Colonel 12

Colonel 12

16 0

وسط الركام المتناثر والدماء التي لطخت الأرض، الجميع كانو يحتفلون بالنصر. كان يُفترض أن تكون هذه لحظة المجد، لحظة استعادة كل شيء، لحظة الانتقام المُنتظر.

لكن بالنسبة لدانييل… لم يكن هناك أي انتصار. لم يكن هناك سوى خسارة ساحقة، تمزق لا يمكن ترميمه، وهاوية لا قاع لها.

كان جالسًا على الأرض، صامتًا، ذراعيه تطوّقان جسد فايوليت كمن يحاول أن يسرقها من براثن الموت. همس باسمها أولًا، انتظر أي استجابة، أي رعشة، أي دليل على أنها لم ترحل تمامًا. تمسك بأمل كاذب، لكنه لم يكن غبيًا. لم يكن بحاجة إلى طبيب ليخبره أنها لن تفتح عينيها مجددًا.

حاول أن يقاوم… حاول أن يمنع الدموع، أن يتمالك نفسه، لكنه لم يستطع. كانت مشاعره تتكدس في صدره مثل قنبلة موقوتة، وشيكة الانفجار. ارتجفت شفتيه، تمتم ببضع كلمات، بالكاد خرجت من حلقه:

"لقد وعدتني أنك ستبقين… وعدتني، فايوليت."

لكنها لم تفِ بوعدها.

حينها مرت بذهنه ذكرى قديمة،

حين كانت السماء رمادية ذات يوم.

دانييل، الطفل الذي لم يكن قد تجاوز العاشرة بعد، وقف هناك وسط الحشد، وسط الوجوه العابسة والمواساة الفارغة، لكن كل شيء كان ضجيجًا بلا معنى. لم يكن يسمع سوى الريح، سوى صوت التراب وهو يسقط على التابوت، سوى النحيب المكتوم من بعيد.

كانت يداه الصغيرتان مشدودتين إلى قبضتيه، أظافره تحفر في جلده بينما يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار، من السماح لتلك الدموع بالخروج. لم يكن يريد أن يراه أحد وهو يبكي. لم يكن يريد أن يبدو ضعيفًا.

لكن فجأة، شعر بدفء مختلف. يد مألوفة وُضعت على كتفه، ضاغطة بلطف. استدار قليلًا، ونظر إلى سون. كان يكبره بعدة أشهر، ومع ذلك، كان وجهه هادئًا على غير العادة، صوته حين تحدث كان خافتًا لكنه حاسم:

"غير مسموح لك أن تنهار وحدك طالما أنا موجود."

رمش دانييل بعينيه المحمرتين، شفتاه ارتجفتا لكنه لم يجد الكلمات، فقط حدّق في الآخر كما لو أنه كان يتعلق بتلك الجملة وحدها، وكأنها حبل نجاته الوحيد.

سون لم يكن بحاجة لقول المزيد. رفع يده، وربت على رأسه برفق، ثم احتضنه كما لو كان يخبره أنه موجود، أنه لن يتركه، أنه سيكون هناك دائمًا.

في تلك اللحظة، وللمرة الأولى منذ أن بدأ كل شيء، سمح دانييل لدموعه بالسقوط. لم يكن وحده.

والآن…

بعد سنوات، بعد أهوال لا تعد، بعد كل شيء فقده… كان يقف وسط الركام، يبحث عن ذات اليد التي ربتت على كتفه يومها، يبحث عن ذات الوجود الذي انتشله من الظلام في الماضي.

"سون…"

خرج الاسم من شفتيه كهمس، كرجاء يائس. كان بحاجة إليه، بحاجة إليه كما لم يكن بحاجة لأي أحد من قبل.

حمل جسد فايوليت بين يديه، متجاهلًا الألم الذي ينهش جسده، متجاهلًا الدماء التي لطخت ملابسه، وبدأ يخطو خطوات متعثرة، كما لو أن ثقله لا يكمن فقط في الجسد الذي يحمله، بل في روحه المحطمة أيضًا.

عندما وجده، كان هناك… متكئًا على ركام قديم، في وضعية مألوفة، كما لو أنه كان ينتظره طوال الوقت.

لم يتقدم فورًا.

قدماه تخاذلتا، توقف هناك، قبل أن ينهار على الأرض مرة أخرى، تخلى عن آخر بقايا تماسكه، وبدأ يتحدث.

"لقد رحلت، سون… لقد رحلت حقًا."

كان صوته أجش، مبحوحًا، مُنهكًا.

"أنا لم أستطع إنقاذها… أنا لم أستطع فعل شيء… لماذا كنتَ على حق؟ لماذا كنت تعرف أنني سأخسرها؟"

انتظر… انتظر أي كلمة، أي رد، أي لمحة من صوته الدافئ، لكن الصمت كان هو الإجابة الوحيدة التي تلقاها.

عندما اقترب، كان سون هناك، تمامًا كما كان دائمًا—متكئًا على الركام، عيناه نصف مغلقتين، جسده ثابت بشكل مقلق. لكن دانييل لم يستوعب. لم يشأ أن يستوعب.

"سون…"

كانت نبرته مترددة، كأن عقله يحاول إقناعه أن كل شيء على ما يرام، أنه فقط يحتاج إلى راحة قليلة، أنه سينهض بعد لحظات كما اعتاد دائمًا.

خطا خطوة أخرى، ركع بجانبه، وهز كتفه برفق.

"سون، رد علي."

1

لا رد.

بدأ قلبه ينبض بقوة غير طبيعية، أنفاسه تسارعت، لكن يده لم تتوقف عن هزّه، بقوة أكبر هذه المرة.

"سون، هذا ليس مضحكًا، أنا أحدثك."

ما زال الصمت يلف المكان.

كان ينتظر… ينتظر أن يطلق سخرية معتادة، أن يصفه بالأحمق لقلقه المبالغ فيه، لكنه لم يفعل.

رفع يده إلى عنقه، باحثًا عن نبضة… عن أي شيء.

لكن أصابعه لم تشعر بشيء.

"لا… لا، أنت بخير، لا تفعل هذا بي، تبًا، سون، تحدث!"

صرخ، ارتجفت يده وهو يدفعه بقوة، حتى سقط جسد سون قليلًا إلى الجانب… وهنا، وقعت عيناه على الحقيقة.

كان الجانب الأيسر من جسده… غير موجود تقريبًا.

المدفع الأخير.

لم يكن مجرد دوي في الفراغ، لم يكن مجرد نهاية للمعركة.

كان النهاية الحقيقية… لشخص آخر.

"سون…؟"

نبرته كانت خافتة، غير مصدقة، كمن يرفض أن يواجه الحقيقة، كمن يريد أن يُعيد الزمن للخلف ولو لدقيقة واحدة. لكن سون لم يُجب.

في لحظة واحدة، سُلب كل شيء منه.

انحنى نحوه ببطء، رفع يده المرتجفة، لكنه لم يستطع لمسه، كأن لمسه سيجعل الأمر أكثر واقعية، أكثر ألمًا.

وحينها، كما لو أن قلبه لم يعد قادرًا على تحمل المزيد، انهار دانييل بالكامل. لم يكن مجرد بكاء، لم يكن مجرد صرخة، كان سقوطًا كاملًا، انكسارًا لا رجعة فيه.

احتضن جسد فايوليت بقوة، كما لو كان آخر شيء يربطه بهذه الحياة، كما لو كان لو تمسك بها بما يكفي، فإن الموت قد يتراجع.

لكنه لم يفعل.

وحين حلّ الصمت أخيرًا، كان دانييل وحده، وسط الدمار، وسط الركام، وسط جثتين كانتا تمثلان كل شيء له.

-----

أُقيمت جنازتهم بعد أيام مضت في جمع الجثث، الرياح هادئة لكنها باردة، تحمل معها رائحة التراب الرطب. أصوات بكاء مكبوت، همسات خافتة، أقدام تتحرك ببطء على العشب المبلل، وكأن الجميع يخشى أن يوقظ الصمت الثقيل الذي خيّم على القبور.

وقف دانييل بينهم، لكنه لم يكن واحدًا منهم. لم يكن مشاركًا في الحزن الجماعي، لم يكن ممن يبحثون عن عزاء في الكلمات. كان هناك… لكنه كان وحده تمامًا.

الجميع تحدثوا. الجميع بكوا. الجميع ودّعوا بطريقتهم.

أما هو... فقد وقف صامتًا بينما هُيل التراب على جسديهما، شاهد كيف يُغطيهما شيئًا فشيئًا، كأنهما لم يكونا يومًا. كأن الحرب لم تأخذهما، كأن الحياة لم تسلبهما منه بهذه الوحشية. كما لو كان يشاهد النهاية تُكتب أمامه، ببطء، بحتمية قاسية لا تقبل الجدل.

وعندما أصبح كل شيء ساكنًا، عندما خفتت أصوات النحيب، عندما عاد الجميع إلى حياتهم، ظل هو هناك.

أزهار البنفسج تكدست على قبرها، تمامًا كما طلبت. اللون الوحيد وسط كل هذا الرماد، كأنها ما زالت تحاول أن تترك أثرها حتى بعد رحيلها.

تقدّم ببطء، جثا على ركبتيه أمام القبرين، وضع يده على قبرها، استنشق الهواء بارتجاف من حوله، ثم همس بصوت لم يسمعه أحد غيره:

"لقد أوفيت بوعدي، فايوليت."

لكنها لم تكن هنا لتسمعه.

هو وحده… من بقي بعد كل شيء.

تذكر وصيتها، أخرج الرسالة من جيبه،تلك الورقة التي تهالكت حوافها، التي أصبحت أضعف من أن تتحمل المزيد من الدمار، تمامًا مثله.

الورقة التي أعطتها له حين ظنت أنها لن تعود، وكم كانت محقة.

فتحها ببطء، والرياح تلعب بحوافها، تنثر أوراق الأشجار اليابسة من حوله، وكأن الخريف ذاته قد جاء ليودّعها.

قرأها.

كان بحاجة إلى رؤيتها، إلى معرفة كل كلمة فيها، كل ما كان يشغل ذهنها حين تذكرت الموت.

"إلى دانييل،

كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي. كنت أشعر بها تقترب مع كل خطوة اتخذتها، مع كل طريق سلكته، مع كل دماء أُريقت على يديّ. الموت لم يكن يومًا أمرًا مجهولًا بالنسبة لي، بل كان ظلًا يرافقني، ينتظر بصبر حتى يحين الوقت المناسب ليأخذني معه.

ولكن رغم ذلك… لا زلت أشعر بالخوف.

لا أخشى الموت نفسه، بل أخشى أن أتركك وحيدًا في هذه الحرب التي لم نخترها، أن تكون النهاية بهذه الطريقة، أن أرحل قبل أن أتمكن من إخبارك بكل شيء.

دانييل…

أنت كنت الشيء الوحيد في هذه الحياة الذي لم يكن كذبة. كنت الحقيقة الوحيدة وسط عالمٍ من الزيف والخداع. كنت الشخص الذي رأى ما خلف الدماء، خلف الانتقام، خلف كل شيء ظننت أنه يُعرّفني. كنت الوحيد الذي رأى الإنسان داخلي… ولم يُدِر ظهره.

كنت أريد أن أبقى، أريد أن أحيا لوقت أطول، أريد أن أعرف كيف سيكون العالم بجانبك، كيف ستكون الأيام إذا لم تكن معدودة، لكننا لم نُخلق لنحظى بنهايات سعيدة، أليس كذلك؟

أعلم أنك ستشعر بالذنب، ستلوم نفسك، ستعتقد أنك لم تفعل ما يكفي، لكنك مخطئ. لقد فعلت أكثر مما كان ممكنًا… لقد جعلتني أشعر بأنني شخص يستحق الحب، حتى عندما لم أكن أصدق ذلك بنفسي.

أريدك أن تتذكرني، لكن ليس فقط كجثة باردة على ساحة المعركة، ولا كروح ضائعة في ماضٍ لم يعد موجودًا. تذكرني كما كنت بجانبك… كما كنت حين ضحكت معك، حين قاتلت بجانبك، حين نظرت إليك ورأيت كل ما لم يره أحد من قبل.

وحين تضع أزهار البنفسج على قبري، افعلها ليس لأنني رحلت، بل لأنني كنت هنا. لأنني وجدت عالمي فيك، حتى وإن كان لوقت قصير.

وأعلم أنه مهما ابتلعنا هذا العالم، ومهما ضاعت أرواحنا وسط الظلام… فأنا لن أختفي منك أبدًا.

أراك في أحلامك، دانييل.

- فايوليت."

لم ينفذ الحبر

إنما الكلمات، فوُضعت الأقلام على جنب.

عزيزي القارئ،

أنت بلغت النهاية.

نهاية كل من دانييل وفايوليت ، حيث تنتهي قصتهما دون أن يجمعهما عنوان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كولونيل | Colonel

المؤلف salcafeine
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة