كأنّ الهواء نفسه تراجع احترامًا لما يحدث.

عيونهما معلّقة ببعض،

لكنها لم تكن مجرد نظرات...

كانت صراعًا، اعترافًا، اشتعالًا هادئًا يأكل ما تبقّى من المقاومة.

وقفا أمام بعضهما...

لا شيء بينهما سوى النبض،

سوى الصمت الذي صار يصرخ.

همست غلوريا،

وصوتها خرج كما لو كان غريزة:

"لا أعرف ما الذي يحدث لي..."

اقترب ماتيو، ببطء يشبه الزحف الخطر،

وعيناه لا تغادران عينيها،

ثم قال بنبرة منخفضة، راكدة... لكن مشتعلة:

"بل تعرفين...

لكنّكِ فقط... تخافين الاعتراف."

مرت لحظة،

ثم اقترب أكثر،

يده لامست وجهها برقة عجيبة...

كأنّها أغلى من أن تُلمس.

شفته اقتربت من شفتها...

ثم ترددت لحظة،

وكأنّه يمنحها الفرصة الأخيرة للهرب.

لكنها لم تهرب.

هي من اقتربت هذه المرّة.

وحين تلاقَت الشفتان...

لم تكن قبلة.

كانت وعدًا.

كانت شهقة بلا صوت.

كانت كل ما لم يُقل منذ لقائهما الأوّل.

ازداد القرب...

ومع كل ثانية،

كأنّ شيئًا منه يذوب فيها،

وشيئًا منها يُسلم نفسه له دون رجعة.

كانت الرغبة بينهما واضحة،

لكنها لم تكن فوضوية...

بل مشتعلة،

مكثّفة،

مكبوتة لدرجة أن الهواء نفسه صار خانقًا من شدّتها.

شفاه تتلامس، أنفاس تتداخل، نظرات تحترق.

وكانت لحظة الوقوف أمام بعض...

أقوى من ألف لمسة.

كان كل شيء حولهما قد اختفى.

الغرفة... الجدران... الوقت...

حتى هي، لم تعد تشعر بجسدها،

بل بنبضٍ واحد،

ثقيل، عميق... ينتمي له وحده.

وجدت نفسها تحته،

لكنها لا تريد الهروب،

بل... تريد أن تغرق أكثر.

نظر في عينيها مطوّلًا،

وجهه قريب منها حدّ أنفاسه لامست جفنيها،

لكن عينيه...

كانت تشتعل، وكأنها تسأل السؤال الأخير.

همس، بصوتٍ خفيض،

لكنّه كان يحمل كل الجدّية في العالم:

"هذه اللحظة...

هي فرصتكِ الأخيرة، غلوريا.

إن اخترتِ الآن...

لن أعود رجلًا عاديًا في حياتك.

سأكون... كل شيء."

سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة أعمق:

"أخبريني...

أأنتِ مستعدة؟"

ترددت أنفاسها،

تسارعت، ثم تباطأت، ثم انقطعت.

رفعت يدها ببطء،

ولمست وجهه،

وفي عينيها نظرة امرأة لم تعد تخشى النار،

بل... تدعوها أن تلتهمها.

همست،

وكل خلية في جسدها ترتجف:

"أنا مستعدة، ماتيو...

لك، لهذه اللحظة...

للنهاية... أو البداية."

كانت الصمت يملأ الغرفة،

لكن بين نظراتهما...

كانت هناك ضجّة لا تُحتمل.

اقترب ماتيو منها أكثر،

حتى صار كل ما يفصل بينه وبينها،

هو آخر خيط في طفولتها.

همس لها،

وصوته أشبه بوعدٍ قاتم:

"حين أعبُر هذا الحاجز بيننا...

لن تعودي كما كنتِ.

ستصيرين... ملكي، للأبد."

نظرت إليه بعينين مبللتين بالعزيمة،

لا دموع، لا ضعف،

بل شوق لأن تفقد شيئًا...

لتربح شيئًا أعظم.

"خذني،" همست،

"واكتبني باسمك....

ولم يكن بعدها شهقات مبالغ فيها،

بل...

صوت خافت جدًا،

يشبه انكسار شيء رقيق،

كأنها زهرة تُنتزع من جذورها،

لتُزرع من جديد في أرض لا تعرفها،

لكنها آمنت بها.

وفي تلك اللحظة...

كانت له.

كلها.

جسدًا... وذكرى... ومصيرًا لا مفرّ منه.

ظلّ هو فوقها،

وعيناه مغمضتان،

كأنّه يصلّي في محرابها،

بينما قلبه يهمس:

"غرقت بكِ، يا خطيئتي...

وأقسم أني لن أنجو."

كانت شهقاتها تخرج كأنها لا تملك السيطرة،

أنين خفيف يُفلت من بين شفتيها، مرةً بدفء، ومرةً برجفة،

كأن كل خليةٍ فيها تستجيب له،

كأن جسدها يناديه... بصوتٍ لا يُسمع إلا له.

وهو... لم يكن غافلًا عن أي اهتزاز فيها،

كان يراقبها بعينين تشتعلان.

اقترب منها أكثر، شفتيه تلامسان خدها،

ويهمس بنبرة مشتعلة وهو يسمع أنينها:

"...دعيني أسمعكِ...

كانت تهمس له في كل تنهيدة:

"لا تتوقف...."

فيضمّها أكثر،

ويهمس من بين أنفاسه:

"لن أتوقف"

في قلب السكون، كانت الغرفة غارقة في ضوء خافت، وستائرها تهتز بلطف مع نسيم الليل.

في الداخل... كانت الهمسات تهمد، والأنفاس تتلاحم.

غلوريا بين ذراعيه، وفي تلك اللحظة، لم يكن في العالم سوي هما.

لكن خارج ذلك العالم... كان هناك من يُراقب

من زوايا مظلمة خلف الزجاج، ومن وراء ظل شجرة متسلقة على الجدار الحجري للقصر...

كانت تقف فاليريا.

عيناها تلمعان تحت ضوء القمر، لكن لا دفء فيهما.

الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها... لم تكن سوى قناع مغطى بسمّ بارد.

راقبتهما بصمت طويل، كأنها توثق لحظة... لا لتحتفظ بها، بل لتكسرها.

تمتمت لنفسها، بصوت كالسُمّ المنقّط:

"استمتعي الآن يا غلوريا...

ضعي رأسك على صدره، واغرقي في دفئه،

لكن تذكّري... كل دفءٍ له موعد مع البرد.

وكل من ضحك، سيبكي."

أخرجت هاتفها، التقطت صورة سريعة، ثم أغلقت الشاشة.

لم تكن الصورة لذكرى... بل كانت تهديدًا مؤجلاً.

ثم أدارت ظهرها، وخطاها تتلاشى مع العشب والظل...

تركت خلفها نافذة مفتوحة، وقلبًا سيُكسر... عاجلاً أو آجلاً.

انتهى

رائيكم

✨5الف كلمه✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خطيئتي الحلوه

المؤلف Gloria_Ramirez02
2025/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة