استيقظت غلوريا على ضوء خافت يتسلّل من خلف الستائر السميكة، كأنّ الشمس تخشى اقتحام هذا المكان الغريب.
كان صدرها مثقلاً، لا من النوم، بل من وقع الساعات الماضية التي غيّرت مجرى حياتها. كل شيء في ذاكرتها ما يزال مشوشًا، لكن وجهه... وجهه واضح، كما لو طُبع في جدران ذهنها.
فتحت عينيها ببطء... وإذا به هناك.
جالسٌ على كرسي خشبي قبالتها، ساكنٌ كتمثال، ملامحه لا تنطق بشيء، وعيناه عالقتان بها، كأنّه يقرأ تفاصيلها ببطء، وكأنّها اللغز الوحيد الذي استعصى عليه.
كان ماتيو دينارو.
الرجل الذي قاد رجاله كظلّ الموت، واختطفها من قلب حياتها، وألقاها في عالم لا يشبه شيئًا مما عرفت.
نظراته الآن لا توحي بالقسوة، بل بشيءٍ غامض... مزيج من التملّك والدهشة، والشيء الذي لا يريد الاعتراف به.
مدّ يده نحو وجهها، ليلفّ خصلة من شعرها على إصبعه كأنّه يلمس قطعة من وهم، لكنها تراجعت فجأة، وبصوت متوتر قاطعته:
"قلت لك لا تلمسني!"
تجمّد مكانه، سحب يده ببطء دون كلمة، لكن عينيه ظلّتا تحدّقان بها، بنفس السكون الغريب.
قالت بنبرة مشتعلة بالغضب:
"هل تعتقد أنّك بهذا الصمت يمكن أن تبرّر ما فعلت؟ لقد خطفتني، خدّرتني، حبستني!
وبكل وقاحة، تجلس الآن أمامي وكأنّك عاشقٌ يتأمّل معشوقته؟"
ظلّ صامتًا لبرهة، ثم تنفّس ببطء، كأنّه ينتقي كلماته من بين ألسنة نيران في داخله.
قال بصوت خافت، لكنّه مشحون بشيء أشبه بالاعتراف:
"لم أعد أفهم نفسي... حياتي كانت تسير في خطوط حادّة، منظمة، كل شيء فيها واضح... حتى ظهرتِ أنتِ.
منذ أن رأيتك في المطار، هناك شيء استيقظ داخلي، شيء يشبه الجنون... أو اللعنة."
ضحكت غلوريا بسخرية مريرة، وقالت:
"لعنة؟ هل تُسمي خطف الناس لعنة؟ هل تعتقد أن ما تفعله بي يندرج تحت مسمّى العشق؟"
اقترب خطوة منها، فشدّت الغطاء حول جسدها بتوتر، لكنّها لم تتراجع.
كان صوته أبطأ... أعمق... وكأنّه يفتح صدره للمرّة الأولى:
"أراكِ في كل شيء... في صفقاتي، في هدوئي، حتى في ساعات الدم، أراكِ...
صورتك تطاردني، تسرق النوم من عيني، وتخنقني كلما حاولت تجاهلكِ."
نظرت إليه طويلاً، كانت عيناه تتكلمان أكثر مما يسمح به فمه، لكن الغضب في قلبها لم يخمد.
"ما فعلته بي لا يُغتفر... لا يمكن أن أراك كما ترى أنت."
وقف مكانه، نظراته تغيّرت... بردت فجأة، وعاد إلى قناع الرجل الذي لا يلين.
قال بنبرة هادئة ولكن قاطعة:
"لن أطلب غفرانك، فأنا لا أطلب شيئًا من أحد...
لكنكِ ستبقين هنا، معي، حتى أقرر... متى أطلق سراحك."
ثم استدار وغادر الغرفة بهدوء، يغلق الباب خلفه بصوتٍ خافت، تاركًا خلفه ارتجافة خفية تسلّلت إلى أعماقها،
ارتجافة لم تكن خوفًا خالصًا... بل شيئًا آخر، لم تعترف به بعد
ظلّت غلوريا جالسة على حافة السرير، ويداها مشدودتان إلى صدرها كأنّها تحتضن نفسها في محاولة يائسة لطمأنة ما لا يُطمأن.
كان الصمت في الغرفة أثقل من أي جدار، والهواء راكد كأنّه يرفض الحركة احترامًا للفوضى التي تعصف بعقلها.
"قبّلني..."
هكذا همست داخلها، دون وعي، وهي تتذكّر تلك اللحظة التي جُنّ فيها ماتيو، حين اقترب منها بغضب، أسكت صراخها بشفتيه...
لم تكن قبلة ناعمة ولا حالمة، بل كانت هجومية، متملّكة، صادمة... لكنها، رغم كل ذلك، أربكتها.
ارتجفت ذراعاها وهي تمرّر يدها على شفتيها ببطء، كأنّ الأثر لا يزال هناك، محفورًا، مرسومًا بلعنة لا تُغتفر.
"لماذا لم أصفعه؟ لماذا... لماذا شعرت للحظة وكأنني شُللت؟
هل كان خوفًا؟ أم... لا، لا، ليس شيئًا آخر. لا يمكن أن يكون."
أغمضت عينيها بقوّة، محاولةً طرد تلك الذكرى، لكن كلماته عادت تطرق في رأسها:
"لن تهربي مني مجددًا... لقد فقدتكِ مرة، ولن أفقدكِ مرة أخرى."
"هل كان يعرفني قبل المطار؟
هل قابلني من قبل؟ أم هي مجرد أوهام رجلٍ مهووس يختلق من نظرة قدرًا لا وجود له؟"
كانت أفكارها تتزاحم بلا نظام، تُجبرها على النظر إلى وجهه كما رأته الآن عن قرب... الملامح الجامدة، والعيون الداكنة كأنها تخفي ريقًا،
لم تكن تلك نظرات رجل يلهو، بل رجل يؤمن بما يشعر به... حتى وإن كان الشعور ذاته خطيئة.
تحسّست معصمها، لا يزال موضع قبضته عليه دافئًا، وكأن جلده ترك أثرًا لا يُمحى،
وفجأة، ارتعش قلبها من فكرة لم تكن ترغب في الاعتراف بها:
"ماذا لو... ماذا لو لم يكن ذلك كرهًا خالصًا؟
ماذا لو كان شيءٌ ما داخلي، ارتبك... لا، توقفِ يا غلوريا... توقفي فورًا."
نهضت فجأة وبدأت تمشي داخل الغرفة كأنّ الأرض تهتز تحت قدميها، كانت بحاجة إلى الهرب، ليس من القصر، بل من نفسها... من عقلها الذي بدأ يخونها.
"لا، هذا خاطف... مجرم... قاتل ربما، رجل مافيا، رجل لا يعرف الرحمة.
لا يُمكن أن أشعر نحوه بأي شيء... غير الكراهية."
ثم جلست مرة أخرى على حافة السرير، وجهها بين يديها، وأفكارها تدور في دوامة مظلمة.
"لكن ماذا سأفعل الآن؟ الباب مغلق، والنافذة بعيدة، وخالتي لا تعلم أين أنا...
وصديقتي... إيزابيل... أين أنتِ الآن؟"
شهقت بصمت، والدموع لم تنزل بعد، لكنها كانت على وشك.
ثم، كأنها تتذكّر نفسها، شدّت ظهرها بقوة، رفعت رأسها، ونظرت إلى الغرفة من حولها بعينين غاضبتين.
"لن أكون ضحية... لن أكون قطعة أخرى في لعبته.
سأجد طريقة... وسأخرج من هنا، مهما كلّفني الأمر."
استفاقت غلوريا من شرودها، نظرت نحو الباب، كأن شيئًا ما داخلها أيقظها ليهمس:
جربيه... فقط جربيه."
نهضت من على السرير بتردد، خطواتها بطيئة لكنها ثابتة، وقلبها ينبض بنداءٍ لا تدري له وجهة.
مدّت يدها إلى المقبض ببطء، كمن يخشى أن يستفيق من حلمٍ لن يحتمل صحوته.
و...
انفتح الباب.
لحظة صامتة، لم تتحرّك فيها الأرض، لكن الكون بأكمله دار في عقلها.
أيعقل؟ لم يكن مغلقًا بعد الآن؟
نظرت حولها، لا حرّاس، لا أبواب موصدة، لا أصوات تهدد.
فقط صمت القصر المهيب، وجدرانه العالية، وزخارفه اللامعة التي تعكس نور الشمس الداخل من النوافذ الواسعة.
خرجت بحذر، تتلفّت كأنها تخرج من زنزانة إلى عالمٍ غير مألوف.
مشت في الممر الطويل، تراقب الأعمدة الرخامية، واللوحات التي تُزيّن الجدران، والسجاد الفاخر الذي يُخمد وقع أقدامها.
"هذا ليس سجنًا... بل أشبه بقصر ملوك، لكنه يخنق."
فكّرت وهي تسير، تتساءل عن السبب.
وفي نهاية الممر، وجدت ورقة موضوعة على منضدة صغيرة من الخشب الداكن.
مدّت يدها وقرأت بخطٍ ذكوريّ أنيق:
"لديكِ الحرية بالتجوّل داخل القصر، لكن لا تقتربي من الأبواب الرئيسية ولا تحاولي الخروج.
ماتيو"
أطبقت الورقة ببطء، ومزيج من مشاعر الحيرة والسخرية والارتياب يمرّ على ملامحها.
"حرية...؟ أي نوع من الحريات هذه؟"
لكنها رغم ذلك، شعرت بشيء مختلف، كأن القيود بدأت تخفّ عن معصمها، أو على الأقل، كأنّ السجان قرّر التظاهر بأنه أقل قسوة.
تابعت سيرها، هذه المرة بخطى أكثر هدوءًا، تتأمّل المكان، وكأنها تحاول أن تحفظ كل زاوية، كل مخرج، كل نافذة.
هل كانت هذه بداية الخطة؟ أم بداية شيء آخر... لا تزال تجهله؟
دُفعت غلوريا بخطوات هادئة نحو باب خشبي ثقيل مُحاط بنقوش ذهبية دقيقة. لم تكن تعلم ما الذي دفعها لفتح هذا الباب تحديدًا، سوى فضول غامض... أو ربما شيء أعمق، شيء كأنّه جذبٌ غير مرئي.
دفعت الباب ببطء، فصدر صوت طفيف، يشبه همس الخشب العتيق.
ولمّا دخلت، شعرت كأنها دخلت إلى مملكة رجل لا يشبه سواه.
الغرفة فسيحة، ذات سقف عالٍ تزينه ثريا من الكريستال المتدلّي، تتلألأ كأنها نجوم معلّقة في ليلٍ نبيل.
الجدران مُغطاة بورق مخملي بلون النبيذ الداكن، تعانقه أرفف من خشب الأبنوس، تراصّت عليها كتب ثقيلة، وبعض التماثيل الصغيرة ذات الطابع اللاتينيّ القديم.
في منتصف الغرفة، كان السرير، واسعًا، يغطيه غطاءٌ أسود بخطوط فضية متداخلة. وُضعت وسائد حريرية بعناية، لا تشوبها فوضى، وكأن أحدًا لم يلمسه منذ زمن، أو كأن صاحبه مهووس بالكمال.
تقدّمت أكثر، تتأمّل الطاولة الجانبية التي تحمل ساعة جيب قديمة، بجانب قدّاحة ذهبية محفور عليها الحرف "M".
وعلى الجدار المقابل، لوحة زيتية ضخمة لرجلٍ يقف فوق جرف مطلّ على البحر، ظهره للكاميرا، ووجهه نحو الأفق، وتحت اللوحة كُتب: "لا مفرّ من القمة، حين يولد الإنسان ملكًا."
همست وهي تضحك:
"غرور أم حقيقة...؟"
وحين اتجهت نحو المكتب الفخم الذي يواجه النافذة الواسعة، لمحت شيئًا... شيء لم تتوقعه.
إطار صغير، بسيط، طفلاً صغيرًا لا يتجاوز السادسة، كان هو... ماتيو.
عينا الطفل تلمعان، ووجهه يفيض براءة لم يعد لها وجود الآن.
تجمدت غلوريا للحظة.
شعرت بشيء لم تعرفه من قبل تجاه هذا الرجل...
أهذا هو نفس الوجه الذي رأته يطلق الرصاص ببرودٍ في غرفة الموت؟
أهذا الطفل... هو نفس الرجل الذي قادها إلى هنا رغمًا عنها؟
وضعت أصابعها برفق على طرف الإطار، كأنها تتحسس ظلًّا من ماضيه.
تنهّدت، وتمتمت:
"حتى الوحوش... كانوا يومًا أطفالًا."
ثم تراجعت خطوة، وعادت تنظر إلى الغرفة بأكملها، كأنها تحاول فهم صاحبه أكثر، دون أن تعرف لماذا.
كانت غلوريا لا تزال تقف أمام المكتب، أصابعها تلامس حافة الإطار المعدني، وعيناها غارقتان في ملامح الطفل الذي لم تعد ترى فيه شيئًا من الرجل الذي يخيفها الآن. كان المشهد يبعث في نفسها شيئًا من التناقض... دفء قديم في عالمٍ ملئ بالفساد
وفجأة...
انقطع سيل الذكريات.
صوت باب الحمام يُفتح ببطء.
استدارت فورًا، لتجده أمامها...
ماتيو، عائدًا من دوامة البخار، بخطوات هادئة وواثقة، يلفّ حول خصره منشفة بيضاء، تقطر منها قطرات الماء إلى الأرض الرخامية، تتبعها آثار قدميه كأنها توقيعه على المكان.
شَعره الأسود الرطب التصق بجبهته، وانسابت خصلاته على جانبي وجهه الوسيم.
قطرات الماء انزلقت على عضلات صدره المشدود، مرورًا ببطنه المرسوم وكأنه منحوتٌ بإزميل نحات بارع.
لم يكن يبدو محرجًا أو مرتبكًا، بل العكس...
عيناه تنظران إليها بثبات، بنظرة تحمل شيئًا من الغموض، من التحدي، من التملّك.
تجمّدت غلوريا في مكانها، كأن الزمن توقف للحظة.
ابتسم هو، تلك الابتسامة التي لا تعرف لها نوايا، وقال بصوت أجش هادئ:
"يبدو أنك وجدت شيئًا مثيرًا في غرفتي."
لم تجب. كانت لا تزال ممسكة بالصورة، وكأن يدها نسيت كيف تتحرّك.
اقترب منها خطوة، وقطرات الماء ما تزال تتساقط من جسده، وقال:
"ألم يخبرك أحد، يا غلوريا، أن العبث بأشياء الملوك قد يكلّف الكثير؟"
رفّت رموشها بسرعة، استعادت بعضًا من رباطة جأشها، ووضعت الصورة مكانها ببطء، ثم تمتمت:
"لم أكن... أعبث."
قال بهدوء، ونظره مثبت على عينيها:
"بل كنتِ تحاولين أن تريني بطريقة مختلفة... أليس كذلك؟"
ارتبكت، ونظرت بعيدًا، محاولة كسر سطوة صوته ونظراته، لكن حضوره كان طاغيًا، حتى بدون درع البدلة أو سلاحه...
فهذا الرجل لا يحتاج سلاحًا ليفرض نفسه.
تركت غلوريا الصورة ببطء على حافة السرير، وكأنها تتخلّى عن شيء أثقل من أن تحمله يدها...
لكنها لم تكن تدرك أن الثقل الحقيقي كان يقترب منها الآن، ببطءٍ قاتل... بثقةٍ مُربكة.
ماتيو...
اقترب منها خطوة بخطوة، كل حركة منه كانت أشبه بصدى عميق في صدرها، كأن الأرض نفسها تنصت لصدى خطواته.
هي تراجعت، تلقائيًا، دون أن تدرك...
خطوة إلى الوراء، ثم أخرى، حتى شعرت بظهرها يلامس زاوية السرير.
صوته اخترق الصمت...
هادئ... أجش... دافئ كالنار في ليلةٍ شتوية، وفيه نبرة خفية من السخرية والهيمنة.
صوت يحمل طبقة منخفضة تسري كالكهرباء تحت الجلد، لا يصيح، لا يهدد... بل يغزو.
قال وهو يثبت عينيه في عينيها، دون أن يلمسها بعد:
"لا تهربي، غلوريا... لم ألمسك بعد، ومع ذلك أراك ترتجفين كما لو كنتِ على وشك السقوط."
هي ابتلعت ريقها، وشعرت أن الهواء يضيق من حولها...
لا تدري أكان هو مَن سرقه، أم أن قلبها هو من رفض أن يتنفس في حضوره.
هو أمال رأسه قليلًا، وصوته ازداد انخفاضًا، كأنه يُلقي سحرًا لا مجرد كلمات:
"أتعلمين؟ لستِ فقط من تراقبني... أنا أيضًا كنت أراقبك. منذ تلك اللحظة في المطار... و لم يغب وجهك عن عقلي، غلوريا."
ثم اقترب أكثر...
حتى أصبح بينه وبينها شبرٌ واحد، لا أكثر.
عيناها كانت تراقب كل تفصيلة في وجهه... الندى على رموشه، الظلال تحت عينيه، الشق البسيط في شفتيه.
همس:
"كلّ شيء فيكِ يثير الفوضى داخلي... وأنت ي خطيئتي، لا تعرفين ذلك."
لم تكن تدري إن كانت تتنفس أم لا...
عيناه تغلغلت في عينيها حتى شعرت بأنهما تلامسان أعماق عقلها... قلبها... وحتى ماضيها المنكسر.
اقترب أكثر، ببطءٍ محسوب، وكلّ ما فيه كان ينذر بالخطر...
الصمت بينهما كان صاخبًا، صوت الماء المتقطّر من شعره على الأرضية الرخامية بدا كضربات قلبها المتسارعة.
ثم...
امتدت يده.
أنامله، باردة رغم حرارة الموقف، استقرت على خصرها... ببطء... بجرأة لا تحتملها.
كان يلمسها وكأنه يحاول تذكُّرها بأطراف أصابعه... وكأن كلّ شبر منها يستحق أن يُكتب في ذاكرته.
هي شهقت دون أن تصدر صوتًا.
توترها كان جليًّا... فهي أمام رجل لا يردعه شيء... يقف أمامها بقطعة قماش لا تخفي الكثير... وهي وحدها، في غرفته... معه.
هو لم يقل شيئًا... فقط ثبّت عينيه في عينيها، كما لو كان ينتظر منها شيئًا... شيئًا يجهله، ويحتاجه.
لكنها، بعد ثوانٍ ثقيلة، تنفّست ببطء...
وبيدها المرتجفة، دفعت صدره، ليس بعنف، بل بهدوء فيه كل الصخب... كأنها تقول: "توقّف... لا بعد."
هو لم يقاوم.
نظر إلى يدها على صدره، ثم إلى وجهها، وابتسامة باهتة تسرّبت إلى طرف شفتيه...
ابتسامة لم تكن سخرية، ولا غضب... بل شيء أقرب للدهشة... للفضول... للاعتراف الصامت بأنها مختلفة... مختلفة حد الألم.
ثم تراجع خطوة...
قال بصوتٍ منخفضٍ أجش دون أن ينظر إليها:
"سيأتي يوم... وتطلبين أن أقترب."
لم تستطع الحراك...
قدماها تجذّرتا في الأرض، وعقلها تجمد ما بين الفهم والذهول.
كيف؟
كيف لرجلٍ كهذا... مملوءٍ بالوحشية، والخطيئة، والسلطة... أن يُربك كيانها بهذه البساطة؟
لم تكن نظراته فقط... بل نبرته، حضوره، ولمسته... تلك اللمسة العابرة التي أيقظت في جسدها كلّ صراع.
"سيأتي يوم... وتطلبين أن أقترب."
الجملة ارتدت في رأسها كهمسة شيطان.
كأنها لعنة ألقيت على قلبها وهي لا تدري، تُدغدغ مشاعر لم يكن لها وجود من قبل، ولم تُولد إلا في سجنه.
نظرت إلى ظهره وهو يبتعد، والماء يقطر من أطراف شعره على كتفيه العريضين...
وهي... تُصارع.
هل تخافه؟ نعم.
هل تحتقره؟ ربّما.
لكن... هل تشعر بشيء آخر؟ شيء لم تعرف اسمه من قبل؟
نعم... وهذا ما أرعبها أكثر من السجن، وأكثر من الخطف.
"ما بكِ، يا غلوريا؟"
همست في عقلها.
"كيف تسمحين لنفسكِ أن تضعفي هكذا؟"
"أين صوت أمكِ؟ أين خيط الحذر؟ الثعبان... الثعبان الذي اقترب... أهو هذا؟"
لكنها لم تجب.
فهي لم تعد واثقة من أي شيء...
لا من عقلها، ولا من قلبها، ولا من ذاك الرجل الذي خرج للتو من الحمام، كأنما خرج من حكايةٍ لم تكتبها بيدها.
دخل الصمت بينهما، لا تُسمع سوى حفيف خطواته وهو يتنقل ببطء في أرجاء الغرفة، حتى توقف أمام جدارٍ عريض، قد سُتر بستارة سوداء ثقيلة، لا يبدو أنها تخفي نافذة، إذ لم يتسلل أي ضوء من خلفها.
وقفت غلوريا تتأمله، وداخلها سؤال لم تستطع كتمانه:
"ما الذي يوجد خلف هذه الستارة؟"
لم يُجب.
ظلّ واقفًا في مكانه، ظهره إليها، يداه مشدودتان خلف ظهره، ونظراته معلّقة في المجهول.
كررت سؤالها، بصوتٍ أكثر جدية:
"أهذا نافذة؟ أم تُخفي شيئًا لا ترغب في أن أراه؟"
التفت إليها للحظة، فقط بنظراته، دون أن يتحرك. عيناه كانتا كمن يُحذّر بصمت، كمن يقول "لا تقتربي".
لكنها لم تطيق الفضول، تحرّكت بخطى بطيئة، ثم ثابتة نحو الستارة.
ورغم حدّة نظراته، لم يُوقفها.
كأنه أراد لها أن تعرف، أو أراد أن يرى ردّ فعلها.
مدّت يدها، وسحبت الستارة الثقيلة جانبًا.
فانكشفت أمامها صورة ضخمة، مؤطرة بإطار من الفضة السوداء...
كانت صورتها.
وجهها، شعرها، عيناها في لحظة ضحك عفوي، لم تذكر يومًا أنها التُقطت فيها.
شهقت.
لم يكن مجرد رسم أو صورة، بل كان انعكاسًا دقيقًا لها، كأنها نُقشت بنبض.
"هذه... أنا؟"
تراجعت خطوة. نظرت إلى ماتيو.
"كيف...؟
لكنه لم يجب، بل ظل يراقبها بعينين جامدتين، فيها شيء من الحنين... وشيء من الجنون.
"لماذا... تعلّق صورتي هنا؟" همست.
اقترب منها، ببطء. عينيه لا تفارقها.
"كنتِ تسكنين رأسي، يا غلوريا... فقررت أن
أعلّقك على جدارٍ لا يغيب عن ناظري."
ثم أضاف، بصوتٍ خفيض، لكنه يشق الروح:
"عندما يُسيطر وجهٌ على الذاكرة، لا بدّ أن يُخلَّد... حتى ولو خلف ستارة."
تراجعت خطوة إلى الوراء، بينما ظلت عيناها معلّقتين بعينيه... نظراته تلك التي لم تستطع أن تُفك شيفرتها، لم تكن نظرة حبيب، ولا حتى نظرة مجرم... بل شيء بينهما، خليط غامض من التملك والحنين.
وضعت يدها على صدرها، تحاول السيطرة على نبضها الذي بدأ يتسارع بجنون، ثم همست، وقد ارتجف صوتها:
"أنت... مجنون."
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، لا سخرية فيها، ولا إنكار... كأنه يعترف ضمناً، دون أن ينطق بكلمة. ثم تقدّم خطوة، فأسرعت هي وتراجعت.
رفعت يدها كأنها تضع حاجزًا بينهما:
"من يُعلّق صورة لفتاة لم يعرفها إلا في مصادفة عابرة... من يختطف إنسانة ويحبسها في قصره... من يفعل هذا إلا شخصٌ فقد صوابه؟"
أجاب بصوتٍ خافت، هادئ كأنه لا يسمع سوى نفسه:
"قد يكون الجنون... وقد يكون الحب... أو ربما كليهما."
"هذا ليس حبًا...!" صاحت وهي تشير نحو الصورة، "هذا هوس... مرض!"
أخفض نظراته للحظة، ثم رفعها إليها بثبات:
"أعلم."
كان اعترافه مفاجئًا... بسيطًا... صادقًا بطريقة مرعبة.
لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء آخر، تحرّك مبتعدًا عنها، وسحب الستارة بهدوء، ليُغلق الصورة من جديد، وكأنها سرّ لا يُقال إلا مرة.
"لا بأس يا غلوريا... يمكنكِ أن تظنيني مجنونًا. لكن تذكّري... المجانين وحدهم من يحبون بصدق."
ثم تركها في مكانها، وخرج من الغرفة، تاركًا خلفه صمتًا يصرخ بين جدرانها.
كان واقفًا في الظل، عند نهاية الممر الطويل، لا يُصدر صوتًا، ولا يحرك ساكنًا. عيناه لم تتركها لحظة، تراقب خطواتها الرقيقة وهي تتنقّل بين الجدران التي يعرفها جيدًا، كأنها تقتحم عالمه الخاص الذي لم يشاركه مع أحد.
غلوريا...
الاسم يتردد في ذهنه كما لو كان نغمةً لا ينساها، كتعاويذ سحرية تلفّه منذ رأى وجهها أول مرة في المطار. كم بدت مختلفة الآن... حقيقية أكثر، مشوّشة أكثر، لكنها ساحرة حد الألم.
يراها تفتح بابًا، تلمس ستارة، تتأمل لوحةً، وكأنها تحاول أن تفك طلاسم المكان... أو تفك طلاسمه هو.
هل تعرفين كم أراكِ بوضوح؟ كم أراكِ أكثر مما أرى نفسي؟
هو لم يكن معتادًا على المراقبة الصامتة، كان يأمر فيُطاع، يتحرك فتتحرك الأرض تحته. لكنه الآن، يراقبها كما يُراقب العاشق قمرًا بعيدًا لا يجرؤ على لمسه.
يرى يديها وهما تلتقطان صورته مع والدته...
يُطيل النظر إلى وجهها المندهش، إلى عينيها المتألقتين بدهشةٍ بريئة...
لماذا؟ لماذا أنتِ؟ لماذا اخترقتِ دفاعاتي كلها دون أن تحاولي؟
هو لا يحب، لم يعرف الحب، لا يثق في النساء، يراهنّ دمى تشتعل حين يقرر، وتنطفئ حين يملّ.
لكن غلوريا... ليست من بينهن. لم تكن يومًا كذلك.
قالها في سره، كأن الاسم بات جزءًا من صوته الداخلي.
هي الخطيئة التي يعرف جيدًا أنها ستهلكه... لكنه لن يتراجع.
نَفَسُه يثقل، وهو يراها تمشي ببطء، تفتح باب غرفته، تختبر أشياءه، وجوده، حياته، كما لو أنها تُعِيد ترتيب كل ما كان ثابتًا داخله.
إنكِ تتجولين في جسدي دون أن تمسيه، في ذاكرتي دون أن تطلبي الإذن.
أنتِ تشعلين النار في قلبي، وتدعينني أراقب الحريق في صمت.
لو اقترب الآن، لو همس باسمها فقط...
لانهارت أمامه، أو هربت.
وفي كلتا الحالتين، لن يتركها.
اقتربت غلوريا من الثلاجة الفضية اللامعة، وقد تملّكها فضولٌ طفوليّ. مدت يدها برفق، وسحبت المقبض الثقيل، فإذا بالباب ينفتح على عالمٍ آخر...
تجمدت في مكانها للحظة، ثم همست بصوتٍ ملؤه الذهول:
"مستحيل..."
كانت الثلاجة مليئة عن آخرها.
فواكه نادرة، أجبان فاخرة، زجاجات عصير طازج، وحلويات بألوانٍ تبعث على البهجة، وعلب صغيرة مصفوفة بدقة وكأنها واجهة عرض في متجر عالمي.
ولكن ما جذب عينيها حقًا... كانت قطعة شوكولاتة داكنة، مغلّفة بورقٍ ذهبيّ لامع.
مدّت يدها، التقطتها برفق، وتأملتها لثوانٍ، ثم نزعت الغلاف ببطء كأنها تفتح كنزًا صغيرًا.
وضعتها بين شفتيها...
ولمّا ذابت على لسانها، أغمضت عينيها فجأة، وابتسمت:
"يا إلهي... هذا جنون!"
ضحكت، ثم قفزت بخفة صغيرة في مكانها، وهمست وكأنها تحادث قطعة الشوكولاتة نفسها:
"أقسم لو عرف ماتيو أنني اقتحمت مطبخه لأسرق قطعة شوكولاتة... لربما أضاف هذا إلى سجل جرائمي!"
ثم ضحكت ثانية وهي تضع يدها على بطنها وكأنها تدلل نفسها، وأخذت قطعة أخرى.
وسارت ببطء إلى الطاولة، وجلست فوقها كطفلة مشاغبة في المطبخ، تتأمل المكان من جديد، وكلها فضول أن تكتشف المزيد.
لكن الظل عند الباب... ما زال هناك. يراقب في صمت.
وبينما كانت غلوريا تغمض عينيها لثوانٍ، تتذوق آخر قطعة من الشوكولاتة وكأنها تسرق لحظة سلامٍ وسط عالم مضطرب... جاءه الصوت، عميقًا، هادئًا، ولكنه فجائيٌّ كالرعد:
"شفتي تشبهه طعم الشوكلاته اذا كنت تعلمين"
فتحت عينيها بسرعة، وانكمشت ملامحها بدهشة وهي تقفز من فوق الطاولة تقريبًا، وقد استدارت فجأة لترى ماتيو واقفًا عند مدخل المطبخ.
كان متكئًا على الإطار الخشبي للباب، ذراعيه متشابكتان، ونظراته ثابتة عليها.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وكأنه يستمتع بمشهدها وهي تحاول التظاهر بالتماسك.
قالت بتوترٍ وهي تمسح فمها من بقايا الشوكولاتة:
"كنت... فقط... أستكشف المكان."
اقترب منها ببطء، خطواته واثقة، وعيناه لا تزيغان عن وجهها، ثم قال بنبرة عميقة:
"وهل استكشافكِ يشمل سرقة الشوكولاتة من ثلاجتي؟"
قالتها بنبرة دفاعية، وقد شبكت ذراعيها:
"ليست سرقة إن كانت مفتوحة... أليس كذلك؟"
ضحك بخفة، ضحكة خافتة، لكنها كفيلة بجعل قلبها ينبض أسرع، ثم همس وهو يقترب أكثر:
"أخبريني، هل وجدتي شيئًا آخر... يستحق الذوق؟"
حدّقت فيه لثوانٍ، لا تدري إن كانت كلماته عابرة أم تحمل شيئًا خفيًا، ثم تراجعت خطوة صغيرة وهي تقول بجفاف:
"وجدت مطبخًا فاخرًا... لرجلٍ لا يطبخ."
ابتسم، تلك الابتسامة التي تحمل نصف غموض ونصف تحدٍ، ثم قال:
"أعدكِ أنني أجيد الطهو، لكنني أُفضل أن أطهو على نارٍ بطيئة..."
ثم استدار، وفتح خزانة صغيرة، أخرج منها كوبين، وقال وهو يسكب لنفسه القهوة:
هل تُحبين القهوة؟"
مشى ماتيو إلى آلة القهوة المركونة على طرف المطبخ، يضغط أزرارها بهدوء غير طبيعي يحدث، وكأن وجود فتاة اختُطِفت منه بالأمس، تجلس في مطبخه اليوم، أمر اعتيادي.
انبعث صوت هدير الماكينة، يترافق مع رائحة البن الطازج، تملأ الأجواء برائحةٍ دافئة متناقضة تمامًا مع البرودة التي كانت تكتنف عقل غلوريا.
أدار ظهره لها، ثم عاد بعد لحظات، يحمل كوبين من القهوة، وضعهما على الطاولة في منتصف المطبخ المستطيل، بخشبته المصقولة الثقيلة، ثم نظر إليها وقال بصوته الرزين العميق:
"اجلسي، فقط قهوة."
ترددت، نظرت إليه، ثم إلى الكوب الموضوع أمامها، وكأنها تزن الاحتمالات بين الحياة والموت.
خطواتها كانت بطيئة، حذرة، وهي تقترب من الكرسي، وتجلس عليه بتوترٍ ظاهر، يداها تتحركان بعصبية فوق حجرها.
مدّت يدها ببطء نحو الكوب، وكأنها تقترب من شيء مُريب، ترفع الغطاء الورقي الصغير، تنظر إلى سطح السائل الداكن، ثم تهمس لنفسها بسخريةٍ مرة:
"كأنها تحتوي على سمّ..."
نظر إليها ماتيو، لم يجب، لكنه ابتسم ابتسامة جانبية، وكأنه سمعها، أو فهم ما يدور داخل رأسها دون أن تنطق.
جلس مقابلها، مائلًا قليلاً إلى الأمام، كأنّه يقترب منها دون أن يتحرك، ثم قال بنبرة خافتة:
"لو أردتُ قتلك... لما كنتِ في مطبخي الآن."
نظرت إليه بعينين تضطربان بين الخوف والارتياب، ثم ردّت:
"وهل يجب أن أشكرك على ذلك؟"
مال بجسده قليلًا إلى الوراء، ورفع كوبه إلى شفتيه وقال بهدوء:
"لا. لكن يمكنكِ أن تفهمي ما يعنيه أن أسمح لكِ بالبقاء..."
ارتجف شيءٌ داخلها... ليس فقط خوفًا، بل ارتباكًا مما تشعر به، من تصرفاته، من تلك الكاريزما التي تقيد عقلها بينما لا تزال تناضل لتكره وجوده...
وضعت غلوريا كوب القهوة على الطاولة ببطء، ثم رفعت نظرها إلى ماتيو، نظرة تحمل ما بين القلق والضيق، وتساءلت بنبرة حاولت أن تبدو فيها ثابتة لكنها لم تستطع إخفاء اضطرابها:
"ألا ترى ما يحدث؟ أنا هنا، لا هاتف، لا حاسوب، لا وسيلة تواصل، لا أخرج ولا أرى أحدًا... وكأنني محبوسة."
سكتت لحظة، ثم أكملت بصوتٍ أكثر توسلًا، وقد بدت نبرتها وكأنها تخنقها العبرة:
"على الأقل... دعني أكلم خالتي. لا تعرف عني شيئًا، لا بد أنها تبحث عني، تقلق، تموت رعبًا الآن."
لم يرد ماتيو في البداية، بل اكتفى بالنظر إلى وجهها طويلاً، وكأنه يتأمل صدق كلماتها، أو يختبر مقدار تحمّلها.
ثم قال بهدوء:
"خالَتك بخير لم يقترب أحد منها ولن يفعل، أعدك."
نظرت إليه بحدة، لا تصدق، ثم قالت:
"أنت حتى لا تسمح لي أن أراها أو أسمع صوتها، كيف لي أن أصدقك؟! أنت من خطفني، أنت من جعلني أعيش هذا الكابوس..."
صمت لحظة، ثم استجمع كل شجاعتها وقالت:
"أنا لا أريد رفاهية. فقط دَعني أطمئن عليها. أعطني هاتفًا... دقيقة واحدة فقط."
اقترب منها ماتيو قليلًا، ووضع كفيه على الطاولة، ناظرًا مباشرة في عينيها:
"غلوريا... هناك أشياء في هذا العالم لا تُمنح بسهولة، خصوصًا الثقة."
ثم أكمل بنبرة فيها شيء من التهدئة والسلطة:
"لكنني... سأفكر في الأمر. إن كنتِ هادئة، فلن أمنعك من أن تطمئني على من تحبين."
ارتبكت غلوريا، وكأنها تتوقع الرفض تمامًا، لكنها لم تجبه، فقط اكتفت بالنظر إلى كوب القهوة مجددًا، وصمتت، فيما ظل هو يراقبها... بنظرة رجلٍ لا يعتاد أن يُسأل، ولا يحب أن يُرفض
مدّ ماتيو يده بهدوء نحو يدها المرتجفة على الطاولة، وكأنه يحاول أن يمنحها طمأنينة صامتة... لكنه ما إن لامس أصابعها، حتى سحبت غلوريا يدها بسرعة، وكأنها لامست نارًا.
رفعت نظرها إليه، بعينين ممتلئتين بالخذلان والحذر، وقالت بصوت خافت لكنه حاد:
"لا تلمسني... لا يمكنك أن تلمسني وأنت السبب في كل هذا."
ظل ماتيو صامتًا، عيناه تحدّقان فيها، ليس بغضب... بل بشيءٍ آخر، مزيج من الإصرار والذهول.
"ما زلتِ لا تثقين بي،" قالها بصوت منخفض، فيه نبرة لم تألفها من قبل... ليست حادة، ولا آمرة، بل أقرب إلى الجرح المكشوف.
غلوريا أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
"كيف أثق بشخصٍ أخذني من عالمي... من حياتي، وسجنني في قصرٍ، مهما بدا جميلًا؟ كيف؟"
مرّت لحظة صمت ثقيل، ثم وقف ماتيو، وابتعد عن الطاولة بخطوات بطيئة، قبل أن يقول:
"ربما... لأنني لا أريدكِ أن تبتعدي عني كما فعل الجميع."
ثم استدار، وخرج من المطبخ دون أن ينتظر ردّها، وترك خلفه الهواء مشبعًا بما لم يُقال.
ظلّت جالسة في مكانها، وكأنّ الزمان توقّف عند تلك الجملة التي ألقاها ماتيو قبل أن يختفي خلف باب المطبخ.
"لأنني لا أريدكِ أن تبتعدي عني كما فعل الجميع."
ردّدتها في عقلها مرارًا، كأنها ضربة خفيفة على صدرها، لا تُميت... لكنها توجع.
أي "جميعٍ" يقصد؟ من الذي تركه؟ ومن الذي جعله بهذا الشكل المكسور خلف قناع القوة والهيبة؟
أغمضت عينيها للحظة، وشعرت بثقلٍ غريبٍ في صدرها، ليس خوفًا... بل شيءٌ أقرب للشفقة.
لا... ليس شفقة. حيرة.
كيف يمكن لرجلٍ بهذه القسوة، أن يحمل بين ضلوعه شيئًا بهذه الهشاشة؟
نظرت إلى فنجان القهوة الذي لم تشرب منه، وهمست في سرّها:
"هل هو رجلٌ وحيد؟ أم ثعبان يحسن التمثيل؟ أم كلاهما في آنٍ معًا؟"
مدّت يدها ببطء نحو الفنجان، لامست حافته بأناملها... كأنها تلمس آثار كلماته لا أثر شفتيه.
كانت تعرف أن ما فعله بها لا يُغتفر. وأنه اختطفها وسلبها حريتها...
لكن في صوته شيء، في نظرته شيء، في كلماته شيء... يربكها.
تنهدت، وقالت في داخلها:
"لا أستطيع أن أكرهه بالكامل... ولا أقدر أن أصدقه بالكامل."
ثم نهضت بهدوء، وجلست في الكرسي الذي كان يجلس فيه، كأنها تحاول أن تشعر بما كان يشعر به، أو ترى ما كان يراه وهو يراقبها بصمت.
"هذا الرجل... خطر، لكنه مكسور. وأنا... غارقة بين الاثنين."
دخل ماتيو إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة لكن واثقة، كعادته، وكان يرتدي ملابس سوداء أنيقة، يلفّ حول معصمه ساعة فاخرة، وعيناه تتفحّصان غلوريا الجالسة على طرف السرير.
قال بصوته العميق:
"سأخرج لبعض الوقت، لديّ أعمالٌ يجب إنهاؤها."
رفعت غلوريا عينيها إليه بحدة، ثم قالت بسخرية لاذعة:
"أعمال؟ تقصد بها صفقات المافيا والسرقة وقتل
الناس، أليس كذلك؟"
ابتسم ماتيو ابتسامة جانبية خفيفة، تلك التي لا تُقرأ بسهولة، ثم اقترب منها ببطء وقال بنبرة هادئة ولكنها تحمل شيئًا من التحدي:
"تُسمينها سرقة... وأنا أُسميها نفوذ."
رمقته بنظرة غاضبة، وقالت:
"أتعلم؟ أنت تُتقن اختلاق الأعذار لنفسك. لكن مهما حاولت تبرير ما تفعل، هذا لا يغيّر شيئًا. ما زلتَ تختطفني، وتحبسني، وتُقتل من حولك."
اقترب منها أكثر، حتى أصبحت بينه وبين الباب، ثم قال بصوت منخفض:
"ربما، لكن كل ما أفعله... لا يُقارن بما شعرتُ به يوم دخلتِ إلى تلك الغرفة ونظرتِ إليّ بتلك العيون. هناك أمور لا تُشترى، ولا تُبرَّر... فقط تُحس."
ثم استدار ليغادر، لكنه وقف عند الباب لحظة وقال دون أن ينظر إليها:
"لا تنتظريني، قد أتأخر."
وقبل أن يُغلق ماتيو الباب خلفه بلحظات، استدار فجأة وحدّق بها بعينين ثابتتين وقال:
"بالمناسبة... هذه الليلة قد تغيّر كل شيء."
ثم مضى، تاركًا قلبها ينبض بتساؤلات لم تكن مستعدة لسماع أجوبتها.
انتهى
رائيكم
✨4الف كلمه✨
Gloria_Ramirez02